Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
سورة المائدة : الآية ٣٣
القرآنِ ، فى كلِّ ما أَوجَبَ اللَّهُ به فرضًا منها فى سائرِ القرآنِ بمعنى التخييرِ ، فكذلك
ذلك فى آيةِ المحاربين، الإِمامُ مُخيّ فيما رَأى الحكمَ به على المحاربِ إذا قدَر عليه قبلَ
التوبة .
وأوْلَى التأويلَيْنِ بالصوابِ فى ذلك عندَنا تأويلُ مَن أُوْجَب على المحاربِ مِن
العقوبة على قَدْرِ استحقاقِه، وجعَل الحكمَ على المحاربين مختلفًا باختلافٍ أفعالهم؛
فأَوْجَب على مُخِيفِ السبيلِ منهم إذا قُدِر عليه قبلَ التوبةِ وقبلَ أَخْذِ مالٍ أو قَتْلِ النَّفْىَ
مِن الأرضِ ، وإذا قُدرٍ عليه بعدَ أخذِ المالِ وقتلِ النفسِ المحرَّمِ قتلُها الصَّلْبَ؛ لِمَا ذَكَوْتُ
مِن العِلةِ قبلُ لقائِلى هذه المقالةِ .
فأما ما اعْتَلَّ به القائلون: إن الإمامَ فيه بالخِيارِ. مِن أن ((أو)) فى العطفِ تَأْتِى
بمعنى التخييرِ فى الفرضِ. فقولٌ (١) لا معنى له؛ لأن ((أو)) فى كلام العرب قد تأتی
بضُرُوبٍ من المعانى ، لولا كَرَاهةُ إطالةِ الكتابِ بذِ كرِها لذَكَوْتُها ، وقد بَيَّنتُ كثيرًا
مِن معانِيها فيما مَضَى، وسنأتى على باقِيها فيما يُسْتَقْبَلُ فى أماكنِها إن شاءَ اللَّهُ.
فأما فى هذا الموضع، فإن معناها التعقيبُ ، وذلك نظيرُ قولِ القائلِ: إن جزاءَ
المؤمنين عِندَ اللَّهِ يومَ القيامةِ أن يُدْخِلَهم الجنةَ، أَو تَرْفَعَ منازلَهم فى عِلِّينَ ، أو يُسْكِنَهم
معَ الأنبياءِ والصِّدِّيقِينَ . فمعلومٌ أَن قائلَ ذلك غيرُ قاصدٍ بقِيلِه إلى أن جزاءَ كلِّ مؤمنٍ
آمنَ باللَّهِ ورسولِه فهو فى مرتبةٍ واحدةٍ مِن هذه المراتبِ، ومنزلةٍ واحدةٍ مِن هذه
المنازلِ بإيمانِه، بل المعقولُ عنه أن معناه أن جزاءً المؤمنِ لن(١) يَخْلُوَ عندَ اللَّهِ مِن بعضٍ
هذه المنازل ، فالمُقْتَصِدُ منزلتُه دونَ منزلةِ السابقِ بالخيراتِ ، والسابقُ بالخيراتِ
أعلى منه منزلةً، والظالمُ لنفسهِ دونَهما، وكلَّ فى الجنةِ ، كما قال جلَّ ثناؤه :
(١) فى م: ((فنقول))، وفى ت ٢: ((فيقول))، وفى س: ((فتقول)).
(٢) فى م: ((لم)).

٣٨٢
سورة المائدة : الآية ٣٣
جَثَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٣]. فكذلك معنى المعطوفِ بـ ((أو)) فى قوله:
﴿ إِنَّمَا جَزَُّؤْاْ أَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية . إنما هو التعقيبُ. فتأويلُه : إن
الذى يحاربُ اللَّهَ وَرسولَه، ويسعى فى الأرضِ فسادًا، لن يَخْلُوَ مِن أن يَستَحِقَّ
الجزاءَ بإحدى هذه الخلالِ الأربع التى ذكرها اللَّهُ عزَّ ذكرُه. لا أن الإمامَ محكّمٌ
ومخيَّرٌ فى أمرِه، كائنةً ما كانت حالته(١) ، عَظُمَتْ جَرِيرَتُه أو خَفَّتْ؛ لأن ذلك لو
كان كذلك، لكان للإمام قتلُ مَن شَهَر السلاحَ مخيفًا السبيلَ وصَلْبُه وإن لم يَأْخُذْ
مالًا ولا قتَل أَحدًا، وكان له نَفْئُ مَن قتَل وأَخَذ المالَ وأخاف السبيلَ. وذلك قولٌ إن
قالَه قائلٌ، خِلافُ ما صَحَّتْ به الآثارُ عن رسولِ اللهِ عَ لَّهِ مِن قولِه: (( لا يحِلُّ دَمُ
امْرِئَّ مسلم إلا بإحْدَى ثلاثٍ؛ رَجُلٍ قَتَل رَجُلًا فقُتِل، أَوْزَنى بعدَ إحصان فرُچِم ، أو
ارْتَدَّ عن دينِهِ))(١). وخِلافُ قولِه: ((القَطْعُ فى رُبْع دينارٍ فصاعِدًا)) (١). وغيرُ
المعروفِ من أحكامِه .
فإن قال قائلٌ: فإن هذه الأحكامَ التى ذكرتَ كانتْ عن رسولِ اللهِ صَلّمِ فى
غيرِ المحاربِ، وللمحاربِ حكمٌ غيرُ ذلك مُنْفَرِدٌ به؟
قيل له : فما الحكمُ الذى انفَرَد به [٦٧٦/١و] المحاربُ فى سننِه؟ فإن ادَّعَى عنه
عَظَلِ حكمًا خلافَ الذى ذَكَوْنا، أْذَبَه جميعُ أهلِ العلم ؛ لأن ذلك غيرُ موجودٍ
بنقلٍ واحدٍ / ولا جماعةٍ ، وإن زعم أن ذلك الحكم هو ما فی ظاهر الکتابِ ، قیل له :
فإن أحْسَنَ حالاتِك - إن سُلِّم(٤) لك - أن ظاهرَ الآيةِ قد يَحْتَمِلُ ما قلتَ وما قاله مَن
خالَفَك، فما برهانُك على أن تأويلَك أولَى بتأويلِ الآيةِ مِن تأويله؟
٢١٦/٦
(١) بعده فى م: ((و)).
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٣٧٧.
(٣) سيأتى تخريجه فى ص ٤٠٨ .
(٤) فى م: ((يسلم)).

٣٨٣
سورة المائدة : الآية ٣٣
وبعدُ، فإذ كان الإمامُ مخيّرًا فى الحكم على المحاربِ، مِن أجلٍ أنَّ ((أو))
بمعنى التخييرِ فى هذا الموضع عندَك، أفله أن يَصْلِبَه حيًّا ويَترُكَه على الخشبةِ
مصلوبًا حتى يموتَ مِن غيرِ قتلِه؟ فإن قال: ذلك له. خالَفَ فى ذلك الأُمّةَ .
وإن زعَم أن ذلك ليسَ له ، وإنما له قتلُه ثم صلبُه، أو صلبُه ثم قتلُه ، ترَك عِلَّتَه مِن
أن الإمامَ إنما كان له الخيارُ فى الحكم على المحاربِ مِن أجلِ أن ((أو)» تأتى بمعنى
التخييرِ .
وقيل له : فكيف كان له الخيارُ فى القتلِ أو النفْي أو القطع، ولم يكنْ له الخيارُ
فى الصلبٍ وحدَه ، حتى تُجمَعَ إليه عقوبةٌ أُخرَى ؟ وقيل له : هل بينك وبينَ من جعَل
الخيارَ حيثُ أَبَيْتَ ، وأَتَى ذلك حيثُ جَعَلْتَه له ، فَرقٌ مِن أصلٍ أو قياسٍ؟ فلن يقولَ
فى أحدِهما قولًا إلا أُلزِم فى الآخرِ مثلَه.
وقد رُوى عن رسولِ اللهِ عَلِ بتصحيح ما قلنا فى ذلك خبرٌ" فى إسنادِه نَظَرٌ،
وذلك ما حدَّثنا به علىُّ بنُ سهلٍ ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلم ، عن ابنٍ لَهيعةَ ، عن یزیدَ
ابن أبى حَبيبٍ ، أن عبدَ الملكِ بنَ مَزْوانَ كتَب إلى أنسٍ بنِ مالك يسألُه عن هذه الآيةِ ،
فكتب إليه أنسٌ يُخبرُه أن هذه الآيةَ نَزَلتْ فى أولئك النَّفَرِ العُرَنِين، وهم من بَحِيلَةَ . قال
أنس : فارتدُّوا عن الإسلام، وقتلوا الراعِىَ، وساقوا الإبلَ، وأُخافوا السبيلَ ، وأَصابوا
الفَرْجَ الحرامَ. قال أنسٌ: فسأل رسولُ اللَّهِ مَّمِ جبريلَ عليه السلامُ عن القضاءِ فى مَن
حارب، فقال: مَن سرَق وأخاف السبيلَ، فاقْطَعْ يدَه بسرقتِهِ، ورِجْلَه بإخافتِهِ،
ومن قتَل فاقْتُلْه، ومَن قتَل وأخاف السبيلَ واسْتَحَلَّ الفَرْجَ الحرامَ، فاصْلِئْه(١).
وأما قولُه: ﴿أَوَ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ ﴾ . فإنه یعنی به
(١) فى م: ((بما))، وفى س: ((خبر من)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٩٠/٣، ٩١، ٩٤ عن المصنف، وأخرجه أبو عوانة (٦١٠١، ٦١٠٨،
٦١٠٩) من طريق يحيى بن سعيد ، عن أنس دون سؤال جبريل.

٣٨٤
سورة المائدة : الآية ٣٣
جلَّ ثناؤه أنه تُقْطَعُ أيديهم مُخالَفًا فى قَطْعِها قطعُ أَرْجُلِهم ، وذلك أن تُقْطَعَ أَيُنُ
أيدِيهم وأَشْمُلُ أرجلِهم، فذلك الخِلافُ بينَهما فى القطع. ولو كان مَكان ((مِنْ))
فى هذا الموضع ((على) أو ((الباءِ))، فقيل: أو تقطّعَ أيديهم وأرجلُهم على خلافٍ ،
أو بخلافٍ . لأَدَيًّا عما أَدَّت عنه ((مِن)) من المعنى .
واختلفَ أهلُ التأويلِ فى معنى النفى الذى ذَكَرَه اللَّهُ فى هذا الموضع ؛ فقال
بعضُهم: هو أن يُطلَبَ حتى يُقدَرَ عليه أو يهرُبَ مِن دارِ الإسلامِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السُّدِّىِّ قولَه: ﴿أَوْ يُنْفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِّ﴾. قال: يَطْلُبُهم الإمامُ بالخيلِ والرِّجالِ
حتى يَأْخُذَهم فيُقيمَ فيهم الحكمَ، أو يُنْفَوا مِن أرضِ المسلمين(١).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قال: نَفْيُّه أن يُطْلَبَ(٢) .
٢١٧/٦
/حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ بن أبى طلحةَ،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضَِّ﴾. يقولُ: أو يُهِرَّبُوا حتى يُخرَجوا من
دارِ الإسلامِ إلى دارِ الحربٍ() .
حدَّثنى علىٌّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال : أخبرنى عبدُ اللَّهِ بنُ
لَهِيعةً، عن يزيدَ بنِ أبى حبيبٍ ، عن كتابٍ أنسٍ بنِ مالكِ إلى عبدِ الملكِ بنِ مَرْوانَ،
(١) ينظر البحر المحيط ٤٧٠/٣.
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٣٧٣ .
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٣٦٠، ٣٨٠.

٣٨٥
سورة المائدة : الآية ٣٣
أنه كتَب إليه : ونَفْيُه أن يَطْلُبَه الإمامُ حتى يَأْخُذَه، فإذا أَخَذْه أقام عليه إحدى هذه
المنازلِ التى ذكَر اللَّهُ جلَّ وعزَّ بما اسْتَحَلَّ (١).
حدَّثنى علىُ بنُّ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ ، قال: فَذَكَوْتُ ذلك لِلَّيْثِ بنِ سعدٍ ،
فقال: نفيُّه طَلَبُه مِن بلدٍ إلى بلدٍ حتى يُؤْخَذَ(٢)، أو يُخْرِجَه طلبُه مِن دارِ الإسلامِ إلى
دارِ الشركِ والحربِ، إذا كان محاربًا مُرتدًّا عن الإسلام. قال الوليدُ: وسألتُ مالكَ ابنَ
أنسٍ فقال مثله(٣).
حدَّثنى علىّ، قال : ثنا الوليدُ ، قال : قلتُ لمالكِ بنِ أَنَسٍ والليثِ بنِ سعدٍ :
وكذلك يُطْلَبُ المحاربُ المقيمُ على إسلامِه، يَضْطَرُّهِ بطَلَبِهِ من بلدٍ إلى بلدٍ حتى (٤)
يصيرَ إلى ثَغْرٍ مِن ثغورِ المسلمين، أو أقصَى حَوْزِ ) المسلمين، فإن هم طَلَبوه دخَل دارَ
الشركِ؟ قالا: لا يُضطَرُّ مسلمٌ إلى ذلك(٢).
حدَّثنا هَنَّدُ بنُ السَّرِىِّ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن مجويبٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿أَوَ
يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِّ﴾. قال: أن يُطْلَبوا حتى يُعْجِزُوا(٩) .
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفَرَج، قال : سَمِعتُ أَبا معاذٍ يقولُ : ثنى عبيدُ بنُّ
سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضَّخَّاكَ يقولُ . فذكر نحوه .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا حفصُ بن غياثٍ ، عن عاصم، عن الحسنِ : ﴿ أَوْ
(١) تقدم تخريجه فى ص ٣٨٣.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((يأخذه)).
(٣) ينظر تفسير ابن كثير ٩٤/٣ .
(٤) فى م: ((حق)).
(٥) فى م: ((جوار)). والحَوز: الملك. وحوزة الإسلام: حدوده. تاج العروس (ح وز).
(٦) تقدم أوله فى ص ٣٦٠ .
( تفسير الطبرى ٢٥/٨ )

٣٨٦
سورة المائدة : الآية ٣٣
يُنْفَوْاْ مِنَ الْأَرْضَِّ﴾. قال: يُنفَى حتى لا يُقدَرَ عليه (١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن أبيه ، عن الربيعِ بنِ
أنسٍ فى قوله: ﴿أَوْ يُنفَوْأْ مِنَ الْأَرْضَِّ﴾. قال: أُخْرِجوا مِن الأرضِ، أينما
أُذْرِكوا أُخْرِجوا، حتى يَلْحَقُوا بأرضِ العدوّ(١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا [٦٧٦/١ظ] عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: ثنا معمرٌ، عن الزُّهْرِىِّ فی
قوله: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِّ﴾. قال: نَفْيُه أَن يُطْلَبَ فلا يُقدَرَ عليه، كلما
سُمِع به فى أرضٍ طُلِب (١) .
حدَّثنى علىُّ بنُ سهلٍ، قال : ثنا الوليدُ بنُ مسلم ، قال : أخبرنى سعيدٌ ، عن
قتادةَ: ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضَِ﴾. قال: إذا لم يَقْتُلْ ولم يَأْخُذْ مالًا ، طُلِب حتى
(٣)
يُعجِزَ().
حدَّثنى ابنُ البَرْقِيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ ، قال : أخبرنى نافعُ بنُ يزيدَ ، قال :
ثنى أبو صَخْرٍ، عن محمدِ بنِ كعبِ القُرَظىّ ، وعن أبى معاويةً ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ :
﴿أَوْ يُنْفَوْأْ مِنَ الْأَرْضَِّ﴾: مِن أرضِ الإسلامِ إلى أرضِ الكفرِ().
وقال آخرون : معنى النفي فى هذا الموضع أن الإمامَ إذا قَدَر عليه نفاه مِن بلدتِه
إلى بلدة أُخرى غيرِها .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٩/٢ إلى المصنف .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٨، وفى مصنفه (١٨٥٤٥) مطولًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٩/٢
إلی عبد بن حميد .
(٣) ينظر البحر المحيط ٣/ ٤٧١.
(٤) تقدم مطولا فى ص ٣٧٧، وستأتى بقيته فى ص ٣٩٨ .

٣٨٧
سورة المائدة : الآية ٣٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن
قيسٍ بنِ سعدٍ، عن / سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿أَوْ يُنْفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: مَن ٢١٨/٦
أخاف سبيلَ المسلمين، نُفِى مِن بلدِه إلى غيرِهِ؛ لقولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿أَوَ يُنفَوْأ
مِنَ الْأَرْضِّ﴾(١).
حدّثنی المثنی ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی الليثُ ، قال : ثنی یزیدُ بنُ أَبی
حَبِيبٍ وغيرُه، عن حَيَّنَ(٢) بنِ سُرَيجٍ(٣)، أنه كتَب إلى عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فى
اللصوصِ، ووَصَف له لُصُوصِيَّتَهم وحَبْسَهم فى السجونِ . قال: قال اللَّهُ فى كتابه :
﴿ إِنَّمَا جَزَُّؤْاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ
يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ﴾. وتَرَك: ﴿أَوْ يُنْفَوْاْ مِنَ
اُلْأَرْضِّ﴾. فكتب إليه عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: أما بعدُ ، فإنك كَتَبْتَ إلىَّ تَذكُرُ قولَ
اللَّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿ إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا
أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ﴾. وتَرَكتَ
قولَ اللَّهِ: ﴿أَوْ يُنفَوْأُ مِنَ الْأَرْضَِّ﴾. فَبِّ أنت يا حَيَّنَ ابنَ أمّ حَيَّانَ ، لا تُحَكِ
الأشياءَ عن مواضعِها ، أَجَّدتَ للقتلِ والصلبِ، كأنك عبدُ بنى عَقيلٍ ، مِن غيرِ ما
أُشَبَّهُكَ بِه ؟ إذا أتاك كتابى هذا فانْفِهِم إلى شَغْبٍ(٤).
(١) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٣٩٤، ٣٩٥، وتفسير ابن كثير ٣/ ٩٤.
(٢) فى م: ((حبان)). وينظر التاريخ الكبير ٥٦/٣.
(٣) فى م، ت ٢، س: ((شريح)). وينظر الإكمال ٢٧٣/٤.
(٤) شغب: موضع بيلاد عُذْرة. وقيل: بين المدينة وأثْلَةَ. وقيل: هى قرية خلف وادى القُرى. وقيل: بين
المدينة والشام. ينظر تاج العروس ( شغ ب ).
وينظر الأثر فى البحر المحيط ٣/ ٤٧١.

٣٨٨
سورة المائدة : الآ ية ٣٣
حدَّثنا يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : ثنى الليثُ ، عن يزيد وغيرِه بنحوِ
هذا الحديثِ ، غيرَ أن يونسَ قال فى حديثه: كأنك عبدُ بنى أبى ◌ِقالٍ ، مِن غيرٍ أن
◌ُشبّهَك به .
حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى ابنُ لَهِيعَةً، عن یزیدَ بنِ
أبى حَبيبٍ ، أن الصَّلْتَ كاتبَ حَيَّانَ(١) بنِ سُريجٍ، أخبرَهم أن حَيَّنَ كتَب إلى عمرَ
ابنِ عبدِ العزيزِ أن ناسًا من القِبْطِ قامَتْ عليهم البينةُ بأنهم حاربوا اللَّهَ ورسولَه، وسَعَوْا
فى الأرضِ فسادًا، وأن اللَّهَ يقولُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَسْعَوْنَ فِ الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. فقَرَأْ حتى بَلَغ: ﴿ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ﴾ . وسكت
عن النفي، وكتب إليه : فإن رَأَى أميرُ المؤمنينَ أن يُضِىَ قضاءَ اللَّهِ فيهم ، فَلْيَكْتُبْ
بذلك . فلما قَرَأْ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ كتابَه، قال: لقد اجْتَزَأُ حَيَّانُ. ثم كتَب إليه: إنه
قد بَلَغنى كتابُك وفِهِمْتُه، ولقد اجْتَزَأْتَ، كأنما كَتبتَ بكتابٍ يزيدَ بنَ أبى مسلمٍ،
أو عِلْج صاحبِ العراقِ ، مِن غير أن أُشَبَّهَك بهما ، فکتبت بأۇَّلِ الآيةِ ثم سَگتَّ عن
آخرِها، وإن اللَّهَ يقولُ: ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِّ﴾ فإن كانتْ قامَتْ عليهم البينةُ
بما كَتبتَ به، فاعْقدْ فى أعناقِهم حديدًا، ثم غَيِّئُهم إلى شَغْبٍ وبَدَا(٢) .
قال أبو جعفرٍ : شَغْبٌ وبَدَا موضعان .
وقال آخرون: معنى النفي مِن الأرضِ فى هذا الموضِعِ الحَسُ(٣). وهو قولُ أبى
حنيفةً وأصحابِهِ .
(١) فى م: (( حبان )).
(٢) بدا : وادٍ قُرب أَيْلَة من ساحل البحر. وقيل: بوادى القرى. وقيل: بوادى عذرة قرب الشام. ينظر تاج
العروس (ب د و ).
(٣) بعده فى ص، ت ١، س: ((ذكر من روى ذلك عنه)).

٣٨٩
سورة المائدة : الآية ٣٣
وأولَى الأقوالِ فى ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى النفي مِن الأرضِ
فى هذا الموضع هو نَفْئُه من بلدٍ إلى بلدٍ غيرِهِ ، وحبسُه فى السجنِ فى البلدِ الذى نُفِى
إليه حتى تَظْهَرَ توبتُه مِن فسوقِهِ ، ونزوعُه عن معصيته ربَّه .
/وإنما قلتُ : ذلك أولى الأقوالِ بالصِّحةِ؛ لأن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا فى معنى ٢١٩/٦
ذلك على أحدِ الأوجهِ الثلاثةِ التى ذكرتُ . وإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أن
اللَّهَ جَلَّ ثناؤه إنما جَعَل جزاءَ المحاربِ، القتلَ أو الصلبَ أو قطعَ اليدِ والرّجلٍ مِن
خلافٍ ، بعدَ القدرةِ عليه، لا فى حالٍ امتناعِه، كان معلومًا أن النفىّ أيضًا إنما هو
جزاؤُه بعدَ القدرةِ عليه لا قبلَها . ولو كان هروبُه مِن الطلبِ نفيًّا له مِن الأرضِ، كان
قطعُ بدِه ورِجلِهِ مِن خلافٍ فى حالٍ امتناعِه وحربِهِ على وجهِ القِتالِ ، بمعنى إقامةٍ
الحَدِّ عليه بعدَ القدرةِ عليه. وفى إجماع الجميعِ أن ذلك لا يقومُ مَقامَ نفِه الذى
جَعَله اللَّهُ عزَّ وجلَّ حدًّا له بعدَ القدرة عليه (١) . وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ
أنه لم يَبِقَ إلا الوجهانِ الآخرانِ ، وهو النفىُ مِن بلدةٍ إلى أُخرى غيرِها أو
السجنُ. فإذ كان ذلك كذلك، فلا شكَّ أنه إذا نُفِى مِن بلدةٍ إلى أُخرى
غيرِها، فلم يُنْفَ مِن الأرضِ، بل إنما نُفِى مِن أرضٍ دونَ أرضٍ. وإذا كان ذلك
كذلك، وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤه إنما أَمَر بنفيِهِ مِن الأرضِ، كان معلومًا أنه لا
سبيلَ إلى نفيِهِ مِن الأرضِ إلا بحبسه فى بُقْعَةٍ منها عن سائرِها، فيكونُ منفيًا
حينئذٍ عن جميعِها، إلا مما لا سبيلَ إلى نفيه منه .
وأما معنى النفي فى كلامِ العربِ، فهو الطردُ، ومِن ذلك قولُ أَوسٍ بنٍ
(٢)
محجرٍ(٢) :
(١) كذا فى النسخ، والكلام غير تام ، ولعل تمامه : بطل أن يكون نفيه من الأرض هروبه من الطلب .
(٢) المفضليات ص ٨٢٧ .

٣٩٠
سورة المائدة : الآية ٣٤
يُنْفَوْن عن طُرُقِ الكِرامِ كما تَنْفِى(١) المَطَارِقُ(٢) ما يلى القَرَدُ (٣)
[٦٧٧/١و] ومنه قِيل للدراهم الرديئةِ وغيرِها مِن كلِّ شيءٍ: النُّفايةُ. وأما
المصدرُ مِن: نَفَيتُ ، فإنه النفىُ والنّغايَةُ، ويقالُ: الدلوُ(٤) يَنْفِى الماءَ. ويقالُ لِمَ تَطاير
مِن الماءِ مِن الدلوِ : النَّفِىُّ. ومنه قولُ الراجزِ (٥) :
كأنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِىِّ
مَواقِعُ الطَّيْرِ على الصُّفِىِّ
ومنه قيل: نَفَى شَعَرُه . إِذا سَقَطَ. يقالُ: حالَ لونُك، ونفَى شَعَرُك .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الذُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ
عَذَابٌ عَظِيمُ
(٣٣
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ ذَلِكَ﴾: هذا الجَزَاءُ الذى جَازَيتُ به الذين
حاربوا اللَّهَ ورسولَه، وسَعَوا فى الأرض فسادًا فى الدنيا؛ مِن قتل ، أو صلبٍ، أو قطع
يدٍ ورجلٍ مِن خِلافٍ، ﴿لَهُمْ﴾ يعنى: لهؤلاءِ المحارِبين، ﴿خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا
يقولُ: هو لهم شرٌّ وعارٌ وذِلَةٌ ، ونَكالٌ وعقوبةٌ فى عاجلِ الدنيا قبل الآخرةِ . يُقالُ
منه : أَخْزَيْتُ فلانًا فخَزِى هو ◌ِزْيًا .
وقولُه: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. يقولُ عَزَّ ذكرُه: لهؤلاءِ الذين
حاربوا اللَّهَ ورسوله، وسَعَوْا فى الأرض فسادًا فلم يتوبوا مِن فعلهم ذلك حتى
(١) فى م، ت ٢، س: ((ینفی)).
(٢) المَطَارق: جمع مِطْرَق وهو القضيب الذى يضرب به الصوف أو القطن لينتفش. ينظر المفضليات
ص ٨٢٧، واللسان (ط رق ).
(٣) فى م، ت ١: ((الفردا))، وفى ت ١، س: ((الفرد)). والقرد: ما تمعط من الوبر والصوف وتلبد، وهو
ردیء الصوف أو هو نفایته. تاج العروس (ق ر د ).
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((للدلو)).
(٥) تقدم تخريجه فى ٧٠٩/٢.

٣٩١
سورة المائدة : الآية ٣٣
هَلَكوا - فى الآخرةِ ، مع الخِزْي الذى جازيتُهم به فى الدنيا ، والعقوبة التى عاقبتُهم
بها فيها، ﴿ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. يعنى : عذابُ جهنَّمَ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَأَعْلَمُواْ
٣٤
أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
/ اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إلا الذين ٢٢٠/٦
تابوا مِن شركهم، ومُناصَبَتِهم الحربَ للَّهِ ولرسولِه، والسعى فى الأرضِ بالفسادِ
بالإسلامِ ، والدخولِ فى الإيمانِ مِن قبلٍ قدرةِ المؤمنين عليهم ، فإنه لا سبيلَ للمؤمنين
عليهم بشىءٍ مِن العقوباتِ التى جعَلَها اللَّهُ جزاءً لمن حارَبه ورسوله، وسَعَى فى
الأرض فسادًا؛ مِن قتلٍ أو صلبٍ أو قطعِ يدٍ ورجلٍ مِن خلافٍ أو نفيٍ مِن الأرضِ،
فلا تِباعَةَ(١) قِبَلَه لأحدٍ فيما كان أصاب فى حالٍ كفرِه وحربِه المؤمنين، فى مالٍ ولا دمٍ
ولا حرمةٍ. قالوا: فأما المسلمُ إذا حارب المسلمين أو المعاهَدِين، وأَتَّى بعضَ ما يجبُ
عليه العقوبةُ ، فلن تَضَعَ توبتُه عنه عقوبةَ ذنبِه ، بل توبتُه فيما بينَه وبينَ اللَّهِ ، وعلى الإمام
إقامةُ الحدِّ الذى أَوْجَبَه اللَّهُ عليه، وأخْذُه بحقوقِ الناسِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضِحِ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ ، عن
يزيدَ النَّحْوِىِّ، عن عِكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا قولَه: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُأْ أَلَّذِينَ
يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾: نَزَلتْ هذه الآيةُ فى المشركين، "فمَن تاب" منهم مِن قبلٍ
أن يُقْدَرَ عليه، لم يكُنْ عليه سبيلٌ، وليست تُخْرِزُ هذه الآيةُ الرجلَ المسلمَ مِن
الحدِّ إن قتَل أو أَفْسَد فى الأرضِ، أو حارب اللَّهَ ورسولَه، ثم لَحِقٍ بالكفارِ قبلَ أن
(١) التَِّعَة والتِّبَاعة: ما اتبعت به صاحبك من ظلامة ونحوها، وهما أيضا ما فيه إثم يتبع . اللسان (ت ب ع).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١،: ((فى من مات)).

٣٩٢
سورة المائدة : الآية ٣٤
يُقْدَر عليه، (لم يَمْتَعْه ذلك أَنْ يُقامَ عليه الحَدُّ الذى أصاب(٢).
حدَّثنا بشارٌ، قال : ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ ، قال : ثنا شبلٌ ، عن ابنٍ أبی نجيح ، عن
مجاهدٍ: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَتَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾. قال: هذا لأهلِ الشِّركِ ، إذا فعلوا شيئًا فى شركهم، فإن اللَّهَ غفورٌ
رحيمٌ ، إذا تابوا وأسلموا .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ إِنَّمَا جَزَُّواْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا﴾:
الزِّنى، والسرقةُ ، وقتلُ النفسِ، وإهلاكُ الحرثِ والنسلِ، ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن
قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَهِمْ﴾ على عهدِ الرسولِ عَه(١).
حدّثنی المثنی ، قال : ثنا عمرُو بنُ عَوپ ، قال : أخبرنا مُشیم ، عن مجوییٍ ، عن
الضَّخَّاكِ ، قال: كان قومٌ بينَهم وبينَ الرسولِ مَّ الِ ميثاقٌ ، فنَقَضوا العهدَ، وَقَطَعوا
الشَّبِيلَ، وأَفسَدوا فى الأرضِ، فخِيَرِ اللَّهُ نبيّه عَِّ فيهم؛ فإن شاءَ قتَل، وإن شاء
صلَب، وإن شاء قطّع أيديهم وأرجلَهم مِن خلافٍ (١)، فمَن تابَ قبلَ أن تَقْدِروا
عليه ، قُبِل ذلك منه (٤) .
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ ،
عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا جَزَُّؤْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ الآية. فَذَكَر
نحوَ قولِ الضحاكِ ، إلا أنه قال: فإن جاء تائبًا فدخَل فى الإسلامِ قُبِل منه، ولم
يُؤَاخَذْ بما سَلَف(٥).
(١ - ١) فى النسخ: ((ذلك)). والمثبت ما تقدم فى ص ٣٦١.
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٣٦١ .
(٣) تقدم تخريج أوله فى ص ٣٧٢ .
(٤) تقدم تخريجه فى ص ٢٦٠، وينظر طرف منه فى ص ٣٨٥ .
(٥) تقدم تخريجه فى ص ٣٦٠، ٣٨٠.

٣٩٣
سورة المائدة : الآية ٣٤
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ
مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَتِهِمْ﴾. قال: هذا لأُهلِ الشركِ ، إذا فعلوا شيئًا مِن هذا فى
شركهم، ثم تابوا وأسلموا ، فإن اللَّهَ غفورٌ رحيمٌ .
/حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن عطاءٍ ٢٢١/٦
الخراسانيّ وقتادةَ: أما قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَهِمْ﴾ .
فهذه لأهلِ الشركِ ، فمَن أصاب مِن المشركين شيئًا مِن المسلمين وهو لهم حربٌ ،
فَأَخَذ مالًا ، أو أصاب دمًا، ثم تاب قبلَ أن تَقدِروا عليه، أُهدِر عنه ما مضَى (١).
وقال آخرون: بل هذه الآيةُ مَغْنِىٌّ بالحكم بها المحارِبون اللَّهَ ورسولَه ؛ الحُرَّابُ
مِن أهلِ الإسلامِ ، مَن قَطَع منهم الطريقَ وهو مقيمٌ على إسلامِه، ثم اسْتَأْمَن ، فأُومِن
على جناياتِه التى جناها، وهو للمسلمين حَرْبٌ ، ومَن فعَل ذلك منهم مرتدًّا عن
الإِسلامِ ثم لَحَقِ بدارِ الحربِ، ثم اسْتَأْمَنَ فأُومِن. قالوا: فإذا أَمَّنَه الإمامُ على جناياتِه
التى سَلَفَتْ لم يكنْ قِبَلَه لأحدٍ تَبِعَةٌ فى دم ولا مالٍ أصابه قبلَ تويته ، وقبلَ أمانِ الإمامِ
إياه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىُ بنُ سهلٍ، قال : ثنا الوليدُ ، قال : أخبرنى أبو أسامةَ ، عن أشعثَ بنِ
سَوَارٍ ، عن عامرِ الشَّغْيِىِّ، أن حارثةَ بنَ بدرٍ خرَج محاربًا، فأخاف السبيلَ، وسفَك
الدمَ، وأخَذ الأموالَ، ثم جاءً ١ تائبًا مِن قبلِ أن يُقْدَرَ عليه، فقَبل علىُ بنُ أبى طالبٍ
عليه السلامُ توبته، وجعَل له أمانًا منشورًا، على ما كان أصاب مِن دمٍ أو مالٍ .
حدَّثنی المثنی ، قال : ثنا عمرو بنُ عَوْنٍ ، قال أخبرنا مُشیمٌ ، عن مجاندٍ ، عن
(١) تقدم تخريجه فى ص ٣٧٥.
(٢) فى ص، ت ١: ((جاءه)).

٣٩٤
سورة المائدة : الآية ٣٤
الشعبيّ أن حارثةَ بنَ بدرٍ حارب فى عهدٍ علىٍّ بنِ أبى طالبٍ ، فأتَى الحسنَ بنَ علىٍّ
رضوانُ اللَّهِ عليهما، فطَلَب إليه أن يَسْتَأْمِنَ له مِن علىٍّ، فأَتَّى، ثم أَتَّى ابنَ (١) جعفرٍ،
فَأَتَى عليه، فأتَى سعيدَ بنَّ قِيسِ الهمْدَانيَّ فَأَمَّنَه ، وضمَّه إليه ، وقال له: اسْتَأَمِنْ إِلَى أميرٍ
المؤمنين عليّ بن أبى طالبٍ(٢) . قال: فلمَّا صلَّى علىِّ الغَداةَ، أتاه سعيدُ بنُ قیسٍ،
فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما جزاءُ الذين يُحاربون اللَّهَ ورسولَه؟ قال: ﴿أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ
يُصَلَبُوْ أَوْ تُقَطَّعَ أَبْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِّ﴾.
قال: ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ﴾. فقال سعيدٌ: وإن
كان حارثةَ بنَ بدرٍ ؟ قال : وإن كان حارثةَ بنَ بدرٍ . قال: فهذا حارثةُ بنُ بَدرٍ قد جاء
تائبًا ، فهو آمِنٌ؟ قال: نعم. قال: فجاء به فبايعَه، وقَبِل ذلك منه، وكتب له
(٣)
أمانًا(٣) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُّ مَغْراءَ، عن مجالدٍ ،
عن الشعبىِّ ، قال: كان حارثةُ بنُ بدرٍ قد أَفْسَد فى الأرضِ وحارب ثم تاب ، وكُلِّم
له علىٍّ فلم يُؤَمِّنْه، فأتى سعيدَ بنَ قيسٍ فَكلَّمه ، فانْطَلَق سعيدُ بنُ قيسٍ إلى علىٍّ،
فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما تقولُ فى من حارب اللَّهَ ورسولَه؟ فقرأ الآيةَ كلَّها . فقال:
أرأيتَ مَن تاب مِن قبل أن تَقْدِرَ عليه؟ قال: أقولُ كما قال اللَّهُ. قال: فإنه حارثةُ بنُ
بدرٍ. قال: فأَمَنه علىّ. فقال حارثةٌ(٤):
(١) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((أبى)) وهو عبد الله بن جعفر بن أبى طالب.
(٢) اسْتَأْمَنَ إليه : استجاره وطلب حمايته. الوسيط (أم ن).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٢ / ٢٨١، ٢٨٢، وابن أبى الدنيا فى الإشراف فى منازل الأشراف (٤٠٩)، وابن
أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٩٥/٣- وابن عساكر فى تاريخ دمشق ٣٨٩/١١، ٣٩٠ من طريق
مجالد به نحوه، وقد صُرِّحَ باسم ابن جعفر فى رواية أخرى عند ابن أبى شيبة ٧٠٨/٨، ٧٠٩ عن أبى أسامة،
عن مجالد به مختصرًا جدًّا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٩/٢ إلى عبد بن حميد. وقد تحرف إسناد
الأثر فى تاريخ ابن عساكر .
(٤) البيتان فى مصادر التخريج السابقة باختلاف يسير فى اللفظ .

٣٩٥
سورة المائدة : الآية ٣٤
على النَّأْيِ لا يَسْلَمْ عدوٌ يَعِيبُها
ألا أَبْلِغَنْ هَمْدانَ إِمَّا لَقِيتَها
إلهَ ويَقْضى بالكتابِ خَطِيبُها
لَعَمْرُ أَبيها إِنَّ همدانَ تَتَّقِى الْـ
/حدَّثنى محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن ٢٢٢/٦
: وتوبتُه مِن قبلِ أن
الشُّدِّىِّ قوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَتِهِمّ
يُقدَرَ عليه، أن يَكْتُبَ إلى الإمام يَشْتَأْمِنُه على ما قتَل وأُفْسَد فى الأرضِ: فإن لم
يُؤمِّنِّى على ذلك ازددتُ فسادًا وقتلًا وأَخْذًا الأموالَ أكثرَ مما فعلتُ ذلك قبلُ . فعلى
الإمامِ مِن الحقِّ أَن يُؤَمِّنَه على ذلك، فإذا أَمَّنَه الإمامُ جاء حتى يضعَ يدَه فى يدِ الإِمامِ ،
فليس لأحدٍ مِن الناسِ أن يَتَبِعَه، ولا یَأْخُذَه بدم سَفَکه، ولا مالٍ أخذه، و كلُّ مالٍ
كان له فهو له، لكَيْلا يَقْتُلَ المؤمنين أيضًا ويُفْسِدَ (١)، فإذا رجع إلى اللَّهِ جلَّ وعزَّ فهو
وَلِيُّه يَأْخُذُه بما صنَع، وتوبتُه فيما بينَه وبينَ الإمامِ والناسِ، فإذا أخَذه الإمامُ وقد تاب
فيما يَزْعُمُ إلى اللَّهِ جلَّ ثناؤه قبلَ أن يُؤَمِّنَه الإمامُ ، فليُقِمْ عليه الحَدَّ .
حدَّثنا علىّ بنُ سهلٍ، قال : ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ ،
أخبرنى(٢) مَكْحولٌ أنه قال: إذا أعطاه الإِمامُ أمانًا، فهو آمِنٌ ولا يُقام عليه الحدُّ ما كان
أَصاب .
وقال آخرون: معنى ذلك: كلُّ مَن جاء تائبًا مِن الْحُوَابِ قبلَ القُدْرَةِ عليه
اسْتَأْمَنِ الإِمامَ فَأَمِنَّه، أو لم يَسْتَأْمِنْه بعدَ أن يجىءَ مستسلمًا تاركًا للحربِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّ ثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ ، عن أُشْعَثَ ، عن
عامِرٍ ، قال : جاء رجلٌ مِن مُرادٍ إلى أبى موسى وهو على الكوفةِ فى إمرةٍ عثمانَ بعدَ مَا
صلَّى المكتوبةَ، فقال: يا أبا موسى هذا مقامُ العائذِ بك، أنا فلانُ بنُ فلانٍ المُرادِىُّ،
(١) فى م: ((يفسده))، وفى س: (( تفسد)).
(٢) كذا فى النسخ، والصواب: ((عن)). وينظر فى رواية سعيد عن مكحول ما تقدم فى ٥٨٦/٣، ٢٥/٤.

٣٩٦
سورة المائدة : الآية ٣٤
كنتُ حاربتُ اللَّهَ ورسولَه، وسَعَيْتُ فى الأرضِ، وإنى تبتُ مِن قبلٍ أن يُقْدَرَ
علىَّ. فقام أبو موسى فقال: هذا فلانُ بنُ فلانٍ، وإنه كان حارب اللَّهَ
ورسوله، وسعى فى الأرضِ فسادًا، وإنه تاب قبلَ أن يُقدَرَ عليه، فمَن لَقِيَه فلا
يَعرِضْ له إلا بخيرٍ "وتوبةٍ). فأقام الرجلُ ما شاءَ اللَّهُ، ثم إنه خرَج فَأَذْرَكَه اللَّهُ
بذنوبه فقتله(٢) .
حدَّثنى الحارثُ بنُ محمدٍ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن
إسماعيلَ السدىِّ، عن الشعبىِّ، قال: جاء رجلٌ إلى أبى موسى. فذكّر
(٣)
نحوه (٣).
حدَّثنى علىُ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: قَلْتُ لمالك:
أرأيتَ هذا المحاربَ الذى قد أخاف السبيلَ، وأصاب الدمَ والمالَ، فَلَحِق بدارٍ
الحربِ، أو تَمَنَّعَ فى بلادِ الإسلام، ثم جاء تائبًا من قبلٍ أن يُقْدَرَ عليه؟ قال:
تُقْبَلُ توبتُه . قال: قلتُ: فلا يُتْبَعُ بشىءٍ مِن أَحْداثِه؟ قال: لا، إلا أن يُوجَدَ
معه مالٌ بعينه، فيُرَدَّ إلى صاحبِه، أو يَطْلُبَه وَلُّ مَن قُتِل بدم فى حربِه يَثْبُتُ
بَيِّنةٍ أو اعترافٍ فيُقادَ به، وأما الدِّماءُ التى أصابَها ولم يَطْلُبِها أولياؤُها فلا يَتْبَعُه
الإمامُ بشىءٍ. قال علىٍّ: قال الوليدُ: فذكرتُ ذلك لأبى عمروٍ، فقال: تُقْبَلُ
توبتُه إذا كان محارِبًا للعامةِ والأئمةِ قد آذاهم بحربِه ، فشهَر سلاحَه، وأصاب
الدماءَ والأموالَ، فكانتْ له مَنَعَةٌ ، أو فِئَةٌ يَلجَأَ إليهم، أو لَجِقٍ بدارِ الحربِ،
فارْتَدَّ عن الإسلامِ، أو كان مقيمًا عليه، ثم جاء تائبًا مِن قبلٍ أن يُقْدَرَ عليه،
قُبِلَتْ توبتُه، ولم يُتْبَعْ بشىءٍ منه .
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٨٢/١٢، والبيهقى ٢٨٤/٨ من طريق أشعث به نحوه، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٧٩/٢ إلی عبد بن حميد .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٦/٣ عن المصنف .

٣٩٧
سورة المائدة : الآية ٣٤
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: قال أبو عمرو : سَمِعتُ ابنَ شِهابٍ
الزُّهْرِئَّ يقولُ ذلك .
/ حدَّثنى علىُ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ، قال: فذكرتُ قولَ أبى عمرٍو ومالكِ ٢٢٣/٦
لِليْثِ بنِ سعدٍ فى هذه المسألةِ ، فقال: إذا أَعْلَن بالمحارَبةِ العامَّةَ والأئمةَ، وأصاب
الدماءَ والأموالَ، فامْتَنَع بمحاربتِه مِن الحكومةِ عليه (١)، أو لَقٍ بدارِ الحربِ ، ثم جاء
تائبًا مِن قبلٍ أن يُقْدَرَ عليه ، قُبِلَتْ توبتُه ، ولم يُنْتَعْ بشىءٍ مِن أحداثه فى حربِهِ مِن دمِ
خاصَّةٍ ولا عامَّةٍ ، وإِن طَلَبَه وليُّه(٢) .
حدَّثنى عَلىٍّ، قال : ثنا الوليدُ ، قال: قال الليثُ : وكذلك ثنى موسى بنُ
إسحاقَ المَدَنِئُ - وهو الآمرُ(٣) عندَنا - أن عليّا الأَسَدَّ حارب، وأخاف السبيلَ،
وأصاب الدمَ والمالَ ، فطَلَبَتْه الأئمةُ والعامةُ ، فامْتَنَع ولم يُقْدَرْ عليه، حتى جاء تائبًا ،
وذلك أنه سَمِع رجلًا يقرأُ هذه الآيةَ: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ
مِن رَّحْمَةٍ اُللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٥٣]. فوقَف عليه فقال: يا عبدَ اللَّهِ ، أعِدْ قراءتَها.
فأعادَها عليه ، فَغَمَد سيفَه، ثم جاء تائبًا، حتى قَدِم المدينةَ مِن السَّحَرِ ، فَاغْتَسَل ثم
أتى مسجدَ رسولِ اللَّهِ عَ له فصلَّى الصبحَ، ثم قعد إلى أبي هُريرةً فى غمارِ"
(٤)
أصحابِهِ، فلما أَسْفَروا(٥) عرفه الناسُ، وقاموا إليه، فقال: لا سبيلَ لكم علىَّ، جئتُ
تائبًا مِن قبلٍ أَن تَقْدِروا علىَّ. فقال أبو هريرةَ: صدَق. وأَخَذ بيدِه أبو هريرةَ ، حتى أتى
مَرْوانَ بنَ الحكم فى إِمْرَتِه على المدينةِ فى زمنٍ معاويةَ ، فقال : هذا علىِّ جاء تائبًا ، ولا
-
(١) الحُكْم: القضاء. حكم عليه بالأمرِ يَحْكُمْ حُكمًا وحكومةً . اللسان (ح ك م).
(٢) ينظر التبيان ٣/ ٥٠٦.
(٣) فى م: ((الأمير)) .
(٤) غَمْرَةُ الناسِ وَغَمْرُهم وغُمارهم وغِمارهم: جماعتهم ولَفيفهم وزحمتهم. ينظر اللسان (غ م ر).
(٥) فى م: ((أسفر)) وأسفر القوم: إذا أصبحوا. تاج العروس (س ف ر ).

٣٩٨
سورة المائدة : الآية ٣٤
سبيلَ لكم عليه ولا قَتْلَ . قال : فتُرِك مِن ذلك كلِّه. قال: وخرّج علىّ تائبًا مجاهدًا فى
سبيلِ اللَّهِ فى البحرِ ، فَلَقُوا الرومَ ، فقرَّبوا(١ سفينتَه إلى سفينةٍ مِن سفيهم، فاقْتَحَم على
الرُّومِ فى سفينتِهم، فهُزِمُوا منه إلى سفينتهم الأخرى، فمالَتْ بهم وبه، فَغَرِقوا جميعًا(١).
حدَّثنى أحمدُ بنُ حازمٍ ، قال: ثنا أبو نُعيم ، قال : ثنا مُطَرِّفُ بنُ مَعْقِلٍ، قال :
سَمِعتُ عطاءً قال فِى رجلٍ سرّق سرقةٌ ، فجاء بها تائبًا مِن غيرٍ أن يُؤْخَذَ ، فهل عليه
حَدٌّ ؟ قال: لا. ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقِّدِّرُواْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية(١).
حدّثنا ابنُ البَوْقئِّ ، قال : ثنا ابنُ ابی مريم ، قال : أخبرنا نافُ بنُ یزیدَ ، قال : ثنی
أبو صَخْرَةَ، عن محمدِ بنِ كعبِ القُرَظىِّ، وعن أبى معاويةً ، عن سعیدِ بنِ جبیرٍ ،
قالا : إن جاء تائبًا لم يَقْتَطِعْ مالًا، ولم يَشْفِكْ دمَا تُرِك، فذلك الذى قال اللّهُ: ﴿إِلَّا
الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَِّمٌ ﴾ . يعنى بذلك أنه لم يَسِفِكْ دمًا، ولم
.(٤)
يَقْتَطِعْ مالاً(3).
وقال آخرون : بل عنَى بالاستثناءِ فى ذلك التائبَ مِن حربِهِ اللَّهَ ورسولَه،
والسعي فى الأرض فسادًا ، بعد حاقِه فی حربه بدار الكفر ، فأما إذا کانت حرابتُه
وحربُه وهو مقيمٌ فى دارِ الإسلامِ ، وداخلٌ فى غِمارِ الأَمَّةِ ، فليست توبتُه واضعةً عنه
شيئًا مِن حدودِ اللَّهِ ، ولا مِن حقوقِ المسلمين والمُعاهَدين، بل يُؤْخَذُ بذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىُّ بنُ سهلٍ ، قال : ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ ، قال: أخبرنى إسماعيلُ، عن
هشامِ بنِ عُروةً، أنه أخبرَه أنهم سألوا عروَةَ عمَّن تَلَصَّص فى الإسلامِ فأصاب
(١) فى ص، ت ١: ((فقرنوا)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٩٦/٣ عن المصنف .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٩/٢ إلى عبد بن حميد.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٩/٢ إلى المصنف دون آخره.

٣٩٩
سورة المائدة : الآية ٣٤
٢٢٤/٦
حدودًا ، ثم جاء تائبًا . فقال : لا تُقبَلُ توبته ؛ / لو قُبِل ذلك منهم اجْتَرَءوا عليه ،
وكان فسادًا كبيرًا، ولكن لو فَرَّ إلى العدوِّ ثم جاء تائبًا، لم أَرَ عليه عقوبةً(١).
وقد رُوِى عن عروةَ خلافُ هذا القولِ .
وهو ما حدَّثنى به علىّ، قال: ثنا الوليدُ، قال(١) : أخبرنى مَن سَمِع هشامَ بنَ
عروةَ، عن عروةَ، قال: يُقامُ عليه حدٌّ ما فَرَّ منه، ولا يجوزُ لأحدٍ فيه أمانٌ. يعنى :
الذى يُصيبُ حدًّا ، ثم يَفِرُّ فيَلْحَقُ الكفارَ، ثم يجىءُ تائبًا .
وقال آخرون : إن كانت حِرابتُه وحربُه فى دارِ الإسلامِ ، وهو فى غيرِ مَنَعَةٍ مِن
فئةٍ يَلْجَأُ إليها ، ثم جاء تائبًا قبلَ القُدرةِ عليه ، فإن توبته لا تضعُ عنه شيئًا من العقوبةِ ،
ولا مِن حقوقِ الناسِ . وإن كانت حِرابتُه وحربُه فى دارِ الإسلامِ ، أو هو لاحِقٌ بدارٍ
الكفرِ، غيرَ أنه فى كلِّ ذلك كان يلجأُ إلى فئةٍ تَمْتَعُه مَّن أراده مِن سُلطانِ المسلمين،
ثم جاء تائبًا قبلَ القُدرةِ عليه، فإن توبتَه تضعُ عنه كلَّ ما كان مِن أحْداثِه فى أيامٍ
حرابته تلك(٢) ، إلا أن يكونَ أصاب حدًّا، أو أَمَرِ الرُفْقَةَ بما فيه عقوبةٌ أو غُزْمٌ لمسلمٍ أو
مُعاهِدٍ ، وهو غيرُ مُلْتَجِىءٍ إلى فئةٍ تَمْتَعُه ، فإنه يُؤْخَذُ بما أصاب مِن ذلك وهو كذلك،
ولا يضعُ ذلك عنه توبتُه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىُ بنُ سهلٍ، قال : ثنا الوليدُ ، قال: قال أبو عمرٍو : إذا قطَع الطريقَ
لصِّ أو جماعةٌ مِن اللصوصِ ، فأصابوا ما أصابوا مِن الدماءِ والأموالِ ، ولم يَكُنْ لهم
(١) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٨٥٤٨)، والنحاس فى ناسخه ص٣٨٦ من طريق هشام به .
(٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س: (( و)).
(٣) فى ص، ت ١، س: (( كذلك)).

٤٠٠
سورة المائدة : الآية ٣٤
فئةٌ يَلْجَئون إليها، ولا منَعَةٌ ، ولا يَأْمَنون إلا بالدخولِ فى غِمارِ أَمَّتِهم، وسَوادِ
عامَّتِهم ، ثم جاء تائبًا مِن قبلِ أن يُقْدرَ عليه ، لم تُقْبَلْ توبتُه ، وأقِیم عليه حدُّه ما كان .
حدَّثنى علىّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: ذكرت لأبى عمرٍو قولَ عروةً: يُقامُ عليه
حدُّ ما فر منه ، ولا يجوزُ لأحدٍ فیه أمانٌ . فقال أبو عمرو : إن فرَّ مِن حدثه فی دارٍ
الإسلام فأعطاه إِمام أمانًا، لم يَجُزْ أَمانُه . وإن هو لَحَقٍ بدارِ الحربِ ثم سأل إمامًا أمانًا
على أحداثِه، لم يَنْبَغ للإمام أن يُعطيَه أمانًا. وإن أعطاه الإمامُ أمانًا وهو غيرُ عالِم
بأحداثه ، فهو آمنٌ . وإن جاء أحدٌ يَطْلُه بدم أو مالٍ ، رُدّ إلى مَأْمنِه ، فإن أنی أن يرجعَ
فهو آمنٌ، ولا يُتَعَرَّضُ(١) له . قال: وإن أعطاه أمانًا على أحداثِه وهو يعرفُها، فالإمامُ
ضامنٌ، واجبٌ عليه عَقْلُ(٢) ما كان أصاب مِن دم أو مالٍ، وكان فيما عَطَّل مِن تلك
الحدودِ والدماءِ آثمًا ، وأمرُه إلى اللَّهِ جلَّ وعزَّ. قال: وقال أبو عمرٍو: فإذا أصاب ذلك،
وكانت له مَنَعَةٌ أو فئةٌ يلجأُ إليها، أو لَحِقٍ بدارِ الحربِ فارتدَّ عن الإسلامِ، أو كان مُقيمًا
عليه ثم جاء تائبًا مِن قبلٍ أن يُقْدرَ عليه، قُبِلَتْ توبتُه ، ولم يُنْبَعْ بشىءٍ مِن أحداثِه التى
أصابَها فى حربِه، إلا أن يُوجَدَ معه شىءٌ قائمٌ بعينِهِ ، فَيُرَدَّ إلى صاحبِهِ .
حدَّثنى علىّ ، قال: ثنا الوليدُ ، قال: أخبرنى ابنُ لَهيعةَ، عن ربيعةً ، قال: تُقْبَلُ
توبتُه ، ولا يُتْبَعُ بشىءٍ مِن أَخْداثِه فى حربِهِ ، إلا أن يَطْلُبَه أحدٌ بدم كان أصابه فى
سِلْمِه قبلَ حربِه ، فإنه يُقادُ به .
/حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا معمرٌ الرَّقِّى، قال : ثنا الحجاج،
عن الحكمِ بنِ عُتيبةَ، قال: قاتَلَ اللَّهُ الحجاجَ، إِنْ كان لَيَفْقَهُ! أَمَّن رَجُلًا من مُحارَبَتِه
٢٢٥/٦
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، س: (( يعرض)).
(٢) العقل: الدِّيّة. وعقَل عنه عَقْلًا: أدَّى جِنايتَه، وذلك إذا لزمتْه ديةٌ فأعطاها عنه. ينظر تاج
العروس (ع ق ل ).