Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١
سورة المائدة: الآية ٢٣
/ كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن بعضٍ أَهلِ ١٧٩/٦
العلم بالكتابِ الأولِ ، قال: لما همَّ بنو إسرائيلَ بالانصرافِ إلى مصرَ حينَ أُخْبَرهم
النقباءُ بما أَخْبَروهم (١) من أمرِ الجبابرةِ ، خرَّ موسى وهارونُ على وجوهِهما سجودًا
قُدَّامَ جماعةِ بنى إسرائيلَ ، وخرّق يوشعُ بنُ نونٍ وكالبُ بنُ يوفنا(٢) ثيابَهما ، وكانا
من جواسيسِ الأرضِ، وقالا لجماعةِ بنى إسرائيلَ: إن الأرضَ مرَرنا بها
وجسَشْناها(٢) صالحةٌ، رَضِيّها ربُّنا لنا، فوهَبها لنا، وإنَّها لم تكنْ تفيضُ لبنًا
وعسَلًا)، ولكن افعلوا(9) واحدةً، لا تَعْصُوا اللَّهَ، ولا تَخْشَوُا الشعب الذین
بها، فإنهم (٧ ◌ُحُثُنا، و"مدفوعون فى أيدينا، إن حاربناهم(٨) ذهَبت منهم،
وإن اللَّهَ معنا فلا تَخْشَوهم. فأراد (٩) الجماعةُ من بنى إسرائيلَ أن (١٠) يرجُموهما
بالحجارةٍ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنهم بعَثُوا
اثنى عشَرَ رجلًا، من كلِّ سبطٍ رجلاً، عيونًا لهم، وليأتوهم بأخبارِ القومِ؛ فأما
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أخبرهم)).
(٢) فى م: ((يوقنا)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((حسسناها)). وجسست الأخبار وتجسستها: تفحصت عنها،
وحسست - بالحاء المهملة - بالخبر: أيقنت به . الصحاح (ج س س، ح س س ).
(٤ - ٤) كذا فى النسخ، وفى كتاب القوم: ويعطينا إياها أرضا تفيض لبنا وعسلا.
(٥) فى س: ((اقبلوا)).
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((الذى)).
(٧ - ٧) فى م: ((جبناء)). والخبز معروف، وخبزت القوم: أطعمتهم الخبز. فالمراد أنهم طُعمة لهم وغنيمة .
ينظر التاج (خ ب ز ).
(٨) فی ص، ت ١، س: ( حرباهم قد)) .
(٩) سقط من: م.
(١٠) سقط من: ص، ت ١.
(١١) ينظر سفر العدد الأصحاح ١٤. وذكر ابن كثير أوله فى تفسيره ٧١/٣ ولم يذكر قائله .
٣٠٢
سورة المائدة: الآ يتان ٢٣ ، ٢٤
عشَرةٌ فجبَّنوا قومَهم ، وكرّهوا إليهم الدخولَ عليهم ، وأما الرجلان فأمَرا(١) قومَهما
أن يدخلوها، وأن يتَّبِعوا أمرَ اللَّهِ، ورغّبا فى ذلك، وأَخْبَرا قومَهما أنهم غالبون إذا
فعلوا ذلك(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ أُبی
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ [٦٦٥/١ظ] فى قولِ اللّهِ: ﴿عَلَيْهِمُ الْبَابٌ﴾: قريةُ الجبارين(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَّكَّلُواْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ
(٢٣
وهذا أيضًا خبرٌ من اللَّهِ جلَّ وعزَّ عن قولِ الرجلين اللذين يخافانِ اللَّهَ أنهما قالا
لقومٍ موسى - يشجّعانهم بذلك، ويرغِّبانهم فى المضىّ لأمرِ اللَّهِ بالدخولِ على
الجبّارين فى (٤) مدينتِهم -: توكّلوا أيها القومُ على اللَّهِ فى دخولِكم عليهم. فيقولان
لهم: ثِقُوا باللَّهِ ، فإنه معكم إن أطعتُموه فيما أمَركم من جهادِ عدوّ كم. وعَنَيا
بقولِهما: ﴿إِن كُتُم مُّؤْمِنِينَ﴾: إن كنتم مصدِّقى نبيِّكُم ◌َّه فيما أَنْتَأكم عن
ربِّكم من النصرةِ والظّفَرِ عليهم ، وفى غيرِ ذلك من إخبارِه عن ربِّه، ومؤمنين بأن
ربّم قادرٌ على الوفاءِ لکم بما وعَد کم من تمکینکم فى بلادٍ عدوّه وعدوِّ كم .
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿قَالُواْ يَمُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدَأَ مَّا دَامُواْ فِيهَا
فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ
٢٤
وهذا خبرٌ من اللَّهِ جلَّ ذكرُه عن قولِ الملاَّ من قوم موسى لموسى، إذ رُغُبوا فى
جهادٍ عدوّهم، ووُعِدوا نصرَ اللَّهِ إِيَّاهم، إن هم ناهضُوهم ودخَلوا عليهم بابَ
(١) فى ص، ت ١، س: ((فأمروا)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧١/٢ إلى عبد بن حميد.
(٣) تفسير مجاهد ص ٣٠٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧١/٢ إلى عبد بن حميد.
(٤) سقط من: ت ١، س، وفى ص: ((من)).
٣٠٣
سورة المائدة: الآية ٢٤
مدينتِهم، أنهم (١) قالوا له: ﴿ إِنَا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا﴾. يعنُون: إنا لن ندخُلَ مدينتَهم
أبدًا. والهاءُ والألفُ فى قوله: ﴿إِنَّا لَن تَّدْخُلَهَا ﴾. من ذكرِ المدينةِ. ويعنون
بقولهم: ﴿أَبَدَا ﴾: أيامَ حياتِنا، ﴿مَّا دَامُواْ فِيهَا﴾. يَعْنُون (١) : ما كان الجبّارون
مقيمين فى تلك المدينةِ التى كتَبها / اللَّهُ لهم، وأُمِروا بدخولِها، ﴿ فَأَذْهَبْ أَنْتَ
وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾: لا نجىءُ معك يا موسى إن ذهَبتَ إليهم
لقتالِهم، ولكن نتركُك تذهبُ أنت وحدَك وربُّك، فتُقاتلانهم.
١٨٠/٦
وكان بعضُهم يقولُ فى ذلك(٣): ليس معنى الكلام: اذهبْ أنت ولْيَذْهَبْ
معك ربُّك فقاتلا. ولكن معناه: اذهبْ أنت يا موسى ولْيِعِنْكَ رِبُّك؛ وذلك أن اللَّهَ
لا يجوزُ عليه الذهابُ .
وهذا إنما كان يحتاج إلى طلبِ المَخْرَج له لو كان الخبرُ عن قومٍ مؤمنين ، فأما
قومٌ أهلُ خلافٍ على اللَّهِ عَزَّ ذكرُه ورسولِه ، فلا وجهَ لطلبِ المخرج لكلامِهم فيما
قالوا فى اللَّهِ عزَّ وجلَّ، واقْتَزْوا عليه ، إلا بما يشبهُ كفرَهم وضلالتَهم.
وقد ذُكِر عن المقدادِ أنه قال لرسولِ اللهِ صَ لِّ خلافَ ما قال قومُ موسى لموسى.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن
سفيانَ، عن مُخارِقٍ، عن طارقٍ، أن المقدادَ بنَ الأسودِ قال للنبيِّ مَّلَّمِ: إنا لا نقولُ
كما قالت بنو إسرائيلَ: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ
ولكن نقولُ : اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكم مقاتلون(٤).
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أنه)).
(٢) فى م: ((يعنى)).
(٣) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١/ ١٦٠. وهذا معنى كلامه.
(٤) أخرجه إسحاق بن راهويه فى مسنده، وابن أبى خيثمة فى تاريخه - كما فى التغليق ٢٠٤/٤ - =
٣٠٤
سورة المائدة: الآية ٢٤
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن
رسولَ اللَّهِ بَ لِ قال لأصحابِهِ يومَ الحديبيةِ حينَ صدَّ المشركون الهَدْىَ، وحِيل
بينهم وبينَ مناسكِهم : ((إنى ذاهبٌ بالهدى فناحرُه عندَ البيتِ)). فقال له المقدادُ
بنُ الأسودِ: أمَا واللَّهِ لا نكونُ كالملاَّ من بنى إسرائيلَ، إذ قالوالنبيّهم: ﴿ أَذْهَبْ أَنْتَ
وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾. ولكن نقولُ (١): اذهب أنت وربُّك فقاتِلا
إنا معكم مقاتلون . فلما سمِعها أصحابُ النبيِّ عَِّ تَتَابعوا على ذلك(٢) .
وكان ابنُ عباسٍ والضَّاكُ بنُ مُزاحِم وجماعةٌ غيرُهما يقولون : إنما قالوا هذا
القولَ لموسى عليه السلامُ حينَ تبينَّ لهم أمرُ الجبّارين وشدةُ بطشِهم .
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذِ الفضلَ بنَ خالدٍ ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضّحَّاكَ يقولُ: أمَر اللَّهُ جلَّ وعزَّ بنى إسرائيلَ أن يسيرُوا إلى
الأرضِ المقدَّسةِ مع نبيِّهم موسى عَِّ، فلما كانوا قريبًا من المدينةِ قال لهم موسى :
ادْخُلوها. فأَبَوْا، وجبْنُوا، وبعَثُوا اثنى عشَرَ نقيبًا لينظُروا إليهم، فانطلَقوا فنظَروا ،
فجاءوا بحبةِ فاكهةٍ من فاكهتِهم بوِقْرِ الرَّمجلِ، فقالوا: قدِّروا قوةً قومٍ وبأسَهم هذه
فاكهتُهم. فعندَ ذلك قالوا لموسى: ﴿ أَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا
فَعِدُونَ﴾ .
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ نحوَه.
= وأحمد ٣١٤/٤ (الميمنية ) من طريق وكيع به . وعلقه البخارى عقب الحديث (٤٦٠٩) عن و کیع به ،
وأخرجه أحمد ٢٢٧/٦ (٣٦٩٨) فى (٤٦٠٩) من طريق إسرائيل، عن مخارق، عن طارق ، عن ابن
مسعود .
(١) سقط من : م.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٣/٣ وقال: وهذا إن كان محفوظا يوم الحديبية، فيحتمل أنه كرر هذه المقالة
يومئذ کما قاله یوم بدر.
٣٠٥
سورة المائدة: الآية ٢٥
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ قَالَ رَبٍّ إِنِّ لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى فَفْرُقْ بَيْنَنَا
٢٥
وَبَيْنَ اٌلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ
وهذا خبرٌ من اللَّهِ جلَّ وعزَّ عن قيلٍ (١) موسى حينَ قال له قومُه ما قالوا من
قولهم: ﴿ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدَأُ مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا
قَعدُونَ ﴾. أنه قال [٦٦٦/١ر] عند ذلك، وغضِب من قیلھم، لهم داعيًا : یا
ربِّ: ﴿إِ لَآَ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىّ﴾. يعنى بذلك: لا أقدِرُ على أحدٍ أن
أَحْمِلَه على ما أُحبُّ وأُريدُ من طاعتِك، واتباع أمرِك ونهيك ، إلا على نفسى ،
وعلى أخى . من قولِ القائلِ: ما أملِكُ من الأمرِ شيئًا إلا كذا وكذا. بمعنى: لا أقدِرُ
على شىءٍ غيرِه .
/ويعنى بقولِه: ﴿فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: افْصِلْ بِينَنا ١٨١/٦
وبينَهم بقضاءٍ منك تقضيه فينا وفيهم، فتُبْعِدَهم منا . من قولِ القائلِ : فَرَقْتُ بينَ
هَذين الشيئين. بمعنى: فصَلتُ بينَهما . من قولِ الراجز :
یا ربِّ فاقۇق(٢) بينهُ وبينی
أشدَّ ما فَرَقْتَ بينَ اثنينٍ
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى، عن
(١) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قوم) .
(٢) مجاز القرآن ١٦٠/١ والمؤتلف والمختلف للآمدى ص ١٣٥ غير منسوب فيهما .
(٣) فى ص، ت ٢: ((فارِقْ))، وفى ت ١: ((فرق)).
( تفسير الطبرى ٢٠/٨ )
٣٠٦
سورة المائدة: الآية ٢٥
أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ: ﴿ فَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. يقولُ: اقضٍ
بینی وبینھم (١) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ :
فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾. يقولُ: اقضِ بينَنا وبينَهم" .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدىِّ، قال: غضِب موسى عَّ له حينَ قال له القومُ: ﴿ أَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ
فَقَتِلَآ إِنَّا هَهُنَا قَعِدُونَ﴾. فدعا عليهم فقال: ﴿ رَبِّ إِنِّ لَآَ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى
وَأَخِىّ فَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾. وكانت عَجْلةً من موسى
(٣)
عجِلها (٣).
حُدِّثت عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال : ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ ، قال :
سمِعت الضَّّاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
يقولُ: اقضٍ بيننا وبينَهم، وافتح بيننا وبينَهم. كلّ هذا يقولُ (١) الرجلُ: اقضِ بينَنا .
فقضَى اللَّهُ جلَّ ثناؤه بينَه وبينَهم أن سمَّاهم فاسقين(٥) .
وعنَى بقولِه: ﴿اَلْفَسِقِينَ﴾. الخارجين عن الإيمانِ باللّهِ وبه إلى الكفرِ باللّهِ
وبه .
وقد دلَّلنا على أن معنى ((الفسقِ)) الخروج من شىءٍ إلى شىءٍ فيما مضى، بما
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٣/٣ عن العوفى به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الإتقان ١٢/٢ من طريق عبد الله بن صالح به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧١/٢ إلى المصنف.
(٤) فى م: ((من قول)).
(٥) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٤٥٧/٣، وابن كثير فى تفسيره ٧٣/٣.
٣٠٧
سورة المائدة: الآيتان ٢٥ ، ٢٦
أَغْنى عن إعادته(١).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ يَتِيهُونَ فِى
اُلْأَرْضَِّ
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى الناصبِ لـ ((الأربعين))؛ فقال بعضُهم : الناصبُ لها
قولُه: ﴿مُحَرَّمَةُ﴾ . وإنما حرَّم اللَّهُ جلَّ وعزَّ على (٢) القومِ الذين عصَوه وخالفوا أمرَه
من قومٍ موسى ، وأَبُوا حربَ الجبّرين - دخولَ(٢) مدينتهم أربعين سنةً، ثم فتحها
عليهم وأسكَنَهموها(٤) ، وأَهْلَك الجَّارين بعدَ حربٍ منهم لهم، بعد أن انقَضَتِ (٥)
الأربعون سنةً، وخرَجوا من التِيهِ .
حدَّثنی المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الرّبيعِ ، قال : لما قال لهم القومُ ما قالوا ، ودعا موسى عليهم، أَوْحِى اللَّهُ إلى موسى:
إنَّها محرّمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون فى الأرضِ ، فلا تأسَ على القوم الفاسقين .
وهم يومَئذٍ فيما ذُكِر ستمائة ألفِ مقاتلٍ، فجعَلهم فاسقين بما عصوا، فلبثوا أربعين
سنةً فى فراسخَ ستةٍ ، أو دونَ ذلك ، يَسِيرون كلَّ يوم جادِّين / لكى يَخْرُجوا منها، ١٨٢/٦
حتى ("سئموا ونزَلُوا)، فإذا هم فى الدارِ التى منها ارْتَحلوا ، وإنهم اشتكوا إلى موسى ما
فُعِل بهم، فَأَنْزِل عليهم المُّ والسَّلْوَى، وأُعْطوا من الكِشْوةِ ما هى قائمةٌ لهم، ينشأُ
الناشئُ فتكونُ معه على هيئته، وسأل موسى ربَّه أن يَشْقِيَهم ، فأُتِىَ بحجرِ الطُّورِ، وهو
(١) ينظر ما تقدم فى ٤٣٤/١.
(٢) سقط من النسخ ، ولا بد منها لاستقامة الكلام .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ودخول)).
(٤) فى م: ((أُسكِنوها)).
(٥) فى م: ((قضيت)) .
(٦ - ٦) فى م: ((يسموا وينزلوا)).
٣٠٨
سورة المائدة: الآية ٢٦
حجرٌ أبيضُ، إذا ما نزَل القومُ ضرّبه بعصاه، فيخرجُ منه اثنتا عشْرَةً عينًا ، لكل سِبطٍ
منهم عينٌ ، قد علِم كلُّ أناسٍ مَشْرَبَهم ، حتى إذا خلَت أربعون سنةً ، وكانت عذابًا بما
اعتدَوا وعصَوا، وأنه أوْحَى إلى موسى أن يَأْمُّرَهم (١) أن يسيروا إلى الأرضِ المقدسةِ،
فإن اللَّهَ قد كفاهم عدوَّهم، وقلْ لهم إذا أَتَوا المسجدَ أن يأتوا البابَ ويسجُدوا إِذا
دخَلوا، ويقولوا: حِطَّةٌ - وإنما قولُهم: حِطَّةٌ. أن يَخُطَّ عنهم خطاياهم - فأبى عامَّةُ
القومِ وعصَوا، وسجَدوا على خدِّهم، وقالوا: حِنْطةٌ. فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿فَبَدَّلَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِلَ لَهُمْ﴾ إلى: ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [ البقرة: ٥٩].
وقال آخرون: بل الناصبُ لـ ((الأربعين))، ﴿يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضَِّ﴾ . قالوا :
ومعنى الكلام: قال: فإنها محرّمةٌ عليهم أبدًا يتيهون فى الأرض أربعين سنةً . قالوا :
ولم يدخُلْ مدينةَ الجبَّارين أحدٌ ممن قال: ﴿ إِنَّا لَنْ تَّدْخُلَهَا أَبَدَأُ مَّا دَامُواْ فِيهَاً
فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَآ إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾. وذلك أن اللَّهَ عَّ ذكرُه
حرَّمها عليهم . قالوا : وإنما دخَلها من أولئك القومِ يوشعُ ، وكلابُ اللذان قالا لهم:
﴿ أَدْخُلُواْ عَلَهِمُ الْبَابٌَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونَ﴾. وأولادُ الذين حرَّمِ اللَّهُ
عليهم دخولَها ، فتيَّهَهم اللَّهُ فلم يدخُلْها منهم أحدٌ .
ذكرُ من قال ذلك
حدّثنا محمدُ بنُ بشار ، قال : ثنا سلیمانُ بنُ حرب ، قال : ثنا أبو هلالٍ ، عن
قتادةَ فى قولِ اللَّهِ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ﴾. قال: أبدًا(٢).
[٦٦٦/١ظ] حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا
أبو هلالٍ، عن قتادةَ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِِّ﴾. قال: أربعين سنةً.
(١) فى م: ((مرهم)).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٣٦/١ .
٣٠٩
سورة المائدة: الآية ٢٦
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هارونُ النحوىُّ، قال : ثنى
الزبيرُ بنُ الخِرِّيتِ، عن عكرمةَ فى قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ
يَتِيهُونَ فِ الْأَرْضِّ﴾. قال: التحريمُ التِّيهُ(١).
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشدىِّ، قال : غضِب موسى على قومِه فدعا عليهم، فقال: ﴿ رَبِّ إِنِّ لَآَ أَمْلِكُ
إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىّ ﴾ الآية. فقال اللَّهُ جلَّ وعزَّ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةُ
يَتِيهُونَ فِىِ الْأَرْضَِّ﴾ . فلما ضرَب عليهم التيهَ ، ندِم موسى ، وأتاه قومُه الذين
كانوا يُطِيعونه ، فقالوا له : ما صنَعتَ بنا يا موسى؟ فمكثوا فى التيهِ ، فلما خرَجوا من
التيهِ، رُفِع المنُّ والسَّلْوَى، وأكَلوا من البقولِ، والتقى موسى وعاجٌ(٢)، فتزًا(٣) موسى
فى السماءِ عشَرةَ أذرعٍ، وكانت عصاه عشَرَةَ أذرعٍ، وكان طولُه عشَرةً أذرعِ،
فأصاب كعبَ عاج(٢) فقتله، ولم يبقَ أحدٌ(٤) ممن أتَى أن يدخُلَ قريةَ الجبّارين مع موسى
إلا مات ولم يشهَدِ الفتحَ، ثم إن اللَّهَ لما انقضت الأربعون سنةً ، بعَث يوشعَ بنَ النونِ
نبيًّا، فَأَخْبَرهم أنه نبيٌ، وأن اللَّهَ قد أمَره أن يقاتلَ الجبّارين، فبايعوه وصدَّقوه، / فهزَم
الجبّارين، واقْتَحموا عليهم يَقْتُلونهم(٥) ، فكانت العِصابةُ من بنى إسرائيلَ يَجْتَمِعون
على عنقِ الرجلِ يضربونها لا يقطَعونها (١) .
١٨٣/٦
حدَّثنى عبدُ الكريم بنُ الهيثمِ، قال : ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا سفيانُ ،
(١) فى ص: ((المنتهى))، وفى م: ((لا منتهى له))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((انتهى)).
والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٣٦/١، وأثبتنا هذه الكلمة منه.
(٢) فى م: ((عوج)).
(٣) فى م: ((فوثب)).
(٤) سقط من النسخ ، والمثبت من تاريخ المصنف .
(٥) فى م: ((يقاتلونهم)).
(٦) تقدم تخريجه فى ص ٢٣٧ .
٣١٠
سورة المائدة: الآية ٢٦
قال: قال أبو سعدٍ (١)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال اللَّهُ جل وعزَّ، لما دَعا
موسى -: ﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضَِّ﴾ . قال :
فدخَلوا التيهَ، فكلُّ من دخَل التيهَ ممن جاوز(٢) العشرين سنةٌ مات فى التيهِ. قال:
فمات موسى فى التيهِ ، ومات هارونُ قبلَه . قال : فلِثوا فى تيهِهم أربعين سنةً ، فناهض
يوشعُ بمن بقِى معه مدينةَ الجَبَّارين، فافْتَح يوشعُ المدينةَ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللَّهُ: ﴿فَإِنَّهَا
مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ﴾ : حُرُّمت عليهم القُرَى(٤)، وكانوا لا يهِطون قريةً ،
ولا يقدرون على ذلك، إنما يتَّبعون الأطواءً(٥) أربعين سنةً. وذُكِر لنا أن موسى عَلَّه.
مات فى الأربعين سنةً ، وأنه لم يدخُلْ بيت المقدسِ منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان
قالا ما قالا(٦).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن ابنٍ إِسحاقَ ، قال: ثنى بعضُ أهلِ العلمِ
بالكتابِ الأولِ ، قال : لما فعَلت بنو إسرائيلَ ما فعَلت ، من معصيتهم نبيّهم، وهمِّهم
بكالبَ ويوشعَ، إذ أَمَراهم(١) بدخولِ مدينةِ الجبّارين، وقالا لهم ما قالا ، ظهَرت
عظمةُ اللَّهِ بالغمامِ على (بَابٍ قُةِ الزُّمَرِ )) على كلِّ بنى إسرائيل، فقال جلَّ ثناؤه
(١) فى م: ((سعيد)).
(٢) فى ص، ت ١: ((جاز)).
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٣٥/١، وأخرجه ابن أبى حاتم - كما فى تفسير ابن كثير ٧٤/٣ - من طريق
سفيان به مطولا .
(٤) سقط من النسخ ، وأثبتناه من تاريخ المصنف .
(٥) الأطواء جمع طَوِىّ: وهى البئر المطوية - أى المبنية أو المعرشة - بالحجارة. اللسان ، الوسيط (ط وى).
(٦) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٣٦/١ دون قوله: إنما يتبعون الأطواء. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٧١/٢ إلى ابن المنذر.
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أمرهم)).
(٨ - ٨) فى ص غير منقوطة، وفى م: ((نار فيه الرمز)). وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((نار فيه الزمر))، ومثله =
٣١١
سورة المائدة: الآية ٢٦
لموسى : إلى متى يعصينى هذا الشعبُ؟ وإلى متى لا يصدِّقون بالآياتِ كلِّها التى
وضَعتُ بينَهم ، أضرِبُهم بالموتِ فُهْلِكُهم، وأجعَلُ لك شعبًا أشدَّ وأكثرَ منهم . فقال
موسى للَّهِ : يسمَعُ أهلُ المِصْرِ الذين أَخْرَجت هذا الشعبَ بقوتك من بينهم ، ويقولُ
ساكنُ(١) هذه البلادِ الذين قد سمِعوا أنك أنت اللَّهُ فى هذا الشعبِ ، فلو أنك قتلت هذا
الشعبَ كلَّهم كرجلٍ واحدٍ ، لقالت الأممُ الذين سمعوا باسمِك : إنما قتَل هذا الشعبَ
من أجلٍ(٢) لا يستطيعُ أن يُدْخِلَهم الأرضَ التى خَلَق لهم، فقتلهم فى البرِّيَّةِ، ولكن
لِتَرْتَفِعْ أياديك، ويَعْظُمْ جزاؤُك يا ربّ، كما كنت تكلّمتَ وقلتَ لهم، فإنه طويلٌ
صبرُك، كثيرةٌ نعمُك، وأنت تغفِرُ الذنوبَ فلا تُوبِقُ، وإنك تحفَظُ ذنبَ () الآباءِ على
الأبناءِ وأبناءِ الأبناءِ إلى ثلاثةِ أَحْقابٍ(٤) وأربعةٍ، فاغفِرْ أَىْ رَبٌّ آثامَ هذا الشعبِ ، بكثرةِ
نعمِك، وكما غفَرت لهم منذ أَخْرَجتَهم من أرضِ مصرَ إلى الآنَ. فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤه
لموسى عَّهِ: قد غفَرتُ لهم بكلمتِك، ولكن حَىٌّ(٥) أنا - وقد ملأتِ الأرضَ
مَحمَدَتى كلُّها - لا(٩) يَرى القومُ الذين قد رأَوا محمدتى وآياتى التى فعَلت فى أرضٍ
مصرَ وفى القِفارِ، وابتلونى" عشْرَ مراتٍ ولم يُطِيعونى، لا يَرَوْن الأرضَ التى
= فى ص، ولكن غير منقوطة ، وفى عرائس المجالس ص ٢١٥: ((باب قبة موسى)). وفى نهاية الأرب
٢٦٤/١٣: ((قبة الزمان)). وقد ورد فى سفر العدد ذكر باب خيمة الاجتماع، كما فى الأصحاح ٦/ ١١،
١٢، ٣/١٠، ١٨/١٦، ١٩، ٤/١٨، والقبة هى الخيمة، والزمر: جمع زمرة، وهى الجماعة. ويقابل هذه
الرواية ما فى سفر العدد الأصحاح ١١/١٤: ثم ظهر مجد الرب فى خيمة الاجتماع لكل بنى إسرائيل.
(١) فى م: ((ساكنوا)).
(٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الذين)).
(٣) سقط من النسخ، والكلام لا يستقيم بدونها، والمثبت مستفاد مما فى سفر العدد الأصحاح ١٤/ ١٨.
(٤) فى م: ((أجيال))، والأحقاب جمع حُقُب، وهو الدهر. وقيل: ثمانون سنة. وقيل: سنة أو السنون .
ينظر تاج العروس (ح ق ب ).
(٥) فى ص، ت ١: ((حتى))، وفى م: ((قد أنى لى))، وفى ت٢، ت ٣: ((حيى)) والمثبت من سفر العدد
الأصحاح ١٤/ ٢٢.
(٦) فى النسخ: ((ألا)). والمثبت مستفاد مما فى كتاب القوم.
(٧ - ٧) فى م: ((سألونى)).
٣١٢
سورة المائدة: الآية ٢٦
حلَفْتُ لآبائِهم ، ولا يراها من أَغْضَبنى ، فأما عبدى كالبُ الذى كان روحُه معى،
واتَّبع هواىَ، فإنى مُدْخِلُه الأرضَ التى دخَلها ، وبراها خَلَفُه .
وكان العماليقُ والكنعانيون جلوسًا فى الجبالِ ، ثم غدّوا فارتحلوا إلى القِفارِ فى
١٨٤/٦ طريقٍ" بحرِ سُوفٍ)، وكلَّم اللَّهُ / عزَّ وجلَّ موسى وهارونَ، وقال لهما: إلى متى
توسوسُ علىَّ هذه الجماعةُ جماعةُ السوءِ ، قد سمِعتُ وسوسةَ بنى إسرائيلَ . وقال :
لِأَفْعَلَنَّ بكم كما قلت لكم، ولَتُلْقَيَنَّ حِيفُكم فى هذه القفارِ كحسابِكم (١) من
بنى عشرين سنةً فما فوقَ ذلك، من أجلٍ أنكم وسوستم علىَّ، فلا تدخُلوا
الأرضَ التى "رفَعتُ يدى٣) إليها، ولا ينزلُ فيها أحدٌ منكم غيرُ كالبَ بنِ
يوفنا، ويوشعَ بنِ نونٍ ، وتكونُ أثقالُكم كما كنتم الغنيمةَ ، وأما بنوكم اليومَ الذين
لم يعلَموا ما بينَ الخيرِ والشرّ، فإنهم يدخلون الأرضَ، وإنى بهم عارفٌ، لهم
الأرضُ التى أَزْدُ(٤) لهم، وتسقُطُ جيفُكم فى هذه [٦٦٧/١و] القفارِ ، وتَتيهون فى هذه
القفارِ على حسابِ الأيامِ التى حسَشْتم(٩) الأرضَ أربعين يومًا، مكانَ كلِّ يوم سنةً،
وتُقْتَلون بخطاياكم أربعين سنةً ، وتعلَمون أنكم وسوستم "قُدّامى، إِنِّى(٦) أنا اللَّهُ
فاعلٌ بهذه الجماعةِ ، جماعةٍ بنى إسرائيلَ الذين وُعِدوا قُدَّامى (٧) ، بأن تَتِيهوا فى
القفار، فيها يموتون .
(١ - ١) فى النسخ: ((يحرسون)). والمثبت من سفر العدد الأصحاح ٢٥/١٤.
وبحر سوف هو ما يطلق عليه البحر الأحمر الآن .
(٢) فی م: ((حسابكم)).
(٣ - ٣) فى النسخ: ((دفعت)). والمثبت من سفر العدد الأصحاح ٣٠/١٤.
(٤) فى م: ((أردت)).
(٥) فى م: (( جسستم)).
(٦ - ٦) فى م: ((قد أنى لى)).
(٧) سقط من: م.
٣١٣
سورة المائدة: الآية ٢٦
فأما الرهطُ الذين كان موسى بعَثهم لِيَتَحَسَّسواُ الأرضَ، ثم حرَّشوا
الجماعةَ ، فأَفْشَوا فيهم خبرَ الشرّ ، فماتوا كلُّهم بغتةٌ ، وعاش يوشعُ وكالبُ بنُ يوفنا
من الرهطِ الذين انطلقوا يتحسّسون الأرضَ .
فلما قال موسى عليه السلامُ هذا الكلامَ كلَّه لبنى إسرائيلَ ، حزِن الشعبُ حزنًا
شديدًا، وغدَوْا ( فارتقَوا إلى) رأسِ الجبلِ، وقالوا: نَوْتَقِى الأرضَ التى قال جلَّ
ثناؤُه؛ من أجلِ أنّا قد أخطأنا . فقال لهم موسى : لِمَ تَعْتَدون فى كلامِ اللَّهِ؟ من أجلٍ
ذلك لا يصلُحُ لكم عملٌ، ولا تصعَدوا من أجلٍ أن اللَّهَ ليس معكم، فالآنَ
تنكِسرون من قُدَّامِ أعدائِكم، من أجلِ العمالقةِ والكنعانيين أمامَكم ، فلا تقعوا فى
الحربٍ من أجلٍ أنكم انقلبتم على اللَّهِ ، فلم يكنِ اللَّهُ معكم. فأخذوا يَرْقُون فى
الجبلِ، ولم يبرَح التابوتُ الذى فيه مواثيقُ اللَّهِ جلَّ ذكرُه وموسى من المحِلَّةِ - يعنى
من الخيمةِ - حتى هبّط العماليقُ والكنعانيون فى ذلك الحائطِ ، فحرَقوهم
وطرَدوهم وقتلوهم. فتيَّههم اللَّهُ عَزَّ ذكرُه فى التيهِ أربعين سنةً بالمعصيةِ ، حتى هلك
من كان اسْتَوْجب المعصيةَ من اللَّهِ فى ذلك. قال : فلما شبَّ النواشئُ من ذراريِّهم ،
وهلَك آباؤهم، وانقضت الأربعون سنةً التى تُيُّهوا فيها ، سار بهم موسى، ومعه
يوشعُ بنُ نونٍ وكالبُ بنُ يوفنا - وكان فيما يزعُمون على مريمَ ابنةِ عِمْرانَ أختِ
موسى وهارونَ ، وكان لهما صهرًا - قدَّم يوشعَ بنَ نونٍ إلى أريحا فى بنى إسرائيلَ ،
فدخَلها بهم، وقتَل بها الجبابرةَ الذين كانوا فيها، ثم دخَلها موسى ببنى
إسرائيلَ ، فأقام فيها ما شاء اللَّهُ أن يُقِيمَ ، ثم قبَضه اللَّهُ إليه لا يعلَمُ بقبرِه أحدٌ من
(١) فى م، ت ١، ت ٢: ((يتجسسون)).
(٢ - ٢) فى م: ((فارتفعوا على)).
(٣) فى النسخ: ((الحكمة)). والمثبت مستفاد من سفر العدد الأصحاح ١٧/٢، وفيه أن خيمة الاجتماع هى
محلة اللاوبين .
٣١٤
سورة المائدة: الآية ٢٦
(١)
الخلائقِ(١).
وأولى القولين فى ذلك عندى بالصواب قولُ من قال: إن ((الأربعين)»
منصوبةٌ بـ((التحريم))، وإن قوله: ﴿مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِيْنَ سَنَةٌ ﴾ . معنىٌ به جميعُ
قومٍ موسى ، لا بعضٌ دونَ بعضٍ منهم ؛ لأن اللَّهَ عَزَّ ذكرُه عمَّ بذلك القومَ ، ولم
يَخصُصْ منهم بعضًا دونَ بعضٍ، وقد وفَّى اللَّه جل ثناؤه بما وعَدهم به من العقوبةِ ،
فتيَّههم أربعين سنةً، وحرَّم على جميعِهم - فى الأربعين سنةً التى مكثوا فيها
١٨٥/٦ تائهين - دخولَ الأرضِ المقدَّسةِ، / فلم يدخُلْها منهم أحدٌ؛ لاصغيرٌ ولا كبيرٌ، ولا
صالحٌ ولا طالخ، حتى انقضت السّنون التى حرَّم اللَّهُ عزَّ وجلَّ عليهم فيها دخولَها ،
ثم أذِن لمن بقى منهم وذراريِّهم بدخولها مع نبيّ اللَّهِ موسى والرجلين اللذين أَنْعَم اللَّهُ
عليهما، وافتتح قريةَ الجبّارين إن شاء اللَّهُ نبىُ اللَّهِ موسى عَ لّه وعلى مقدِّمَتِه یوشعُ،
وذلك لإجماع أهلِ العلم بأخبارِ الأولين، أنّ عوجَ بنَ عناقَ قتَله موسى ◌َِّ ، فلو
كان قتلُهُ إِيَّه قبلَ مصيرِه فى التيهِ، وهو من أعظمِ الجبارين خَلْقًا لم تكنْ بنو إسرائيلَ
تجزَعُ من الجبارين الجزعَ الذى ظهَر منها، ولكن ذلك كان إن شاء اللَّهُ بعدَ فناءِ الأمةِ
التى جزَعت، وعصَت ربَّها ، وأَبَت الدخولَ على الجبَّارين مدينتهم .
وبعدُ ، فإن أهلَ العلم بأخبارِ الأولين مجمعون أن بلعمَ بنَ باعورَ كان ممن
أعان الجبَّارين بالدعاءِ على موسى، ومحالٌ أن يكونَ ذلك كان وقومُ موسى ممتنعون
من حربهم وجهادِهم؛ لأن المعونةَ إنما يَحتاجُ إليها من كان مطلوبًا ، فأما ولا طالب
فلا وجهَ للحاجة إليها .
(١) ينظر عرائس المجالس ص ٢١٥، ونهاية الأرب ٣/ ٢٦٤، ٢٦٥، وكتاب القوم، سفر العدد الأصحاح
١٤ ص ٢٣٥، ٢٣٦. وقوله: فلما شب النواشئ. أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٣٧/١، ٤٣٩.
(٢) فى م: (( باعوراء)).
٣١٥
سورة المائدة: الآية ٢٦
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا مؤمَّلٌ، قال : ثنا سفيانُ، عن أبى إسحاقَ ، عن
نَوْفٍ، قال: كان سريرُ(١) ◌ُوجِ ثمانمائةٍ ذراعٍ، وكان طولُ موسى عشَرةَ أذرع،
وعصاه عشرةَ أذرعٍ، ووثَب فى السماءِ عشَرةَ أذرع، فضرَب عوجًا فأصاب كعبه،
فسقَط ميًّا ، فكان جسرًا للناسِ يمُّون عليه (١) .
حدَّثْنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا ابنُ عطيةً ، قال: ثنا قيسٌ، عن أبى إسحاقَ ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : كانت عصا موسى عشَرةَ أذرع ، ووثبتُه عشَرةً
أذرع، وطولُه عشَرةَ أذرعٍ، فوثَب فأصاب كعبَ عوج فقتله، فكان جسرًا لأهل
.(٢)
النيلِ سنةٌ(١) .
ومعنى قوله: ﴿يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضَِّ﴾: يَحارون فيها ويَضِلُّون. ومن
ذلك قيل للرجلِ الضالُ عن سبيلِ الحقِّ : تائةٌ. وكان تيهُهم ذلك أنهم كانوا
يُصْبِحون أربعين سنةً كلّ يومٍ جادّين فى قَدْرِ ستةٍ فراسخَ للخروج منه، فيُمْسون (١)
فى الموضعِ الذى ابتدءوا السيرَ منه.
حدَّثنى بذلك المثنى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن
أبيه، عن الربيع (٥).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ ، قال: تاهت بنو إسرائيلَ أربعين سنةٌ، يُصْبحون حيث أَمْسَوا،
ويُمْسِون حيث أَصْبَحوا فى تِيهِهم .
(١) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ابن)).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٣١/١.
(٣) فى ص، ت ٢، ت ٣، س: ((يمسون))، وفى ت ١: (( يمشون)).
(٤) بعده فى ص: ((كذا)). والأثر تقدم فى ص ٣٠٧، ٣٠٨.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٢/٢ إلى المصنف.
٣١٦
سورة المائدة: الآيتان ٢٦، ٢٧
٢٦
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ اُلْفَسِفِينَ
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَلَا تَأْسَ﴾: فلا تحزَنْ. يقالُ منه : أَسِىَ فلانٌ على
كذا يَأْسَى أَسّى، وقد أَسِيتُ من كذا، أى : حزِنتُ. ومنه قولُ امرئ القيسِ(١):
يقولون لا تَهْلِكْ أَسَى وَجَمَّلٍ
وقوفًا بها صَحْبى علىَّ مَطِيَّهُمْ()
یعنی : لا تَهْلِكْ حزنًا .
/وبالذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
١٨٦/٦
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنٍ
عباسٍ: ﴿فَلَا تَأْسَ﴾. [٦٦٧/١ظ] يقولُ: فلا تحرَنْ(٣).
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿فَلَا تَأْسَ
عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾. قال: لما ضُرِب عليهم التيهُ، ندِم موسى ◌َِلِّ ، فلما ندِم
أَوْحَى اللَّهُ إليه: ﴿فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾ : لا تحزنْ على القومِ الذين
سمَّيْتُهم فاسقين (* فلم يَحْزَنْ" .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَأَتَّلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىَّ ◌َادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا
فَنُقُئِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ
اٌلْمُلَّقِينَ
٢٧
(١) ديوانه ص ٩.
(٢) المَطِيَّة: البعير يمتطى ظهره، وجمعه المطايا، يقع على الذكر والأنثى. اللسان (م ط ى).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٢/٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم وأبى الشيخ .
(٤ - ٤) سقط من: م، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فلا تحزن)). والمثبت مما تقدم فى ١ / ٧٠٧،
وينظر تخريجه هناك ، وفى ص ٢٣٧ .
٣١٧
سورة المائدة: الآية ٢٧
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيُّه محمدٍ عَ له: واثْلُ على هؤلاء اليهودِ الذين هَمُّوا أن
يَبْسُطوا أيديهم إليكم(١)، وعلى أصحابِك معهم(٢) - وعرّفْهم مكروه عاقبة الظلم
والمكرِ، وسوءَ مَغَةٍ(٢) الخَثَرِ() ونقضِ العهدِ، وما جزاءُ الناكثِ، وثوابُ الوافى -
خبرَ اثْنَىْ آدمَ هابيل وقابيلَ ، وما آل إليه أمرُ المطيع منهما ربَّه ، الوافى بعهدِه ، وما إليه
صار أمرُ العاصى منهما ربَّه، الخاتِرِ الناقضِ عهدَه، فَلْتُعَرِّفْ بذلك اليهودَ وَخَامَةً
غِبِّ غَدْرِهم ، ونقضِهم ميثاقَهم بينك وبينَهم، وهمِّهم بما همُوا به مِن بَسْطِ
أيديهم إليك وإلى أصحابِك، فإن لك ولهم فى حسنٍ ثوابى، وعِظَم جزائى على
الوفاءِ بالعهدِ الذى جازَيْتُ المقتولَ ، الوافى بعهدِه من اثْنَىْ آدمَ ، وعاقَبْتُ به القاتلَ
الناكثَ عهدَه، عَزاءً جميلًا .
واخْتَلف أهلُ العلم فى سببٍ تقريبِ ابْنَى آدمَ القُرْبانَ ، وسببٍ قَبُولِ اللَّهِ عزّ
وجلَّ ما تَقَبَّلَ منه، ومَن اللذان قَرَّيا؟ فقال بعضُهم: كان ذلك عن أمرِ اللَّهِ جلَّ
وعزَّ إياهما بتقريبِه، وكان سببَ القَبولِ أن المُتْقَبَّلَ منه قَرَّب خيرَ مالِهِ،
وقرّب الآخرُ شرَّ مالِهِ، وكان المُقَرِّبانِ اثْنَىْ آدَمَ لصُلْبِهِ، أحدُهما هابيلُ، والآخر
قابيلُ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ،
(١) بعده فى م: ((عليك)).
(٢) فى م: ((معك)).
(٣) المغبة والغب : عاقبة الشىء وآخره .
(٤) فى م: ((الجور)). والختر: الغدر. وقيل: أسوأ الغدر وأقبحه. اللسان (خ ت ر).
(٥) فى م: ((الجائر)).
(٦) فى م: ((عدوهم)).
٣١٨
سورة المائدة: الآية ٢٧
عن هشامِ بنِ سعدٍ (١)، عن إسماعيلَ بِنِ رافعٍ، قال: بَلَغَنى أن اثْنَىْ آدمَ لما أُمِرا بالقُربانِ،
كان أحدُهما صاحبَ غنمٍ، وكان أُنْتِج له حَمَلٌ فى غنِه، فَأَحَيُّه حتى كان يُؤْثِرُه
بالليلِ ، وكان يَحْمِلُه على ظهرِهِ مِن حبِّه، حتى لم يكنْ له مالٌ أحبَّ إليه منه ، فلمّا أُمِر
بالقُربانِ قرَّبه للَّهِ فقبِلَه اللَّهُ منه، فما زال يرتَعُ فى الجنةِ حتى قُدِى به ابنُ إبراهيمَ صَلَّى اللَّهُ
عليهما(٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن أبى المغيرةِ،
١٨٧/٦ عن عبدِ اللهِ بنِ / عمرو، قال: إن ابنى آدمَ اللذين قَرَّبا قُرْبانًا فتُقُبِّل من أحدِهما ولم
يُتَقَبَّلْ من الآخرِ، كان أحدُهما صاحبَ حَرْثٍ، والآخرُ صاحبَ غنم ، وإنهما أُمِرا
أن يُقرِّبا قربانًا ، وإن صاحبَ الغنم قرَّب أكرمَ غنمِه وأَسْمَنَها وأَحْسَنها ، طيِّةً بها
نفسُه، وإن صاحبَ الحرثِ قَرَّب شرّ حرثِهِ الكَوْزَنَ(١) والزُّوَانَ(٤) ، غيرَ طيبةٍ بها
نفسُه، وإن اللَّهَ تَقَتَّل قربانَ صاحبِ الغنمِ ، ولم يَتَقَّئَّلْ قربانَ صاحبِ الحرثِ ، و کان من
قصتِهما ما قصَّ اللَّهُ فى كتابِهِ. وقال: اثُمُ اللَّهِ، إن كان المقتولُ لَأَشَدَّ الرجلين، ولكنْ
مَنَعَه التحرُّجُ أن يبسُطَ(٥) إلى أخيه (٩) .
وقال آخرون: لم يكنْ ذلك مِن أمرِهما عن أمرِ اللَّهِ إِيَّاهما به .
(١) فى م: ((سعيد)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٧/٣ عن إسماعيل بن رافع، وعزاه إلى المصنف، وينظر عرائس المجالس
ص ٣٨.
(٣) فى تاريخ المصنف: ((الكوزر))، وفى إحدى نسخه: ((الكوذر))، وفى تفسير ابن كثير ٣/ ٧٧:
((الكودن)).، وفى الدر المنثور ٢٧٣/٢: ((الكردن)). والذى وجدناه من ذلك الكردن والكززن، بمعنى
الفأس لها حدٍّ واحد، والكودن بمعنى البرذون الهجين، وقيل: هو البغل. اللسان (ك دن، كردن، کررن).
(٤) الزوان ، مثلثة بهمز ما يخرج من الطعام فيرمى به، وهو الردىء منه، ينظر تاج العروس (زون).
(٥) بعده فى م: ((يده)).
(٦) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١٤١، ١٤٢، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٧٧/٣ عن المصنف.
٣١٩
سورة المائدة: الآية ٢٧
ذكرُ من قال ذلك
حدثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : حدثنى أبى،
عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال : كان من شأنِهما أنه لم يكنْ مسكينٌ يُتَصَدَّقُ(١)
عليه، وإنما كان القُرْبانُ يُقَرّبُه الرجلُ، فبَيْنا ابنا آدمَ قاعدان ، إذ قالا: لو قَرَّبْنا قُرْبانًا -
وكان الرجلُ إِذا قَّب قُربانًا فِرَضِيَه اللَّهُ، أَرْسَل إليه نارًا فَأَكَلَتْه، وإن لم يكنْ رَضِيَهِ اللَّهُ ،
خَبَتِ النارُ - فقرَّبًا قُربانًا، وكان أحدُهما راعيًا، وكان الآخرُ حَرَاثًا، وإن صاحبَ
الغنم قرَّب خيرَ غنمِه وأسمنَها، وقَرَّب الآخرُ بَعْضَ(٢) زرعِه، فجاءتِ النارُ فَتَزَلَتْ
بينَهما، فأَكَلَتِ الشاةَ وَتَرَكَتِ الزرعَ، وإن ابنَ آدمَ قال لأخيه: أَتْشى فى الناس وقد
عِلِموا أنك قَرَّبتَ قُربانًا فتقُبّل منك ورُدَّ علىَّ؟ فلا واللَّهِ لا ينظُؤُ(٣) الناسُ إلىَّ وإليك
وأنت خيرٌ منّى . فقال: لَأَقْتُلَنَّك. فقال له أخوه : ما ذنبى؟ إنما يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِن المتقين(٤).
حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، قال : ثنا ابنُ
أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾. قال: ابنا آدمَ هابيلُ وقابيلُ
الصُلْبٍ آدَمَ ، فَقَرَّب أحدُهما شاةً ، وقرَّب الآخرُ بَقْلًا، فَقَبِل من صاحبِ الشاةِ،
فقَتَلَه صاحبُه(٥).
حدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
(١) فى م: (( فيتصدق)).
(٢) فى م: ((أبغض)).
(٣) فى م: ((تنظر)).
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٤٢/١.
(٥) تفسير مجاهد ص ٣٠٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٣/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وستأتى
بقيته فى ص ٣٣١، ٣٣٧، ٣٤١، ٣٥٣ .
٣٢٠
سورة المائدة: الآية ٢٧
حدثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال : ثنا سفيانُ، عن منصورٍ ، عن
مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ وَأَثّلُ عَلَهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾. قال: هابيلُ
وقابيلُ ، فقرَّب هابيلُ عَنَاقًا(١) من أحسنٍ غنمِه، وقرّب قابيلُ زرعًا من زرعِه . قال :
فَأَكَلَتِ النارُ العَنَاقَ ، ولم تَأْكُلِ الزرعَ، فقال: لأَقْتُلَنَّك. قال: إنما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِن
المثَّقِين .
حدثنى الحارثُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ، قال : ثنا رجلٌ سمِع مجاهدًا ، فى قوله:
وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾. قال: هو هابيلُ وقابيلُ
لصُلْبٍ آدمَ ، قَرَّبا قربانًا؛ قَرَّب(١) أحدُهما شاةً من غنمِه، وقرّب الآخرُ بَقْلًا، فتُقُبَّل
من صاحبِ الشاةِ ، فقال لصاحبِهِ: لأقتُلَنَّك. فقَتَلَه، فعَقَل اللَّهُ إحدى رِ جْلَتْه بساقِها
إلى فَخِذِها إلى يومِ القيامةِ، وجعَل وجهَه إلى الشمسٍ حيثما [٦٦٨/١ و] دارتْ، عليه
حَظِيرَةٌ مِن ثَلْج فى الشتاءِ، وعليه فى الصيفِ حظيرةٌ من نارٍ ، ومعه سبعةُ أملاكٍ، كلَّما
ذهب مَلَكٌ جاء الآخرُ(١).
١٨٨/٦
/حدثنا سفيانُ ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، ح وحدثنا هَنَّدٌ ، قال: ثنا و کیةٌ،
عن سفيانَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عثمانَ بنِ خُثيمٍ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَآَتْلُ
عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَنُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ
الْآَخَرِ﴾. قال: قَرَّب هذا كبشًا، وقرّب هذا صُبْرَةً( من طعامٍ، فَتُقُبِّل من
أحدِهما. قال: تُقُبِّل من صاحبِ الشاةِ، ولم يُتَقَبَّلْ مِن الآخرِ ).
(١) العناق: الأنثى من أولاد المَعِيز والغنم مِن حين الولادة إلى تمام خول. الوسيط (ع ن ق).
(٢) زيادة من: م.
(٣) ينظر عرائس المجالس ص ٤٠، وسيأتى بمعناه فى ص ٣٣٥ من طريق ابن جريج ، عن مجاهد .
(٤) فى ص: ((صبرًا)). والصُّبْرَةُ: الكُومَة من الطعام، والجمع: صُبّر وصِبَار. المعجم الوسيط (ص ب ر).
(٥) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٤/٦٤ من طريق عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير عن
ابن عباس نحوه مطولاً، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٣/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم .