Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
سورة المائدة : الآيتان ٢،١
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
قال أبو جعفر: [١٠٧/١٣ظ] يعنى بذلك: إن الله يقضى فى خلقِه ما يشاءُ من
تحليلٍ ما أراد تحليلَه، وتحريم ما أراد تحريمَه، وإيجابٍ ما شاء إيجابَه عليهم ، وغيرَ
ذلك من أحكامِه وقضاياه، فأوْفُوا أيها المؤمنون له بما عقَد عليكم من تحليلٍ ما أحلّ
لكم، وتحريم ما حرَّم عليكم، وغيرِ ذلك من عقودِه فلا تَنْكُثُوها ولا تَنْقُضوها .
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال : ثنا يزيدُ ، قال: أخبرنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ : إن الله حكم(٢) ما أراد فى خلقِه، وبينَّ لعباده، وفرض
فرائضَه، وحدَّ حدودَه، وأمرَ بطاعتِه، ونهى عن معصيتِه(٤) .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُواْ شَعَكَِّرَ اللَّهِ﴾.
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: / اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى معنى قولِ اللهِ جل ثناؤه: ٥٤/٦
﴿ لَا تُحِلُّواْ شَعََبِرَ اَلَّهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: "لا تُحِلُّوا محُرُماتِ اللهِ ولا تَتَعدَّوا
حدوده .
كأنهم وجَّهوا الشعائرَ إلى المعالم، وتأوَّلوا: ﴿ لَا تُحِلُواْ شَعَِّرَ اللَّهِ﴾:
معالمَ حدودِ اللهِ وأمرِه ونهِهِ وفرائضِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا عبدُ الوهابِ الثَّقفىُ، قال: ثنا حبيبٌ المعلِّمُ ، عن
(١) فى الأصل: ((عليكم)).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((الذين آمنوا)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، والدر المنثور: ((يحكم)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٥ - ٥) سقط من: الأصل .

٢٢
سورة المائدة : الآية ٢
عطاءٍ أنه سُئِل عن شعائرِ اللهِ ، فقال : حُرُماتُ اللهِ ؛ اجتنابُ سَخَطِ اللهِ، واتباعُ
طاعتِه ، فذلك شعائرُ اللهِ(١).
وقال آخرون: معنى ذلك(٢): لا تُحِلُوا حَرَمَ اللهِ. فكأنهم وجَّهوا معنى قوله :
﴿ شَعَّبِرَ اللَّهِ ﴾ . إلى معالمٍ خَرَمِ اللهِ من البلادِ .
ذكرُ من قال ذلك
[١٠٨/١٣و] حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال : ثنا
أسباطُ ، عن السُّدِىِّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَّبِرَ اللَّهِ﴾. قال: أما
((شعائرُ اللهِ)) فحَرَمُ اللهِ() .
وقال آخرون : معنى ذلك: لا تحِلُّوا مناسك الحجّ فتَضيّعوها. وكأنهم
وجهوا تأويلَ ذلك إلى: لا تُحِلُّوا معالمَ حدودِ اللهِ التى حدَّها لكم فى
حجکم .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جريج : قال
ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تُحِلُواْ شَعَبِرَ اَللَّهِ﴾. قال: مناسكُ الحَجِّ(٤).
حدَّثنى المثنى ، قال : أخبرنا أبو صالح ، قال : ثنا معاويةُ بنُ صالح ، عن علىِّ بنِ
أبي طلحةَ، عن ابنِ عباس قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُحِلُّواْ شَعَّبِرَ اللَّهِ﴾. قال:
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٤/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) فى ص، م: ((قوله)).
(٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٣/ ٨.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٤/٢ إلى المصنف .

٢٣
سورة المائدة : الآية ٢
كان المشركون يحُمُون البيتَ الحرامَ، ويُهدون الهدايا، ويعظّمون محُرْمةً المشاعرِ،
ويَتَّجِرون فى حَجِّهم ، فأراد المسلمون أن يُغِيروا عليهم، فقال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿لَا
تُحِلُواْ شَعَّيِرَ اللَّهِ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : أخبرنا عيسى ، عن ابن أبى
نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿ شَعَّبِرَ اللَّهِ﴾: الصفا والمروةُ، والهَدْىُ،
والبُدْنُ، كلُّ هذا من شعائرِ اللهِ(٢) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفةَ ، قال : ثنا شِبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثله .
وقال آخرون : معنى ذلك : لا تحلّوا ما حرَّم اللهُ عليكم فى حالٍ إحرامِكم .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ / قولَه: ﴿لَا تُحِلُواْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ﴾. قال: شعائرُ اللهِ ما نهَى اللهُ ٥٥/٦
عنه أن تصيبَه وأنت مُخْرِمٌ(٢).
قال أبو جعفرٍ: وكأن الذين قالوا هذه المقالةَ [١٠٨/١٣ظ] وجَّهوا تأويلَ ذلك
إلی : لا تُحِلُّوا معالم حدودِ اللهِ التى حرَّمها علیکم فى إحرامِكم .
(١) أخرجه النحاس فى الناسخ والمنسوخ ص ٣٦٠، وابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٢٩٩، ٣٠٠ من
طريق أبى صالح به بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٣، ٢٥٤ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم.
(٢) تفسیر مجاهد ص ٢٩٨.
(٣) بعده فى الأصل: ((قال: قال أبو جعفر)).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٤/٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم.

٢٤
سورة المائدة : الآية ٢
وأَوْلَى التأويلاتِ بقولِه: ﴿لَا تُحِلُّواْ شَعَلَِّرَ اُللَّهِ ﴾ قول عطاء الذى ذكرناه من
توجيهِه معنى ذلك إلى: لا تُحِلُّوا حُرُماتِ اللهِ، ولا تضيّعوا فرائضَه؛ لأن الشعائرَ
جمعُ شعيرةٍ ، والشعيرةُ فعيلةٌ ، من قولِ القائلِ: قد شعَر فلانٌ بهذا الأمرِ . إذا علِم
به، فالشعائرُ المعالمُ من ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلام : لا
تَسْتَحِلُّوا، أيها الذين آمنوا ، معالمَ اللهِ . فيدخُلُ فى ذلك معالمُ اللهِ كلّها فى مناسكِ
الحجِّ، من(١) تحريم ما حرَّم اللهُ(٢) إصابته فيها على المحّرِمِ، وتضييعٍ ما نهى عن تضييعه
فيها ، وفيما حرَّم من استحلال مخزماتٍ حَرَمِه، وغير ذلك من حدودِه وفرائضِه ،
وحلالِه وحرامِه؛ لأن كلَّ ذلك من معالمه وشعائرِه التى جعَلها أماراتٍ بينَ الحقِّ
والباطلِ، يُعْلِمُ بها حلالَه وحرامَه، وأمرَه ونهيه .
وإنما قلنا: هذا(٢) القولُ أولى بتأويلٍ قولِه تعالى: ﴿لَا تُحِلُّواْ شَعَِّرَ اللَّهِ﴾.
لأن الله جل ثناؤه نهى عن استحلال شعائرِه ومعالِم حدودِه وإحلالها نهيًا عامًّا من
غیرِ اختصاصٍ شیء من ذلك دونَ شىءٍ ، ( فلم يجز) لأحدٍ أن یوجه معنی ذلك إلی
الخصوصِ إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها ، ولا حجةً بذلك كذلك.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ ﴾ .
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللهُ: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿ وَلَا الشَّهْرَ
اُلْحَرَامَ﴾: ولا تستحِلُّوا الشهرَ الحرامَ بقتالِكم فيه (١) أعداءَكم من المشركين، وهو
(١) فى الأصل: ((فى)).
(٢) سقط من : الأصل .
(٣) فى م: ((ذلك)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((فلن يجوز)).
(٥) فى م: (( به)) .

٢٥
سورة المائدة : الآية ٢
[البقرة: ٢١٧].
ج
كقوله: ﴿ يَسْشَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيَةِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال ابنُ عباسٍ وغیرُه.
ذكرُ من قال ذلك
[١٠٩/١٣ و] حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ،
عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾. يعنى: لا تستحلُّوا قتالًا فيه(١).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ ، قال: كان المشركُ يومَئذٍ لا يُصَدُّ عن البيتِ (٢) ، فأُمِروا ألا يقاتِلوا فى الشهرِ
الحرام٣ِ) ولا عندَ البيتِ(٤).
قال أبو جعفرٍ: وأما ((الشهرُ الحرامُ)) الذى عناه اللهُ جل ثناؤه بقوله: ﴿ وَلَا
الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ فرجبُ مُضَرَ. وهو شهرٌ كانت مضرُ تُحُرِّمُ فيه القتالَ .
وقد قيل : هو فى هذا الموضعِ ذو القَعْدةِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجْ، عن ابن جريج، عن
عكرمةً، قال : هو ذو القَعْدةِ (٥).
(١) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص٢٩٩، ٣٠٠ من طريق أبى صالح به .
(٢) فى الأصل: ((بيت الله)).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((الأشهر الحرم)).
(٤) تفسير عبد الرزاق ١٨٢/١، ومن طريقه النحاس فى ناسخه ص ٣٥٩، وابن الجوزى فى
نواسخه ص ٣٠٠، ٣٠١ مطولًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٤/٢ إلى عبد بن حميد،
وستأتى بقيته فى ص ٢٧، ٣٦، ٣٩.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٤/٢ إلى المصنف.

٢٦
سورة المائدة : الآية ٢
قال أبو جعفرٍ : وقد بيَّنا الدَّلالةَ على صحة ما قلنا فى ذلك فيما مضى. وذلك
فى تأويلٍ قوله: ﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ [البقرة: ٢١٧].
(١)
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه : ﴿ وَلَ اُلْهَدْىَ وَلَا اُلْقَلَبِدَ ﴾
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللهُ: أما الهَدْىُ، فهو ما أهداه (٢المرءُ من بعيرٍ]
أو بقرةٍ أو شاةٍ أو غيرِ ذلك إلى بيتِ اللهِ ؛ تقرّبًّا به إلى الله جل ثناؤه / وطلبَ ثوابِه. ٥٦/٦
يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ : فلا تستحلُّوا ذلك فتَغصِبوه (٣) أهلَه عليه، ولا تَحُولُوا بيتَهم
وبينَ ما أَهْدَوا من ذلك أن (يُتَلِّغوه مَحِلَّه من الحَرَمِ، ولكن خُلُّوهم وإياه حتىٌ يَتْلُغوا
به المُحَلَّ الذى جعله اللهُ مَحِلَّه من كعبتِه .
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ أن الهَدْىَ إنما يكونُ هديًا ما لم يقلّدْ .
حدَّثنى بذلك محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنٍ عباس قولَه: ﴿ وَلَ اُلْهَدْىَ﴾. قال: الهَدْىُ ما لم يقلَّدْ، وقد
جعَلُ) على نفسِه أن يُهْديَه ويقلِّدَه(١).
وأما قولُه: ﴿وَلَا الْقَلَبِدَ﴾. فإنه يعنى: ولا تُحِلُّوا أيضًا القلائدَ.
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى ((القلائدِ)) التى نهَى اللهُ جل ثناؤه عن إحلالِها ؛
فقال بعضُهم: عنَى بالقلائدِ قلائدَ الهدى. وقالوا: إنما أراد اللهُ بقولِه: ﴿ وَلَا اُلْهَدْىَ
(١) ينظر ما تقدم فى ٦٤٨/٣ وما بعدها .
(٢ - ٢) فى الأصل: ((المؤمن بعيرا)).
(٣) فى م: (( فتغضبوا)) .
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت ٣، س .
(٥) فى الأصل: (( جعله)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٤/٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم .

٢٧
سورة المائدة : الآية ٢
وَلَا الْقَلَبِدَ﴾: ولا تُحِلُّوا الهدايا المقلَّداتِ منها وغيرَ المقلَّداتِ. فقولُه(١): ﴿وَلَا
اُلْهَدْىَ﴾. ما لم يقلَّدْ من الهدايا، ﴿ وَلَا الْقَلَبِدَ﴾ المقلَّدُ منها. قالوا: ودلَّ بقولِه :
﴿ وَلَا اُلْقَلَيِدَ﴾. على معنى ما أراد من النهى عن استحلالِ الهدايا المقلَّدةِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ قولَه: ﴿ وَلَا اُلْفَلَيِدَ ﴾: القلائدُ مقَّداتُ الهدي، وإذا قلَّد
الرجلُ هديَه فقد أَحْرَم ، فإن فعل ذلك وعليه قميصُه فلْيخلَعْه(٢).
وقال آخرون : يعنى بذلك القلائدَ التى كان المشركون يتقلَّدونها إذا أرادوا الحيَّ
مُقْبِلين إلى مكةً، من لحاءِ السَّمُرِ ، وإذا خرَجوا منها إلى منازلهم منصرفين منها ، من
الشَّعَرِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ لَا تُحِلُّواْ شَعَّبِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهَرَ الْحَرَامَ﴾. قال : كان الرجلُ فى الجاهليةِ إذا
خرَجَ من بيتِه يريدُ الحَجَّ، تقلّد ١ من السَّمُرِ [١١٠/١٣ و] فلم يعرِضْ له أحدٌ ، وإذا رجَع
تقلَّد قِلادةَ شَعَرٍ، فلم يعرِضْ له أحدٌ (٥).
(١) فى الأصل، ص: ((بقوله)) .
(٢) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة .
(٣) السَّمُر: ضرب من العِضاه، وقيل: من الشجر صغار الورق قِصار الشوك وله بَرَمَة صفراء يأكلها الناس،
وليس فى العضاه شىء أجود خشبًا من السَّمُر. اللسان (س م ر).
(٤) فى ص: ((يقلد)). وهو موافق لإحدى نسخ تفسير عبد الرزاق .
(٥) تقدم تخريجه فى ص ٢٥ .

٢٨
سورة المائدة : الآية ٢
وقال آخرون : بل كان الرجلُ منهم يتقلَّدُ إذا أراد الخروجَ من الحَرَمِ أو خرَج ، من
لحِاءِ شجَرِ الحَرَمِ، فيأمَنُ بذلك من سائرٍ قبائلِ العربِ أن يعرِضوا له بسوء.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن مالكِ بنِ مِغْولٍ، عن عطاءٍ: ﴿ وَلَا
اُلْقَلَئِدَ﴾. قال: كانوا يتقلَّدون من لحاءٍ شجرِ الحَرَم، يأمنون بذلك (١) إذا خرَجوا
من الحَرَمِ، فنزلت: ﴿لَا تُحِلُّواْ شَعَّبِرَ اللّهِ﴾ الآية - ﴿وَلَا الْهَدْىَ وَلَا اُلْقَلَيَدَ﴾(١).
حدثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى
نجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَلَا اُلْقَلَبِدَ﴾ قال: القلائدُ اللَّحاءُ فى رِقابِ الناسِ والبهائمِ
(٣)
أمنٌ لهم(٢).
حدثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن
مجاهدٍ مثله .
٥٧/٦
/ حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشدىِّ قوله: ﴿وَلَا اُلْهَدْىَ وَلَا اُلْقَلَيِدَ﴾. قال: إن العربَ كانوا يقلِّدون(4) من
لِجاءِ شجرِ مكةَ ، فيقيمُ الرجلُ بمكانِهِ، حتى إذا انقضتِ الأشهرُ الحُمُ فأراد أن يرجِعَ إلى
أهلِه قلَّد نفسَه وناقته من لحاءِ الشجرِ، فيأمنُ حتى يأتىَ أهلَه(٥) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا
(١) فى الأصل: (( به)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٤/٢ إلى المصنف.
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٩٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٤/٢ إلى عبد بن حميد.
(٤) فى م: ((يتقلدون)).
(٥) ينظر التبيان ٣/ ٤٢٠.

٢٩
سورة المائدة : الآية ٢
اُلْقَلَتِدَ﴾. قال: القلائدُ، كان الرجلُ يأخُذُ لِجاءَ شجرةٍ من شجرِ الحَرَمِ
فيُقلَّدُها(١)، ثم يذهَبُ حيث شاء، فيأمنُ بذلك، فذلك القلائدُ(٢).
وقال آخرون(٣): إنما نھَى(٤) اللهُ المؤمنين بقوله: ﴿ وَلَا الْقَلَتِدَ﴾. أن ينزِعوا
شيئًا من شجرِ الحرَمٍ فيتقلَّدوه ، كما كان المشركون يفعلونه(٢) فى جاهليتهم .
[١٠/١٣ ١ظ] ذكرُ من قال ذلك
أخبرنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ فى قوله: ﴿ وَلَا
الْهَدْىَ وَلَا اُلْقَلَئِدَ﴾: كان المشركون يأخذون من شجرِ مكةَ من لحاءِ السَّمُرِ
فيتقلَّدونها، فيأمَنون بها من الناسِ، فنهَى اللهُ أن يُنْزَعَ شجرُها فيُتَقلَّدَ(٦).
أخبرنا ابنُ وكيع، قال : أخبرنا عبيدُ اللهِ، عن أبى جعفرٍ الرازىِّ، عن الربيعِ بنِ
أنسٍ ، قال: جلَسنا إلى مطرّفٍ بنِ الشِّخِّيرِ وعنده رجلٌ، فحدَّثهم فى قوله: ﴿ وَلَا
الْقَلَبِدَ﴾. قال: كان المشركون يأخذون من شجرِ مكةً من لحاءِ السَّمُرِ
فيتقلَّدونها(٧)، فيأمَنون بها فى الناسِ، فنهَى اللهُ عزَّذكرُه أن يُنْزَعَ شجرُها فيتقلَّدَ(٢).
والذى هو أولى بتأويل قوله: ﴿ وَلَا اٌلْقَلَيِدَ﴾. إذ كانت معطوفةً على أولِ
الكلامِ، ولم يكنْ فى الكلام ما يدلُّ على انقطاعها عن أولِه ، ولا أنه عنَى بها النهىَ
(١) فى م: ((فيتقلدها)).
(٢) ينظر التبيان ٣/ ٤٢٠.
(٣) بعده فى الأصل: ((بل)).
(٤) فى الأصل، ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((عنى)).
(٥) فى م: ((يفعلون)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٤/٢ إلى عبد بن حميد.
(٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( فيتقلدون)).

٣٠
سورة المائدة : الآية ٢
عن التقلُّدِ أو (١) اتخاذِ القلائدِ من شىءٍ - أن يكونَ معناه: ولا تُحِلُّوا القلائدَ . فإذ كان
ذلك بتأويلِه أولى ، فمعلومٌ أنه نهىٌّ من اللهِ جلَّ ذكرُه عن استحلالِ حُرمةِ المقلَّدِ ،
هديًا كان ذلك أو إنسانًا ، دونَ حرمةِ القِلادةِ ، وأن الله تعالى ذكره إنما دلَّ بتحريمِه
حرمةَ القِلادةٍ(٢) على ما ذكرنا من حرمةِ المقلَّدِ ، فاجتَزأ بذكرِهِ القلائدَ من ذكرِ
المقلَّدِ؛ إذ كان مفهومًا عندَ المخاطَبين بذلك(٣) معنى ما أُرِيد به.
فمعنى الآيةِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا : يا أيها الذين آمنوا لا تُحِلُّوا شعائرَ اللهِ
ولا الشهرَ الحرامَ ولا الهَدْىَ، ولا المقلِّدَ نفسَهُ(٤) بقلائدِ الحرَمِ.
وقد ذكَّر بعضُ الشعراءِ فى شِعرِهِ ما ذكرنا عمن تأول القلائدَ أنها قلائدُ لِحِاءٍ
شجرِ الحرَمِ الذى كان أهلُ الجاهليةِ يتقلَّدونه ، فقال وهو يعيبُ رجلين قتَلا رجلين
كانا تقلَّدا ذلك(٥) :
أَلَمْ تَقْتُلاً) الحِرْجَينِ(٧) إذ أَغْوَرَاكُمَا(٨)
يُمِرَّانِ بالأيدى (٩) اللِّحاءَ المُضَفَّرَا
والحرْجانِ: المقتولان كذلك. ومعنى قوله: أعوراكما : أَمكَنا كما من عورتِهما .
(١) فى الأصل: ((و)).
(٢) فى الأصل: ((القلائد)).
(٣) فى الأصل: ((فذلك)).
(٤) فى م: ((بقسميه)) .
(٥) القائل هو حذيفة بن أنس الهذلى، والبيت فى ديوان الهذليين ٣/ ١٩.
(٦) فى الديوان: ((تقتلوا)).
(٧) الجِرجان: رجلان أبيضان كالودعة، فإما أن يكون البياض لونهما، وإما أن يكون كنَى بذلك عن
شرفهما، وكان هذان الرجلان قد قشرا لحاء شجر الكعبة ليتخفرا بذلك . اللسان (ح رج)، وينظر شرح أشعار
الهذلیین ٢/ ٥٥٥.
(٨) فى الأصل: ((أعوزاكما))، وفى الديوان: ((أعورا لكم)).
(٩) فى الدیوان: ((فى الأيدى)) .

٣١
سورة المائدة : الآية ٢
٥٨/٦
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَلَآ ءَآمِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ .
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللهُ: يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿ وَلَّ ءَآمِينَ
الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: ولا تُحِلُّوا قاصدين البيتَ الحرامَ العامِديه. يقالُ منه: أبحثُ(١)
كذا. إذا قصَدْتَه وعمَدْتَه. وبعضُهم يقولُ: يَمَّمْتُه. كما قال الشاعرُ(٢):
يَمَمْتُ صِدْرَ بعیری غیرَه بَدَا
إنّى كذاك إذا ما ساءنى بَدٌ
والبيتُ الحرام بيتُ اللهِ الذى بمكةً .
وقد بيَنتُ فيما مضَى لمَ قيل له: الحرامُ(١).
يَبْنَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّتِهِمْ﴾، يعنى: يلتمِسون أرباحًا فى تجاراتِهم من اللهِ،
وَرِضْوَانًا﴾. يقولُ: وأن يَرْضَى اللهُ عنهم بنُسُكِهم .
وقد قيل: إن هذه الآيةَ نزَلت فى رجلٍ من (٤) ربيعةَ يقالُ له : الحُطَمُ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدىِّ، قال: أَقْبَل الحُطَمُ بنُ هندِ البكرىُّ، ثم أحدُ بنى قيسٍ بن ثعلبةَ، حتى أُتَّى
النبيَّ عَّهِ وحدَه، وخلَّف خيلَه خارجًا (٥) من المدينةِ ، فدعاه فقال: إلامَ تَدْعُو؟
فَأَخْبَرِه - وقد كان النبىُّ ◌َِّ قال لأصحابه: ((يدخُلُ اليومَ(١) عليكم رجلٌ من ربيعةً،
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((أقمت)).
(٢) ينظر البيت فى مجاز القرآن لأبى عبيدة ١/ ١٤٦، وفتح البارى ٨/ ٢٧٢.
(٣) ينظر ما تقدم فى ٥٣٦/٢ - ٥٤٢.
(٤) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بنى)). وينظر الدر المنثور ٢٥٤/٢.
(٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((خارجة)).
(٦) سقط من : الأصل .

٣٢
سورة المائدة : الآية ٢
يتكلّمُ بلسانِ شيطانٍ )) - فلما أَخْبَرِهِ النبيُّ عَلِ قال: انْظُرُوا لعِّى أُسْلِمُ، ولى من
أُشاورُهُ(١). [١١/١٣ ١ظ] فخرج من عندِه، فقال رسولُ اللهِ عَ له: «لقد دخَل بوجهٍ
كافرٍ، وخرَج بعَقِبٍ غادرٍ )). فمرَّ بسَرح من سَرْحِ المدينةِ ، فساقه، فانطلق به وهو
(٢)
(٣)
يرتجز(٢) :
قَدْ لِفَّها الليلُ بسوَّاقٍ خُطَمْ (٤)
ليس براعى إبلٍ ولا غَنَمْ
ولا بجزَّارٍ على ظَهْرِ الوَضَمْ (٥)
باتوا نيامًا وابنُ هندٍ لم يَنَمْ
بات يقاسيها غلام كالزَّلَمْ ()
خَدَلَّجُ الساقين(٢) ممسوخ القَدَمْ
ثم أَقْل من عامٍ قابلٍ حاجًا ، قد قلَّد الهَدْىَ(٨)، فأراد رسولُ اللهِ يَّامٍ أَن يبعَثَ
إليه ، فنزلت هذه الآيةُ، حتى بلَغ: ﴿ وَلَآ ءَآتِيْنَ اُلْبَيْتَ الْحَرَامَ ﴾. قال له ناس من
(١) فى الأصل: ((أساوره)).
(٢) الشرح: المال يُسام فى المرعى من الأنعام. اللسان (س رح).
(٣) هذا الرجز روى بأكثر من وجه ونسب إلى غير واحد. فنسبه فى الأغانى ٢٥٤/١٥، وجمهرة
اللغة ١٧/٣، وحماسة أبى تمام ٢٠٦/١، ٢٠٧ - إلى رشيد بن رميص العنزى ، ونسبه فى البيان والتبيين
٢/ ٣٠٨، والكامل ٣٨١/١ إلى الحجاج بن يوسف، ونسبه فى الحماسة الشجرية ١٤٤/١ إلى الأغلب
العجلى، ونسبه فى سمط اللآلىء ٧٢٩/٢ إلى الحُطَم القيسى .
(٤) الحطم: العنيف برعاية الإبل فى السّوق والإيراد والإصدار، ويلقى بعضها على بعض ويعسفها. النهاية ١/ ٤٠٢.
(٥) الوضم: كل شىء يوضع عليه اللحم من خشب أو بارية يوقى به من الأرض. اللسان (وض م).
(٦) الزُّلَم والرَّلَم : القِدْح الذى لا ريش عليه. اللسان (ز ل م).
(٧) خدلج الساقين: عظيمهما . اللسان (خدلج).
(٨) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((وأهدى)).

٣٣
سورة المائدة : الآية ٢
أصحابِه: يا رسولَ اللهِ، خلِّ بيننا وبينَه، فإنه صاحبنا، قال: ((إنه قد قلَّد)). قالوا:
إنما هو شىءٌ كنا نصنَعُه فى الجاهليةِ. فأبى عليهم ، فنزَلت هذه الآيةُ فيه(١) .
٥٩/٦
/ حدثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسینُ، قال : ثنی حجاج، عن ابن جريج، عن
عكرمةَ، قال: قدِمِ الحُطَمُ أخو(٢) بنى ضُبَيعةَ بنِ ثعلبةَ البكرىُ المدينةَ فى عِيرٍ له تحمِلُ()
طعامًا، فباعه، ثم دخَل على النبيِّ عَ لَّهِ، فبايعه وأَسْلَم، فلما ولَّى خارجًا نظَر إليه ،
فقال لمن عندَه: ((لقد دخَل علىَّ بوجهٍ فاجرٍ، وولَّى بقَفَا غادرٍ )). فلما قدِم اليمامةَ
ارتدَّ عن الإسلامِ، وخرَج فى عيرٍ له تحملُ الطعامَ فى ذى القَعدةِ يريدُ مكةَ ، فلما
سمِع به أصحابُ رسولِ اللهِ عَ لَه، تهيّأ للخروج إليه نفرٌ من المهاجرين والأنصارِ
ليقتَطِعوه فى عيرِهِ، فَأَنْزَل اللهُ: ﴿ يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُواْ شَعََبِرَ اللَّهِ﴾ الآية.
فانتهى القومُ (٤).
قال ابنُ جريج: قوله: ﴿ وَلَآَ ءَآَمِينَ اُلْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. قال: يَنْهَى عن الحُجَّاج
أن تُقْطَعَ سُبْلُهم(٥). قال: وذلك أن الخُطَمَ قدِم على النبيِّ عَ لَه [١١٢/١٣و] ليرتادَ
وينظُرَ، فقال: إنى داعيةُ قومى(١)، (وسيدُ قومى٢)، فاعرِضْ علىَّ ما تقولُ . فقال
له: ((أَدْعُوك إلى اللهِ أن تعبُدَه ولا تشرِكَ به شيئًا، وتقيمَ الصلاةَ، وتؤتیَ الزكاةَ ،
وتصومَ رمضانَ، وتُحُجّ البيتَ)). فقال الحُطَمُ: فى أمرِك هذا غِلظٌ ، أرجِعُ إلى قومى
(١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٤/٢ إلى المصنف .
(٢) فى الأصل: ((أحد)).
(٣) فى م: ((يحمل)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥٤، ٢٥٥ إلى المصنف وابن المنذر.
(٥) فى الأصل: ((سبيلهم)).
(٦) فى الأصل، ص، ت ١، س: ((قوم)).
(٧ - ٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
( تفسير الطبرى ٣/٨ )

٣٤
سورة المائدة : الآية ٢
فأذكُرُ لهم ما ذكّرتَ ، فإن قبِلوه أقْبَلت معهم، وإن أدْبَروا كنت معهم . قال له :
((ارجعْ)). فلما خرَج، قال: ((لقد دخَل علىَّ بوجهِ كافرٍ، وخرّج من عندى بقفاً(١)
غادرٍ ، وما الرجلُ بمسلمٍ )). فمرَّ على سَرْحِ لأَهلِ المدينةِ فانطَلق به ، فطلَبه أصحابُ
رسولِ اللهِ وَ لَّهِ ففاتهم، وقدِم اليمامةَ، وحضَر الحجُّ، فتَجهَّز) خارجًا، وكان
عظيمَ التجارةِ ، فاستأذنوا أن يتلقَّوه ويأخُذوا ما معه، فأَنْزَل اللهُ جل ثناؤه: ﴿لَا
تُحِلُواْ شَعََبِرَ اَللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا اُلْهَدْىَ وَلَا اُلْقَلَيِدَ وَلَآ ءَآَمِيْنَ اُلْبَيْتَ الْخَرَامَ﴾
الآية(٣) .
حدثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَآَ
ءَآمِينَ أَلْبَيْتَ الْخَرَامَ﴾ الآية. قال: هذا يومَ الفتح، جاء ناسٌ يُؤُمُّون البيتَ(٤) من
المشركين، يُهِلُّون بعمرةٍ ، فقال المسلمون: يا رسولَ اللهِ ، إنما هؤلاء مشركون، فمثلُ
هؤلاء فلن ندَعَهم إلا أن نُغِيرَ عليهم. فنزَل القرآنُ: ﴿ وَلَآ ءَآمِينَ الْبَيْتَ الْخَرَامَ﴾(٥).
حدثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَآ ءَآَمِيْنَ اُلْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. يقولُ: من توجّه حابًّا (٦).
حدثنى المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ (١)، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن مجوَيبٍ،
(١) فى ص، م: ((بعقبى)).
(٢) فى ص، م: ((فجهز)).
(٣) ذكره القرطبى فى تفسيره ٤٣/٦ ببعضه، وابن كثير فى تفسيره ٨/٣ بنحوه.
(٤) بعده فى الأصل: ((الحرام)) .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٥/٢ إلى المصنف.
(٦) تقدم تخريجه فی ص ٢٦.
(٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((عوف)).
(٨) فى الأصل: ((جرير)).

٣٥
سورة المائدة : الآية ٢
عن الضخَّاكِ فى قوله: ﴿ وَلَآ ءَآمِينَ اُلْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. يعنى الحاجَّ .
حدثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن أبى جعفرٍ
الرازىِّ، عن الربيع بنِ أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مطرِّفِ بنِ الشِّخِّيرِ وعندَه
رجلٌ، فحدَّثهمُ) فقال: ﴿ءَمِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. قال: الذين يريدون
البيت(٢).
قال أبو جعفرٍ : ثم اخْتَلف أهلُ العلم فيما نُسِخ من هذه الآيةِ ، بعدَ إجماعهم
على أن منها منسوخًا؛ فقال [١١٢/١٣] بعضُهم: نُسِخ جميعُها .
/ ذكرُ من قال ذلك
٦٠/٦
حدثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن بيانٍ، عن عامٍ، قال: لم يُنْسَخْ من
((المائدةِ)) إلا هذه الآيةُ: ﴿لَا تُحِلُواْ شَعََبِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا اُلْهَدْىَ وَلَا
اُلْقَلَبِدَ﴾ .
حدثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بنِ حسين، عن الحكم،
عن مجاهدٍ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُواْ شَعََيِرَ اللَّهِ﴾: نسختها: ﴿فَأَقْتُلُواْ
(٣)
اُلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ [ التوبة: ٥].
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا الثورىُّ، عن
بيانٍ، عن الشعبىِّ، قال: لم يُنْسَخْ من سورةِ ((المائدةِ)) غيرُ هذه الآيةِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
(١) فى الأصل: ( یحدثهم )).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٥/٢ إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه ابن الجوزى فى ناسخه ص ٣٠٠ من طريق يزيد به .
1

٣٦
سورة المائدة : الآية ٢
ءَامَنُواْ لَا تُحِلُواْ شَعَكَِّرَ اَللَّهِ﴾(١).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً فى قولِه: ﴿لَا تُحِلُواْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الآية. قال: منسوخٌ .
قال: كان المشركُ يومَئذٍ لا يُصَدُّ عن البيتِ ، فَأُمِروا ألا يقاتِلوا فى الأشهرِ الحُرُم ، ولا
عندَ البيتِ، فنسَخها قولُه: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُوهُمْ﴾(٢).
حدثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو معاويةً، عن مجويبرٍ، عن الضّاكِ: ﴿لَا تُحِلُّواْ
شَعَِّرَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَآ ءَآْقِيْنَ اُلْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ قال: نسختها ((براءةُ )):
فَأَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾(٢).
حدثنا المثنى، قال : ثنا عمرُو بنُ عونٍ ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن مجُوَثِيرٍ عن
الضَّّاكِ مثلَه .
حدثنا ابنُ حُمیدِ وابنُ و کیع، قالا : ثنا جرير(١) ، عن منصورٍ ، عن حبيب بنِ أبی
ثابتٍ: ﴿لَا تُحِلُواْ شَعََيِرَ اَللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا اُلْهَذْىَ وَلَا اُلْقَلَبِدَ﴾. قال(١):
هذا شىءٌ نُّهِى عنه ، فتُرِك كما هو. وقال ابنُ حُميدٍ فى حديثه عن حبيبٍ : فقال :
شىءٌ كان نُهى عنه فنزلت ) .
(١) تفسير سفيان ص ٩٩ - ومن طريقه أبو عبيد فى ناسخه ص ١٨٢ ، وابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص
٣٠١ - وتفسير عبد الرزاق ١٨١/١ ومن طريقه النحاس فى ناسخه ص ٣٥٨، وأخرجه سعيد بن منصور فى
سننه (٧١٢ - تفسير) من طريق بيان به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٢/٢ إلى عبد بن حميد وأبى داود
فی ناسخه وابن المنذر .
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٢٥ .
(٣) ينظر التبيان ٤٢٢/٣.
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٥) فى م، ت ٢، ت ٣، س: ((جويير))، وفى ت ١: ((جوهر)).
(٦) بعده فى الأصل: (( كان)).
(٧ - ٧) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وينظر الأثر فى التبيان ٣/ ٤٢٢.

٣٧
سورة المائدة : الآية ٢
حدثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُواْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهَرَ الْحَرَامَ وَلَ اُلْهَدْىَ وَلَا
اَلْقَلَبِدَ [١١٣/١٣و] وَلَآ ءَآمِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. قال: هذا كلَّه منسوخٌ، نسخ
هذا ما (١) أمَره بجهادِهم كافَّةً(٢).
وقال آخرون: الذى نُسِخ من هذه الآيةِ قولُه: ﴿ وَلَا الشَّهْرَ اَلْحَرَامَ وَلَا اُلْهَدْىَ
وَلَا اُلْقَلَبِدَ وَلَآ ءَآمِينَ اَلْبَيْتَ الْحَرَامَ ﴾ .
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا عَبْدةُ (١) بنُ سليمانَ ، قال : قرأتُ على ابنِ أبى عَرُوبةَ،
فقال: هكذا سمِعته من قتادةً: نُسِخ من ((المائدةِ)): ﴿ وَلَآ ءَآَمِينَ اُلْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾
نسختها ((براءةُ))(٤)، قال اللهُ: ﴿فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُّمُوهُمْ﴾. وقال :
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اَللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ ﴾
[ التوبة: ١٧]. وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ
ج
عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٧]. وهو العامُ الذى حجَّ فيه أبو بكرٍ، فنادى علىِّ فيه
(٦)
بالأَذانِ(٦) .
حدثنى المثنى ، قال : ثنا الحجّاجُ بنُ المِنْهالِ ، قال: ثنا همَّامُ بنُ يحيى، عن قتادةَ
قولَه: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَّبِرَ اللَّهِ﴾ الآية. قال: فُسِخ منها: ﴿ وَلَآَ
(١) سقط من: م.
(٢) ينظر التبيان ٣/ ٤٢٢.
(٣) فى الأصل: ((عبيدة)). وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٥٣٠.
(٤) بعده فى الأصل: ((من الله ورسوله)).
(٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٦) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٢٩٩ من طريق سعيد بن أبى عروبة به . وقوله : بالأذان . يشير
إلى الآية الثانية من سورة التوبة .

٣٨
سورة المائدة : الآية ٢
ءَآمِينَ اُلْبَيْتَ الْخَرَامَ﴾، نسَختها ((براءةُ))، فقال: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فذكَر نحوَ حديثِ عَبْدةَ، إلا أنه زاد فيه: فقال: نادى علىّ
بالأذانِ. يعنى: قرأ عليهم سورةَ ((براءةَ))).
٦١/٦
/ حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدىِّ، قال: نزَل فى شأنِ الحُطَم: ﴿ وَلَا اُلْهَدْىَ وَلَا اُلْقَلَبِدَ وَلَآ ءَآَمِينَ اٌلْبَيْتَ
اْخَرَامَ﴾. ثم نسخه اللهُ فقال: ﴿ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَفِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١].
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ
صالحٍ، عن علىٍّ بن أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يُحِلُواْ شَعَِّرَ
اللَّهِ﴾. إلى قوله: ﴿ وَلَآ ءَلْقِيْنَ اٌلْبَيْتَ الْخَرَامَ﴾: وكان المؤمنون والمشركون
يحبُجون البيتَ) جميعًا، فنهى اللهُ المؤمنين أن يمنعوا أحدًا أن يحُجّ البيتَ ، أو يعرِضوا له
من مؤمنٍ أو كافرٍ، ثم أَنْزَل اللهُ بعدَ هذا: ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [١١٣/١٣ ظ] فَلَ
يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. وقال: ﴿مَا كَانَ
لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اَللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧]. وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ
ءَمَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. فتَفى المشركين من المسجد الحرامِ().
حدثنا الحسنُ بنُ يحبى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً فى قولِه: ﴿ لَا تُحِلُواْ شَعََيِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهَرَ الْحَرَامَ﴾ الآية. قال: منسوخٌ،
كان الرجلُ فى الجاهليةِ إذا خرج من بيتِه يريدُ الحَّ، تقلَّد من السَّمُرِ ، فلم يعرِضْ له
أحدٌ ، وإذا رجَع تقلَّ قِلادةَ شَعَرٍ ، فلم يعرِضْ له أحدٌ ، وكان المشركُ يومَئذٍ لا يُصَدُّ
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) أخرجه النحاس فى الناسخ والمنسوخ ص ٣٥٩، ٣٦٠ من طريق عبد الله بن صالح به .

٣٩
سورة المائدة : الآية ٢
عن البيتِ، فَأُمِروا ألا يقاتلوا فى الأشهرِ الحُم، ولا عندَ البيتِ ، فنسخها قولُه :
فَاقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾(١).
وقال آخرون : لم يُنْسَخْ من ذلك شىءٌ إلا القلائدُ التى كانت فى(٢) الجاهلية
يتقلَّدونها من لحاءِ الشجرِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبی نَجیح ،
عن مجاهدٍ فى قولِه عز وجل: ﴿لَا تُحِلُواْ شَعََبِرَ اَللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الآية. قال
أصحابُ محمدٍ عَ لَّهِ: هذا كلُّه من عملِ الجاهليةِ، فعلُه وإقامتُه، فحرَّم اللهُ ذلك
كلَّه بالإسلام إلا لِحاءَ القلائدِ، فتُرك ذلك، ﴿ وَلَآ ءَآتِيْنَ الْبَيْتَ الْخَرَامَ﴾ . فحرَّم
اللهُ على كلِّ أحدٍ إِخافتَهم (٣) .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن
(٤)
مجاهدٍ مثله(٤) .
قال أبو جعفرِ رحِمه اللهُ : وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصحةِ قولُ من قال : نسخ
اللهُ من هذه الآيةِ قوله: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا اُلْهَدْىَ وَلَا الْقَلَبِدَ وَلَآَ ءَآَمِيْنَ اَلْبَيْتَ
الْخَرَامَ ﴾. لإجماع الجميع (١) على أن الله جل ثناؤه قد أَحَلَّ قتالَ أَهلِ الشركِ فى
الأشهرِ الحُرُمِ وغيرِها من شهورِ السنةِ كلِّها، وكذلك أَجْمَعوا على أن المشركَ لوقلَّد
(١) تقدم تخريجه فى ص ٢٥ .
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.
(٣) تفسیر مجاهد ص ٢٩٨، ٢٩٩.
(٤) سقط من: ص، ت ١.
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الجمع)).

٤٠
سورة المائدة : الآية ٢
عنقه أو ذراعيه لِحاءَ جميع أشجارِ الحَمِ ، لم يكنْ [١٤/١٣ ١ و] ذلك له أمانًا من القتل
إذا(١) لم يكنْ تقدَّم له عقدُ ذِمَّةٍ من المسلمين أو أمانٌ .
وقد بيَّنا فيما مضى معنى ((القلائدِ)) فى غيرِ هذا الموضعِ ".
٦٢/٦
وأما قولُه: ﴿ وَلَآ ءَآمِينَ الْبَيْتَ الْخَرَامَ﴾. فإنه محتمِلٌ ظاهرُه: ولا تُحِلُّوا حرمةَ
آمِّين البيتَ الحرامِ من أهلِ الشركِ والإسلامِ. لعمومِه جميعَ من أمَّ البيتَ، وإذا احتمل
ذلك، فكان أهلُ الشركِ داخلين فى جملتِهم، فلا شكَّ أن قوله: ﴿فَاقْتُلُواْ
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُّمُوهُمْ﴾ ناسخٌ له؛ لأنه غيرُ جائزٍ اجتماعُ الأمرِ بقتلِهم وترُ
قتلِهِم فى حالٍ واحدةٍ ووقتٍ واحدٍ ، وفى إجماع الجميعِ على أن حكمَ اللهِ فى أهلٍ
الحربِ / من المشركين قتلُهم ، أمُّوا البيت الحرام أو البيتَ المقدسَ، فى أشهرِ الحُرُم
وغيرِها (١ - ما يُعْلِمُ أن المنعَ من قتلِهِم إذا أمُّوا البيتَ الحرامَ منسوخٌ. ومحتمِلٌ أيضا :
ولا آمِّين البيتَ الحرامَ من أهلِ الشركِ. وأكثرُ أهلِ التأويلِ على ذلك، وإن كان ◌ُنِى
بذلك المشركون من أهلِ الحربِ، فهو أيضًا لا شكُّ منسوخٌ، وإذ كان ذلك
كذلك، " وكان" لا اختلافَ فى ذلك بينَهم ظاهرٌ، وكان ما كان ° مستفيضًا
فيهم ظاهرَ الحجةِ ، فالواجبُ - وإن اخْتَمل ذلك معنًى غيرَ الذى قالوا - التسليمُ لما
استفاض بصحتِه نقلُهم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ يَبْنَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِهِمْ وَرِضْوَنًا ﴾
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إذ)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ص ٢٦ وما بعدها .
(٣) فى ص، ت ١: ((غيره)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((فكان)) .
(٥ - ٥) فى الأصل: ((مستفيض منهم ظاهرًا حجة))، وفى ص، ت ١: (( مستفيضا فيهم ظاهرًا حجة)).