Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١
سورة النساء : الآيتان ١٤٦،١٤٥
علىّ بن أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الْخَفِقِينَ فِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ
النَّارِ﴾. يعنى: فى أسفلِ النارِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاتجٌ ، عن ابنِ جُرَيجٍ ، قال : قال
لى عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ قولَه: ﴿فِى الذَّرَكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. قال: سَمِعنا أن
جهنمَ أَدْراكٌ ، منازلُ(٢).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن سَلَمَةً بنٍ
كُهَيلٍ، عن خَيْثَمةً، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ الْتُفِقِينَ فِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.
قال : تَوابيتُ مِن نارٍ تُطْبَقُ عليهم .
وأما قولُه: ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾، فإنه يعنى: ولن تَجِدّ لهؤلاء المنافقين ، يا
محمدُ ، مِن اللَّهِ إذا جَعَلهم فى الدَّرْكِ الأسفلِ مِن النارِ ناصرًا يَنْصُرُهم منه، فيُتْقِذُّهم
من عذابِهِ ، ويَدْفَعُ عنهم أليمَ عقابه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: [٦٢/١٣و] ﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ
وَأَعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَّ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ
٤٦
اٌلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا
/ وهذا استثناءٌ مِن اللَّهِ جلّ ثناؤه، استثنى التائبِين مِن نَفاقِهم إذا أصلَحوا، ٣٣٩/٥
وأخلصوا الدينَ للَّهِ وحدَه، وتَبَرَُّوا مِن الآلهةِ والأندادِ ، وصَدَّقوا رسولَه، أن يكونوا
مع المُصِرِّين على نفاقِهم - حتى تُوافَيهم(١٢) مَناياهم - فى الآخرةِ، وأن يَدْخُلوا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٩٨/٤ (٦١٥٥) من طريق أبى صالح عبد الله بن صالح به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٦/٢ للمصنف وابن المنذر.
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، م: ((يوفيهم))، وفى الأصل: ((توفتهم)). والمثبت ما يقتضيه
السياق .
:
٦٢٢
سورة النساء : الآية ١٤٦
مَداخِلَهم مِن جهنمَ ، بل وَعَدهم جلّ ثناؤه أن يُحِلَّهم مع المؤمنين مَحِلَّ الكرامةِ،
ويُشْكِنَهم معهم مساكنَهم فى الجنةِ، ووَعَدهم مِن الجزاءِ على توبتهم الجزيلَ مِن
العطاءِ، فقال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيمًا
٤٦
فتأويلُ الآيةِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ﴾. أى راجَعوا الحقَّ، ( وَآبُوا إلى ١) الإقرارِ
بوحدانيةِ اللَّهِ وتَصْديقِ رسولِه وما جاء به مِن عندِ ربِّه، مِن نفاقِهم ﴿ وَأَصْلَحُواْ﴾ .
يعنى: أصلَحوا أعمالَهم، فَعَمِلوا بما أمَرهم اللَّهُ به، وأدَّوا فرائضَه، وانتَهَوا عما
نَهاهم عنه، وانزَجَروا عن معاصِيه، ﴿ وَأَعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾. يقولُ: وَتَمَسَّكُوا بعهدٍ
اللَّهِ .
وقد دَلَّلنا فيما مضى قبلُ ، على أن الاعتصامَ التمسكُ والتَّعَلَّقُ(٢). فالاعتصامُ
باللَّهِ : التَّمَشكُ بعهدِه وميثاقِه الذى عَهِد فى كتابِهِ إلى خلقِهِ، مِن طاعتِهِ ، وتَرْهِ
معصيته .
﴿ وَأَخْلَصُوْ دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾. يقولُ: وأخلصوا طاعتَهم وأعمالَهم التى يعملونها
للَّهِ ، فأرادوه بها ، ولم يَعْمَلوها رئاءَ الناسِ ولا على شكّ منهم فى دينهم، وامتراءٍ
منهم ، فى أن اللَّهَ مُخصٍ عليهم ما عَمِلوا، فمُجازِى المحسِنِ بإحسانِهِ، والمُسِيءٍ
بإساءته، ولكنهم [٦٢/١٣ظ] عَمِلوها على يقين منهم فى ثوابِ المحسِنِ على
إحسانِه ، وجزاءِ المسىءٍ على إساءتِه، أو يَتَفَضَّلُ عليه ربُّه، فتَعفو ، مُتَقرّبین بها إلى
اللَّهِ، مرٍيدين بها وجهَه، فذلك معنى إخلاصِهم للَّهِ دينَهم .
ثم قال جلّ ثناؤه: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: فهؤلاء الذين
(١ - ١) فى م: ((أبوا إلا)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٦٣٥/٥.
٠٠٠-٩٠جم
٦٢٣
سورة النساء : الآيتان ١٤٧،١٤٦
وَصَف صفتَهم مِن المنافقين بعدَ توبتهم وإصلاحِهم، واعتصامِهم باللّهِ ، وإخلاصِهم
دِينَهم(١)، ﴿مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فى الجنةِ، لا مع المنافقين الذين ماتوا على نفاقِهم،
الذين أوعَدَهم الدَّرْكَ الأسفلَ مِن النارِ .
ثم قال: ﴿ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. يقولُ: وسوف يُعْطِى
اللَّهُ هؤلاء الذين هذه صفتُهم، على تَوْبيّهم وإصلاحِهم، واعتصامِهِم باللَّهِ،
وإخلاصِهم دينَهم له ؛ على إيمانِهم ، ثوابًا عظيمًا، وذلك درجاتٌ فى الجنةِ ، كما
أعطَى الذين ماتوا على النفاقِ منازلَ فى النارِ ، وهى السفلَى منها؛ لأن اللَّهَ جلّ ثناؤه
وَعَد عباده المؤمنين أن يُؤتِيّهم على إيمانِهم ذلك، كما أوعَد المنافقين على نفاقهم ما
ذکر فی کتابه .
وهذا القولُ هو معنى قولِ حُذَيفةَ بنِ اليمانِ الذى حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ وابنُ
وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال حُذَيفةُ: لَيَدْخُلَنَّ الجنةَ قومٌ
كانوا منافقين. فقال عبدُ اللَّهِ: وما عِلْمُك بذلك؟ فَغَضِب ◌ُذَيفةُ، ثم قامَ فتَنَخَّى،
فلما تَفَرَّقوا ، مَرَّ به علقمةُ فدَعَاه، فقال: أما إن صاحبَك يَعْلَمُ الذى قلتُ . ثم قرأ:
﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ
الْمُؤْمِنِينَّ وَسَوْفَ يُؤْتِ اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿مَّا يَفْعَلُ اَللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ
وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (َيَ﴾.
/يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ ٣٤٠/٥
وَءَامَنتُمْ﴾: ما يَصْنَعُ اللَّهُ، أيُّها المنافقون، بعذابِكم، إن أنتم تُم إلى اللَّهِ،
(١) فى ص، ت١: ((دينهم أى))، وفى م، ت٢، ت٣، س: (( له)).
٦٢٤
سورة النساء : الآيتان ١٤٧، ١٤٨
وراجَعتم الحقَّ الواجبَ للَّهِ عليكم، فشَكَرتموه على ما أنعَم عليكم مِن نِعَمِه فى
أنفسكم وأهاليكم وأولاد كم، بالإنابةِ إلى توحيدِه، والاعتصامِ به، وإخلاصٍ
أعمالِكم لوجهِه، وتَوْكِ رياءِ الناسِ بها، وآمَنْتم برسولِه محمدٍ عَِّ فصَدَّ قْتموه،
وأقرَرْتم بما جاء كم به مِن عندِه، فعمِلتم به؟ يقولُ : لا حاجةً باللّهِإلى أن يجعلكم فى
الشَّرْكِ الأسفلِ مِن النارِ ، إن أنتم أَنَبتُم إلى طاعتِه، وراجَعْتم العملَ بما أمَركم به،
وتَركِ ما نهاكم عنه ؛ لأنه لا يَجتلِبُ بعذابِكم إلى نفسِه نفعًا ، ولا يَدْفَعُ عنها ضَرًّا ،
وإنما عقوبتُه مَن عاقَب مِن خلقِه جزاءٌ منه له على جزّأَتِه عليه، وعلى خلافِه أمرَه
ونَهْيَه، وكُفْرَانِهِ شُكْرَ نِعَمِه عليه، فإن أنتم شَكَرْتم له على نِعَمِه، وأَطَعْتُموه فى أمرِهِ
ونَهْيِهِ ، فلا حاجةً به إلى تَغذيبِكم، بل يَشْكُرُ لكم ما يكونُ منكم مِن طاعةٍ له
وشُكْرٍ، بُجازاتِكم على ذلك بما تَقْصُرُ عنه أَمانِيُكم، ولم تَبْلُغْه آمالُكم. ﴿وَكَانَ
اللَّهُ شَاكِرًا﴾ لكم ولعبادِه على طاعتهم إياه ، بإجزاله لهم الثوابَ عليها ، وإعظامِه
لهم العِوَضَ منها ﴿ عَلِيمًا﴾ بما تَعْمَلون، أيُّها الُنافِقون ، وغيرُكم مِن خيرٍ وشَرَّ،
وصالحٍ وطالحٍ، مُخْصٍ ذلك كلَّه عليكم، مُحِيطٌ بجميعِه، حتى يُجازِيّكم
جزاءَ كم يومَ القيامةِ ، المُحُسِنَ بإحسانِهِ ، والمُسِىءَ يإساءتِه .
وقد حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً: ﴿ مَّا
يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ . قال:
وإن اللَّهَ لا يُعَذِّبُ شاكرًا ولا مُؤْمًا(١).
/ القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا
١/٦
١٤٨٠
مَن ظُلِّ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٢ إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
----
٦٢٥
سورة النساء : الآية ١٤٨
[٦٣/١٣ظ] قال أبو جعفرٍ رحمه اللهُ: اخْتَلَفَت القرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتْه
عامةُ قرَأَةٍ أمصارِ الإِسلامِ: ﴿لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِلِسُوْءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِّ﴾
بضمِّ الظاءٍ() ، وقرأه بعضُهم: (إلا مَن ظَلَم) بفتحِ الظاءِ(١).
ثم اخْتَلَف الذين قرَءوا ذلك بضمّ الظاءِ فى تأويله ؛ فقال بعضُهم : معنى ذلك
لا يُحبُّ الله تعالی ذکژه أن يَجْهَرَ أُحدٌ بالدعاءِ على أحدٍ، وذلك عندهم هو الجهرُ
بالشّوءِ، ﴿إِلَّا مَنْ ظُلٍِّ﴾ يقولُ: إلا مَن ظُلِمٍ فِيَدْعُو على ظالمِهِ، فإن اللَّهَ لا(١) يَكْرَهُ
ذلك ؛ لأنه قد رَّص له فى ذلك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنى أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ قوله: ﴿لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوْءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾. يقولُ: لا يُحِبُ اللَّهُ
سبحانه أن يَدْعُوَ أحدٌ على أحدٍ إلا أن يَكونَ مظلومًا ، فإنه قد أَرْخَص له أن يَدْعُوَ على
مَن ظلَمَه، وذلك قولُه: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلٍِّ﴾. وإن صبّر فهو خيرٌ له (٤).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِلِسُوْءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِّمْ﴾ ( يعنى مَن ظُلِمْ) فإنه
يُحِبُّ الجهرَ بالشُّوءِ ("إِذَا ظُلِم) .
(١) وهى قراءة القراء العشرة. النشر ١٩٠/٢.
(٢) قرأ بذلك ابن عباس وابن عمر وابن جبير وعطاء بن السائب والضحاك وزيد بن أسلم وابن أبى إسحاق
ومسلم بن يسار والحسن وابن المسيب وقتادة وأبو رجاء . البحر المحيط ٣٨٢/٣.
(٣) سقط من : الأصل .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٠٠/٤ (٦١٦٩) من طريق أبى صالح به . وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٣٧/٢ إلى ابن المنذر .
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٦ - ٦) فى ص، م: ((من القول)).
( تفسير الطبرى ٤٠/٧ )
.w .. .
......
٦٢٦
سورة النساء : الآية ١٤٨
حدَّثنا بشرّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ قولَه: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ
الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوّلِ إِلَّا مَنْ ظُلِّ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾: عذَر اللَّهُ المظلومَ كما
تَسْمَعون أن يَدْعُوَ .
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا أبو عُبيدٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونُسَ ، عن الحسنِ،
قال: هو الرجلُ يَظْلِمُ الرجلَ ، فلا يَدْعُ عليه، ولكن لِيَقُلْ: اللهم أَعِّى عليه، اللهم
اسْتَخْرِجْ لی حقّى، اللهم ◌ُلْ بینِی (١) وبينَ ما يُرِيدُ، هذا ونحوُه مِن الدعاءِ().
فـ((مَن)) [٤٦/١٣ ر] علی قول ابن عباس هذا فى موضعٍ رفع؛ لأنه وجهه إلى
أن الجهرَ بالسوءِ فى معنى الدعاءِ، واسْتُنْنِى المظلومُ منه، فكان معنى الكلام - على
قولِه - : لا يُحِبُّ اللَّهُ أن يَجْهَرَ بالسوءِ مِن القولِ إلا المظلومُ" فلا حرج عليه فى الجهرِ
به .
وهذا مذهبٌ يراه(٤) أهلُ العربيةِ خطأً فى العربيةِ، وذلك أن ((مَن)) لا يَجوزُ أن
يَكونَ رفعًا عندَهم بالجهرِ؛ لأنها فى صلةِ أنْ، ولم(٥) يَتَلْهِ الجَحْدُ ، فلا يَجوزُ العطفُ
٢/٦ عليه/. "مِن خطأٍ عندَهم أن يُقالَ: لا يُعْجِبُنى أن يقومَ إلا زيدٌ .
وقد يَحْتَمِلُ أن تَكونَ مَن نصبًا على تأويلٍ قولِ ابنِ عباسٍ ، ويَكونَ قولُه : ﴿لَّا
يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوّلِ﴾. كلامًا تامًّا، ثم قيل: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمٌ﴾. فلا
(١) فى م: (( بينه)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٠١/٤ (٦١٧١) من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن بمعناه .
وذكره ابن كثير ٢/ ٣٩٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٢ إلى ابن المنذر.
(٣ - ٣) سقط من : الأصل .
(٤) فى الأصل: (( قرأه )).
(٥) فى م: ((أن لم)).
(٦ - ٦) فى الأصل: ((بمن خطأ))، وفى م: ((من الخطأ)).
..........
٦٢٧
سورة النساء : الآية ١٤٨
حرجَ عليه، فيكونَ ((مَن)) استثناءٌ مِن الفعلِ، وإن لم يَكُنْ قبلَ الاستثناءِ شىءٌ ظاهرٌ
يُسْتَثْنَى منه، كما قال جل ثناؤه: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُهَيْطِرٍ ﴿ إِلَّا مَن تَوَلَى
وَكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٢، ٢٣]. وكقولِه(١): إنى لأْرَهُ الخُصومةَ والمِراءَ، اللهم إلا
رجلًا يُرِيدُ اللَّهَ بذلك. ولم يُذْكَرْ قبلَه شىءٌ مِن الأسماءِ.
و((مَن))(٢) على قولِ الحسن هذا نصبٌ على أنه مُسْتَثْنَى مِن(١) معنى الكلامِ،
لا مِن الاسمِ كما ذكّرْنا قبلُ فى تأويلٍ (٤) ابنِ عباسٍ إذا وَجّه ((مَن)) إلى النصبِ،
وكقولِ القائلِ: كان مِن الأمرِ كذا وكذا ، اللهم إلا أن فلانًا جزاه اللَّهُ خيرًا فعَل كذا
و كذا .
وقال آخرون : بل معنى ذلك: لا يُحِبُّ اللَّهُ الجهرَ بالسوءِ مِن القولِ إلا مَن
ظلم ، فيُخْپِرُ بما نِيل منه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن محمدِ بنِ إسحاق ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مُجاهدٍ ، قال : هو الرجلُ يَنْزِلُ بالرجلِ، فلا يُخِنُ ضِيافته، فيَخْرُجُ مِن
عندِه، فيقولُ: أساء ضِيافتى ولم يُحْسِنْ(٥) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجريجٍ، عن
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((وكقولهم)).
(٢) بعده فى الأصل: ((قال)).
(٣) فى الأصل: (( و)).
(٤) بعده فى م: ((قول)).
(٥) تفسير مجاهد ص ٢٩٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٢ للمصنف والفريابى وعبد بن
حميد .
٦٢٨
سورة النساء : الآية ١٤٨
مُجاهدٍ: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلٍِ﴾. قال: إلا مَن أَثَر(١) ما قيل له.
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا حجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ ، عن محمدِ بنِ
إسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى تَجيح، عن مجاهدٍ : ﴿لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ [١٣]
(٦٤ ظ] بِأَلِسُوَّهِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِ﴾. قال: هو الضيفُ(٢) المحُوَّلُ رحلُه، فإنه
يَجْهَرُ لصاحبه بالسوءِ مِن القولِ .
وقال آخرون : عنَى بذلك الرجلَ يَنْزِلُ بالرجلِ فلا يَقْرِيه، فيَنالُ مِن الذى لم
يَقْرِه .
ذکرٌ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ،
عن مُجاهدٍ فى قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِّ﴾. قال: إلا مَن ظُلِمٍ فَانْتَصَر، يَجْهَرُ بالسُّوءِ".
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحِ مثلَه .
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عبينةً، عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن إبراهيمَ ابنِ
أبى بكرٍ)، عن مُجاهدٍ، وعن حُميدِ الأعرج، عن مُجاهِدٍ: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ
بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوّلِ إِلَّا مَنْ ظُلِّ﴾ . قال: هو الرجلُ يَنْزِلُ بالرجلِ فلا يُحْسِنُ إليه،
فرخِّص له بأن يَقولَ فيه(٥) .
(١) أثر ما قيل له: رواه وحكاه . النهاية ٢٢/١، ٢٣.
(٢) فى ص: (( الضعيف)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٩٦ .
(٤ - ٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((عن أبى بكير))، وينظر تهذيب الكمال ٦٣/٢.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور (٧٠٧ - تفسير)، وابن أبى حاتم ١١٠٠/٤ (٦١٧٠) من طريق سفيان بن عيينة
عن إبراهيم بن أبی بکر وحده عن مجاهد .
..... ..
٦٢٩
سورة النساء : الآية ١٤٨
حدَّثنى أحمدُ بنُ حمادِ الدَّؤْلائِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نَجِيحِ، عن
إبراهيم بنِ أبى بكرٍ (١)، عن مجاهدٍ: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالشُّوْءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ
ظُلِ﴾ . قال: هو فى الضِّيافةِ؛ يَأْتى الرجلُ القومَ، فَيَنْزِلُ عليهم فلا يُضَيِّفونه،
رُخِّص له أن يَقولَ فيهم.
حدَّثنا الحسنُ(٢) بنُ يحيى، قال: أُخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا المثنى بنُ
الصَّبَّاحِ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالشُّوْءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّ مَنْ
فُلِ﴾. قال: ضاف رجلٌ رجلًا، فلم يُؤَدِّ / إليه حقَّ ضِيافتِه، فلمَّا خرَج أخْبَر الناس
به ، فقال: ضِفْتُ فلانًا، فلم يُؤَدِّ حقَّ ضِيافتى. فذلك جَهْرٌ بالسوءِ، ﴿ إِلَّا مَنْ
◌ُلِّ﴾: حينَ لم يُؤَدِّ إليه ضِيافته(٣).
٣/٦
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ مجرَیْجٍ،
قال مُجاهدٌ: إلا مَن ظُلِمٍ فانْتَصَر، (٢ بجهرٍ من السوء)). قال مجاهدٌ : نزَلَت فى
رجلٍ ضاف رجلًا بقَلاةٍ من الأرضِ [٦٥/١٣ و] فلم يُضِفْه، فنزَلَت: ﴿إِلَّا مَنْ
◌ُلِ﴾ . ذكّر أنه لم يُضِفْه ، لا تَزِيدُ على ذلك .
وقال آخرون: معنى ذلك: إلا مَن ◌ُلِم، فانْتَصَر مِن ظالمه ، فإن الله قد أذن له ..
فى ذلك .
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: (( بكير)).
(٢) فى الأصل: ((الحسين)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٧٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٠٠/٤ (٦١٦٨)، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٢٣٧/٢ إلى عبد بن حميد.
(٤ - ٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يجهر بسوء).
٦٣٠
سورة النساء : الآية ١٤٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُّ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ، قال: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِلِسُوْءِ مِنَ الْقَوّلِ إِلَّا مَنْ ظُلٍِ﴾. يقولُ: إن
اللَّهَ لا يُحِبُّ الجهرَ بالسوءِ مِن أحدٍ مِن الخلقِ، ولكن يقولُ مَن ظُلِم فانْتَصَر بمثلٍ ما
ظُلِم ، فليس علیہ جنائ(١).
فـ (من)) على هذه الأقوال التى ذكرناها سوى قول ابن عباسٍ، فى موضعٍ
نصبٍ، على انْقطاعِه مِن الأولِ، والعربُ مِن شأنها أن تَنْصِبَ ما بعدَ ((إلا ) فى
الاستثناءِ المنقطعِ .
فمعنى الكلام على هذه الأقوال سوى قولِ ابنِ عباسٍ: لا يُحِبُّ اللَّهُ الجهرَ بالسوءِ
مِن القولِ، ولكنْ مَن ظُلِمٍ فلا خَرجَ عليه أن يُخْبِرَ بما نيل منه أو يَنْتَصِرَ ممّن ظلّمه.
وقرَأْ ذلك آخرون بفتحِ الظاءِ (إلا مَنْ ظَلَم)، وتأوَّلوه(٢) : لا يُحِبُّ اللَّهُ الجهرَ
بالسوءِ مِن القولٍ ، إلا مَن ظَلَم، فلا بأسَ أَن يُجْهَرَ له بالسوءِ مِن القولِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی يونسُ، قال: حدَّثنی ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كان أَبِى يَقْرَأُ :
( لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بالسوءِ مِن القولِ إلا مَن ظَلَم). قال ابنُ زيدٍ: يقولُ(٣): مَن أقام
على ذلك النفاقٍ يُجْهَرُ له بالسوءِ حتى يَنْزِعَ. قال: وهذه مِثلُ: ﴿ وَلَا نَنَابَرُواْ
بِالْأَلْقَبِّ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ﴾. أن تُسَمِّيَه [٦٥/١٣ظ] بالفسقِ ﴿بَعْدَ اُلْإِيَمَنِّ﴾
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٢ للمصنف.
(٢) فى الأصل: ((تأوله)).
(٣) بعده فى م: ((إلا)).
٦٣١
سورة النساء : الآية ١٤٨
بعدَ إذ كان مؤمنًا، ﴿ وَمَنْ لَّمْ يَتُبْ﴾ مِن ذلك العملِ الذى قيل له ﴿فَأُوْلَكَ هُ
اُلَّلِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] قال: هو أشرُ مَّن قال ذلك له(١).
حدَّثنى يونُسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله: (لا يُحِبُّ
اللَّهُ الجهرّ بالسوءِ مِن القولِ إِلَّ مَن ظَلَمَ). فقرأ: ﴿ إِنَّ الْتُفِقِينَ فِ الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ
مِنَ النَّارِ ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ثم قال بعدَ
ما قال لهم: فى ﴿فِ الذَّرْكِ اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ
إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ
القَوْلِ إِلَّ مَنْ ظَلَمَ). قال: لا يُحِبُّ اللَّهُ أن يُقالَ(٢) لهذا: ألستَ(٣) نافقْتَ؟ ألستَ
المنافقَ؟ ألست الذى ظلَمْتَ وفعَلْتَ وفعَلْتَ؟ مِن بعدٍ ما تاب (إلا مَن ظَلَم) إلا مَن
أقام على النّفاقِ . قال: وكان أَبى يقولُ ذلك له ويَقْرَؤُها: (إلا مَن ظلَم).
فـ ((مَن)) على هذا التأويلِ نصْبٌ؛ لتعلَّقِه بالجهرِ. وتأويلُ الكلامِ على قولٍ
قائلِ هذا / القولِ: لا يُحِبُّ اللَّهُ أن يَجْهَرَ أحدٌ لأحدٍ مِن المنافِقِين بالشُّوءِ مِن القولِ إِلا
لمن ظَلَم منهم نفسه(٢) فأقام على نفاقِهِ، فإنه لا بأسَ بالجهرِ له بالسوءِ مِن القولِ .
٤/٦
قال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين بالصوابِ فى ذلك قراءةُ مَن قرأ: ﴿إِلَّا مَنْ
ظُلٍِ﴾ بضمِّ الظاءِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرَأَةِ وأهلِ التأويلِ على صحتها ، وشذوذٍ
قراءةٍ مَن قرَأ ذلك بالفتحِ .
فإذ كان ذلك أولى القراءتين بالصوابِ ، فالصوابُ فى تأويل ذلك: لا يُحِبُّ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٢ للمصنف .
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يقول)).
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
٦٣٢
سورة النساء : الآيتان ١٤٩،١٤٨
اللَّهُ أيُّها الناسُ أن يَجْهِرَ أحدٌ لأحدٍ بالسوءِ مِن القولِ، ﴿إِلَّا مَنْ ظُلٍِّ﴾ بمعنى: إِلَّ
مَن ظُلِمَ فلا حرج عليه أن يُخْبِرَ بما أَسِى ءَ إليه . وإذا كان ذلك معناه دخَل فيه إخبارُ مَن
لم يُقْرَ أو أُسِىء قِراه، (أو نِيلَ بظلم فى نفسِه أو ماله، غيرَهُ مِن سائرِ الناسِ،
وكذلك [٦٦/١٣و] دعاؤُه على مَن نالَّه بظلم أن يَنْصُرَه اللَّهُ عليه؛ لأن فى دعائِه عليه
إعلامًا(٢) منه لمن سمِعِ دُعاءَه عليه بالسوءِ له .
فإذا كان ذلك كذلك، فـ ((مَن)) فى موضعِ نصبٍ ؛ لأنه مُنْقِطِعٌ عما قبلَه،
وأنه لا أسماءَ قبلَه يُسْتَثْنَى منها، فهو نظيرُ قولِه: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُهَيْطِرِ (®) إِلَّا
مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٢، ٢٣].
وأما قولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾. فإنه يعنى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ : لما
تَجْهَرون(٣) به مِن سوء القولِ لمن تَجْهَرون له به ، وغير ذلك من أصواتكم وکلامِكم،
﴿عَلِيمًا﴾: بما تُخْفون مِن سوءِ قولِكم وكلامِكم لمن تُخْفُون له به فلا تَجْهَرون به
له، مُخْصٍ كلَّ ذلك عليكم حتى يُجازِيَكم على ذلك كلِّه جزاءَكم(٤) المسىءَ
بإساءتِه والمحسنَ بإحسانِه .
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿إِن نُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ
١٤٩
فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، رحمه اللَّهُ: ﴿إِن نُبْدُوا﴾ أيّها الناسُ
خَيْرًا﴾. يقولُ: إن تَقولوا جميلًا مِن القولِ لمن أحْسَن إليكم، فتُظْهِروا ذلك
(١ - ١) فى الأصل: ((وقيل بظلم فى نفسه أو ماله أو غيره)). وفى م: ((أوقيل بظلم فى نفسه أو ماله عنوة))
وقوله: ((غيره)) مفعول للمصدر ((إخبار)).
(٢) فى الأصل: ((إعلانًا)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يجهرون)).
(٤) فى الأصل: (( جزاء)).
! --- ....... ..... ...-
٦٣٣
سورة النساء : الآية ١٤٩
شكرًا منكم له على ما كان منه مِن حَسَنٍ إليكم، ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾. يقولُ: أو تَتْرُكوا
إظهارَ ذلك فلا تُبْدوه، ﴿أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوٍّ﴾. يقولُ: أو تَصْفَحوا لمن أساء إليكم
عن إساءتِه ، فلا تَجْهَروا له بالسوءِ مِن القولِ الذى قد أَذِنْتُ لكم أن تَجْهَروا له به ﴿فَإِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَفُوا﴾ يقولُ: لم يَزَلْ ذا عفوٍ عن خلْقِه، يَصْفَحُ لهم (١) عمَّن عَصَاه
وخالَف أمرَه، ﴿قَدِيرًا﴾. يقولُ: ذا قُدْرةٍ على الانتقامِ منهم.
وإنما يعنى بذلك: [٦٦/١٣ظ] أن الله لم يَزَلْ ذا عَفْوٍ عن عبادِه معَ قدرته على
عقابهم على معصيتهم إياه .
يقولُ : فاعفُوا أنتم أيضًا أيُّها الناسُ عمَّن أتَى إليكم ظلمًا ، ولا تَجْهَروا له بالسوءِ
مِن القولِ ، وإن قدَرْتُم على الإساءة إليه، كما يَعْفُو عنكم ربّكم، مع قدرته على
عقابِكم، وأنتم تَعْصُونه وتُخالِفون أمرَه .
وفى قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرً أَوْ تُحْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَنِ سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ
.. الدلالةُ الواضحةُ على أن تأويلَ قوله: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ
كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ◌َ
اٌلْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّ مَنْ ظُلِ﴾. يخالفُ(٢) التأويلَ الذى تأوَّله زيدُ بنُ أسلمَ
فى زعمِه أن معناه : لا يُحِبُّ اللَّهُ الجهرَ بالسوءِ مِن القولِ لأهلِ النفاقِ، إلا لمن أقام
على نفاقِهِ ، فإنه لا بأسَ بالجهرِ له بالسوءِ مِن القول ، وذلك أنه جل ثناؤه قال عَقِيب
ذلك: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ / تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ﴾. ومعقولٌ أن اللَّهَ جل ثناؤه
لم تَأْمُرِ المؤمنين بالعفوِ "للمنَافِقِين عن" نفاقِهم، ولا نهاهم أن يُسَمّوا(٤) مَن كان
٥/٦
(١) فى الأصل: ((له)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بخلاف)).
(٣ - ٣) فى م: ((عن المنافقين على)).
(٤) فى ص: (( يشتموا)).
٦٣٤
سورة النساء : الآيات ١٤٩ - ١٥١
منهم مُعْلِنَ النفاقِ مُنافقًا، بل العفو عن ذلك مما١) لا وجه له معقولٌ؛ لأن العفوَ
المفهومَ إنما هو صفْحُ المرءِ عما له قِبَلَ غيرِهِ مِن حقٍّ ، وتسميةُ المنافقِ باسمِه ليس بحقٌّ
لأحدٍ قِبَلَه، فَيُؤْمَرَ بعفوِه عنه، وإنما هو اسم له، وغيرُ مفهومِ الأمرُ بالعفوِ عن تسميةٍ
الشىءِ بما هو اسمُه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ،
وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ
وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا
لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾﴾.
[٦٧/١٣ و] قال أبو جعفرٍ، رحمه اللَّهُ: يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ مِن اليهودِ والنصارى، ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ
وَرُسُلِهِ﴾: بأن يُكَذِّبوا رسلَ اللَّهِ الذين أرْسَلَهم إلى خلقِه بوحيِهِ، ويَزْعُمون أنهم
اقْتَرَوْا على ربّهم، وذلك هو معنى إرادتهم التفريقَ بينَ اللَّهِ ورسلِه، ينخلتِهم(٢) إياهم
الكذبَ والفِريةَ على اللَّهِ، وادِّعائِهم عليهم الأباطيلَ، ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ
بِبَعْضٍ﴾. يعنى أنهم يقولون: نُصَدِّقُ بهذا ونُكذِّبُ بهذا، كما فعَلَت اليهودُ مِن
تكذييهم عيسى ومحمدًا صلَّى اللَّهُ عليهما وسلَّم وتصديقِهم بموسى وسائرِ الأنبياءِ
قبلَهما(١) بزعمِهم، وكما فعَلَت النصارى مِن تكذبيهم محمدًا بَّهِ وتصديقهم
بعيسى وسائرِ الأنبياءِ قبلَه بزعمهم، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ .
يقولُ : ويُرِيدُ المُغَرَّقون بينَ اللَّهِ ورسلِه، الزاعمون أنهم يُؤْمِنون ببعضٍ، ويَكْفُرون
(١ - ١) فى ص: ((مقابل العفو عن ذلك بما)).
(٢) فى الأصل: ((منحلهم)).
(٣) فى م: (( قبله )).
.....---
٦٣٥
سورة النساء : الآيتان ١٥٠، ١٥١
ببعضٍ، أن يَتَّخِذوا بينَ أُضْعافٍ قولهم: نُؤْمِنُ ببعضِ الأنبياءِ ونَكْفُرُ ببعضِهم
سَبِيلًا﴾. يعنى: طريقًا إلى الضَّلالةِ التى أَحْدَثوها، والبدعةِ التى ابْتَدَعوها،
يَدْعُون أهلَ الجهلِ(١) مِن الناسِ إليه .
فقال اللَّهُ جل ثناؤه لعبادِهِ، مُنَّهًا(٢) لهم على(٢) ضلالتِهم وكفرِهم:
﴿ أُوْلَكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّاً﴾. يقولُ: أيّها الناسُ، هؤلاء الذين وصَفْتُ لكم
صفتَهم هم أهلُ الكفرِ ى، المُسْتَحِقُّون عذابى، والخلودَ فى نارى حقًّا ، فاسْتَئِقِنوا
ذلك ، ولا يُشَكّگئكم(٤) فى أمرهم انتحالُهم الكذب(*)، ودغواهم أنهم يُقِرُّون بما
زعَموا أنهم مُقِرُّون به مِن الكتبِ والرسلِ ، فإنهم فى دَعْواهم ما ادَّعَوْا من ذلك
كَذَبةٌ ، وذلك أن المؤمنَ بالكتبِ والرسلِ هو المُصَدِّقُ بجميعٍ ما فى الكتابِ الذى
تَزْعُمُ أنه به مُصَدِّقٌ ، وبما جاء به الرسولُ الذى يَزْعُمُ أنه به مؤمنٌ ، فأما مَن صدَّق
ببعضِ ذلك وكذَّب ببعضٍ، فهو لنبوةِ مَن كذَّب ببعضِ ما جاء به جاحدٌ ، ومَن
جحّد نبوةَ نبىٌّ فهو به مكَذِّبٌ، وهؤلاء الذين جحدوا نبوةً بعضٍ [٦٧/١٣ظ]
الأنبياءِ، وزعموا أنهم مُصَدِّقُون ببعضٍ، مُكَذِّبون مَن زعموا أنهم به مؤمنون ؛
لتَكْذبيهم ببعضٍ ما جاءهم به مِن عندِ ربِّهم، فهم باللَّهِ وبرسلِه، الذين تَزْعُمون أنهم
بهم مُصَدِّقون، والذين يَزْعُمون أنهم(٢) بهم مُكَذِّبون، كافرون، فهم"
(٨)
(١) فى م: ((الجهر)).
(٢) فى الأصل: ((منهيا)).
(٣) فى الأصل: ((عن)).
(٤) فى الأصل: ((يشكنكم)).
(٥) فى الأصل: ((الكتب)).
(٦) فى الأصل: (( به)).
(٧) فى الأصل: ((لهم)).
(٨) فى الأصل: ((بهم)).
.
٦٣٦
سورة النساء : الآيتان ١٥١،١٥٠
/ الجاحِدون وحدانيةَ اللَّهِ ونبوةَ أنبيائِه حقَّ الجحودِ، المكذِّبون بذلك حقَّ التكذيبِ،
٦/٦
فاخذَروا أن تَغْتَرُّوا بهم وببدَعِهم، فإِنا قد أعْتَدْنا لهم عذابًا مُهينًا .
وأما قولُه: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ فإنه يعنى به: وَأَعْتَدنَا لمن
جحَد باللّهِ(١) ورسوله جحودَ هؤلاء الذين وصَفْتُ لكم أيُّها الناسُ أَمْرَهم مِن أهلِ
الكتابٍ، ولغيرِهم مِن سائرٍ أْناسِ الكفارٍ (١) ﴿عَذَابًا﴾ فى الآخرةِ ﴿مُّهِينًا﴾
یعنی : یھُین(٢) مَن ◌ُذِّب به بخلودِه فيه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال : ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ إِنَّ
الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ
نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ
سَبِيلًاٌ ﴿ أُوْلَِّكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ :
أولئك أعداءُ اللَّهِ اليهودُ والنصارى؛ آمَنَت اليهودُ بالتوراةٍ وموسى، وكفَروا بالإنجيلِ
وعيسى، ("وآمَنَت النصارى بالإنجيلِ وعيسى)، وكفَرُوا بالفرقانِ(٥)
ومحمدٍ عَِّ، فاتَّخذوا اليهوديةَ والنصرانيةَ، وهما بِدْعتان ليستا مِن اللَّهِ،
(١) فى الأصل: ((الله)).
(٢) فى الأصل: ((الكفر)).
(٣) فى الأصل: (مهين)).
(٤ - ٤) سقط من الأصل .
(٥) فى م: ((بالقرآن)).
... .
ولد
٠٠ .٠.
٦٣٧
سورة النساء : الآيتان ١٥١، ١٥٢
وترَكوا الإسلامَ وهو دينُ اللَّهِ الذى بعَث به رسلَه(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن
السدىِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ
وَرُسُلِهِ﴾: يقولون: محمدٌ ليس برسولِ اللهِ. وتقولُ اليهودُ: عيسى ليس
برسولِ اللهِ. فقد [٦٨/١٣ و] فرّقوا بينَ اللَّهِ ورسلِه، وَيَقُولُونَ: تُؤْمِنُ بِتَعْضٍ،
وَتَكْفُرُ ("بهؤلاء. فهم٢) يُؤْمِنون ببعضٍ ويَكْفُرُون ببعضٍ(٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ
قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ،﴾ إلى قوله: ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ .
قال: اليهودُ والنصارى آمَنَت اليهودُ بعُزَيْرٍ وكَفَرَت بعيسى، وآمَنَت النصارى
بعيسى وكَفَرَت بعُزَيْرٍ، وكانوا يُؤْمِنون بالنبيِّ وَيَكْفُرُون بالآخرٍ، ﴿وَيُرِيدُونَ أَن
يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ قال: دِينًا يَدِينون به اللَّهَ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَأَلَّذِينَ مَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ
١٥٦
أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ (١) أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحمه اللَّهُ: يعنى بذلك جل ثناؤه : والذين
صدَّقوا بوَحْدانيةِ اللَّهِ ، وأقرُوا بنبوةٍ رسلِه أجمعين، وصدَّقوهم فيما جاءوهم به مِن
(١) فى الأصل: ((رسوله)). والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤/ ١١٠١، ١١٠٢ (٦١٧٦، ٦١٧٩)
من طريق عبد العزيز بن المغيرة ، عن يزيد بن زريع به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٧/٢ إلى عبد بن
حمید .
(٢ - ٢) فى ص: ((ببعض ونكفر بهؤلاء فهم))، وفى م: (( ببعض فهؤلاء)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٠٢/٤ (٦١٧٨) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((نؤتيهم)). وبالنون هى قراءة ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر
والكسائى ، وبالياء قرأ عاصم وحمزة . السبعة لابن مجاهد ص ٢٤٠.
٦٣٨
سورة النساء : الآية ١٥٣
عندِ اللّهِ مِن شَرائع دينه، ﴿ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: ولم يُكَذِّبوا
بعضَهم ، ويُصَدِّقوا بعضَهم ، ولكنهم أقرُّوا أن كلَّ ما جاءوا به مِن عندِ ربِّهم حقٌّ ،
﴿أُوْلَكَ﴾. يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم مِن المؤمنين باللّهِ ورسله (سوف
تُؤْتيهم (٢١). يقولُ: سوف نُقْطِيهم(٢) ﴿أُجُورَهُمْ﴾ / يعنى: جزاءَهم وثوابَهم على
تصديقهم الرسلَ فى توحيدِ اللّهِ وشّرائع دينه، وما جاءت به مِن عندِ اللَّهِ، ﴿وَكَانَ
اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ: يَغْفِرُ لَمَن فَعَل ذلك مِن خَلْقِهِ، ما سلَف له من آثامِه،
فِيَسْتُرُ عليه بعفوِه له عنه ، وبتركِ العقوبةِ عليه ، فإنه لم يَزَلْ لذنوبِ المُنيِين إليه مِن
خلقِه [٦٨/١٣ظ] غفورًا، ﴿رَّحِيمًا﴾. يعنى: ولم يَزَلْ بهم رحيمًا بتفضُّلِه عليهم
بالهِداية إلى سبيلِ الحقِّ وتوفيقه إياهم لما فيه خَلاصُ رِقابِهم مِن النارِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِنَبًا
مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اُللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَنْهُمُ
القَدِقَّةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ أَخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبِنَتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكٌ
(١٥٣)
وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا
.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، رحمه اللَّهُ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه :
يَسْئَلُكَ﴾، يا محمدُ ﴿أَهْلُ الْكِنَبِ﴾، يعنى بذلك : أهلَ التوراةِ مِن اليهودِ ،
﴿أَنْ تُغَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَبًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الكتابِ الذى سأَل اليهودُ محمدًا عَِّ أن يُنَزِّلَه عليهم
مِن السماءِ؛ فقال بعضُهم: سألوه أن يُتَزِّلَ عليهم كتابًا مِن السماء مكتوبًا ، كما جاء
(١) فى م: ((يؤتيهم)).
(٢) فى م: ((يعطيهم)).
٧/٦
٠٠٠
٦٣٩
سورة النساء : الآية ١٥٣
موسى بنى إسرائيلَ بالتوراةِ مكتوبًا (١) مِن عندِ اللَّهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُّ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَنْ تُفَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَبًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾: كما(٢)
قالت اليهودُ : إن كنتَ صادقًا أنك رسولُ اللَّهِ ، فآتِنا كتابًا مكتوبًا مِن السماءِ، كما
جاء به موسی() .
حدَّثنى الحارِثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ(٤)، عن محمدِ بنِ
كَعْبِ القُرَظِىُّ، قال: جاء ناسٌ مِن اليهودِ إلى رسولِ اللَّهِ عَلِ، فقالوا: إن موسى
جاء [٦٩/١٣ و] بالألواح مِن عندِ اللَّهِ، فأَتِنا بالألواحِ مِن عندِ اللَّهِ حتى نُصَدِّقَك.
فَأَنْزّل اللَّهُ: ﴿ يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِثَبًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قولِه:
﴿﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنَّا عَظِيمًا﴾(٥).
وقال آخرون: بل سأَلُوه أن يُنَزِّلَ عليهم كتابًا خاصَّةً لهم .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
﴿ يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَبًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾: أى كتابًا خاصةً
(١) فى م: (مکتوبة )).
(٢) سقط من : م.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٠٣/٤ (٦١٨٦) من طريق أحمد بن مفضل به.
(٤) فى الأصل: ((معتمر)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٨/٢ للمصنف .
م
٠
٦٤٠
سورة النساء : الآية ١٥٣
فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىَ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اُللَّهَ جَهْرَةً﴾(١).
وقال آخرون: بل سأَلوه أن يُنَزِّلَ على رجالٍ منهم بأعيانِهم كتبًا بالأمرِ بتصديقِه
واتِباعِه .
٨/٦
/ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيج
قولَه: ﴿يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَنْ تَُزِّلَ عَلَهِمْ كِتَبًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾: وذلك أن
اليهود والنصارى أَتَوا النبىَّ عَّهِ، فقالوا: لن نُنَابِعَكَ(٢) على ما تَدْعُونا إليه حتى تَأْتِيَنا
. بكتابٍ مِن عندِ اللَّهِ؛ ("مِن اللَّه٢ِ) إلى فلانٍ أنك رسولُ اللَّهِ، (٤) وإلى فلانٍ(*) أنك
رسولُ اللَّهِ). قال اللَّهُ جل ثناؤه: ﴿يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِنَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِينَبًا مِنَ
السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىَ أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةٌ﴾ .
قال أبو جعفرٍ : وأوْلَى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يُقالَ : إن أهلَ التوراةِ سَأَلُوا
رسولَ اللَّهِ عَهْلِ أَن يَسْأَلَ رَبَّه أن [٦٩/١٣ظ] يُنَزِّلَ عليهم كتابًا مِن السماءِ آيَةٌ مُعْجِزةٌ
جميعَ الخلقِ أن يَأْتُوا بمثلها، شاهدةً لرسولِ اللَّهِ عَظِّمِ بالصدقِ ، آمِرَةً لهم باتِباعِه .
وجائزٌ أن يَكونَ الذى سأَلوه مِن ذلك كتابًا مكتوبًا يُنَزَّلُ عليهم مِن السماءِ إلى
جماعتهم، وجائزٌ أن (" تكونَ مسألتُهم إياه) ذلك كتبًا إلى أشخاصٍ بأعيانِهم،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٠٣/٤ (٦١٨٧، ٦١٨٨) من طريق عبد العزيز بن المغيرة عن يزيد
به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٨/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((نبايعك)).
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤ - ٤) سقط من: الأصل ، س.
(٥) بعده فی م: (( بکتاب)).
(٦ - ٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يكون)).
(٧) فى م: ((بأعينهم)).