Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
سورة النساء : الآيتان ١٣٢، ١٣٣
قيل: إن الذى فى الآيةِ التى قال فيها: ﴿ وَكَانَ اَللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾. مما صَلَح أن
يَخْتِمَ ما ختم به مِن وَصْفِ اللَّهِ بالغِنَى وأنه محمودٌ ، ولم يَذْكُرْ فيها ما يَصْلُحُ أن
يَخْتِمَ بوَصْفِه معه بالحفظِ والتدبيرِ، فلذلك كَرَّر قولَه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا
فِىِ الْأَرْضِّ﴾ .
القولِ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ
(١٣٣)
﴾ .
◌ِشَاخِرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا.
قال أبو جعفرٍ رحمه اللهُ: يعنى بذلك جل ثناؤه: ﴿إِن يَشَأْ﴾ اللَّهُ، أيُّها الناسُ
◌ِ يُذْهِبْكُمْ﴾. أى: يُذْهِبْكم بإهلاكِكم وإننائكم، ﴿وَيَأْتِ بِثَاخَيْنٌ﴾.
يقولُ: ويَأْتِ بناسٍ آخرين غيرِكم، لَمُؤازَرَةِ نبيِّه محمدٍ عَلِ ونُصْرَتِهِ، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ
عَلَى ذَلِكَ قَدِيْرًا﴾ . يقولُ: وكان اللَّهُ على إهلا کِكم وإفنائِكم، واستبدالٍ آخرين
غيرِ كم بكم، ﴿ قَدِيرًا﴾. يعنى : ذا قدرةٍ على ذلك .
وإنما وَيَّخ جل ثناؤه بهذه الآياتِ (١) الخائنين الذين خانوا الدِّرْعَ التى وَصَفْنا
شأنها، الذين ذكّرهم اللَّهُ فى قوله: [٤٦/١٣ ظ] ﴿وَلَا تَكُنْ لِّلْخَايِنِينَ
خَصِيمًا﴾. وحذَّر أصحاب محمدٍ عَّلِ أن يكونوا مِثْلَهم، وأن يَفْعَلوا فِعْلَ
المُؤْتَدِّ منهم فى ارتدادِه ولَحَقِهِ بالمشركين، وعرَّفهم أنَّ مَن فَعَل فِعْلَه منهم ، فلن يَضُرَّ
إلا نفسَه، ولن يُوبِقَ برِدَّتِه غيرَ نفسِه؛ لأنه المحتاجُ - مع جميعٍ ما فى السماواتِ وما
فى الأرضِ - إلى اللَّهِ، واللَّهُ الغنىُّ عنهم. ثم تَوَعَّدَهم فى قوله: ﴿إِن يَشَأْ
يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِثَاخَرِينٌ﴾. بالهلاكِ والاسْتِثْصالِ إن هم فعَلوا فِعْلَ
ابنِ أُيَتِرِقٍ (٢) طُعْمَةَ المرتدِّ، وباستبدالٍ آخرين غيرِهم بهم لنُصْرَةٍ نبيِّه محمدٍ عَالم
(١) فى ص، ت١، س: ((الآية)).
(٢) بعده فى الأصل: ((و)). وينظر ما تقدم فى ص ٤٦٢.

٥٨٢
سورة النساء : الآ يتان ١٣٣ ، ١٣٤
وصُخْبتِه، ومؤازرتِه على دينه، كما قال فى الآيةِ الأخرى: ﴿وَإِنِ تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ
قَوْمًا غَيْرَّكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨].
وقد رُوىَ عن النبيّ ◌َِّ أنها لما نَزَلتْ ضرَب بيدِه على ظهرِ سلمانَ ، فقال:
((هم قومُ هذا)) . يَغْنِى عَجَمَ الفُرْسِ .
كذلك حُدِّثْتُ عن عبدِ العزيزِ بنِ محمدٍ ، عن سهيلٍ بن أبى صالحٍ، عن أبيه،
عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ عٍَّ(١).
٣٢٠
٥٠"." ..
وقال قتادةُ فى ذلك بما حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال : ثنا یزیدُ ، قال : ثنا سعيدٌ ، /
عن قتادةَ قولَه: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِثَاخَرِيِنْ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ
قَدِيرًا﴾: قادرٌ واللَّهِ ربَّنا على ذلك، أن يُهْلِكَ مَن يشاءُ مِن خلقِه، ويَأْتِ بآخرين مِن
(٢)
بعدِهم(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اَللَّهِ ثَّوَابُ
0﴾ .
اُلُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًّا (
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللَّهُ: يعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿مَّنْ كَانَ
يُرِيدُ﴾. ممن [٤٦/١٣ظ] أظهَر الإيمانَ بمحمدٍ عَّهِ مِن أهلِ النِّفاقِ، الذين
يَسْتَبْطِنون الكفرَ، وهم مع ذلك يُظْهِرون الإيمانَ، ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ . يعنى:
عَرَضَ الدنيا، بإظهارِه ما أظهَر مِن الإيمانِ بلسانِهِ ، ﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا﴾ .
(١) عبد العزيز بن محمد هو الدراوردى، وسيأتى الحديث من طريق آخر فى تفسير سورة (محمد)، وينظر
تخريجه هناك .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٨٥/٤ (٦٠٧٣) من طريق يزيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٣٤/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .

٥٨٣
سورة النساء : الآية ١٣٤
يعنى: جزاؤُه فى الدنيا منها، وثوابُه فيها(١) هو ما يُصِيبُ مِن المُغْنَمِ إذا شَهِد
مع "النبيِّ ◌ٍَّ(٢) مَشْهَدًا، وَمْتُه على نفسِه وذُرِّيتِه ومالِه ، وما أشبه ذلك ، وأما ثوابُه
فى الآخرةِ فنارُ جهنمٌ .
فمعنى الآيةِ : مَن كان من العاملين فى الدنيا من المنافقين ، يريدُ بعملِه ثوابَ
الدنيا وجزاءَها مِن عملِه، فإن اللّهَ مُجازِيه بها(٢) جزاءه فى الدنيا مِن الدنيا، وجزاءَه
فى الآخرةِ(٤) مِن العقابِ والتَّكَالِ، وذلك أن اللَّهَ قادرٌ على ذلك كلِّه، وهو مالكُ
جميعِه، كما قال فى الآيةِ الأُخرى: ﴿مَن كَانَ بُرِيدُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ
إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ إِلَّا
النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلُ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦].
وإنما عَنَى بذلك جلّ ثناؤُه الذين سَعَوا فى أمرٍ بنى أَبَيْرِقٍ ، والذين وَصَفهم فى
قوله: ﴿وَلَا تُحَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا
أَشِيمًا ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا
يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ . ومَن كان مِن نُظَرائِهم فى أفعالهم ونفاقِهم.
وقولُه: ﴿وَكَانَ اَللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. يعنى: وكان اللَّهُ سميعًا لما يقولُ هؤلاء
المُنافِقون الذين يُريدون ثوابَ الدنيا بأعمالهم ، وإظهارِهم للمؤمنين ما يُظْهِرون لهم ،
إذا لَّقُوا المؤمنين، وقولِهم لهم: آمنًا، ﴿ بَصِيرًا﴾. يعنى: وكان ذا بَصَرٍ بهم وبما
(١) بعده فى: ص، ت١، ت٢، ت٣، س: (( و).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((المسلمين)).
(٣) سقط من : م .
(٤) بعده فى م: ((من الآخرة)).
(٥ - ٥) فى الأصل: ((أبصر)).

٥٨٤
سورة النساء: الآيتان ١٣٤، ١٣٥
هم عليه مُنْطَؤُون للمؤمنين، مما (١) يَكْتُمونه ولا يُئِدُونه لهم مِن الغشِ والغِلِّ الذى فى
صدورهم لهم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُواْ قَوَمِينَ بِاَلْقِسْطِ
شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى
بِهِمَّ فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْمَوَى أَنْ تَعْدِلُواْ ﴾.
٣٢١/٥
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ رحِمه اللَّهُ: وهذا تَقَدُّمٌ مِن اللَّهِ تعالی ذکرُه إلى
عبادِه المؤمنين به وبرسولِه، أن يَفْعَلوا فعلَ الذين سَعَوا إلى رسولٍ / اللَّهِ يَِّ فى أمرٍ بنى
أيَيْرِقٍ ، أن يقومَ بالعُذْرِ لهم فى أصحابِهِ، وذَبَّهم عنهم ، وتَحْسينَهم أمرَهم ؛ بأنهم
أهلُ فاقةٍ وفَقْرٍ ، يقولُ اللَّهُ لهم: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوََّمِينَ بِالْقِسْطِ ﴾.
يقولُ: لِيَكُنْ مِن أخلاقِكم وصفاتِكم القيامُ بالقسطِ. يعنى: بالعَدْلِ. ﴿ شُهَدَآءَ
لِلَّهِ﴾. والشهداءُ: جمعُ شهيدٍ. ونُصِبَت الشهداءُ على القَطْعِ مما فى قوله:
﴿قَوَِّمِينَ﴾. مِن ذكرٍ ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾. ومعناه: قُوموا بالقِشطِ للَّهِ عندَ
شهادتكم. أو حينَ شهادتِكم. ﴿وَلَوْ عَلَىَّ أَنْفُسِكُمْ﴾. يقولُ: ولو كانت
شهادتُكم على أنفسكم، أو على والدين لكم ، أو أقْرَبِيكم ، فقُوموا فيها بالقسطِ
والعدلِ، وأقيموها على صحتها، بأن تقولوا فيها الحقَّ، ولا تَمِيلُوا فيها لغنىٌّ لِغِناه
على فقيرٍ ، ولا لفقيرٍ لفَقْرِهِ على غَنِىٌّ، فَتَجُوروا؛ فإن اللَّهَ الذى سَوَّى بينَ حُكْمٍ
الغنىِّ والفقيرِ فيما الزَمكم ، أيُّها الناسُ ، مِن إقامةِ الشهادةِ لكلِّ واحدٍ منهما بالعَدْلِ
﴿أَوْلَى بِهِمَّ﴾ وأحقٌّ منكم؛ لأنه مالِكُهما (" وإلهُهما، دونكما) ، فهو أعلمُ بما فيه
مصلحةُ كلِّ واحدٍ منهما فى ذلك ، وفى غيرِهِ مِن الأمورِ كلِّها منكم ، فلذلك أمر كم
(١) فى الأصل: ((بما))، وفی م، ت٢ : ((فیما)، وفی ت١ ، س: ((ما)) .
(٢ - ٢) فى م: ((وأولى بهما دونكم)).

٥٨٥
سورة النساء : الآية ١٣٥
بالتسويةِ بينَهما فى الشهادةِ لهما وعليهما. ﴿ فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَى أَنْ تَعْدِلُواْ﴾.
يقولُ : فلا تَتَّبِعوا أهواءَ أنفسِكم فى المَثَلِ فى شهادتِكم إذا قُمْتُم بها ، لغنىٍّ على فقيرٍ ،
أو لفقيرٍ على غنىِّ إلى أحدِ الفريقين، فتَقولوا غيرَ الحقِّ، ولكن قُوموا فيه بالقِسْطِ ،
وأدُّوا الشهادةَ على ما أمركم اللَّهُ بأدائِها، بالعَدْلِ لَمن شَهِدْتم عليه وله .
فإن قال قائلٌ : وكيف يقومُ بالشهادةِ على نفسِه الشاهدُ بالقِسْطِ ؟ وهل يَشْهَدُ
الشاهدُ على نفسِه؟
قيل: نعم ، وذلك أن يكونَ عليه حقٌّ لغيرِه ، فيُقِرّ له [٤٧/١٣ ظ] به ، فذلك قيام
منه له بالشهادةِ على نفسِهِ . وهذه الآيةُ عندى تأديبٌ مِن اللَّهِ جلّ ثناؤه للمؤمنين ، أن
يفعلوا ما فعله الذين عَذَروا بنى أَتَيْرِقٍ فى سرقتهم ماسَرَقوا، وخيانتهم ما خانوا
مَن " ذكَرْنا قبل١ُ) عندَ رسولِ اللهِ وَظَاهِ، وشهادتهم لهم عندَه بالصلاحِ، فقال
لهم: إذا قُمْتُم بالشهادةِ لإنسانٍ أو عليه، فقُوموا(٢) فيها بالعَدْلِ، ولو كانت
شهادتُكم على أنفسكم وآبائِكم وأمهاتِكم وأقْرِبائِكم، ولا يَحْمِلَتَّكم غِنَى مَن
شَهِدتم له أو فَقْرُه أو قَرابتُه ورَحِمُه منكم على الشهادةِ له بالزُّورِ ، ولا على تَوْكِ
الشهادة عليه بالحقِّ و کِثمانِها .
وقد قيل : إنها نَزَلَت تأديبًا لرسولِ اللَّهِ عْلَئِ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحُسَينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّئِّ فى قولِهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَِّمِينَ بِاَلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ﴾ . قال:
(١ - ١) فى م: ((ذكر ما قيل)).
(٢) فى ص، ت٢: ((فقولوا)).

٥٨٦
سورة النساء : الآية ١٣٥
نَزَّلَت فى النبيِّ عَِّ، واخْتَصَم إليه رجلان؛ غنىٌّ وفقيرٌ، فكان ضَلْعُهُ(١) مع الفقيرِ؛
يَرَى أن الفقيرَ لا يَظْلِمُ الغنيّ، فأتى اللَّهُ إلا أن يقومَ بالقِسْطِ فى الغنىِّ والفقيرِ،
فقال: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيْرًا قَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا فَلَ تَشَّيِعُواْ الْمَوَى أَن
تَعْدِلُواْ ﴾ الآية(٢).
وقال آخرون فى ذلك نحوَ قولنا : إنها نَزَّلَت فى الشهادةِ . أمرًا مِن اللَّهِ المؤمنين
أَن يُسَؤُّوا فى قيامِهم بشهاداتِهم لمن قاموا له (١) بها بينَ الغنىِّ والفقيرِ.
٣٢٢/٥
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی المثنی ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنی معاويةُ ، عن علىِّ ، عن
ابنِ [٤٨/١٣ و] عباسٍ قولَه: ﴿كُونُوا قَوَِّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ
اٌلْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينٌ﴾. قال: أمَر اللَّهُ سبحانَه المؤمنين أن يقولوا الحقَّ ولو على
أنفسِهم أو آبائهم أو أبنائهم ، ولا يُحابُوا غنيًّا لِغِناه، ولا يَرْحَموا مسكينًا لَمَشْكنتِه،
وذلك قولُه: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيْرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَى أَنْ
تَعْدِلُواْ﴾. فَتَذَرُوا الحقَّ فَتَجُورُوا(4).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا سُويدُ بنُّ نَصْرٍ ، قال : أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن يونس ،
عن ابن شهابٍ فى شهادةِ الوالدِ لولدِه وذى القَرابةِ ، قال: كان ذلك فيما مَضَى من
السُّنَّةِ فِى سَلَفِ المسلمين، وكانوا يَتْأَوَّلون فى ذلك قولَ اللَّهِ: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
(١) ضلعه : ميله . النهاية ٩٦/٣.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٨٦/٤، ١٠٨٨ (٦٠٧٨، ٦٠٨٨) من طريق أحمد بن المفضل به.
(٣) سقط من: ص ، ت٢ .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٨٦/٤، ١٠٨٨ (٦٠٧٧، ٦٠٨٧، ٦٠٩٠)، والبيهقى ١٥٨/١٠
من طريق عبد الله بن صالح به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٤/٢ إلى ابن المنذر.
...----..
.. . ...

٥٨٧
سورة النساء : الآية ١٣٥
كُونُوا قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ
غَنِيًّا أَوْ فَقِيْرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَّاً﴾ الآية. فلم يكُنْ يُتَّهَمُ سَلَفُ المسلمين الصالحُ فى
شهادةِ الوالدِ لولدِه، ولا الولدِ لوالدِه، ولا الأخ لأخيه، ولا الرجلِ لامرأته، ثم دَخِلَ
الناسُ(١) بعدَ ذلك، فظَهَرَت منهم أمورٌ حَمَلَت الولاةَ على اتِّهامِهم، فتُرِكَت شهادةٌ
مَن يُنَّهَمُ إذا كانت مِن أقربائهم ، وصار ذلك مِن الولدِ والوالدِ والأخِ والزوجٍ والمرأةٍ، لم
يُتَّهِمْ إِلا هؤلاء فى آخرِ الزمانِ(٣) .
حدَّثنى يونس، قال : أخبرنا ابنُّ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ يَأَيُّهَا
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوا قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيةِ. قال: لا يَحْمِلُكَ فَقْرُ
هذا على أن تَرْحَمَه ، فلا تُقِيمَ عليه الشهادةَ. قال : يقولُ هذا للشاهدِ .
حدَّثْنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعِ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ :
﴿ يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ ﴾ . الآية : هذا فى الشهادةِ ،
فأقِم الشهادةَ يابنَ آدمَ ، ولو على نفسِك، أو الوالِدَين، أو على ذَوى قَرايتِك، أو
شَرَفٍ (٢) قومِك، فإنما الشهادةُ للَّهِ وليست للناسِ، وإن اللَّهَ رَضِى العدلَ لنفسِه،
والإِقْساطُ والعَدْلُ مِيزانُ اللَّهِ فى الأرضِ ، به ترُدُّ اللَّهُ مِن الشديدِ على الضعيفِ، ومِن
الكاذبِ [٤٨/١٣ظ] على الصادقِ، ومِن المُطِلِ على المُحقٌّ، وبالعدلِ يُصَدِّقُ
الصَّادِقَ، ويُكَذِّبُ الكاذِبَ ، ويَرُدُّ الْمُعْتَدِىَ ويُوَبَّخُه ، تعالى ربّنا وتبارك، وبالعدلِ
يَصْلُحُ الناسُ، يا بنَ آدمَ، ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا﴾. يقولُ:
أوْلى بغَنِيّكم وفقيرٍ كم . قال: وذُكِر لنا أن نبىَّ اللَّهِ موسى عليه السلامُ قال: ربِّ،
(١) دخِل الناس : فسد داخلهم : الوسيط (د خ ل) .
(٢) ينظر التبيان ٣٥٥/٣ .
(٣) فى م، ومصدرى التخريج: ((أشراف)). والشرف والأشراف بمعنى. التاج (ش ر ف).

٥٨٨
سورة النساء : الآية ١٣٥
أُّ شىءٍ وَضَغْتَ فى الأرضِ أقلَّ ؟ قال: العَدْلُ أقلُّ ما وَضَعتُ فى الأرضِ، فلا
يَمْنَعَنَّكَ غِنَى غنىٍّ، ولا فَقْرُ فَقَيرٍ، أَن تَشْهَدَ عليه بما تَعْلَمُ ، فإن ذلك عليك مِن
الحقِّ. وقال جل ثناؤه: ﴿قَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمََّ﴾(١).
وقد قيل: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾. الآية، أرِيدَ: فاللَّهُ أَوْلى بغِنَى الغَنِيِّ،
وفَقْرِ الفقيرِ؛ لأن ذلك منه لا مِن غيرِهِ؛ فلذلك قيل: ﴿يِهِمَّا﴾ ولم يُقَلْ: به .
وقال آخرون: إنما قيل: ﴿يِهِمًَّ﴾؛ لأنه قال: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ
فَقِيرًا﴾. فلم يَقصِدْ فقيرًا بعَيْنِهِ، ولا غَنِيًّا بعَيْنِهِ، وهو مجهولٌ، وإذا كان
مجهولًا ، جازَ الرَّدُّ عليه (١) بالتوحيد والتثنية والجمع. وذَكَر قائلو هذا القول أنه فى
قراءةٍ أَتَىّ : ( فاللَّهُ أَوْلِى بِهِمْ)(١).
/وقال آخرون: ((أو))، بمعنى ((الواوٍ)) فى هذا الموضعِ.
٣٢٣/٥
وقال آخرون: جازَ تَثْنِيةُ قولِه: ﴿بِهِمَّا﴾. لأنهما قد ذُكِرا، كما قيل:
﴿ وَلَهُ أَخُّ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اُلْسُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢]. وقيل: جازَ
ذلك؛ لأنه أُضْمَر فيه ((مَن))، كأنه قيل: إن يكنْ مَن خاصّم غَنِيًّا أو فقيرًا. بمعنى:
غَنِيِّين أو فقيرَين، فاللَّهُ أولى بهما .
فتأويلُ قولِهِ: ﴿ فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَىَ أَنْ تَعْدِلُواْ ﴾. (+ على ماذكرنا من أقوالٍ من
ذكرنا قولَه: فلا تَتَبَعِوا الهَوَى فى أن تَعْدِلوا" عن الحقِّ، فَتَجُوروا بتَرْكِ إقامةِ الشهادةِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٨٧/٤ (٦٠٨١) من طريق يزيد بن زريع ببعضه . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٣٤/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(٢) فى ت١، ت٢، ت٣، س: ((منه)).
(٣) هى قراءة شاذة، وينظر البحر المحيط ٣٧٠/٣.
(٤ - ٤) سقط من : م .
اللجنة

٥٨٩
سورة النساء : الآية ١٣٥
بالحقِّ. ولو وُجّه إلى أن معناه: فلا تَتَّبِعوا أهواءَ أنفسِكم ؛ هربًا مِن أَنْ تَعْدِلوا فى إقامةٍ
الشهادة بالقِسْطِ . كان وَجْهًا .
وقد قيل: معنى ذلك: فلا تَشَِّعوا الهَوى لتَعْدِلوا. كما يقالُ: لا تَتَبعْ هَواك
لتُوْضِىّ ربَّك. بمعنى: أَنْهاك عنه ؛ كيما تُرْضِىَ ربَّك بتزْكِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَإِن تَلْوُوأ [٤٩/١٣ و] أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ .
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك؛ فقال بعضُهم: عَنَى: ﴿ وَإِن تَلْوُوا﴾ ،
أيُّها الحُكَّامُ، فى الحُكْم لأحدِ الخَضْمَين على الآخرِ ﴿أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. ووَّهوا معنى الآيةِ إلى أنها نَزَلَت فى الحُكّامِ، على نحوٍ
القولِ الذى ذَكّرنا عن الشُّدِّئِّ مِن قوله: إن الآيةَ نَزَلَت فى رسولِ اللَّهِ سَِّ. على ما
ذكرنا قبلُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ وابنُ وَكيعٍ، قالا : ثنا جَريرٌ، عن قابوسٍ بنِ أبی ظَئِیانَ ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾. قال: هما الرجلان
يَجْلِسان بينَ يَدَي القاضِى، فيكونُ لَهُ القاضِى وإعراضُه لأحدِهما على الآخرِ (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿ وَإِن تَلْوُرأْ﴾، أيُّها الشهداءُ، فى شهاداتِكم ،
فتُحَرِّفوها ولا تُقِيموها، ﴿أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ عنها فَتَتْرُكوها .
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٢٨/٧، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٨٩/٤ (٦٠٩٨) وأبو نعيم فى
الخلية ٣٣٤/١ من طريق جرير به بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٤/٢ إلى أحمد فى
الزهد وابن المنذر .

٥٩٠
سورة النساء : الآية ١٣٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن على بن أبى
طلحةً ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾. يقولُ: إِن تَلْؤُوا بألسنتِكم
بالشهادةٍ ، أو تُغْرِضوا عنها(١) .
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی، قال : ثنی أنی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُواْ فَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ
لِلَّهِ﴾. إلى قوله: ﴿وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾. [٤٩/١٣ظ] يقولُ: تَلْوِى لسانك
بغيرِ الحقِّ. وهى اللَّجْلَجَةُ، فلا تقيمُ الشهادةَ على وَجْهِها، والإعراضُ: التَّوْكُ(٢).
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَإِن تَلْوُرأْ﴾. أى تُبُدِّلوا الشهادةَ ﴿ أَوْ تُعْرِضُوا ﴾.
قال : تَكْتُموها(٣).
٣٢٤/٥
/ حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو محذّيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى تَجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَإِن تَلْوُرِأ﴾. قال: تَبْديلُ الشهادةِ، والإعراضُ: كِتْماتُها .
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال : ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ :
﴿ وَإِن تَلْوُاْ أَوْ تُعْرِضُوا﴾. قال: إن تُحَّفوا أو تَتْرُكوا(٤).
حدَّثْنا بِشْرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِن تَلْوُواْ أَوْ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٨٩/٤ (٦٠٩٦، ٦١٠٠) من طريق عبد الله بن صالح به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٨٩/٤ ، ١٠٩٠ (٦٠٩٧، ٦١٠١) عن محمد بن سعد به .
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٩٥ . ومن طريقه أخرجه البيهقى ١٥٨/١٠.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم ١٠٨٩/٤، ١٠٩٠ (٦١٠٢،٦٠٩٩) من طريق سفيان به . وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٣٤/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
٠٠٠

٥٩١
سورة النساء : الآية ١٣٥
تُعْرِضُواْ﴾. قال: تُلَجْلِجوا أو تَكْتُموا، وهذا فى الشهادةِ .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفُضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السُّدِّىِّ: ﴿ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾. أما ﴿ تَلْوُرأْ﴾: فتْوِى للشهادةِ فتُحَرِّفُها
حتى لاتُقِيمَها ، وأما ﴿ تُعْرِضُوا﴾ : فتُعْرِضُ عنها فَتَكْتُمُها، وتقولُ : ليس عندى
ـ(١)
شهادةٌ (١).
٠٫٠
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِن تَلْوُرأْ﴾.
فتَكْتُموا الشهادةَ، يَلْوِى: ينقصُ(٢) منها، أو يُغْرِضُ عنها فيَكْتُمُها، فيَأتَى أَن يَشْهَدَ
عليه ، يقولُ: أَكْتُمُ عنه لأنه مسكينٌ أرحَمُه . فيقولُ : لا أَقِيمُ الشهادةَ عليه . ويقولُ:
هذا غَنِىٌّ أَبَقِّيه وأرجو ما قِبَلَه، فلا أَشْهَدُ عليه. فذلك قولُه: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ
(٣)
فَقِيرًا﴾ (٢).
حدَّثنا ابنُّ بَشَّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ ، عن ابنِ أبی نَجیحِ ،
عن مجاهدٍ: ﴿ وَإِن تَلْوُرأْ﴾: تُحَّفوا. ﴿ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ : تَتْرُكوا .
حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ ، قال: ثنا حسنُ بن عَطِيَّةً، قال: ثنافُضَيلُ بنُ مَرْزوقٍ ،
عن عَطِيَّةً فى قولِه: ﴿ وَإِن تَلْوُوا﴾. قال: إن تُلَجْلِجوا فى الشهادةِ فتُفْسِدوها.
﴿ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾. قال: تَتْرُكوها(٤).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، [٥٠/١٣و] عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٨٩/٤، ١٠٩٠ عقب الأثرين (٦٠٩٧، ٦١٠٢) من طريق عمرو
ابن حماد به .
(٢) فى ص، ت١: ((ببعض)).
(٣) ينظر التبيان ٣٥٦/٣.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٨٩/٤، ١٠٩٠ عقب الأثرين (٦٠٩٧، ٦١٠٢) معلقًا .
٤

٥٩٢
سورة النساء : الآية ١٣٥
لجُوَيبٍ، عن الضحاكِ فى قوله: ﴿ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾. قال: أن تَلْؤُوا فى
الشهادةِ: أن لا تُقِيموها (١) على وَجْهِها، ﴿أَوْ تُعْرِضُواْ﴾. قال: تَكْتُموا
.(٢)
الشهادةَ(٢).
حدَّثنی المثنی ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبی حمَّادٍ ، قال : ثنا
شَيْبانُ، عن قتادةَ أنه كان يقرأ (٢): ﴿ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ . بواوَيْنٌ ، يعنى:
تُلَجْلِجوا. ﴿أَوْ تُعْرِضُواْ ﴾. قال: تَدَعُها فلا تَشْهَدُ .
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمعتُ أَبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ
سُلَيْمانَ(٥) ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ . أما
تَلْوُرأْ﴾. فهو أن يَلْوِىَ الرجلُ لسانَه بغيرِ الحقِّ. يعنى: فى الشهادةِ.
قال أبو جعفرٍ : وأولى التأويلَين بالصوابِ فى ذلك ،، تأويلُ مَن تأوَّله أنه لَئُ
الشاهدِ شَهادتَه لَمن شَهِدَ له وعليه، وذلك تَحْرِيفُه إياها بلسانِهِ ، وتَوْكُه إقامتها ؛
ليُبْطِلَ بذلك شهادتَه لمن شَهِد له، وعمن شَهِد عليه. وأما إعراضُه عنها ، فإنه تَرْكُه
أداءَها والقيامَ بها ، فلا يَشْهَدُ بها .
وإنما قُلنا : هذا التأويلُ أوْلى بالصوابِ ؛ لأن / اللَّهَ جلّ ثناؤه قال: ﴿كُونُواْ
قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ﴾. فأمَرّهم بالقيامِ بالعَدْلِ شهداءَ، وأَظْهْرُ معانى
الشهداءِ ماذكّرنا مِن وَصْفِهم بالشهادةِ .
٣٢٥/٥
(١) فى الأصل، ص، س، ت١: ((نقيمها)).
(٢) ينظر التبيان ٣٥٦/٣ .
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((يقول)).
(٤١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س. وينظر ما يأتى فى الصفحة التالية.
(٥) فى م: ((سلمان)). وينظر ترجمته فى تهذيب الكمال ٢١٢/١٩.
%٠٠ ٣١

٥٩٣
سورة النساء : الآية ١٣٥
واختلَفَتِ القَرَأَةُ فى قراءةِ قولِهِ: ﴿وَإِن تَلْوُرأْ﴾ ؛ فقَرَأْ ذلك عامةُ قَرَأَةِ الأمصارِ
سِوَى الكوفةِ: ﴿وَإِن تَلْوُوا﴾ بوَاوَين، مِن: لَوانى الرجلُ حقِّى، والقومُ يَلْووننى
دَيْنى. وذلك إذا مَطَلُوه لَّا .
وقرَأَ ذلك جماعةٌ مِن قَرَأةِ الكوفةِ: ( وَإِنْ تَلُوا) بواوٍ واحدةٍ(١). ولقراءةٍ مَن قرأ
ذلك كذلك وجهان .
أحدُهما : أن يكونَ قارِتُها أرادَ همزَ ((الواوٍ)) لانْضِمامِها، ثم أسقَطّ الهمزّ،
فصارَ إعرابُ الهمزِ فى اللامِ إذ أسقَطَه ، وبَقِيَت واوٌ واحدةٌ، كأنه أرادَ : تَلْؤُوا . ثم
حَذَف الهمزَ، وإذا عَنَى هذا الوجهَ، كان معناه معنى مَن قَرَأ: ﴿ وَإِن تَلْوُرأْ﴾
[٠/١٣ ٥ظ] بواوَين، غيرَ أنه خالَف المعروفَ مِن كلامِ العربِ، وذلك أن الواوَ الثانيةَ
مِن قوله: ﴿تَلَوُا﴾ واوُ جمعٍ، وهى عَلَمٌ لمعنّى، فلا يَصِحُ همزُها، ثم خَذفُها بعدَ
همزِها ، فيَتْطُلُ عَلَمُ المعنى الذى له أدْخِلَت الواوُ المحذوفةُ .
والوجهُ الآخرُ: أن يكونَ قارئها كذلك، أراد: ((وإن تَلُوا)) مِن الولايةِ ،
فيكونُ معناه : وإن تَلُوا أمورَ الناسِ أَو تَتْرُكوها . وهذا معنًى - إذا وَجَهَ القارئُ
قراءتَه، على ما وَصَفنا ، إليه - خارجٌ عن معانى أهلِ التأويلِ، وما وَجَّه إليه أصحابُ
رسولِ اللَّهِ مَّهِ والتابعون تأويلَ الآيةِ.
فإذا كان فسادُ ذلك واضحًا مِن كِلا وَجْهَيه، فالصوابُ مِن القراءةِ الذى لا
يَصْلُحُ غيرُه أن يُقرَأْ به، عندَنا: ﴿ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾. بمعنى اللَّيّ ، الذى هو
مَظْلٌ(٢) ، فيكونُ تأويلُ الكلام: وإن تَدْفَعوا القيامَ بالشهادةِ على وَجْهِها لَن لَزِمكم
(١) قرأ حمزة وابن عامر بواو واحدة واللام مضمومة. وقرأ الباقون بواوين. التيسير ص ٨١، النشر ٢/ ١٩٠.
(٢) كلتا القراءتين صحيحة لأنهما متواترتان . المصدران السابقان .
( تفسير الطبرى ٣٨/٧ )

٥٩٤
سورة النساء : الآيتان ١٣٥ ، ١٣٦
القيامُ له بها ، فتُغَيِّرُوها وتُبَدِّلوا، أو تُغرِضوا عنها، فَتَتْوُكوا القيامَ له بها، كما يَلْوِى
الرجلُ دَيْنَ الرجل ، فيدافعُه بأدائه إليه على ما أوجب عليه له ، مَطْلًا منه له ، كما قال
(١)
الأُغْشَى(١) :
دَيْنِى إذا وَقَذَ (٢) النُّعاسُ الرُّقَّدَا
يَلْوِينَنِ دَيْنِى النَّهَارَ وَأَقْتَضِى
وأما تأويلُ قولِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. فإنه أرادَ : فإن اللَّهَ كان
بما تعملون مِن إقامتكم الشهادةَ ، وتحریفکم إياها ، وإعراضِکم عنها بکثْمانِکموها
﴿ خبيرًا﴾ یعنی : ذا خبرة وعلم به؛ يَحْفَظُ ذلك منكم علیکم ، حتى يُجازِیکم به
جزاءَكم فى الآخرةِ؛ المحبينُ منكم بإحسانِهِ، والمُسِىءُ بإِساءتِه . يقولُ: فَاتَّقُوا
رێکم فى ذلك .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ [١/١٣ ٥و] مِن قَبْلُ وَمَن
يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُلُّبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَ ضَلَلأْ بَعِيدًا (
٣٢٦/٥
/ يعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بَمن قبلَ محمدٍ من الأنبياءِ
والرسلٍ، وصَدَّقوا بما جاءوهم به من عندِ اللَّهِ ﴿ مَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. يقولُ:
صَدِّقوا باللَّهِ، وبمحمدٍ رسوله، أنَّه للَّهِ رسولٌ، مُوسَلٌ إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم
﴿ وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يقولُ: وصَدِّقوا بما جاءكم به محمدٌ مِن
الكتابِ الذى نَزَّل اللَّهُ عليه - وذلك القرآنُ - ﴿وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلٌ﴾.
يقولُ: وآمِنوا بالكتابِ الذى أنزل اللَّهُ مِن قبلِ الكتابِ الذى نزَّله على محمدٍ عَّهِ ،
وذلك هو التوراةُ والإنجيلُ .
(١) ديوان الأعشى الكبير ص ٢٢٧ .
(٢) وقذه : صرعه ، ومن المجاز: وقذه النعاس، إذا غلبه . التاج ( وق ذ).

٥٩٥
سورة النساء : الآية ١٣٦
فإن قال قائلٌ: وما وَجْهُ دعاءِ هؤلاء إلى الإيمانِ باللَّهِ ورسولِه وكتبِه، وقد
سَمًّاهم مؤمنین ؟
قيل: إنه جلّ ثناؤه لم يُسَمِّهم مؤمنين، وإنما وَصَفهم بأنهم آمنوا، وذلك
وَصْفٌ لهم بخصوصٍ مِن التصديقِ ، وذلك أنهم كانوا صِنْفَين؛ صِنْفٌ (١) أهلُ توراةٍ
مُصَدِّقِين بها وبمَن جاء بها، وهم مُكَذِّبون بالإنجيلِ والفُرقانِ وعيسى ومحمدٍ ،
صلواتُ اللَّهِ عليهما. وصِنْفٌ أهلُ إنجيلٍ، وهم مُصَدِّقون به وبالتّوراةِ وسائرٍ
الكتبِ، مُكَذِّبون بمحمدٍ عَّهِ والفُرْقانِ، فقال اللّهُ لهم: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾.
يعنى: بما هم به مؤمنون مِن الكُتُبِ والرسلِ ﴿ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ محمدٍ
والكتابِ الذى نَزَّلَ عليه، فإنكم قد عَلِئْتم أن محمدًا رسولُ اللَّهِ ؛ تَجِدون صفته فى
◌ُتیکم، وبالکتابِ الَّذِی نَّل مِن قَبلِه الذی تَزْعمون أنکم به مؤمنون ، فإنکم لن
تکونوا به مؤمنین وأنتم بمحمدٍ مُگذبون؛ لأن کتابکم یأُمُؤ کم بالتَّصديقِ به، وبما
جاءكم به ، فآمنوا بكتابِكم فى اتِباعِكم محمدًا، وإلا فأنتم به كافِرون .
فهذا وَجْهُ أمرِهم بالإيمانِ بما [١/١٣ ٥ظـ] أمَرّهم بالإيمانِ به، بعدَ أن وَصَفهم بما
وَصَفهم بقولِه: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ .
وأما قولُه: ﴿ وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾.
فإن معناه: ومَن يَكْفُرْ بمحمدٍ عَّهِ، فَيَجْحَدْ نُبُوَّتَه، (٢﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلا
بَعِيدًا﴾، وإنما قال تعالى ذكره: ﴿وَمَنْ يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ،
وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ﴾، ومعناه: ومن يَكْفُرْ بمحمدٍ وبما جاء به من عندِ اللَّهِ)؛ لأن جحودَ
(١) سقط من : م .
(٢ - ٢) فى م: ((فهو يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر)).

٥٩٦
سورة النساء : الآيتان ١٣٦، ١٣٧
شىءٍ مِن ذلك ، بمعنى بجحودٍ جميعِه، (ولأنه١) لا يَصِحُ إيمانُ أحدٍ مِن الخلقِ إلا
بالإِيمانِ بما أمره اللَّهُ بالإيمانِ به ، والكفرَ بشىءٍ منه كفرٌ بجميعِه، فلذلك قال :
﴿وَمَنْ يَكْفُرُّ بِالَّهِ وَمَلَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَوْمِ اُلْآَخِ﴾ بعَقِبٍ خطابِهِ أهلَ
الكتابِ ، وأَمْرِه إياهم بالإيمانِ بمحمدٍ عَّمِ تهديدًا منه لهم، وهم مُقِرُّون بوحدانيةِ
اللَّهِ ، والملائكةِ والكتبِ والرسلِ واليومِ الآخرِ، سِوَى محمدٍ عَلِّ ، وما جاء به مِن
الفُرْقانِ .
وأما قولُه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلَا بَعِيدًا﴾. فإنه يعنى: فقد ذَهَب عن قَصْدِ
السبيلِ، وجارَ عن مَحَجَّةِ الطريقِ إلى المهالكِ(٢) ذَهابًا وجَوْرًا بعيدًا؛ لأن كُفْرَ مَن
كَفَر بذلك خروجٌ منه عن دينِ اللَّهِ الذى شَرَعه لعبادِه. والخروجُ عن دينِ اللَّهِ الهلاكُ
الذى فيه البَوَارُ، والضَّلالُ عن الهُدَى الذى هو الضَّلَالُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا ثَُّ ءَامَنُواْ ثُوَّ
كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرَا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَمُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً
قال أبو جعفرٍ : اختَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم: تأويلُه:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ بموسى [٥٢/١٣,] ﴿ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ به ﴿ثُمَّ ءَامَنُوا﴾ - يعنى
النصارى - بعيسى ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ به ﴿ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا﴾ بمحمدٍ ﴿لَّمْ يَكُنِ اَللَّهُ
لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ إِنَّ
(١ - ١) فى الأصل: ((وذلك))، وفى م: ((وذلك لأنه)).
(٢) فى الأصل: ((الهلاك)).

٥٩٧
سورة النساء : الآية ١٣٧
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا﴾ . وهم اليهودُ
والنصارى ، آمَنَت اليهودُ بالتوراةِ ثم كفَرَت، وَآمَنَت النصارى بالإنجيلِ ثم كَفَرَت .
وكفرهم به تَوْكُهم إياه، ثم ازدادوا كفرًا بالفرقانِ وبمحمدٍ عَّهِ، فقال اللَّهُ: ﴿لَّ
يَكُنِ اَللَّهُ لِيَغْفِرَ لَمُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾. يقولُ: لم يكنِ اللَّهُ ليغفر لهم ولا لِيَهْدِيّھم
طريقَ هدِى، وقد كفَروا بكتابِ اللَّهِ وبرسوله محمدٍ عَاقٍ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا﴾. قال: هؤلاء اليهودُ ، آمنوا
بالتوراةٍ ، ثم كفَروا. ثم ذكَر النصارى، ثم قال: ﴿ثُمَّ ءَامَنُواْثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُوا
كُفْرًا﴾. يقولُ: آمَنوا بالإنجيلِ ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفرًا بمحمدٍ عٍَّ(١).
وقال آخرون : بل عنَى بذلك أهلَ النفاقِ ، أنهم آمنوا ثم ارتَدُّوا، ثم آمنوا ثم
ارتَدُّوا ، ثم ازدادوا كفرًا بموتهم على الكفرِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنی حَجَّاجٌ، عن ابنٍ مُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُذَ كَفَرُوا﴾. قال: كُنَّا
نَحْسَبُهم المنافقين، ويَدْخُلُ فى ذلك [٥٢/١٣ظ] مَن كان مثلَهم ﴿ثُمَّ أَزْدَادُوا
كُفْرًا﴾. قال: تُوا (٣) على كفرِهم حتى ماتُوا (4) .
(١) أخرج بعضه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٩٢/٤ (٦١١٧ - ٦١١٩) من طريق يزيد بن زريع.
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٤/٢ إلى عبد بن حميد.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٧٦/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٩١/٤ (٦١١٢، ٦١١٣، ٦١١٦)
عن الحسن بن يحيى به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٤/٢، ٢٣٥ إلى عبد بن حميد .
(٣) فى الأصل: ((بقوا))، وفى م: ((نموا)). وتم على الأمر: استمر عليه. النهاية ١٩٧/١.
(٤) ذكر السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٥/٢ أوله بلفظ: ((هم المنافقون)) وعزاه إلى ابن المنذر ثم ذكر آخره =

٥٩٨
سورة النساء : الآية ١٣٧
حدّثنا محمدُ بنُّ بَشَّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن ابنِ أبی
تَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرًا﴾. قال: ماتُوا(١).
حدَّثنا ابنُّ بَشَّارٍ ، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن ابنِ أبى نَجيحِ، عن
مجاهدٍ فى قوله: ﴿ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرًا﴾. قال: حينَ(١) ماتُوا.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُّ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ ثُذَ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ الآية، قال: هؤلاء المنافقون ، آمَنُوا مَرَّتَين،
وكفَروا مَرَّتَين، ثم ازدادوا كفرًا بعدَ ذلك(٣).
وقال آخرون : بل هم أهلُ الكتابَين؛ التوراة والإنجيلِ، أَتَوا ذنوبًا فى كفرِهم
فتابوا، فلم تُقْبَلْ منهم التوبةُ منها(١) ، مع إقامتهم على كفرِهم.
ذکرُ مَن قال ذلك
٣٢٨/٥
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبو خالدٍ ، عن داودَ بن أبى هندٍ ، عن أبى العاليةِ:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ / ثُمَ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرَا﴾ قال: هم
اليهودُ والنصارى، أذنبوا فى شِرْكِهم ، ثم تابوا فلم تُقْبَلْ توبتُهم ، ولو تابوا مِن الشركٍ
لقُبِل منهم(٥).
قال أبو جعفرٍ : وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ ، قولُ مَن قال: عَنَى بذلك أهلَ
= وعزاه إلى المصنف وابن المنذر .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٩١/٤ (٦١١٥) من طريق عبد الرحمن به .
(٢) فى م: (حتى)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٥/٢ إلى المصنف.
(٤) سقط من: ت١، ت٢، س. وفى م: ((فيها)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٩١/٤ (٦١١١) من طريق أبى خالد به .

٥٩٩
سورة النساء : الآية ١٣٧
الكتابِ الذين أقرُّوا بحُكْم التوراةِ ، ثم كَذَّبوا بخلافِهم إياه ، ثم أقرَّ مَن أقرَّ منهم
بعيسى والإنجيلِ، ثم كَذَّب به بخلافِه إياه، ثم كَذَّب بمحمدٍ عَّهِ والفُرْقانِ، فازادادَ
بتكذيِه به كفرًا على كفره.
وإنما قلنا : ذلك أولى بالصوابِ فى تأويل هذه الآيةِ ؛ لأن الآيةَ قبلَها فى قصصٍ
أهلِ الكتابَين - أعنى قولَه: ﴿يَأَيُّهَا [١٥٣/١٣] اٌلَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِلَّهِ
وَرَسُولِهِ﴾ - ولا دلالةَ تدلَّ على أن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا﴾ مُنْقِطِعٌ
معناه مِن معنى ما قبلَه ، فإلحاقُّه بما قبلَه أوْلى، حتى تأتىَ دَلالةٌ دالَّةٌ على انقطاعِه منه .
وأما قولُه: ﴿وَلَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَمْ﴾. فإنه يعنى: لم يكُنِ اللَّهُ لِيَسْتُرَ عليهم
كفرَهم وذنوبَهم، بعفوِه عن العقوبةِ لهم عليه، ولكنه يَفْضَحُهم على رءوسٍ
الأشهادِ. ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ﴾. يقولُ: ولم يَكُنْ لِيُسَدِّدَهم لإصابةِ طريقِ الحقِّ
فيُوَفِّقَهم لها ، ولكنه يَخْذُلُهم(١) عنها؛ عقوبةً لهم على عظيم مجزمهم ومجزاتهم على
ربهم .
وقد ذهَب قومٌ إلى أن المرتدَّ يُشْتَابُ ثلاثًا ، انتزاعًا منهم بهذه الآية ، وخالَفهم
على ذلك آخرون .
ذكرُ مَن قال: يستاب ثلاثًا
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حَفْصّ، عن أُشْعَثَ ، عن الشَّغبىِّ ، عن علىِّ ، قال :
إن كنتُ لُسْتَقِيبًا المرتدَّ ثلاثًا. ثم قرأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا ثُذَ كَفَرُوا﴾(٢) .
(١) فى الأصل: ((عدلهم)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٣٨/١٠، ٢٧٤/١٢ (٩٠٣٥، ١٢٨٠٤)، ومن طريقه البيهقى ٢٠٧/٨ عن
حفص بن غياث به .

....... .......
٦٠٠
سورة النساء : الآية ١٣٧
حدَّثنا ابنُ وَكِيعٍ، قال : ثنا أبى، عن سفيان ، عن جابرٍ، عن عامٍ، عن علىّ ،
رضِى اللَّهُ عنه: يُسْتَابُ الْمُؤْتَدُّ ثلاثًا، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُذَ كَفَرُواْ ثُمَّ
ءَامَنُواْ ثُذَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرًا﴾(١).
حدَّثنا ابنُ وَكِيعِ، قال : ثنا أبى، عن سفيان ، عن عبد الكريم، عن رجلٍ، عن
ابنِ عمرَ، قال: يُسْتَابُ المرتدُّ ثلاثًا(٢).
وقال آخرون : يُسْتَابُ كلما ارتدَّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وَ كِيع، قال : ثنا أبى، عن سُفيانَ ، عن عمرو بن قيسٍٍ، عمن سمع
[٥٣/١٣ظ] إبراهيمَ، قال: يُسْتَابُ المُؤْتَدُّ كلما ازْتَدَّ(٣) .
قال أبو جعفرٍ رحمه اللهُ: وفى قيامِ الحُبَّةِ بأن المرتدَّ يُشْتابُ المرةَ الأولى ،
الدليلُ الواضح على أن مُحُكْمَ كلِّ مَرَّةٍ ارتدَّ فيها عن الإسلامِ حكم المرة الأولى ، فى
أن توبته مقبولةٌ، وأن إسلامَه حَقَنَ له دمَه؛ لأن العلةَ التى حَقَنَت دمَه فى المرةِ الأولى
إسلامُه ، فغيرُ جائزٍ أن تُوجَدَ العلةُ التى مِن أجلِها كان دمُّه محقونًا فى الحالةِ الأولى ،
ثم يكونَ دمُّه مباحًا مع وجودِها ، إلا أن يُفَرِّقَ بينَ حُكْمِ المرةِ الأولى وسائرِ المراتِ
غيرِها، ما يَجِبُ التسليمُ له مِن أصلٍ مُحكَمٍ، فَيَخْرُجَ مِن حكم القياسٍ حينئذٍ .
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٣/١٢ (١٢٨٠٣)، والبيهقى ٢٠٧/٨ من طريق وكيع به. وأخرجه الطحاوى
فى شرح معاني الآثار ٢١٢/٣، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٩١/٤ (٦١١٠) من طريق شريك عن جابر به،
وعند الطحاوى فى أوله قصة .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٣٨/١٠، ٢٧٤/١٢ (٩٠٣٦، ١٢٨٠٥)، ومن طريقه البيهقى ٢٠٧/٨ عن
وكيع به، وزاد ابن أبى شيبة فى الموضع الأول: ((فإن تاب تُرِك، وإن أبى قُتل)).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٢/١٢ (١٢٧٩٨) عن وكيع به. وأخرجه عبد الرزاق (١٨٦٩٧)، والبيهقى
١٩٧/٨ من طريق سفيان به .