Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
سورة النساء : الآية ٨٣
"رسولَ اللَّهِ لم يطلقْ نساءَه، فأنزل اللَّهُ فى الذى كان مِن شأنى وشأنِه: ﴿وَإِذَا
جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِّ، وَلَوْ رَدُوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَ أُوْلِ
اُلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمُّ﴾ قال عمرُ: فأنا الذى استنبطتُ
(٢) ١)
منه
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اُللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَأَ تَّبَعْتُمُ
الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه، ولولا إنعامُ اللَّهِ عليكم ، أيُّها
المؤمنون ، بفَضْلِه وتَوْفيقِه ورَحْمتِه، فأنقَذَكم مما ابتلى به هؤلاء المنافِقِين، الذين
يقولون لرسولِ اللَّهِ مَّهِ إذا أمرهم بأمرٍ: طاعةٌ. فإذا بَرَزوا مِن عندِه بَيَّت [١٩/١٢ظ]
طائفةٌ منهم غيرَ الذى تقولُ ، لكنتُم مثلَهم فاتََّعتُم الشيطانَ . كما اتَّبَعه هؤلاء الذين
وَصَف صفتَهم .
وخاطَب بقوله تعالى ذكره: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَأَتَّبَعْتُمُ
الشَّيْطَانَ﴾. الذين خاطَبهم بقولِه جلَّ ثنائِه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ
حِذْرَكُمْ فَأَنِفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ أَنِفِرُواْ جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى القليلِ الذين استْناهم اللَّهُ ، مَنْ هُم؟ ومِن أىّ شىءٍ
من الصفاتِ استثناهم؟ فقال بعضُهم: هم المستنبطون مِن أولى الأمرِ ، استثناهم مِن
قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمّ﴾ . ونَفَى عنهم أن يَعْلَموا بالاستنباطِ ما يَعلَمُ
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٢) أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (٨٣٥)، ومسلم (١٤٧٩)، والترمذى (٢٦٩١)، وابن ماجه
(٤١٥٣)، وابن خزيمة (١٩٢١، ٢١٧٨) من طرق عن عمر بن يونس به. وللحديث طرق أخرى عن ابن
عباس عند البخارى وغيره، ينظر مسند الطيالسى (٢٣ - طبعتنا).

٢٦٢
سورة النساء : الآية ٨٣
به غيرهم مِن المُسْتَنِطين مِن الخبرِ الوارد عليهم مِن الأمنِ أو الخوفِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: إنما هو: ﴿لَعَلِمَهُ
الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ إلا قليلاً(١) ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَأَتَّبَعْتُمُ
الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحَتُهُ لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا
فَلِيلًا﴾. يقولُ: لاتَبَعتم الشيطانَ كُلُّكم. وأما قولُه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾. فهو
كقوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُوَهُ مِنْهُمُّ﴾. إلا قليلًا(٣) .
(٤ حدَّثنى المنُتَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ قراءةٌ، عن
سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحَتُهُ لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا
قَلِيلًا﴾. قال: يقولُ: لاتَّبَعْتم الشيطانَ كُلُّكم. وأما: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾. فهو
كقوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ إِلَّا قَلِيلاً).
حدَّثُنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنٍ مُجرَيج نحوَه -
يعنى نحوَ قولٍ قتادةَ - وقال: لَعَلِموه(٥) إلا قليلاً.
(١) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((منهم).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٦٦، ١٦٧، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠١٧/٣ (٥٧٠١) عن الحسن
ابن يحيى به. مختصرًا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/١ إلى ابن المنذر.
(٤ - ٤) زيادة من ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٥) فى الأصل: ((لعلمه)).

٢٦٣
سورة النساء : الآية ٨٣
وقال آخرون: بل هم الطائفةُ الذين وصَف اللَّهُ أنهم يقولون لرسولِ اللَّهِ صَلّهِ:
طاعةٌ . فإذا بَرَزوا مِن عندِه بَيتوا غيرَ الذى قالوا له، وقالوا: واستثناهم اللَّهُ مِن قولِه:
﴿ أَذَاعُواْ بِهِ﴾. وقالوا) : معنى الكلام: وإذا جاءهم أمرٌ مِن الأمنِ أو الخوف أذاعُوا
به ، إلا قليلاً منهم .
ذکر مَن قال ذلك
[٨٠/١٢و] حدَّثنى المنُتَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن
علىّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيَّكُمْ وَرَحَتُهُ لَأَتَّبَعْتُمُ
الشَّيْطَانَ﴾: " فانقَطَع الكلامُ. وقولُه١): / ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾. فهو فى أوَّلِ الآيةِ
يُخبِرُ عن(٢) المنافِقِين، قال(٢): ﴿وَإِذَا جَآءَ هُمْ أَقْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ
بِهِ﴾: يعنى بالقليلِ المؤمنين. "يقولُ اللَّهُ»: الحمدُ للَّهِ الذى أنزل الكتابَ عدلًا
قِيمًا، ولم يجعلْ له عويجاً(*).
١٨٤/٥
حدثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: هذه الآيةُ مُقَدَّمَةٌ
ومُؤخَّرَةٌ ، إنما هى: أذاعُوا به إلا قليلاً منهم، (١﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ هذه مقدَّمةٌ. وقال١): ولولا فضلُ اللَّهِ عليكم
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) فى الأصل: ((به))، وسقط من: ص، ت ١، س.
(٣) فى الأصل: ((قالوا)).
(٤ - ٤) فى ص، م: ((كقول))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يقول)). والمصنف هنا ذكر ما فى آية
الكهف ((الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما)) من التقديم والتأخير.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠١٧/٣ (٥٧٠٠، ٥٧٠٢) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٢ إلى ابن المنذر.
ديب .

٢٦٤
سورة النساء : الآية ٨٣
ورحمتُه لم يَنْجُ قليلٌ ولا كثيرٌ(١).
وقال آخرون: بل ذلك استثناءٌ مِن قوله: ﴿لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾. وقالوا(٢):
الذين استُثْنُوا؛ هم قومٌ لم يكونوا هَمُوا بما كان الآخرون هَمُوا به مِن أتِباعِ الشيطانِ .
فعرّف اللّهُ جلَّ ثناؤه الذين أنقذهم مِن ذلك موقِعَ نِغمته منهم ، واستثنی الذین لم يكنْ
منهم فى ذلك ما كان مِن الآخرِین .
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدَّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أُخبرَنا ◌ُبَيدُ بنُ سليمانَ(٣)،
قال: سمِعتُ الضَّحَاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ فى قولِهِ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ
وَرَحَتُ لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. قال: هم أصحابُ النبىِّ ◌َّهِ، كانوا
حَدَّثوا أنفسهم بأمورٍ مِن أمورِ الشيطانِ ، إلا طائفةً منهم(٤).
وقال آخرون: معنى ذلك: ولولا فضلُ اللَّهِ عليكم ورحمتُه لاتَّبَعْتم
الشيطانَ ° جميعًا. قالوا: وقولُهْ): ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾. خَرَجَ مَخْرجَ الاستثناءِ فى
اللفظِ ، وهو دليلٌ على الجميع والإحاطةِ ، وأنه لولا فَضْلُ اللَّهِ عليهم ورحمتُه لم يَنْجُ
أحدٌ مِن الضلالةِ ، فجعَل قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا ﴾. دليلًا على الإحاطةِ، واستَشْهَدوا
على ذلك بقول الطرِمَّاحِ [٨٠/١٢ظ] بن حكيمٍ فى مدحِ يزيدَ بنِ المُهُلَّبِ(٢):
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٢ إلى المصنف. وينظر التبيان ٢٧٤/٣.
(٢) فى الأصل، ت ١: ((قال)).
(٣) فى م: ((سلمان)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠١٧/٣ (٥٧٠٣) من طريق على بن الحكم عن الضحاك ، بنحوه.
(٥ - ٥) سقط من : الأصل.
(٦) ديوانه ص ٨٣.
٠

٢٦٥
سورة النساء : الآية ٨٣
قليلُ المَثَالِبِ والقَادِحَةْ
أَشَمُ كَثِيرُ (يُدِىِّ النَّوَالِ).
قالوا : فظاهرُ هذا القولِ وَصْفُ الممدوحِ بأن فيه المَثَالِبَ والَعايِبَ ، ومعلومٌ أن
معناه ، أنه لا مَثالِبَ فيه ولا مَعايِبَ؛ لأن مَن وَصَف رجلًا بأن فيه مَعايِبَ - وإنْ
وَصَف الذى فيه مِن(٢) المَعَايِبِ بالقِلَّةِ(٣) - فإِنما ذَمَّه ولم يمدَخه، ولكنَّ ذلك على ما
وَصَفْنا مِن نَفْي(٤) جميع المعايبِ عنه. قالوا: فكذلك قولُه: ﴿لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ
إِلَّا قَلِيلًا ﴾. إنما معناه، لاتَّبَعْتُم جميعُكم الشيطانَ.
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ فى ذلك عندى، قولُ مَن قال: عَنَى باستثناءٍ
القليل من الإذاعةِ ، وقال : معنى الكلام: وإذا جاءهم أمرٌ مِن الأمنِ أو الخوف أذاعوا
به إلا قليلا ، ولو رَدُّوه إلى الرسولِ .
وإنما قلنا : إنَّ ذلك أولى بالصوابٍ ؛ لأنه لا يَخْلو القولُ فى ذلك مِن أُحدٍ
الأقوالِ التى ذكَّرْنا ، وغيرُ جائزٍ أن يكونَ مِن قوله: ﴿لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾؛ لأنَّ
مَن تَفَضَّلَ اللَّهُ عليه بفضله ورحمتِه ، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ مِن أَتْبَاعِ الشيطانِ .
وغيرُ جائٍ أن نحمِلَ معانىَ كتابِ اللَّهِ على غيرِ الأغلبِ المفهومِ بالظاهرِ مِن
الخطابِ فى كلامٍ / العربِ، ولنا إلى حَمْلٍ ذلك على الأغلبِ مِن كلامِ العربِ
سبيلٌ ، فتَوْجِيهُه إلى المعنى الذى وَجَّهَه إليه القائلون: معنى ذلك، لاتَّبَعتم الشيطانَ
جميعًا. ثم زعم أن قولَه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا ﴾. دليلٌ على الإحاطةِ بالجميعِ. هذا مع
١٨٥/٥
(١ - ١) فى الأصل، ص: (( ندی النوادى)) وفی الدیوان: (( بوادى النوال». وقوله: ( یدی) هو جمع ید .
ينظر الوسيط (ی د ی).
(٢) سقط من: م.
(٣) فى الأصل: ((والقلة)).
(٤) سقط من : الأصل.

٢٦٦
سورة النساء : الآيتان ٨٣، ٨٤
خروجِه مِن تأويلِ أهلِ التأويلِ، (لاوجه له١).
٠٠
وكذلك لاوَجْهَ " لتَوجِيه ذلك٢) إلى الاستثناءِ مِن قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ
يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾؛ لأن علمَ ذلك إذا رُدَّ إلى الرسولِ وإلى أولى الأمرِ منهم، فَبَيَّنه
[٨١/١٢ و] رسولُ اللَّهِ وَهِ، وأولو العلمِ(٢) منهم بعدَ وضوحِه لهم، استَوى فى علمِ
ذلك كلٌّ مُشْتنبِطٍ حقيقته(٤) ، فلا وَجْهَ لاستثناءٍ بعضٍ الْمُشْتَنبِطِين منهم، وخصوصٍ
بعضِهم لعلمِه (٥) ، مع استواءٍ جميعهم فى علمِه.
وإذا كان لا قولَ فى ذلك إلا ما قُلنا، فدَخَل(٢) هذه الأقوالَ الثلاثةَ ما بَيِّنًا مِن
الحَالِ (٢)، فبَيِّنَّ أن الصحيحَ مِن القولِ فى ذلك هو الرابعُ(٨)، وهو القولُ الذى قَضَينا
له بالصوابِ مِن أنّ(٩) الاستثناءَ مِن الإذاعةِ(١٠).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَقَئِلٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَّفُ إِلَّا نَفْسَكْ
وَحَرِضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اَللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَغَرُواْ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسَا وَأَشَدُ
تَنكِيلاً
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَقَئِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾:
(١ - ١) سقط من: الأصل، ص، ت ١، س.
(٢ - ٢) فى الأصل: ((للتوجيه ذلك إلا )).
(٣) فى ص، م: ((الأمر)).
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( حقيقة)).
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بعلمه)).
(٦) كذا فى النسخ جميعها، ولعل الأولى: ((ودخل)) بالواو لا بالفاء.
(٧) فى ص، م، ت ٢، ت٣: ((الخلل)). وفى ت ١: ((الجليل)).
(٨) فى الأصل: ((الرامع)). ولا وجه له.
(٩) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(١٠) وهو الذى استحسنه الفراء فى معانيه ٢٧٩/١.

٢٦٧
سورة النساء : الآية ٨٤
فَجاهِدْ يا محمدُ أعداءَ اللَّهِ مِن أهلِ الشركِ به ﴿فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعنى: فى دينِه
الذى شَرَعه لك، وهو الإسلامُ ، وقاتِلْهم فيه بنفسِك .
فأما قولُه: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، فإنه يعنى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ فيما فَرَض
عليك مِن جهادٍ عدوّك وعدوّه ، إلا ما حمَّلك مِن ذلك دونَ ما حَمَّل غيرَك منه ، أى
إنك إنما تُتَبَعُ(١) بما اكتسبتَه دونَ ما اكتَسَبه غيرُك، وإنما عليك ما كُلِّفْتَه دونَ ما كُلِّفه
غيرك .
ثم قال له: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعنى: وحُضَّهم على قتالٍ مَن أمرَتُك
بقتالهم معك، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. يقولُ: لعل اللَّهَ أن
[٨١/١٢ ظ] يَكُفَّ قتالَ مَن كَفَر باللَّهِ وجَحَد وَحْدانيتَه وأنكر رسالتك، عنك
وعنهم، ویکایتھم .
وقد بَيَّنَّا فيما مضَى أنَّ ((عسى)) مِن اللَّهِ واجبةٌ بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا
(٢)
الموضع (٢).
﴿ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسَا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ . يقولُ : واللهُ ◌ُشَدُ نِكايةً فى عدوّه مِن
أهل الكفر به، منهم فیك یا محمدُ وفی أصحابك فلا تَنْكُلَنَّ عن قتالهم، فإنى
راصِدُهم بالبأسِ والنّكايةِ والتَّتْكيلِ والعقوبةِ، لأُوهِنَ كيدَهم، وأُضْعِفَ بأسَهم ،
وَأَعْلِىَ الحقَّ عليهم.
والتَّتْكِيلُ مصدرٌ مِن قولِ القائل: نَكَّلتُ بفلانٍ، فأنا أُنْكُلُ به تَتْكِيلاً . إذا
أوجَعْتَه عقوبةٌ .
(١) فى الأصل: ((تنتفع)).
(٢) لم نهتد فيما مضى إلى تبيين الطبرى أن ((عسى)) من الله واجبة.
----

٢٦٨
سورة النساء : الآيتان ٨٤ ، ٨٥
كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَأَشَدُّ
تَنكِيلًا﴾: أى عُقوبةٌ(١) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةٌ حَسَنَةُ يَكُنْ لَّمُ نَصِيبٌ
مِنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةُ سَبِئَةٌ يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ .
١٨٦/٥
/ يعنى بقوله جلّ ثناؤه: ﴿مَّن يَشْفَعَ شَفَعَةً حَسَنَةٌ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهًا﴾ :
مَن يَصِرْ يا محمدُ شَفْعًا لوِتْرِ أصحابِك، فيَشْفَعْهم فى جهادٍ عدوّهم وقتالهم فى
سبيلِ اللهِ، وهو الشَّفاعةُ الحسنةُ، ﴿ يَكُنْ لَُّ نَصِيبٌ مِنها﴾. يقولُ : یکن له مِن
شفاعته تلك نَصِيبٌ ، وهو الحَظُ مِن ثوابِ اللَّهِ، وجزيلٍ كرامته: ﴿وَمَن يَشْفَعْ
شَفَعَةُ سِّئَةٌ﴾. يقولُ: ومَن يَشْفَعْ وِتْرِ أهلِ الكفرِ باللَّهِ على المؤمنين به ، فيُقاتِلْهم
معهم، وذلك هو الشفاعةُ السيئةُ، [٨٢/١٢و] ﴿يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ . يعنى
بالكِفْلِ : النصيبَ والحظّ مِن الوِزْرِ والإثم، وهو مأخوذٌ مِن كِفْلِ البعيرِ والمَرَكَبِ،
وهو الكِساءُ أو الشىءُ يُهَيَّأَ عليه، شَبِيهًا بالسَّرْج على الدابةِ. يقالُ منه: جاءنا فلانٌ
مُكْتَفِلًا . إذا جاءنا على مَرْكَبٍ قد وُطَّئَ له - على ما بَيَّنًا - لركوبِه.
وقد قيل: إنه عَنَى بقولِه: ﴿ مَّن يَشْفَعْ شَّفَعَةٌ حَسَنَّةٌ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهًا﴾
الآية : شفاعةً الناسِ بعضِهم لبعضٍ . وغيرُ مُسْتَنكَرٍ أن تكونَ الآيةُ نَزَلَت فیما ذكرنا ،
ثم عُمَّ بذلك كلِّ شافعٍ(٢) بخيرٍ أو شرٌّ.
وإنما اخترنا ما قُلنا مِن القولِ فى ذلك؛ لأنه فى سياقٍ الآيةِ التى أمَرِ اللَّهُ نبِئِّهِ عَلِّ
فيها بخَضِّ المؤمنين على القتالِ، فكان ذلك بالوعدِ لمن أجابَ رسولَ اللَّهِ عَهِ ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠١٨/٣ (٥٧٠٩) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٨٧/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى الأصل: ((شفاعة)).
...-- - -
٠٠٠.

٢٦٩
سورة النساء : الآية ٨٥
والوعيدٍ لمن أتَى إجابته، أشبهَ منه مِن الحَثِّ على شفاعةِ الناسِ بعضِهم لبعضٍ التى لم
يَجْرِ لها ذكرٌ قبلُ ، ولا لها ذكرٌ بعدُ .
ذكرُ مَن قال ذلك فى شفاعةِ الناسِ بعضِهم لبعضٍ
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى، وحدثنى المثنی،
قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبلٌ جميعًا ، عن ابن أبى تَجيحِ ، عن مجاهدٍ فى قولِه :
﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةٌ﴾، ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةُ سَيْئَةً﴾. قال: " شفاعةٌ
بعضٍ الناسٍ لبعضٍ "(١) .
حُدِّثتُ عن ابنِ مَهْدِئٍّ، عن حَمَّادِ بنِ سَلَمةً، عن محُمَيدٍ ، عن الحسنِ، قال :
مَن يَشْفَعْ شفاعةً حسنةً، كان له (٣) فيها أجران٣) و(٤)إن لم يُشَفَّعِ)؛ لأن اللَّهَ يقولُ:
﴿مَّنْ يَشْفَعْ شَفَعَةٌ حَسَنَةٌ﴾. ولم يقُلْ: مَن يُشَفَّعُ(٥).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ، قال :
﴿مَّنْ يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةٌ﴾. كُتِب له أجرُها ما جَرّت مَنْفعتُها (١).
[٨٢/١٢ظ] حدَّثنی يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: سألتُه - يعنى ابنَ
(١ - ١) فى الأصل: ((شفاعة الناس بعضهم بعض)). والمثبت موافق لما فى الدر المنثور وتفسير ابن أبى حاتم.
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٨٧ ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠١٨/٣ (٥٧١١)، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر فى الفتح
١٠ / ٤٥١.
(٣ - ٣) فى م: ((أجرها)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، ت ١، س.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠١٨/٣ (٥٧١٢) من طريق حماد بن سلمة به، بنحوه. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٢ إلى المصنف .

٢٧٠
سورة النساء : الآية ٨٥
زيدٍ - عن قولِ اللَّهِ: ﴿مَّن يَشْفَعَ شَفَعَةٌ حَسَنَةٌ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ﴾. قال:
الشفاعةُ الصالحةُ التى شُفِع فيها وتُمِل بها ، هى بينك وبينَه ، هما فيها شريكان .
﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةُ سَيِّئَةٌ يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾. قال: هما شَرِيكان فيها كما
كان هذان(١) شَريكین.
ذكرُ مَن قال: الكِفْلُ النصيبُ
حدَّثنا بِشْرَ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَّن يَشْفَعْ
شَفَعَةٌ حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، أى: حَظُّ منها ﴿ وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةُ سِيِّئَةً
يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾. والكِفْلُ هو الإثمُ(٣) .
١٨٧/٥
/حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُدِّئِّ
قولَه: ﴿يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾: أمَّا الكِفْلُ فالحَظُّ(٣) .
... ... . ...** **
٠٠٠
حدَّثنى المُنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
الربيع: ﴿يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾. قال: حَظِّ منها، فِئْس الحظُّ(٤).
حدَّثنى يونسُ ، قال: حدثنا ابنُّ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ : الكِفْلُ والنصيبُ
واحدٌ. وقرّأ: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتَّهِ،﴾ [الحديد: ٢٨].
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَكَنَ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا
٨٥
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أهلها)).
. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠١٩/٣ (٥٧١٨) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٨٧/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠١٩/٣ (٥٧١٦) من طريق أحمد بن مفضل به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠١٩/٣ (٥٧١٧) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٢ إلى المصنف .
٠ ٫٠٠
.

٢٧١
سورة النساء : الآية ٨٥
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا ﴾ ؛ فقال
بعضُهم: تأويلُه: وكان اللَّهُ على كلِّ شيءٍ حفيظًا وشهيدًا .
ذكرُ من قال ذلك
[٨٣/١٢و] حدَّثنى المُنِى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ ،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا﴾. يقولُ: حفيظًا (١).
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو محذَيفةً ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبِى تَجِيحِ، عن
مجاهدٍ: ﴿ُّقِينًا﴾: شهيدًا (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن رجلٍ "لم يُسمِّه"، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ مجرَيجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ُّقِينًا﴾. قال: شهيدًا، حسيبًا، حفيظًا(٤).
حدَّثنی أحمدُ بنُ عثمانَ بنِ خَکیمٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ شَرِیك ، قال : ثنا
أبى، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ أبى الحَجَّاجِ: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِينًا﴾ .
قال : المُقِيتُ الحسيبُ(٥).
وقال آخرون : معنى ذلك : القائمُ على كلِّ شيءٍ بالتدبيرِ .
٠٠٠٠
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠١٩/٣ (٥٧١٩)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (١١٣) من طريق
عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٢ إلى ابن المنذر.
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٨٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٠/٣ (٥٧٢١).
(٣ - ٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((اسمه مجاهد)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٨/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٠/٣ (٥٧٢٤) من طريق شريك به .

٢٧٢
سورة النساء : الآ ية ٨٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، قال : قال
عبدُ اللهِ بنُ كَثِيرٍ: ﴿وَكَنَ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا﴾. قال: المُقِيتُ الواصِبُ(١).
وقال آخرون : بل هو القدیرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا﴾. أمَّا المُقِيتُ فالقديرُ(٢) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَكَانَ
اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِينًا﴾. قال: على كلِّ شيءٍ قديرًا. المُقِيتُ: القديرُ(٢).
/والصوابُ من هذه الأقوالِ قولُ مَن قال: معنى المُقِيتِ: القديرُ. وذلك أن
ذلك - فيما يُذكّرُ - كذلك بلغةٍ قريشٍ، ويُنشَدُ للزبير بن عبد المطلبِ ، عمِّ رسولٍ
اللَّهِ رَحِ(٤):
١٨٨/٥
وكُنْتُ على مَساءَّتِه مُقِيتًا
[٨٣/١٢ ظ] وَذِى ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عنه
أى: قادرًا(٥). وقد قيل: إن منه قولَ النبىّ ◌َّهِ: ((كَفَى بالمرءِ إثمًا أن يُضِيعَ
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٢/ ٣٢٤، والواصب: المواظب على الشىء، يقال: وصب الرجل فى ماله وعلى
ماله : واظب عليه . ينظر التاج (وص ب).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٠/٣ عقب الأثر (٥٧٢٢) من طريق أسباط به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٨/٢ إلى المصنف.
(٤) البيت فى اللسان (ق وت) معزوا لأبى قيس بن رفاعة ، قال: وقد روى أنه للزبير بن عبد المطلب ، وأورده
السيوطى فى الدر المنثور ١٨٧/٢، ١٨٨ وقد استشهد به ابن عباس ونسبه لأحيحة بن الجلاح الأنصارى.
(٥) فی م: ((قدیرا)).

٢٧٣
سورة النساء: الآيتان ٨٥ ، ٨٦
مَن يُقِيتُ))(١) . فى روايةِ مَن رَواها: يُقِيتُ . يعنى: مَن هو تحتَ يَدَيه وفى سلطانِه
مِن أهلِه وعيالِهِ ، فَيُقَدِّرُ له قوته. يقالُ منه: أقاتَ فلانٌ الشىءَ يُقِيتُه إقاتةٌ ، وقاتَه يَقوتُه
قِياتَةً وَقَوْتًا، والقُوتُ الاسمُ. وأما المُقِيتُ فى بيتِ اليهودىِّ(٢) الذى يقولُ فيه:
قَرَّبوها مَطْوِيَّةٌ(٣) ودُعِيْتُ
ليتَ شِغْرِى وَأَشْعُرَنَّ إذا ما
سِبْتُ إِنِّى على الحسابِ مُقِيتُ
أَلِيَ الفَضْلُ أم عَلَىَّ إذا محو
فإنّ معناه: فإنِّى على الحسابِ موقوفٌ ، وهو مِن غيرِ هذا المعنى.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَإِذَا حُبِِّثُم ◌ِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ
رُدُوهَا ﴾ .
يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا حُبِيِتُم بِنَحِيَّةِ﴾: إذا دُعِى لكم بطولِ الحياةِ
والبقاءِ والسلامةِ،/ ﴿ فَحَيُواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾. يقولُ: فَادْعُوا لَنْ دَعا
لكم بذلك بأحسَنَ مما دعا لكم، ﴿ أَوْ رُدُّوهَا﴾، يقولُ: أو رُدُّوا التحيةَ.
١٨٩/٥
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى صفةِ التحيةِ التى هى أحسنُ مما حُتِّى به المُحَيَّا، والتى
هى مثلُها؛ فقال بعضُهم: [٨٤/١٢ ر] التى هى أحسنُ منها أن يقولَ المُسَلَّمُ عليه إذا
قيل : السلامُ عليكم : وعليكم السلام ورحمةُ اللهِ . فيزيدُ على دعاء الداعِی له .
والردُّ أن يقولَ : السلامُ عليكم . مثلَ ما قيل له، أو يقولَ: وعليكم السلامُ. فَيَدْعُو
للدَّاعِی له مثلَ الذی دعا له .
(١) أخرجه الطيالسى (٢٣٩٥ - طبعتنا)، وأحمد ٣٦/١١ (٦٤٩٥)، وأبو داود (١٦٩٢)، والنسائى فى
الكبرى (٩١٧٦)، وابن حبان (٤٢٤٠) من حديث عبد الله بن عمرو. وأخرجه مسلم (٩٩٦) بلفظ :
(( كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته)).
(٢) هو السموأل بن عادياء، والبيتان فى ديوانه ص ٨١، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١٣٥/١،
واللسان (ق و ت).
(٣) فى م: ((منشورة)) وكذا فى الديوان واللسان، وما أثبتناه موافق لما فى مجاز القرآن .
( تفسير الطبرى ١٨/٧ )

٢٧٤
سورة النساء : الآية ٨٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفُضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّىِّ: ﴿وَإِذَا حُبِّيْثُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾. يقولُ: إذا سَلَّم
عليك أحدٌ(١)، فقل أنت: وعليك السلام ورحمةُ اللَّهِ ، أَو تَقطَعَ إلى: السلامُ عليك.
كما قال لك(٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنی خَجَّاجٌ ، عن ابنِ جُرَيجٍ ، عن عطاءِ
قولَه: ﴿وَإِذَا حُبِّيِثُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَأْ﴾. قال: فى أهلِ
(٣)
الإسلامِ().
حدَّثنَى الْمُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ ، قال : أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن ابنٍ
مجرَيجٍ، فيما قُرِئَ عليه عن عطاءٍ، قال : فى أهلِ الإسلامِ .
حدَّثنا ابنُّ وَكيعٍ، قال : ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن أبى إسحاقَ ، عن شُرَيحٍ، أنه
كان يُرُدُّ : السلامُ عليكم. كما يُسَلَّمُ عليه(٤).
حدَّثنا ابنُ وَكِيعٍ، قال : ثنا أبى، عن ابنِ عَوْنٍ وإسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ ، عن
إبراهيمَ، أنه كان يَؤُدُّ: السلامُ عليكم ورحمةُ اللَّهِ(٥).
(١) بعده فى الأصل: ((فسلم عليه بأحسن مما سلَّم عليك أو ردّ عليه مثل ما قال ، وذلك أن تقول إذا سلم
عليك أحد)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٨/٢ إلى المصنف.
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢١/٣ عقب الأثر (٥٧٢٧) معلقا، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٨٨/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٨/ ٦١١، ٦١٢ عن وكيع به، وأخرج نحوه ابن سعد ١٤١/٦ عن القاسم عن
شريح .
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة فى المصنف ٦١٢/٨ عن وكيع به .

٢٧٥
سورة النساء : الآية ٨٦
حدَّثنا ابنُّ وَكِيع، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن عطيةً(١) ، عن ابنِ عمرَ، أنه
يَؤُدُّ : وعليكم(٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فَيُّوا بأحسنَ منها أهلَ الإسلامِ، أو رُدُّوها على
أهلِ الكفرِ .
[٨٤/١٢ ظ] ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حبيبٍ بنِ الشهيدِ، قال: ثنا حُمَيدُ بنُّ
عبد الرحمن ، عن الحسن بن صالح، عن سماك بن حرب ، عن عكرمةً ، عن ابنٍ
عباسٍ ، قال: مَن سَلَّم عليك مِن خَلْقِ اللَّهِ، فاردُدْ عليه وإن كان مَجوسِيًّا ، فإن اللَّهَ
يقولُ: ﴿وَإِذَا حُِِّّثُم بِشَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَأَ ﴾(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُّ بَشَّارٍ ، قال : ثنا سالمُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُّ أَبِى عَرُوبةَ ،
عن قتادةً فى قولِه: ﴿ وَإِذَا حُبِّيِثُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَاآَ﴾: للمسلمين، ﴿ أَوْ
رُدُّوهَأْ ﴾ على أهلِ الكتابِ () .
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا ◌ُِِّثُم
(١) فى الأصل: ((عطاء)).
(٢) أخرجه ابن سعد ٤ / ١٥٦، ١٥٧، وابن أبى شيبة ٨/ ٦١١، والبيهقى فى الشعب (٩٠٩٥) من طريقين
عن ابن عمر، نحوه .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٨/ ٦٣١، وابن أبى الدنيا فى الصمت (٣٠٧)، وفى مداراة الناس (١٠٥)، وأبو
يعلى (١٥٣٠)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢٠/٣ (٥٧٢٥) من طريق حميد به. وأخرجه البخارى فى
الأدب المفرد (١١٠٧) من طريق سماك به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٨/٢ إلى ابن المنذر. وفى رواية
سماك عن عكرمة اضطراب . وينظر مجمع الزوائد (٤١/٨).
(٤) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة
فى قوله : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها للمسلمين أوردوها على أهل الكتاب)».
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢١/٣ (٥٧٢٧، ٥٧٣٠) من طريق سعيد به .

٢٧٦
سورة النساء : الآية ٨٦
بِشَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾. يقولُ: ﴿فَحَيُواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ أى على المسلِمين،
﴿أَوْ رُدُّوهَاً ﴾ على أهلِ الكتابِ .
١٩٠/٥
/حدَّثنی يونسُ، قال: حدثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذَا
◌ُِِّثُم بِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾ . قال : قال أبى: حَقٍّ على كلِّ مسلمٍ
◌ُِّّىَ بتحيةٍ أن يُحَيِّىَ بأحسَنَ منها ، وإذا حَيَّاه غيرُ أهلِ الإسلامِ ، أن يَؤُدَّ عليه بمثلٍ ما
قال .
وأَوْلى التأويلَين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: ذلك فى أهلِ الإسلامِ. ووَجَّه معناه
إلى أن يَؤُدَّ السلامَ على المُسْلِمِ إذا حَيَّاه ◌َميَّةً أحسَنَ مِن تَمِيَّه أو مثلَها . وذلك أن
الصِّحاعَ مِن الآثارِ عن رسولِ اللَّهِ يَجِ، (١ أنه قال: ((إذا سلَّم عليكم أهلُ الكتابِ
فقولوا: وعليكم))(٢). فِيَّن ١ٍَّ) أنه واجبٌ على كلِّ مسلم ردُّ تحيةٍ كلّ كافٍ
بأحسنَ مِن ◌َيَّتِه. وقد أمَر اللَّهُ جلّ ثناؤه بِرَدِّ الأحسَنِ أو المِثْلِ فى هذه
الآيةِ، مِن غيرِ تمييزٍ منه بينَ المُسْتَوجِبِ ردَّ الأحسنِ مِن تحيتِه عليه، والمردود
عليه مثلُها، بدلالةٍ يُعْلَمُ بها صحةُ قولِ مَن قال: عَنَى بِرَدِّ الأحسنِ المسْلِمَ،
وبرَدِّ المِثْلِ [٨٥/١٢و] أهلَ الكفرِ .
فالصوابُ - إذا لم يكنْ فى الآيةِ دلالةٌ على صحةٍ ذلك، ("ولا جاء بصحته"
أثرٌ لازمٌ عن الرسولِ لَّهِ - أن يكونَ الخيارُ فى ذلك إلى المُسَلَّم عليه؛ بينَ (٤) رَدِّ
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) أخرجه أحمد ١٤/١٩ (١١٩٤٨)، والبخارى (٦٢٥٨)، ومسلم (٢١٦٣) من حديث أنس.
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ولا بصحة))، وفى م: ((ولا بصحته)).
(٤) فى الأصل: ((من)).
٠٠," -- -- --
٠٫٠٠:٠
---- -----

٢٧٧
سورة النساء : الآية ٨٦
الأحسنِ أو المثلِ ، إلا فى الموضع الذى خَصَّ شيئًا من ذلك سُنَّةٌ مِن رسولِ اللَّهِ صَالِ ،
فيكونُ مُسَلَّمًا لها ، وقد خَصَّتِ الشُنَّةُ أهلَ الكفرِ بالنَّهْي عن رَدِّ الأحسنِ مِن تحيتهم
عليهم أو مثلها ، إلا بأن يُقالَ: وعليكم. فلا ينبغى لأحدٍ أن يَتَعدَّى ما حَدَّ فى ذلك
رسولُ اللَّهِ عَمِ ، فأما أهلُ الإسلامِ فإنّ لمن سُلِّم عليه منهم فى الردِّ مِن الخيارِ ما جعَل
اللَّهُ له من ذلك .
وقد رُوِى عن رسولِ اللَّهِ مَ له فى تأويلِ ذلك بنحوِ ما قُلنا خَيْرٌ .
وذلك ما حدَّثنى موسى بنُ سهلِ الرَّمْلِىُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ السّرِئِّ
الأَنْطَاكِّ ، قال : ثنا هشامُ بنُّ لاحقٍ ، عن عاصم الأحولِ ، عن أبى عثمانَ النَّهْدِئِّ،
عن سَلْمانَ الفارسيِّ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ◌َمِ، فقال: السلامُ عليك يا رسولَ
اللَّهِ. فقال: ((وعَلَيكَ ورحمةُ اللَّهِ)). ثم أتى آخَرُ فقال: السلامُ عليك يا رسولَ اللَّهِ
ورحمةُ اللهِ . فقال له رسولُ اللَّهِ ◌ِهِ: ((وَلَيك ورحمةُ اللَّهِ وَبَرَكاتُه)). ثم جاء آخَرُ
فقال: السلامُ عليك يارسولَ اللَّهِ ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُه. فقال له: ((وعَلَيكَ)). فقال
له الرجلُ : يانبيَّ اللَّهِ، بأبى أنت وأمى، أتاك فلانٌ وفلانٌ، فسَلَّما عليك، فرَدَدْتَ
عليهما أكثرَ مما رَدَدْتَ علىَّ؟ فقال: ((إنكَ لم تَدَعْ لنا شيئًا، قال اللّهُ: ﴿وَإِذَا خُيِّيُمْ
بَِحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾. فَرَدَدْناها عليكَ))(١) .
فإن قال قائلٌ : أفواجبٌ رَدُّ التَّحِيةِ على ما أمَر اللَّهُ فى كتابِهِ؟ قيل: نعم ، وبه
كان يقولُ جماعةٌ مِن المُقدِّمِين .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ١٠٢٠، ١٠٢١ (٥٧٢٦) من طريق الأنطاكى به، وأخرجه أحمد .
فى الزهد - كما فى الدر المنثور ١٨٨/٢ - ومن طريقه الطبرانى (٦١١٤) عن هشام بن لاحق به . قال
الهيثمى فى المجمع ٨/ ٣٣: هشام بن لاحق قواه النسائى وترك أحمد حديثه . وينظر الميزان ٤ / ٣٠٦. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٨٨/٢ إلى ابن المنذر وابن مردويه.

٢٧٨
سورة النساء : الآية ٨٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنَى الْمُثَنَّى، قال: ثنا سُرِيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدثنا ابنُ المباركِ ، عن ابنٍ
◌ُجُرَيج، قال [٨٥/١٢ ظ]: أخبرنى أبو الزُّبيرِ / أنه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يَقولُ:
ما رأَيْتُه إلا يُوجِئُه قولَه: ﴿وَإِذَا حُبِّيِثُم بِنَحِيَّةِ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ
رُدُّوهَاً﴾ (١).
١٩١/٥
حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أَخْبَرَنا ابنُّ الُبارَكِ، عن سُفيانَ، عن
رجلٍ، عن الحسنِ قال: السلامُ تَطوُّعٌ، والردُّ فَريضةٌ(٢).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَيِيبًا
قال أبو جعفرٍ رحمه اللَّهُ: يعنى بذلك جل ثناؤه: إن اللَّهَ كان على كلِّ شئٍ مما
تَغْملون أيُّها الناسُ مِن الأغمال ، مِن طاعة ومعصيةٍ ، حَفیظًا علیکم ، حتى يُجازِێکم
بها جَزاءَه .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال: ثناعيسى. وحدَّثنی
:
المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ جميعًا، عن ابنٍ أبى تَجيحِ، عن مُجاهِدٍ :
( حَيِيبًا﴾. قال: حفيظًا(٣).
وأصْلُ الحَسِيبِ فى هذا الموضعِ عندى فَعِيلٌ مِن الحسابِ ، الذى هو فى معنى
(١) أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (١٠٩٥) عن محمد بن مقاتل عن ابن المبارك به. وينظر صحيح الأدب
المفرد (٨٣٣).
(٢) أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (١٠٤٠) من طريق سفيان عن هشام عن الحسن به. وينظر صحيح
الأدب المفرد (٧٩٤).
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٨٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢١/٣ (٥٧٣٢)، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٨٩/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٢٧٩
سورة النساء: الآيتان ٨٦، ٨٧
الإخصاءِ، يُقالُ منه: حاسَبْتُ فلانًا على كذا وكذا، وفلانٌ يُحاسِبُهُ(١) على كذا
و کذا، فهو حسِیئه، وذلك إذا کان صاحب حسابه .
وقد زعَم بعضُ أهلِ البصرةِ مِن أهلِ اللغةِ ، أن معنى الحَسيبِ فى هذا الموضعِ :
الكافِی ، يُقالُ منه : أحسبنى الشىء يُحْسِبُنى إحْسابًا ، بمعنى: کفانی ، مِن قولهم :
خشبی كذا وكذا .
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: وهذا غلطٌ مِن القولِ وخطأٌّ، وذلك أنه لا يُقالُ فى
((أحْسَبَنى(٢) الشىءَ)): أَحْسَبَنى(٢) على الشىءٍ فهو خَسِيبٌ عليه، وإنما يُقالُ: هو
حَسْبُه وحَسِيبُه، واللَّهُ يقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا ﴾ .
[١٢ /٨٦ و] القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ اَللَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلََّ هُوَّ لَيَجْمَعَنَّكُمْ
٨٧
إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ فِيهُ وَمَنْ أَصْدَفُ مِنَ اَللَّهِ حَدِيثًا
قال أبو جعفرٍ رحمه الله: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوِّ
لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾: المَغَبودُ الذى لا تَنْبَغِى العُبودَةُ إلا له هو، الذى له عبادةُ كلِّ شئٍ،
وطاعةُ كلٌّ طائعٍ .
وقولُه: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيََّةِ﴾ يقولُ: لِيَبْعَثَنَّكم مِن بعدِ تَماتِكم،
فلتخشُرَنَّكم جميعًا إلى موقف الحساب الذى يُجازِی الناس فيه بأعمالهم ، ويَقْضِی
فيه بينَ أهلِ طاعته ومعصيته، وأهلِ الإيمانِ به والكفرِ، ﴿لَا رَيْبَ فِيهُ﴾. يقولُ:
لاشكَّ فى حقيقةٍ ما أَقولُ لكم مِن ذلك، وأُخْبِرُكم مِن خبرِى، بأنِّى جامِعُكم إلی
يومِ القيامةِ بعدَ تَماتِكم. ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَِّ حَدِيثًا﴾، يعنى بذلك: فاعْلَموا
حقيقةً ما أَخْبرتُكم مِن الخبرِ، فإِنِّى جامِعُكم إلى يومِ القيامةِ للجَزاءِ والعَرْضِ
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((حاسبه)).
(٢) فى النسخ: ((أحسبت)). والمثبت ما يقتضيه السياق.

٢٨٠
سورة النساء : الآية ٨٨
والحسابِ والثوابٍ والعقابِ يَقينًا ، فلا تَشُكّوا فى صحته، ولا تَمْتَرُوا فى حقيقتِهُ،
فإن قولِى الصدقُ الذى لاكَذِبَ فيه، ووَعْدى الحقُّ(١) الذى لا خُلْفَ له. ﴿ وَمَنْ
أَصْدَقُ مِنَ اَللَّهِ حَدِينًا﴾. يقولُ: وأىّ ناطقٍ أَصْدَقُ مِن اللَّهِ حَديثًا، وذلك أن
الكاذبَ إنما يَكْذِبُ لِيَجْتَلِبَ بكذبِه إلى نفسِه نفعًا، أو يَدْفَعَ عنها ضَرًّا ، واللَّهُ تعالى
ذكرُه خالقُ / الضَّرِّ والنفعِ، فغيرُ جائٍ أن يَكونَ منه كذبٌ؛ لأنه (" لا يَدْعُو إِلى ذلك
اجْتِلابُ نفعٍ به، ولا دفعُ ضَرِّ عن نفسِه، وإنما يجوزُ ذلك على مَن دونَه، فمن ذا
الذى لا يحتاج إلى اجتلابٍ نفعٍ إلى ٢١ نفسِه، أو دفعٍ ضَرِّ عنها سواه تعالى ذكرُه،
فِيَجوزَ أن يَكونَ له فى اسْتِحالةِ الكذبٍ منه نظيرٌ؟ أو مَن أَصْدَقُ مِن اللَّهِ حديثًا
وخبرًا ؟
١٩٢/٥
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُفِقِينَ فِتَتَبْنِ وَاَللَّهُ أَزْكَسَهُم
بِمَا كَسَبُواْ﴾ .
قال أبو جعفرٍ رحمه اللَّه: يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِ المَُفِقِينَ
فِئَتَيْنِ﴾: فما شأنكم أيُّها المؤمنون فى أهلِ النَّفاقِ فِرْقتَين(١) مُخْتِلِفتَينْ. ﴿وَاَللَّهُ
أَرَّكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ﴾ ، يعنى بذلك: واللَّهُ رَدَّهم إلى أحكامِ أهلِ الشركِ فى إباحةٍ
دمائِهم، وسَبِّى ذَرارِيُّهم، "﴿بِمَا كَسَبُواْ﴾، يعنى: بما كذَبوا اللَّهَ ورسولَه،
ج
وكفَروا بعدَ إسلامِهم" .
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣)، س: ((الصدق)).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( لا يدعوه إلى اجتلاب نفع ولا دفع ضر عن))، وفى م: ((لا
يدعوه إلى اجتلاب نفع إلى)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (فئتين)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.