Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ سورة النساء : الآية ٢٧ # بغَيْرِ لا عَصْفٍ ولا اصْطِرَافٍ (١)» /فجمَع بينَ ((غيرِ)) و ((لا))، توكيدًا للنفى. قالوا: وربما يَجُوزُ أن يُجْعَلَ ((أنْ)) ٢٨/٥ مكانَ ((كَيْ))، و((کَیْ)) مكانَ «أَنْ))، فى الأماكنِ التى لا يَصْحَبُ جالبَ ذلك ماضٍ مِن الأفعالِ أو غيرُ المستقبلٍ. فأما ما صَحِبَه ماضٍ مِن الأفعالِ وغيرُ المستقبلِ، فلا يَجوزُ ذلك. لا يَجُوزُ عندَهم أن يُقالَ: ظَنَنتُّ لِيَقُومَ . ولا : أظنُّ لِيَقُومَ . بمعنى: أظنُّ أن يقُومَ . لأنَّ التى(٢) تدخُلُ مع الظنِّ تكُونُ مع الماضى مِن الفعلِ؛ يقالُ : أظنُّ أن قد قام زيدٌ . ومع المستقبلِ، ومع الأسماءِ . قال أبو جعفرٍ : وأولى القولَيْ فى ذلك بالصوابِ عندى، قولُ مَن قال : إن اللامَ فى قوله: ﴿يُرِيِدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ بمعنى: يُرِيدُ اللهُ أَن يُتَيْنَ لكم. لِمَا ذَكَرتُ مِن علةٍ مَن قال أن ذلك كذلك . القولُ فى تأويل قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ أَن تِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧ يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه: واللهُ يُريدُ أن يُراجعَ بكم طاعتَه والإنابةَ إليه ؛ لِيَعْفُوَ لكم عما سلَف مِن آثامِكم ، ويَتَجاوزَ لكم عما كان منكم فى جاهليّكم ؛ مِن استحلالِکم ما هو حرام علیکم مِن نکاح حلائلِ آبائکم وأبنائِکم ، وغير ذلك مما كنتم تَشْتَحِلُّونه وتَأْتُونه، مما كان غيرَ جائزٍ لكم إتيانُه مِن معاصى اللهِ، ﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ ﴾. يقولُ: ويُريدُ الذين يَطْلُبُون لذَّاتِ الدنيا وشهواتِ أنفسِهم فيها ﴿ أَن تَميلُواْ﴾ عن أمرِ اللهِ تبارك وتعالى، فتجوروا عنه پاتیانِكم ما حرَّم (١) العصف: الكسب. والاصطراف: يصطرف لعياله: أى يكتسب لهم. اللسان (ع ص ف)، (ص ر ف). (٢) أى: لأنَّ ((أَنْ)) التى .. إلى آخر الكلام. ٦٢٢ سورة النساء : الآية ٢٧ عليكم، وركوبِكم معاصيه، ﴿ مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ جَوْرًا وعدولًا عنه شديدًا . واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الذين وَصَفَهم اللهُ بأنهم يَتَّبِعون الشهواتِ ؛ فقال بعضُهم : هم الزناةُ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ﴾. قال: الزنا. ﴿ أَنْ تَيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا﴾. قال: يُريدُون أن تَزْنُوا(١). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ أَنْ تَميلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا﴾: أن تَكُونوا مثلَهم تَزْنُون كما يَزْنُون . حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ﴾. قال: الزنا. ﴿أَنْ تِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا﴾. قال: يَزْنِى أهلُ الإسلامِ كما يَزْنُون. قال: هى كهيئةٍ ﴿ وَدُواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُّدْهِنُونَ ﴾ [ القلم: ٩] . حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى زائدةَ، عن ورقاءَ، عن ابنٍ [٥٢٨/١و] أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ ﴾. قال: الزنا. ﴿أَنْ تِيلُواْ﴾ قال: أن تَزْنُوا . وقال آخرون : بل هم اليهودُ والنصارى . (١) تفسير مجاهد ص ٢٧٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٢٦/٣ (٥١٧٢، ٥١٧٣). وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٣/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر . ٦٢٣ سورة النساء : الآية ٢٧ ٢٩/٥ /ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى، ﴿أَنْ تِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا﴾(١). وقال آخرون: بل هم اليهودُ خاصةً، وكانت إرادتُهم مِن المسلمين اتِّاعَ شهواتِهم فى نكاح الأخواتِ مِن الأبِ ، وذلك أنهم يُحِلُّون نكاحَهنَّ، فقال اللهُ تبارك وتعالى للمؤمنين: ويُريدُ الذين يُحَلِّلون نكاحَ الأخواتِ مِن الأبِ ، أن تَميلوا عن الحقِّ، فتَسْتَحِلُوهن كما استَحَلُّوا . وقال آخرون : معنى ذلك: كلَّ مُتَّبِعِ شهوةً فى دينِه لغيرِ الذى أبيح له . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال : سمِعتُ ابنَ زيدٍ يقولُ فى قوله: ﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ الآية. قال: يُرِيدُ أهلُ الباطلِ وأهلُ الشهواتِ فى دينِهِم، ﴿أَنْ تِيلُواْ﴾ فى دينكم، ﴿ مَيْلًا عَظِيمًا﴾ تَتَِّعون أمرَ دينِهم ، وتَتْوُكون أمرَ اللهِ وأمرَ دينكم . قال أبو جعفرٍ : وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال : معنى ذلك : ويُرِيدُ الذين يَتَّبعون شهواتِ أنفسِهم مِن أَهلِ الباطلِ وطُلَّبِ الزنا ونِكَاح الأخواتِ مِن الآباءِ وغيرِ ذلك مما حرَّمه اللهُ، أن تميلوا(٢) عن الحقّ وعما أذن اللهُ لكم فيه ، (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٢٥/٣ (٥١٧١) من طريق أحمد بن مفضل به . (٢) بعده فى النسخ: ((ميلاً عظيما)). وهى زيادة عن سبق قلم من الناسخ. حذفناها ليستقيم السياق مع آخر الفقرة . ٦٢٤ سورة النساء : الآيتان ٢٧، ٢٨ فَتَجُوروا عن طاعتِه إلى معصيتِه، وتَكونوا أمثالَهم فى اتِّباع شهواتِ أنفسِكم فيما حرَّم اللهُ، وتَوْكِ طاعتِه ، ميلاً عظيمًا . وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابٍ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ عَمَّ بقولِه: ﴿وَيُرِيدُ اُلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ ﴾، فوَصَفَهم باتِّباع شهواتِ أنفسِهم المذمومةِ ، وعمّهم بوَصْفِهم بذلك، مِن غيرِ وصفِهم باتباعِ بعضِ الشهواتِ المذمومةِ. فإذا كان ذلك كذلك ، فأولی المعانى بالآية ما دلّ علیه ظاهرُها ، دون باطنها الذی لا شاهدَ علیه مِن أصلٍ أو قياسٍ. وإذا كان ذلك كذلك، كان داخلاً فى الذين يَتَبعون الشهواتِ ، اليهودُ والنصارى والزناةُ ، وكلُّ مُتَّبِعٍ باطلًا؛ لأنَّ كلَّ مُتَّبِعٍ ما نهاه اللهُ عنه فمتبعٌ شهوةَ نفسِه . وإذا كان ذلك بتأويلِ الآيةِ أولى ، وَجَبَتْ صحةُ ما اخترنا مِن القولِ فى تأويلٍ ذلك . القولُ فى تأويل قوله: ﴿يُرِدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَنُ ٢٨ ضَعِيفًا( يَعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ يُرِيدُ اَللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾: يُرِيدُ اللهُ أن يُتَسِّرَ چ عليكم ، بإذنه لكم فى نكاح الفتياتِ المؤمناتِ إذا لم تَسْتَطِيعوا طَوْلاً لحرَّةٍ، ﴿ وَخُلِقَ اُلْإِنْسَنُ ضَعِيفًا ﴾. يقولُ: يسَّر ذلك عليكم إذا كنتم غيرَ مُسْتَطيعى الطَّوْل للحرائرِ؛ لأنكم خلقتُم ضعفاءَ عَجَزَةً عن تَرْكِ جماع النساءِ قليلى الصبرِ عنه ، فأذن لكم فى نكاح فتياتِكم المؤمناتِ ، عندَ خوفِكم العَنَتَ على أنفسكم ، ولم تجدوا طولًا الحرةٍ ، لِقَلَّا تَزْنُوا؛ لقلةٍ صبرٍ كم على تَرْكِ جماعِ النساءِ. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ . ٦٢٥ سورة النساء : الآيتان ٢٨، ٢٩ ٣٠/٥ /ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾: فى نكاحِ الأمةِ، وفى كلِّ شىءٍ فيه يُشْرُ(١). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قال : ثنا سفيانُ ، عن ابنٍ طاوسٍ، عن أبيه ﴿ وَخُلِقَ الْإِنِسَنُ ضَعِيفًا﴾. قال: فى أمرِ الحِماعِ(١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيانُ ، عن ابنٍ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَنُ ضَعِيفًا﴾. قال: فى أمرِ النساءِ(). حدَّثنا الحسنُ بنُ یحیی ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمرٌ ، عن ابنٍ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾. قال: فى أمورِ النساءِ، ليس يَكُونُ الإنسانُ فى شىءٍ أضعفَ منه فى النساءٍ(١) . حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾. قال: رَخَّص لكم فى نكاح هؤلاءِ الإماءِ حين اضْطُرُوا إليهنَّ، ﴿ وَخُلِقَ اُلْإِنِسَنُ ضَعِيفًا﴾. قال: لو لم يُرَخِّصْ له فيها لم يَكُنْ إلا الأمرُ الأولُ، إذا لم يَجِدْ حرّةٌ(٤). القولُ فى تأويل قوله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ (١) تفسير مجاهد ص ٢٧٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٢٦/٣ (٥١٧٥)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٣/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٢٦/٣ (٥١٧٧) من طريق سفيان به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٣/٢ إلى ابن المنذر . (٣) تفسير عبد الرزاق ١٥٤/١. (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٣/٢ إلى المصنف. ( تفسير الطبرى ٤٠/٦ ) ٦٢٦ سورة النساء : الآية ٢٩ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنَكُمْ ﴾ يَغْنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: صَدَّقوا الله ورسوله ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ﴾، يَقُولُ: لا يَأْكُلْ بعضُكم أموالَ بعضٍ بما محُرِّم عليه مِن الرِّباً) والقِمارِ، وغيرِ ذلك مِن الأُمورِ التى نهاكم اللهُ عنها، ﴿ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تَجَرَةً﴾ . كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ نِجَارَةً عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾: أمَّا (١) أكْلُهم أموالَهم بينَهم بالباطلِ، فبالرّبا(١) والقِمارِ والنَّخْشِ والظلم، إلا أن تَكُونَ تجارةٌ ، لِيَرْبَحْ فى الدرهم ألفًا إن (٥) استطاع(٥). حدَّثنى محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا [٥٢٨/١ظ] أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ ، قال: ثنا خالدٌ الطَّحّانُ ، قال : أخبرنا داودُ بنُ أبي هندٍ ، عن عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِّ﴾. قال: الرجلُ يَشْتَرِى السّلعةَ، فيَرُدُّها ويردُّ معها درهمًا(٢) . (١) فى ص، س، ت ١: ((الزنا)). (٢) فى م: ((نهى عن)). (٣) فى م: ((وبالربا))، وفى ت ١: ((فالزنا))، وفى س: ((والزنا))، وفى تفسير ابن أبى حاتم: ((فبالزنا)). (٤) فى م، ت ١: ((البخس))، وفى س: ((النجس)). والنَّجْش: هو أن يريد الإنسان أن يبيع بياعة فتساومه فيها بثمن كثير؛ لينظر إليك ناظر فيقع فيها . التاج (ن ج ش). (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٩٢٧، ٩٢٨ (٥١٨٣، ٥١٨٥) من طريق أحمد بن المفضل به . (٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢١/١ (١٧٠٣)، ٩٢٧/٣ (٥١٨٢) من طريق داود بن أبى هند به بمعناه. وقد تقدم فى ٢٧٨/٣ من طريق خالد عن داود عن عكرمة قوله. ٦٢٧ سورة النساء : الآية ٢٩ حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ فى الرجلِ يَشْتَرى مِن الرجلِ الثوبَ، فَيَقُولُ: إِن رَضِيته أخَذْته ، وإلا رَدَدْته وردَدت معه درهمًا. قال: هو الذى قال اللهُ: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ﴾ /وقال آخرونَ: بل نَزَلَتْ هذه الآيةُ بالنَّهْى عن أن يَأْكُلَ بعضُهم طعامَ بعضٍ إلا ٣١/٥ بِشِراءٍ، فأما قِرَّى فإنه كان محظورًا بهذه الآيةِ، حتى نُسِخ ذلك بقوله فى سورةٍ النورِ: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَبُ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية [النور: ٦١]. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ ، عن الحسنِ بنِ واقدٍ ، عن يزيدَ النَّحْوىِّ، عن ◌ِكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا فى قوله: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِحَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾ الآية. فكان الرجلُ يَتَحَرَّجُ أن يَأْكُلَ عندَ أُحدٍ مِن الناسِ بعدما نزَلتْ هذه الآيةُ، فتُسِخ ذلك بالآيةِ التى فى ((النورِ))، فقال: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجُ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجُ وَلَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُواْ مِنْ بُيُونِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَابِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَتِكُمْ﴾(١) إلى قوله: ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانً﴾ [ النور: ٦١]. فكان الرجلُ الغنىُّ يَدْعو الرجلَ مِن أهلِه إلى الطعامِ ، فَيَقُولُ: إنى لأَنَّعُ - والتََّنُّحُ: التَّحَوِّجُ - ويَقُولُ : المساكينُ أحقُّ به منى ، فأحلَّ مِن ذلك أن تَأْكُلُوا مما ذكِر اسمُ اللهِ عليه، (١) فى النسخ: (( ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم))، وأثبتنا نصَّ التلاوة . ٦٢٨ سورة النساء : الآية ٢٩ وأحلَّ طعامَ أهلِ الكتابِ (١) . قال أبو جعفرٍ : وأولى هذين القولين بالصوابِ فى ذلك ، قولُ السدىِّ؛ وذلك أن الله تعالى ذكرُه حرَّم أكْلَ أموالِنا بينَنا بالباطلِ . ولا خلافَ بينَ المسلمين أن أكلَ ذلك حرامٌ علينا ، فإن الله لم يُحِلَّ قَطَّ أكلَ الأموالِ بالباطلِ . وإذا كان ذلك كذلك، فلا معنَى لقولٍ مَن قال: كان ذلك نهيًا عن أكلِ الرجلِ طعامَ أخيه قِرَى، على وَجْهِ ما أُذِن له، ثم نُسِخ ذلك. لنقلِ علماءِ الأمةِ جميعًا وجُهَّالِها؛ أن قِرَى الأضيافِ وإطعامَ الطعامِ كان مِن حميدِ أفعالِ أهلِ الشركِ والإسلام، التى حَمِد اللهُ أهلَها عليها(١) ونَدَبَهم إليها، وأن اللهَ لم يُحَرِّمْ ذلك فى عصر من العصور ، بل ندب اللهُ عباده وحثّهم علیه . وإذا كان ذلك كذلك ، فهو مِن معنى الأكْلِ بالباطلِ خارجٌ، ومِن أَنْ يَكُونَ ناسخًا أو منسوخًا بِمَعْزِلٍ؛ لأن النَّسْخَ إنما يَكُونُ لمنسوخ، ولم يَثْبُتِ النهىُ عنه، فيَجُوزَ أن يَكُونَ منسوخًا بالإباحةِ . وإذا كان ذلك كذلك، صحَّ القولُ الذى قلناه - مِن أن الباطلَ الذى نهَى اللهُ عن أكلِ الأموالِ به ، هو ما وَصَفْنا مما حوَّمه على عبادِه فى تنزيله ، أو على لسان رسوله اله - وفَسَدُ(٢) ما خالَفه. واخْتَلَفت القرَأَةُ فى قراءةٍ قوله: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ﴾؛ فقرأها بعضُهم: (إِلَّا أنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ). رَفْعًا(٤)، بمعنى: إلا أن تُوجَدَ تجارةٌ، أو: تَقَعَ تجارةٌ، عن تراضٍ منكم، فيَحِلَّ لكم أكلُها حينئذٍ بذلك المعنى. ومذهبُ مَن قَرَأ ذلك على هذا الوجهِ (٥)، أنَّ ((تكونَ)) تامَّةٌ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٣/٢ إلى المصنف مختصرًا. (٢) فى م: (( عليهم )) . (٣) فى م: ((شذ))، وفى س: ((فساد)). (٤) قرأ بذلك ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر. السبعة فى القراءات ص ٢٣١، وحجة القراءات ص ١٩٩. (٥) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((إلا)). ٦٢٩ سورة النساء : الآية ٢٩ هلهنا لا حاجةَ بها إلى خبرٍ، على ما وَصَفتُ. وبهذه القراءةِ قَرَأ أكثرُ أهل الحجازِ وأهلِ البصرةِ. وقرَأ ذلك آخرون، وهم عامةُ قرَأَةِ الكوفيين: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِحَكَرَةً﴾. نصبًا (١)، بمعنى: إلا أن تَكُونَ الأَمْوَالُ التى تَأْكُلُونها بينكم تجارةً، عن تراضٍ منكم، فيَحِلَّ لكم هنالك أكْلُها . فتكونُ الأموالُ مُضْمَرَةً فى قوله: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ ﴾، والتجارةُ منصوبةً على الخبرِ. وكلتا القراءتَيْ عندَنا صوابٌ جائزةٌ(٢) القراءةُ بها (٢)؛ لاستفاضتِهما(٤) فى قَرَأَةِ الأمصارِ مع تقارُبِ معانِيهما. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن قراءةَ ذلك بالنصبِ أَعْجَبُ إلىَّ مِن قراءتِه بالرفع؛ لقوّةِ النصبِ من / وجهين؛ أحدُهما : أنّ فى ﴿تَكُونَ﴾ ذكرًا مِن الأموالِ. والآخَرُ: أنه لو لم يُجْعَلْ فيها ذِكرٌ منها ، ثم أَفرِدَتْ بـ ((التجارةِ))، وهى نكرةٌ، كان فصيحًا فى كلام العربِ النَّصْبُ ، إذ كانت مَبْنِيَّةً على اسم وخبرٍ ، فإذا لم يَظْهَرْ معها إلا نكرةٌ واحدةٌ ، نَصَبوا ورَفَعوا، كما قال الشاعر : ٣٢/٥ * إذا كان طَعْنًا بينَهم وعِنَاقا » ففى هذه الآيةِ إبانةٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن تكذيبٍ قولِ الجهلةِ مِن المُتُصَوِّفةِ ، المنكرين طَلَبَ الأقواتِ بالتجاراتِ والصناعاتِ، واللهُ تعالى يَقُولُ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَاْ تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ نِحَرَةً (١) قرأ بذلك حمزة والكسائى وعاصم. السبعة فى القراءات ص ٢٣١، وحجة القراءات ص ١٩٩. (٢) فى م: (( جائز)). (٣) فى م: ((بهما)). (٤) فى ت ٢: ((لاستفاضتها)). (٥) تقدم البيت بتمامه فى ١٠٧/٥ . ٦٣٠ سورة النساء : الآية ٢٩ عَنْ تَرَضِ مِنْكُمْ﴾: اكتسابًا منا(١) ذلك بها(٢). كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ◌ْ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَكَرَةٌ عَن تَرَاضِ مِّنَكُمْ﴾. قال : التجارةُ رزقٌ مِن رزقِ اللهِ ، وحلالٌ مِن حلالٍ اللهِ لمن طَلَبها بصدقِها وبِرِّها، وقد كنا نُحَدَّثُ أن التاجرَ الأمينَ الصدوقَ مع السبعةِ [٥٢٩/١ و] فى ظِلِّ العرشِ يومَ القيامةِ(١). وأما قولُه: ﴿عَن تَرَاضٍ﴾، فإن معناه كما حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نُجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ تبارك وتعالى: ﴿عَنْ تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾: فى تجارةٍ أو بيع أو عطاءٍ يُعطيه أحدٌ أحدًا(٤). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿عَن تَرَاضِ مِّنْكُمْ﴾: فى تجارةٍ أو بيع أو عطاءٍ يُعْطيه أحدٌ أحدًا . حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن القاسم بن سليمانَ الجُغْفىِ، عن أبيه، عن ميمونِ بنِ مِهْرانَ، قال: قال رسولُ اللهِ عَ لَه: ((البيعُ عن تَراضٍ، والخيارُ بعدَ الصَّفْقَةِ، ولا يَحِلُّ لمسلمٍ أَن يَغُشَّ مسلمًا))(١) . حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ نجريجٍ، قال : (١) فى م: ((أحل))، وفى س: ((من)). (٢) سقط من: س. وفى ص، م، ت ٢: ((لها)). وأثبتنا ما يقتضيه السياق. والمراد ؛ أن ذلك المال أو القوت اكتسابًا منا بالتجارة إذ هى أكل للمال بالحلال. كما سيأتى فى الأثر التالى . (٣) أخرجه البيهقى ٢٦٣/٥ من طريق سعيد به ببعضه . (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٢٧/٣ (٥١٨٤) من طريق ابن أبى نجيح به . (٥) فى م: ((عن)). وينظر الجرح والتعديل ١٢٤/٧، والميزان ٣٨٣/٣، واللسان ٤ /٤٦٩. (٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٧/ ٨٣، ٨٤ عن وكيع به، وعنده: ((يغبن)) بدل (( يغش)). ٦٣١ سورة النساء : الآية ٢٩ قلتُ لعطاءٍ: المُماسَحَةُ(١)، تَيْعٌ هى؟ قال لا ، حتى يُخَيَِّه، التَّخْبِيرُ بعدَما يَجِبُ البيعُ؛ إن شاء أخَذ ، وإن شاء ترَك . واختلف أهلُ العلم فى معنى التراضى فى التجارةِ ؛ فقال بعضُهم: هو أن يُخَيِّرَ كلُّ واحدٍ مِن المتُبَايِعَينْ بعدَ عَقْدِهما البيعَ بينَهما فيما تَبَايَعا فيه ؛ مِن إمضاءِ البيع أو نَقْضِه، أو يَتَفَّقا عن مجلسِهما - الذى تَواجَبًا فيه البيعَ بأبدانهما - عن تَرَاضٍ منهما بالعَقْدِ الذى تَعاقَداه بينَهما قبلَ التَّفاسُخِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ ، قال : ثنى أبى، عن قتادةَ، عن محمد ابنِ سيرينَ، عن شُرَيح، قال: اخْتَصَم رجلان، باع أحدُهما مِن ) الآخرِ بُنُسًا ، فقال : إنى بِعْتُ مِن هذا بُؤْنُسًا، فَأَرْضَيْتُه(٣) فلم يُرْضِنى. فقال: أَرْضِه كما أرضاك. قال: إنى قد أعطَيْتُه دراهمَ ولم يَرْضَ. قال: أَرْضِه كما أَرْضاك . قال : قد أُرْضَيْتُه فلم يَرْضَ . فقال : البَيِّعان(٤) بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقَا (٥). /حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بن أبى ٣٣/٥ السَّفَرِ، عن الشَّعْبِىِّ، عن شُرَيح، قال: البَيِّعان بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا (٢). (١) المماسحة من: تَمَاسَحًا: إذا تَبَايَعا فتَصافَقًا. ينظر تاج العروس (م س ح). (٢) باع منه : باع له . ينظر اللسان ( ب ی ع ). (٣) فی م: ( فاسترضیته )). (٤) البَيِّعان: هما البائع والمشترى، يقال لكل واحدٍ منهما: يَبْع وبائع. النهاية ١٧٣/١. (٥) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٤٢٦٩)، ووكيع فى أخبار القضاة ٣٣٩/٢ من طريق ابن سيرين به. (٦) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٤٢٧١) وابن أبى شيبة ١٢٦/٧، ووكيع فى أخبار القضاة ٢٤٦/٢، ٢٦٠ من طريق سفيان الثورى به . ٦٣٢ سورة النساء : الآية ٢٩ حذَّثنا محمدُ بنُ المثنى ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شُعْبَةَ ، عن الحكم ، عن شُرِيحٍ مثلَه(١). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدٌ ، قال : ثنا شعبةُ، عن جابرٍ ، قال : ثنى أبو الضُّحَى، عن شُرَيح أنه قال: البيِّعان بالخيارِ ما لم يَتَفرَّقا. قال: قال أبو الضُّحى: كان شُرَيحٌ يُحَدِّثُ عن رسولِ اللهِ صَلِّ بنحوِه". وحدَّثنى الحُسينُ(٢) بِنُ يزيدَ الطّحانُ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن عبدِ السلامِ، عن رجلٍ، عن أبى حَوْشَبٍ، عن ميمونٍ، قال : اشْتَرَيْتُ مِن ابنٍ سيرينَ سابِرِيًّا(٢) ، فسام علىَّ سَوْمَه، فقلتُ: أَحْسِنْ. فقال: إما أن تَأْخُذَ ، وإما أن تَدَعَ. فَأَخَذْتُ منه، فلَمَّا وَزَنتُ الثمنَ وضَع الدراهمَ ، فقال: احْتَرْ؛ إِمَّا الدراهمَ ، وإِمَّ المتاعَ. فاختَرتُ المَاعَ فأخذتُه . حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن إسماعيلَ بنِ سالمٍ، عن الشعبىِّ، أنه كان يقولُ فى البَيِّعَين: إنهما بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا، فإذا تَصادَراً فقد وَجَب البيعُ. حدَّثنا محمدُ بنُّ إسماعيلَ الأحْمَسُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبَيدٍ ، قال : ثنا (١) أخرجه وكيع فى أخبار القضاة ٢٦٧/٢ من طريق محمد بن جعفر به، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٢٦/٧ من طريق شعبة به . (٢) أخرجه ابن حزم فى المحلى ٣٠٠/٩ من طريق أبى الضحى فى سياق قصةٍ بنحوه، دون قوله: ((قال أبو الضحى: کان شریح یحدث ... )). (٣) فى النسخ: ((الحسن)). والمثبت من تهذيب الكمال ٦/ ٥٠١. (٤) السابِرِىُّ: ثوبٌ، كما جاء فى حديث حبيب بن أبى ثابت: رأيت على ابن عباس ثوبا سابريًّا أستشفُ ما وراءه. كلُّ رَقِيقٍ عندهم سابرىٌّ، والأصل فيه الدِّرُ السابرية، وهى درعٌ دقيقةُ النسجِ فى إحكامٍ صَنْعةٍ ، منسوبة إلى الملك سابور. ينظر النهاية ٢/ ٣٣٤، وتاج العروس (س ب ر). (٥) تصادرا: انصرفا . ينظر التاج ( ص در). ٦٣٣ سورة النساء : الآية ٢٩ سفيانُ بنُ دينارٍ، عن طَيْسَلَةَ(١)، قال: كنتُ فى السوقِ وعلىِّ رضِى اللهُ عنه فى السوقِ، فجاءتْه جاريةٌ إلى بَيِّع فاكهةٍ بدرهم، فقالت: أعْطِنِى هذا، فأعطاها إياه، فقالت: لا أُريدُه، أعْطِنى درهمى. فأبى، فأخَذَه منه علىّ فأعطاها إياه . حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ ، عن الشعبىّ ، أنه أتى فى رجلٍ اشترى مِن رجلٍ بِرْذَونًا(٢) ووجَب له، ثم إن المتاعَ ردَّه قبلَ أن يَتَفَرّقا، فقَضَى أنه قد وجَب عليه، فشَهِد عندَه أبو الضُّحى: أن شُرَيحًا قضى فى مثلِه أن يَرْدَّه على صاحبِه، فرجَع الشعبىُّ إلى قضاءٍ شريحٍ(١). حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشيمٌ ، قال : ثنا هشامٌ، عن ابنِ سِيرينَ ، عن شُرَيح ، أنه كان يَقُولُ فى البَيِّعَيْ: إذا ادَّعى المشترِى أنه قد أوجب له البيعَ ، وقال البائعُ: لم أوجِيْه (٤) له . قال: شاهدان عَدْلان أنكما افْتَزَقْتُما عن تراضٍ بعدَ بيعٍ أو تخاثُرٍ، وإلّ فيمينُ البائع أنكما ما(٥) افترقتما عن (بيعٍ ولا) تخائِرٍ(٧). حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ ، عن محمدٍ ، قال: كان شُرَيح يَقُولُ : شاهدان ذوا عدلٍ أنكما افْتَرَقْتُما عن تراضٍ بعدَ بيع وتخايرٍ ، وإلا فيمينُهُ باللهِ (١) فى ص: ((طه)) غير منقوطة، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((طيبه))، وفى س: ((ظبية))، وينظر تهذيب الكمال ٤٦٧/١٣، والتاريخ الكبير ٣٦٧/٤، والجرح والتعديل ٤ / ٥٠١. (٢) البرذون : يُطلق على غير العربى من الخيل والبغال، عظيم الخلقة، غليظ الأعضاء، قوى الأرجل ، عظيم الحوافر . ينظر الوسيط (برذن) . (٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٢٦/٧ عن جرير به . (٤) فى م: (( أوجب )). (٥) زيادة يقتضيها السياق . (٦ - ٦) فى س: ((تراض بعد بيع أو)). (٧) أخرجه وكيع فى أخبار القضاة ٣٦٢/٢ من طريق هشام بمعناه مختصرا . ٦٣٤ سورة النساء : الآية ٢٩ ما تَفَرَّقْتما عن تراضٍ بعدَ بيعٍ أو تخايرٍ . حدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَشْعدةَ ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال : ثنا ابنُ عَوْنٍ ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، عن شُرَيح ، أنه كان يقولُ : شاهدان ذَوَا عدلٍ أنهما تَفَرَّقا عن تراضٍ بعدَ بيعٍ أو تخايرٍ . وعلةُ مَن قال هذه المقالةَ ما حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، عن "ُتَيدِ اللهِ()، قال: أخبرنى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ◌َه، قال: (( كلُّ بَيِّعَين فلا بيعَ بينَهما حتى يَتَفَرَّقا إلا أن يَكُونَ خيارًا))(٢) . حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، [٢٩/١ ٥ظ] قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، قال: ثنى يحيى بنُ أيوبَ ، قال: كان أبو زُرْعَةَ / إذا بايَع رجلاً يَقُولُ له: خيِّرْنى. ثم يَقولُ: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ ◌ِّهِ: ((لا يَفْتَرِقِ اثنانِ إلا عن رضًا)(٣) . ٣٤/٥ حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال : ثنا أيوبُ ، عن أبى قِلابةَ ، قال: قال رسولُ اللهِ عَ له: ((يا أهلَ التَقِيع)). فسَمِعوا صوتًا، ثم قال: «يا أهلَ البقيعِ)). فاشرَأَبُوا يَنْظُرُون حتى عرفوا أنه صوتُه، ثم قال: (( يا أهلَ البقيعِ، لَا يَتَفَرَّقَنَّ بَيِّعان إلا عن رِضًا))(٤) . (١ - ١) فى النسخ: ((عبد الله)). والمثبت من مصادر التخريج. (٢) أخرجه مسلم (١٥٣١) من طريق ابن المثنى به، وأخرجه أحمد ١٥١/٩ (٥١٥٨)، ومسلم (١٥٣١)، والنسائى (٤٤٧٨) من طريق يحيى بن سعيد به . (٣) أخرجه أبو داود (٣٤٥٨)، والبيهقى فى سننه ٥/ ٢٧١، من طريق مروان بن معاوية به ، وأخرجه أحمد ٥٣٧/١٦ (١٠٩٢٢)، والترمذى (١٢٤٨) من طريق يحيى بن أيوب به . (٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٨٢/٧ عن ابن علية به مختصرا، وأخرجه عبد الرزاق (١٤٢٦٨) من طريق أيوب به، وأخرجه البيهقى ٢٧١/٥ من طريق خالد الحذاء عن أبى قلابة عن أنس بن مالك عن النبى عليهٍ. ٦٣٥ سورة النساء : الآية ٢٩ حدَّثنى أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا أبو داودَ الطيالسىُّ ، قال : ثنا سليمانُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا سِماكٌ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن النبىَّ عَّهِ بايَع رجلاً ثم قال له: ((اخْتَرْ)). فقال: قد اخْتَرْتُ. فقال: ((هكذا البيعُ)) (١). قالوا: فالتجارةُ عن تراضٍ، هو ما كان على ما بيَّه النبيُّ عَ لَه مِن تَخْبِيرِ كلِّ واحدٍ مِن المشترى والبائعِ فى إمضاءِ البيعِ فيما يَتَبَايَعانِهِ بينَهما ، أو نقضِه بعدَ عقدٍ البيعِ بينَهما وقبلَ الافتراقِ ، أو ما تفرَّقا عنه بأبدانِهما عن تراضٍ منهما بعدَ مُواجَبَةِ البيعِ فيه عن مجلسِهما . فما كان بخلاف ذلك، فليس مِن التجارةِ التى كانت بينَهما عن تراضٍ منهما . وقال آخرون : بل التراضى فى التجارةِ تَواجبُ عقدِ البيع فيما تَبَايَعَه المتبايعان بينَهما ، عن رِضًا مِن كلِّ واحدٍ منهما ما مُلِّك عليه صاحبُه، ومَلَّك صاحبَه عليه ، اقْتَرَقا عن مجلسِهما ذلك أو لم يَفْتَرِقا، تَخايرا فى المجلسِ أو لم يَتَخَايَرا فيه بعدَ عَقْدِه . وعلةُ مَن قال هذه المقالةَ، أن البيعَ إنما هو بالقولِ ، كما أن النكاحَ بالقولِ ، ولا خلافَ بينَ أهلِ العلمِ فى الإجبارِ فى النكاحِ لأحدِ المُناكِحَين على صاحبِهِ ، افْتَرَقا أو لم يَفْتَرِقا عن مجلسِهما الذى جرَى ذلك فيه . قالوا : فكذلك حكمُ البيعِ. وتأوَّلوا قولَ النبيِّ عَ له: ((البيِّعان بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا)). على أنه: ما لم يَتَفَرَّقا بالقولِ. وممن قال هذه المقالةَ مالكُ بنُ أنسٍ وأبو حنيفةً وأبو يوسفَ ومحمدٌ (٢). (١) أخرجه الطيالسى (٢٧٩٧)، ومن طريقه البزار (١٢٨٣ - كشف)، وابن عدى ١١٢٢/٣، والبيهقى ٢٧٠/٥. (٢) المدونة الكبرى ١٨٨/٤، والموطأ رواية محمد بن الحسن الشيباني ص٢٥٣ عقب الحديث (٧٨٥)، والحجة على أهل المدينة ٦٨٠/٢ - ٦٩٤. ٦٣٦ سورة النساء : الآية ٢٩ قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين بالصوابِ فى ذلك عندَنا، قولُ مَن قال : إن التجارةَ التى هى عن تراضٍ بينَ المتبايعين، ما تفرَّق المتبايعان على المجلسِ - الذى تَوَاجَبا فيه بينَهما عُقْدةَ البيع - بأبدانهما ، عن تراضٍ منهما بالعقدِ الذى جرَى بينَهما ، وعن تخييرٍ كلٌّ واحدٍ منهما صاحبه؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ٹِ بما حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، قال: أخبرَنا أيوبُ ، وحدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الوهابِ ، قال : ثنا أيوبُ ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ ، قال : قال رسولُ اللهِ عَ لَّهِ: ((البَيِّعان بالخيارِ ما لم يَتَفَرّقا، أو يَكُونُ بيعَ خيارٍ)). وربما قال: ((أو يَقُولُ أحدُهما للآخَرِ: اخْترْ)) (١). فإذا كان ذلك عن رسولِ اللهِ مَ ◌ّهِ صحيحًا، فليس يَخْلو قولُ أحدِ المُتُبَايِعَين لصاحبِهِ : اخْتَر. مِن أَن يَكُونَ قبلَ عقدِ البيع أو معه أو بعدَه ؛ فإن يَكُنْ قبلَه ، فذلك الخَلّفُ مِن الكلامِ(٢) الذى لا معنى له؛ لأنه لم يَمْلِكْ قَبلَ عقدِ البيعِ أحدُ المُتْبابِعَين على صاحبِه، ما لم يَكُنْ له مالكًا ، فيَكُونَ لتخييرِه صاحبه فيما مَلَك(٢) عليه وجة مفهوم ، ولا فيهما مَن يَجْهَلُ أنه بالخيارِ فی تمليكِ صاحبِه ما هو له غيرُ مالكِ بِوَضٍ يَعْتَاضُه منه، فيُقالُ له : أنت بالخيارِ فيما تُريدُ أن تُحْدِثَه مِن بيع أو شراءٍ. أو يَكُونَ - إن بطَل هذا / المعنى - تخييرُ كلِّ واحدٍ منهما صاحبه مع عقدِ البيع ، ومعنى التخييرِ فى تلك الحالِ نظيرُ معنى التخييرِ قبلَها ؛ لأنها حالةٌ لم يَزُلْ فيها عن(٤) أحدِهما ما كان مالكَه قبلَ ذلك إلى صاحبِهِ ، فيكونَ للتخييرِ وجهٌ مفهومٌ، أو يكونَ ذلك بعدَ ٣٥/٥ (١) أخرجه أحمد ٦٤/٨ (٤٤٨٤)، ومسلم (١٥٣١)، والنسائى (٤٤٨٢) من طريق ابن علية به . (٢) الخلف من الكلام : الردىء من القول . ينظر الوسيط (خ ل ف). (٣) فى م: ((يملك)). (٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( عين)). ٦٣٧ سورة النساء : الآية ٢٩ عقدِ البيعِ ، إذا فسَد هذان المعنيان . وإذا كان ذلك كذلك، صحَّ أن المعنى الآخرَ مِن قولِ رسولِ اللهِ عَ لَّه - أعنى قوله: ((ما لم يَتَفَرَّقا)) - إنما هو النَّفَرُّقُ بعدَ عقدِ البيعِ، كما كان التخييرُ بعدَه. إذا صحَّ ذلك، فسَد قولُ مَن زعَم أن معنى ذلك إنما هو التفرّقُ بالقولِ الذى به يَكُونُ البيعُ. وإذا فسَد ذلك، صحَّ ما قلنا مِن أن التخييرَ والافتراقَ إنما هما مَعْنَيَانِ بهما يَكُونُ تمامُ البيع بعدَ عقدِه، وصحَّ تأويلُ مَن قال : معنى قوله: ﴿ إِلََّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَاضِ مِّنَكُمْ﴾: إلا أن يَكُونَ أكلُكم الأموالَ التى يَأْكُلُها بعضُكم لبعضٍ ، عن مِلْكِ منكم عمن مَلَكْتُموها عليه ، بتجارةٍ تبايعتموها بینکم ، واقْتَزَقتم عنها عن تَراضٍ منكم بعد عقد البيع بينكم بأبدانِكم ، أو يُخَيِّرَ بعضُكم بعضًا . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ٢٩ يعنى بقولِه ◌ُ(١) جلّ ثناؤه: ﴿ وَلَا تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾: ولا يَقْتُلْ بعضكم بعضًا ج وأنتم أهلُ ملَّةٍ واحدةٍ ودعوةٍ واحدةٍ ودينٍ واحدٍ. فجعَل جلّ ثناؤُه أهلَ الإسلام كلَّهم بعضَهم مِن بعضٍ، وجعَل القاتلَ منهم قتيلاً ، فى قتلِه إياه منهم ، بمنزلةٍ قَتْلِه نفسَه ، إِذا كان القاتلُ والمقتولُ أهلَ يدٍ واحدةٍ [٥٣٠/١و] على مَن خالَف ملتَهما . وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أشباطُ ، عن (١) فى م: ((بذلك)). ٦٣٨ سورة النساء : الآيتان ٢٩، ٣٠ السُّدِّىِّ: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾. يَقولُ: أَهلَ مَلَّتِكم (١). حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ تُرَيج، عن عطاءٍ ابنِ أبى رَباحٍ: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: قَثْلُ بعضِكم بعضًا(٢). وأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. فإنه يَعْنى أن الله تبارك وتعالى لم يَزَلْ رحيمًا بخلقِه، ومِن رحمتِهِ بكم كفُّ بعضِكم عن قتلِ بعضٍ أيُّها المؤمنون ، بتحريم دماءِ بعضِكم على بعضٍ إلا بحقِّها ، وحَظْرِ أكلِ مالٍ بعضِكم على بعضٍ بالباطلِ ، إلا عن تجارةٍ يَمْلِكُ بها عليه برضاه وطِيبٍ نفسِه ، لولا ذلك هَلَكتم وأهْلَك بعضكم بعضًا ، قَتْلاً وسَلْبًا وغَصْبًا . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيًّا اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا ﴾ ؛ فقال بعضُهم : معنى ذلك : ومَن يَقْتُلْ نفسَه . بمعنى: ومَن يَقْتُلْ أخاه المؤمنَ عدوانًا وظلمًا ﴿ فَسَوْفَ تُصْلِيهِ نَارًا﴾ . / ذكرُ مَن قال ذلك ٣٦/٥ حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجّاجْ، عن ابنٍ نجريجٍ، قال : قلتُ لعطاءٍ: أرأيتَ قولَه: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ تُصْلِيهِ نَارًا﴾، فى كلِّ ذلك، أو فى قوله: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾؟ قال : بل فى قوله : (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٤/٢ إلى المصنف وابن المنذر، بلفظ: أهل دينكم. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٤/٢ إلى المصنف. ٦٣٩ سورة النساء : الآية ٣٠ ﴿ وَلَا نَّقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾(١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومَن يَفْعَلْ ما حرَّمْتُه عليه مِن أوّلِ هذه السورةِ إلى قوله: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ ؛ مِن نكاح مَن حرّمْتُ نكاحه، وتعدِّی حدودِه ، وأكْلِ أموالِ الأيتامِ ظلمًا، وقَتْلِ النفسِ المحرَّمِ قتلُها ظلمًا بغيرِ حقٍّ . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ومَن يَأْكُلْ مالَ أخيه المسلم ظلمًا بغيرِ طِيبٍ نفسٍ منه ، وقَتَلَ أخاه المؤمنَ ظلمًا ، فسوف نُصلِيه نارًا . قال أبو جعفرٍ : والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ: معناه: ومَن يَفْعَلْ ما حرَّم اللهُ عليه مِن قولِهِ: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ الْنِسَآءَ كَرْهًا﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾. مِن نكاحِ المحرَّماتِ، وعَضْلِ المحرَّمِ عَضْلُها مِن النساءِ ، وأكْلِ المالِ بالباطلِ ، وقَثْلِ المحرّمِ قتلُه مِن المؤمنين؛ لأن كلَّ ذلك مما وعَد اللهُ عليه أهلَه العقوبةَ . فإن قال قائلٌ: فما مَنَعك أن تَجْعَلَ قولَه: ﴿ ذَلِكَ﴾ معنِيًّا به جميعَ ما أوعَد اللهُ عليه العقوبةَ مِن أولِ السورةِ؟ قيل: مَنَعَنى(٢) ذلك، أن كلَّ فَصْلٍ مِن ذلك قد قُرِن بالوعيدِ ، إلى قولِه: ﴿أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، ولا ذِكْرَ للعقوبةِ مِن بعدِ ذلك على ما حرَّم اللهُ فى الآي التى بعدَه، إلى قولِه: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ﴾. فكان قولُه: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ معنيًّا به ما قلنا مما لم يُقْرَنْ بالوعيدِ ، مع إجماع الجميع على أن الله تعالى قد تَوَعَّد على كلِّ ذلك، أوْلَى مِن أن يَكُونَ معنًّا به ما يتسلَّفُ (٢) فيه الوعيدُ بالنَّهْىِ مقرونًا قبلَ ذلك . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤٥/٢ إلى المصنف وابن المنذر. (٢) فى م: ((منع)). (٣) فى م: ((سلف)). ويتسلَّف: يتقدم . ٦٤٠ سورة النساء : الآيتان ٣٠، ٣١ وأما قولُه: ﴿ عُدْوَانًا﴾. فإنه يَعْنى به: تَجَاوُزًا لما أباح اللهُ له، إلى ما حرَّمه عليه ، ﴿ وَظُلمًا ﴾ یعنی : فعلًا منه ذلك بغيرِ ما أذِن اللهُ به ، ورُ کوبًا منه ما قد نهاه اللهُ عنه . وقولُه: ﴿فَسَوْفَ تُصْلِيهِ نَارًا﴾. يَقُولُ: فسوف نُورِدُه نارًا يَصْلَى بها فِيَحْتَرِقُ فيها. ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ ، يعنى: وكان إصلاءُ فاعلِ ذلك النارَ وإحراقُه بها ، على اللهِ سهلاً يسيرًا؛ لأنه لا يَقْدِرُ على الامتناع على ربِّه مما أراد به مِن سوءٍ، وإنما يَصْعُبُ الوفاءُ بالوعيدِ لِمَنْ تَوَعَّده، على مَن كان إذا حاول الوفاءَ به قَدَر المُتُوَعَّدُ مِن الامتناعِ منه، فأمَّا مَن كان فى قَبْضَةِ مُوعِدِه، فيَسيرٌ عليه إمْضاءُ محُكمِه فيه، والوفاءُ له بوَعِيدِه، غيرُ عَسيرٍ عليه أمرٌ أرادَه به (٥). القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ٣١ اختلف أهلُ التأويل فى معنی الكبائرِ التی وعَد اللهُ جلَّ ثناؤُه عبادَه باجتنابِها تكفيرَ سائرٍ سيئاتِهم عنهم ؛ فقال بعضُهم : الكبائر التى قال الله تبارك وتعالى : ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا ثُنْهَوْنَ عَنْهُ / نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيْئَاتِكُمْ﴾. هى ما تقدَّم اللهُ إلى عبادِه بالنَّهْىِ عنه مِن أوّلِ سورةِ (( النساءِ)) إلى رأسٍ الثلاثين منها . ٣٧/٥ (*) بعده فى ص : (( نجز الجزء السادس من الكتاب بحمد الله تعالى وعونه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. يتلوه فى الجزء السابع إن شاء الله تعالى: القول فى تأويل قوله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريمًا﴾. وكان الفراغ منه فى بعض شهور سنة خمس عشرة وسبعمائة ، أحسَنَ اللهُ تَقَضِّيَها وخاتمتَها فى خير وعافية بمنه وكرمه . غفر الله لصاحبه ولكاتبه ولمؤلفه ولجميع المسلمين . الحمد لله رب العالمين. طالعه الفقير إليه سبحانه محمد بن محمود بن محمد بن حسين الجزائرى الحنفى ، عُفى عنهم بمنّه، وأتمه بتاريخ ثانى شهر ربيع الأول من سنة تسع وثلاثين واثنى عشر مئة . وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله. بسم الله الرحمن الرحيم. ربّ أعن )).