Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ سورة النساء : الآية ١٩ ◌ُيِّنَةٍ﴾ . يعنى تبارك وتعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَزْهًا﴾. يقولُ: لا يَحِلُّ لكم أن تَرِثُوا نِکاحَ نساء أقاریکم وآبائِکم کَرْهًا . فإن قال قائلٌ: كيف كانوا يَرِثونهن؟ وما وَجْهُ تَحريم وراثتِهنَّ، وقد عَلِمتَ أن النساءَ مُوَرَّثَاتٌ(١) كما الرجالُ مُوَرَّثون(١) ؟ قيل : إن ذلك ليس من معنى ورائتِهنَّ إذا هن مِتْنَ فَتَرَكنَ مالًا ، وإنما ذلك أنهن فى الجاهليةِ كانت إحداهنَّ إذا مات زوجُها، كان ابنُه أو قَرِيبُه أوْلَى بها من غيرِهِ، ومنها بنفسِها، إن شاء نَكَحها، وإن شاء عَضَلها، فمنَعها من غيرِه ولم يتزوَّجْهاَ . حتى تموتَ ، فحَرَّم اللهُ تعالى ذلك على عبادِه، وحَظَر عليهم نكاحَ حلائلٍ آبائِهم، ونَهاهم عن عَضْلِهن عن النكاحِ . وبنحوِ القولِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال : ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ ، قال : ثنا أبو إسحاقَ - يعنى الشيبانيَّ - عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ فى [٥١٥/١] قولِه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِسَآءَ كَزْهَا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ﴾. قال : كانوا إذا مات الرجلُ، كان أولياؤه أحقُّ بامرأتِه ، إن شاء بعضُهم تَزوَّجَها ، وإن (١) فى ت١: ((موروثات)). (٢) فى ت١: ((موروثون)). (٣) فى م: ((يزوجها)). ٥٢٢ سورة النساء : الآية ١٩ شاءوا زَوَّجوها ، وإن شاءوا لم يُزَوِّجوها، وهم أحقُّ بها من أهلِها، فتَزَلَت هذه الآيةُ (١) فى ذلك(١). وحدَّثنى أحمدُ بنُ محمدِ الطَّوسُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ صالح، قال : ثنی محمدُ بنُ فُضیلٍ ، عن یحیی بنِ سعیدٍ ، عن محمدِ بنِ أبى أمامةً بنِ سهلِ بنِ حُنَيفٍ ، عن أبيه، قال: لمَّا تُوفِّى أبو قيسٍ بنُ الأسْلتِ أرادَ ابنُه أَن يَتزوَّجَ امرأْتَه، وكان ذلك لهم فى الجاهليةِ ، فَأَنزَل اللهُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٢). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن ◌ِكْرمةَ والحسن البصرىِّ، قالا فى قوله: ﴿لَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ اُلِسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ إِلََّ أَنْ يَأَتِيَنَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: وذلك أن الرجلَ كان يَرِثُ امرأةً ذى قَرايتِه، فيَعضُلُها حتى تموتَ أو تَرِدَّ إليه صَداقَها، فأحكم اللهُ عن ذلك، يعنى أن اللهَ نها کم عن ذلك . حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سليمانَ القَّيمىِّ ، عن أبى مِجْلٍَ فى قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾ . قال: كانت الأنصارُ تفعلُ ذلك، كان الرجلُ إذا مات حَميمُه، وَرِث حَميمُه امرأتَه، فيكونُ أَولى بها من وَلِيِّ نفسِها (١) . (١) أخرجه البخارى (٤٥٧٩)، وأبو داود (٢٠٨٩)، والنسائى فى الكبرى (١١٠٩٤)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠٢/٣ (٥٠٢٩)، والبيهقى ١٣٨/٧ والواحدى فى أسباب النزول ص ١٠٧، ١٠٨ من طريق أسباط به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣١/٢ إلى ابن المنذر. (٢) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٠٩٥)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠٢/٣ (٥٠٣٠) من طريق محمد ابن فضيل به . (٣) تفسير سفيان ص٩٢ عن التيمى به بنحوه . ٥٢٣ سورة النساء : الآية ١٩ / حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجْ، عن ابنٍ جُرَيج، عن ٣٠٦/٤ عطاءٍ الخراسانيّ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾ الآية. قال: كان الرجلُ إذا مات أبوه أو حَميمُه، فهو أحقُّ بامرأتِه ، إن شاء أمْسَكها ، أو يَحبِسُها حتى تَفْتدىَ منه بصَداقِها ، أو تموتَ فيذهبَ بمالِها(١). قال ابنُ مجرَيج: فأخبرنى عطاءُ بنُ أبى رباح أن أهلَ الجاهليةِ كانوا إذا هلك الرجلُ فتَرَك امرأةً ، حَبَسها أهلُه على الصبىِّ يكونُ فيهم. فَزَلت: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾ الآية(٢). قال ابنُ جُرَيج، وقال مجاهدٌ: كان الرجلُ إذا تُوِّى أبوه كان أحقَّ بامرأتِه، يَنكِحُها إن شاء، إذا لم يكنِ ابنَها، أو يُنكِحُها مَنْ ١ شاء؛ أخاه أو ابنَ أخيه . قال ابنُ جُرَيج: وقال عِكْرمةُ: نَزَّلَت فى كُبَيشةَ بنتِ مَعْنٍ بنِ عاصمٍ من الأوسِ، توفّى عنها أبو قيسٍ بنُ الأسْلتِ، فَجَنَح عليها (4) ابنُه، فجاءت النبىَّ عَلَِّ فقالت: يا نبيَّ اللهِ ، لا أنا وَرِثتُ زوجى، ولا أنا تُرِكتُ فأَنْكَحَ. فنزَلَت هذه الآيةُ(٥). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح، (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣١/٢ إلى ابن المنذر. (٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠٢/٣، ٩٠٣ عقب الأثر (٥٠٣٢) معلقًا. وينظر تفسير ابن كثير ٢١٠/٢. (٣) فى م: ((إن)). (٤) جنح عليها : أى مال عليها ليحول بين الناس وبينها . (٥) ذكره ابن الأثير فى أسد الغابة ٢٥٧/٦، ٢٥٠/٧ عن حجاج، عن ابن جريج به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٢/٢ إلى ابن المنذر. ٥٢٤ سورة النساء : الآية ١٩ عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾. قال: كان إذا توفِّى الرجلُ، كان ابنُه الأكبرُ هو أحقَّ بامرأتِهِ، يَنكِحُها إذا شاء إذا لم يكنِ ابنَها، أو يُنكِحُها مَن شاء؛ أخاه أو ابنَ أخيه (١) . حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن عمرو بنِ دينارٍ مثلَ قولِ مجاهدٍ . حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، قال: سمِعتُ عمرو بنَ دينارٍ يقولُ مثلَ ذلك . حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىٌّ: أما قولُه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾ . فإن الرجلَ فى الجاهليةِ كان يموتُ أبوه أو أخوه أو ابنُه، فإذا مات وترَك امرأته، فإن سَبَق وارِثُ الميتِ فَألْقَى عليها ثوبَه ، فهو أحقُّ بها أن يَنكِحَها بمَهْرِ صاحبِه ، أو يُنكِحَها فِيَأْخُذَ مهرَها ، وإن سبَقَته فذهَبَت إلى أهلِها، فهم أحقُّ بنفسِها(١) . حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ الباهلىُّ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ اُلِّسَآءَ كَرَّهًا﴾: كانوا بالمدينةِ إذا ماتَ حَميمُ(١) الرجلِ وتَرَك امرأةٌ، ألقَى الرجلُ عليها ثَوبَه ، فوَرِث نِكاحَها ، وكان أحقَّ بها ، وكان ذلك عندهم نكاحًا ، فإن شاء أمسكها حتى تَفتدِىَ منه، وكان هذا فى الشِّرْكِ . (١) تفسیر مجاهد ص ٢٧٠. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠٢/٣ (٥٠٣١) من طريق السدى عن أبى مالك بنحوه . (٣) فى س: ((منهم)) . ٥٢٥ سورة النساء : الآية ١٩ حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾. قال: كانت الوراثةُ(١) فى أهل يثربَ بالمدينةِ هلهنا، فكان الرجلُ يموتُ فيَرِثُ ابنُه امرأةً أبيه ، كما يَرِثُ أَمَّه، لا يستطيعُ أن يُمنعَ . فإن أحَبَّ أَن يَتَخِذَها اتخَذَها، كما كان أبوه يَتخِذُها، وإن كَرِهِ فارَقَها، وإن كان صغيرًا حُبِسَت عليه حتى يَكْبَرَ، فإن شاء أصابَها ، وإن شاء فارَقها ، فذلك قولُ اللهِ تبارك وتعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ ثَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾(٣) . ٣٠٧/٤ / حدّثنا محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أیی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی أبی ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ اُلْنِسَآءَ كَرْهًا﴾: وذلك أن رجالًا من أهلِ المدينةِ كان إذا مات حَميمُ أحدِهم، ألقَى ٹوبه على امرأته، فورِث نِکاحها ، فلم ینکِخْها أحدٌ غيرُه، وحَبَسها عنده حتى تَفتدِىَ منه بفِديةٍ ، فأنزل اللَّهُ عزّ وجلّ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَاءَ كَرَهًا﴾(٢). حدَّثنى ابنُ وَكيع، قال : ثنى أبى، قال : ثنا سُفيانُ ، عن علىٍّ بنِ بَذِيمةً، عن مِقْسَم ، قال : كانت المرأةُ [٥١٥/٤ظ] فى الجاهليةِ إذا مات زوجها، فجاء رجلٌ فألقَى عليها ثوبَه، كان أحقَّ الناسِ بها. قال: فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاءَ كَرًَّا﴾(٤). فتأويلُ الآيةِ على هذا التأويل: يا أيُّها الذين آمنوا لا يَحِلّ لكم أن تَرِثُوا آباءَ كم (١) فى ص، ت١، ت٢: ((الوارثة)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠٣/٣ (٥٠٣٣) عن يونس به وفيه زيادة. (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٢/٢ إلى المصنف. (٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢/ ٢٠٩. ٥٢٦ سورة النساء : الآية ١٩ وأقارِبَكم نِكاحَ نسائهم كَرْهًا . فَتَرَك ذكْرَ الآباءِ والأقاربِ والنكاح، ووَّه الكلامَ إلى النهى عن وراثةِ النساءِ؛ اكتفاءً بمعرفةِ المُخَاطَبِين بمعنى الكلام ، إذ كان مفهومًا معناه عندهم . وقال آخرون: بل معنى ذلك : لا يَحِلُّ لكم أيُّها الناسُ أن تَرِثوا النساءَ تَرِ كاتِهن كَرْهًا . قالوا: وإنما قيل ذلك كذلك لأنهم كانوا يَعضُلُون أيَامَاهُنَّ وهُنَّ كارِهاتٌ للعَضْلِ، حتى يَمُثْنَ فِيَرِثوهن أموالَهن . ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾. قال: كان الرجلُ إذا مات وتَرَك جاريةٌ ، أَلقَى عليها حَميمُه ثوبَه، فمنَعَها من الناسِ ، فإن كانت جميلةٌ تَزَوَّجها، وإن كانت ذميمةً( حبسها حتى تموتَ فيَرِثَها(١) . حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزهرىِّ فى قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا ﴾ . قال : نزَلَت فى ناسٍ من الأنصارِ، كانوا إذا مات الرجلُ منهم ، فأمَلَكُ الناسِ بامرأتِهِ وَلِيُّه، فيُمسِكُها حتى تموتَ فيَرِثَها، فَزَلَت فيهم (١) . قال أبو جعفرٍ : وأولى القولَين بتأويل الآيةِ القولُ الذى ذكرناه عمَّن قال : معناه : (١) فى م: ((قبيحة))، وأثبتناه كباقى النسخ وابن أبى حاتم والدر المنثور ١٣١/٢، وعند ابن كثير: ((دميمة)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠٢/٣ (٥٠٢٨) من طريق عبد الله بن صالح به . (٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٥١. ٥٢٧ سورة النساء : الآية ١٩ لا يَحِلُّ لكم أن تَرِثوا النساءَ(١) أقاربَكم؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤه قد بَيَّن مَواريثَ أهلِ المواريثِ، فذلك لأهلِه، كرِه (٢) وراثتَهم إياه الموروثُ ذلك عنه من الرجالِ أو النساءِ، "أو رضِى). فقد عُلِم بذلك أنه جلّ ثناؤه لم يحظُرْ على عبادِه أن يَرِثوا (٤) النساءَ ما جعله لهم مِيراثًا عنهن، وأنه إنما حَظَر أن يُكْرَهن موروثاتٍ ، بمعنى حَظرٍ وراثةِ نِكاحِهن، إذ كان مَيِّتُهم الذى وَرِثوه قد كان مالِكًا عليهن أمرَهن فى النكاح مِلْكَ الرجلِ مَنْفعةً ما استأجَر من الدُّورِ والأرضين وسائرٍ ما لَه مَنافِعُ(٥). فأبانَ اللَّهُ جلّ ثناؤه لعبادِه أن الذى يَلِكُه الرجلُ منهم من بُضْعِ زَوْجِه ، معناه غيرُ معنى ما يَمِلِكُ أحدُهم من منافعِ سائرِ المملوكاتِ التى تجوزُ إجارتُها ، (بمعنى الإجارةِ ، فإن المالِكَ بُضْعَ زوجتِه إذا هو مات، لم يكنْ ما كان/ له مِلْكًا من زوجته ٣٠٨/٤ بالنكاحِ لورثتِه بعدَه، كما لهم من الأشياءِ التى كان يَمَلِكُها بشراءٍ أو هِبَةٍ أو إجارةٍ بعدَ موتِه بميراثِه ذلك عنه . وأما قولُه تعالى: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلفوا فى تأويلِه؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. أى: ولا تَحِسوا يا معشرَ وَرثةِ مَن مات من الرجالِ أزواجهم عن نكاح مَن أرَدْنَ نِكاحه من (١) بعده فى م، ت١: (( كرها)). (٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((نحوه)). وفى م: ((نحو)). وأثبتنا ما يتسق والسياق، يدل على صحته قوله بعد ذلك (( أو رضى )) . (٣ - ٣) سقط من: م. (٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((يوتوا)). (٥) فى ص: (( نافع )). ٥٢٨ سورة النساء : الآية ١٩ الرجالٍ ، كيْما يُثْنَ فَتَذْهَبوا ببعضِ ما آتَيتموهن، أى: فتأخُذوا من أموالِهن إذا مِتْنَ، ما كان موتاكم الذين ورثتموهم (٢) ساقوا إليهن مِن صَدُقاتِهن. وممن قال ذلك جماعةٌ قد ذكرنا بعضَهم ، منهم ابنُ عباسٍ، والحسنُ البصرىُّ، وعِكْرمةُ . وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تَعْضُلوا أيُّها الناسُ نساءً كم، فتَحبِسوهن ضِرارًا، ولا حاجةً بكم إليهن، فتُضِرُوا بِهِن، لِيَفْتَدِين منكم بما آتَّيتموهن من صَدُقاتِهن . ذکرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. يقولُ: لا تَقْهَروهنّ. ﴿ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾. يعنى: الرجلُ تكونُ له المرأةُ وهو كارٍةٌ لصُخْبتِها، ولها عليه مَهْرٌ، فَيُضِرُ بها لتَفْتدِىَ(٢) . حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةً فى قوله: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ . يقولُ : لا ينبغى(٢) لك أن تَحِسَ امرأتك ضِرارًا حتى تَفْتدِىَ منك(٤). قال: وأخبرنا مَعْمَرٌ، قال: وأخبرنى سِماكُ بنُ الفضلِ ، عن ابنِ البَيْلَمَانِىٌّ(١)، قال: نزَلَت هاتان الآيتان ، إحداهما فى أمر الجاهليةِ ، والأخرى فى (١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((ورثتموهن)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠٣/٣ (٥٠٣٧) من طريق عبد اللَّه بن صالح به . (٣) فى م، ت١: (( يحل )). (٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢/ ٢١٠. (٥) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((المفضل)). وينظر تهذيب الكمال ١٢٥/١٢، ١٢٦. (٦) فى ت١، س: ((السلمانى)). وينظر تهذيب الكمال ٨/١٧. ٥٢٩ سورة النساء : الآية ١٩ أمرِ الإسلامِ . حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن مَعْمَرٍ، قال: أخبرنا سِماكُ بنُ الفضلِ(١)، عن عبد الرحمنِ بنِ البَيْلَمانيّ(١) فى قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُهُنَّ﴾. قال: نزَلَت هاتان الآيتان، إحداهما فى الجاهليةِ، والأُخرى فى أمرٍ(٢) الإسلام. قال عبدُ اللَّهِ: ﴿لَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ﴾ فى الجاهليةِ، ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فى الإسلامِ" . حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا الحِمَّانيُّ ، قال : ثنا شرِيكَ، عن سالم، عن سعيد : ﴿ وَلَا تَعْضُلُهُنَّ﴾. قال: لا تَحْبِسوهنّ(٥). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشّدِّئِّ: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾: أما ﴿ِ تَعْضُلُهُنَّ﴾، فيقولُ: تُضارُّوهن لِيَفْتَدِين منكم(١). حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ [١٦/١ ٥و] الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. قال : العَضْلُ أن يُكْرِهَ الرجلُ امرأته فيُضِرَّ بها حتى تَفتدِىَ منه، قال اللَّهُ تبارك وتعالى: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَوَ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ [سورة النساء: ٢١]. (١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((المفضل)). (٢) فى ت١، س: ((السلمانى)). (٣) سقط من: م. (٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١٥٢/١ عن معمر به، دون قول عبد الله. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٢/١ إلى ابن المنذر. (٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠٣/٣ عقب الأثر (٥٠٣٤) معلقًا. (٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠٣/٣ عقب الأثر (٥٠٣٦) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به . (٧) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠٣/٣ عقب الأثر (٥٠٣٦) معلقًا . ( تفسير الطبرى ٣٤/٦ ) ٥٣٠ سورة النساء : الآية ١٩ / وقال آخرون: المَعَنِىُّ بالنهى عن عَضْلِ النساءِ فى هذه الآيةِ أولياؤُهنَّ. ٣٠٩/٤ ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ﴾: أن يَنْكِحْنَ أزواجهن، كالعَضْلِ فى سورةِ ((البقرةِ))(١). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ مثله . وقال آخرون: بل المنَّهِىُّ عن ذلك زوجُ المرأةِ بعدَ فراقِه إياها . وقالوا : ذلك كان مِن فعلِ الجاهليةِ ، فتُهُوا عنه فى الإسلامِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدّثنی یونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ : كان العَضْلُ فى قريشِ بمكةً؛ يَنكِحُ الرجلُ المرأةَ الشريفةَ، فلعلَّها لا(٢) تُوافِقُه، فيُضارِقُها على ألَّا تَتزوَّجَ إلا بإذنِه، فيأتى بالشهودِ، فيكتُبُ ذلك عليها ويُشْهِدُ ، فإذا خطَبها خاطِبٌ، فإن أعطَتْه وأرضَتْه أذِن لها ، وإلا عَضَلها. قال : فهذا قولُ اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿ وَلَا تَعْضُلُهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الآية(١). قال أبو جعفرٍ: قد بَيَّنَّا فيما مضى معنَى (( العَضْلِ))، وما أصلُه بشواهدِ ذلك من الأدلةِ(٤) . وأولى هذه الأقوالِ التى ذكرناها بالصحةِ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ (١) تفسير مجاهد ص ٢٣٧ بنحوه ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٢/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد. (٢) فى ص: ((ألا)). (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٢/٢ إلى المصنف. (٤) ينظر ما تقدم فى ١٩٣/٤، ١٩٤. ٥٣١ سورة النساء : الآية ١٩ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾. قولُ مَن قال: نهَى اللَّهُ جلّ ثناؤه زوجَ المرأةِ عن التَّضْيِيقِ عليها والإضرارِ بها وهو لصُخْبتِها كارِةٌ، ولِفِراقِها مُحِبٌّ ، لتَفْتدِىَ منه ببعضِ ما آتاها من الصَّداقِ . وإنما قلْنا: ذلك أولى بالصحةٍ ؛ لأنه لا سبيلَ لأحدٍ إلى عَضْلِ امرأةٍ إلّا لأحدٍ رجلَين ؛ إمّا لزوجِها بالتَّضْييقِ عليها ، وحَبْسِها على نفسِه وهو لها كارِةٌ ، مُضارَّةً منه لها بذلك؛ ليَأْخُذَ منها ما آتاها، بافتدائِها منه نفسَها بذلك، أو لوَلِيّها الذى إليه إِنكاحها ، وإذا كان لا سبيلَ إلى عَضْلِها لأحدٍ غيرِهما ، وكان الولىُّ معلومًا أنه ليس ثمّن آتاها شيئًا فيقالَ إن عَضَلَها عن النكاح: عَضَلها ليَذهَبَ ببعضٍ ما آتاها. كان معلومًا أن الذى عنَى اللَّهُ تبارك وتعالى بنهيِهِ عن عَضْلِها هو زوجها الذى له السبيلُ إلى عَضْلِها ضِرارًا لتَفتدِىَ منه . وإذا صَحَّ ذلك، وكان معلومًا أن اللَّهَ تعالى ذكرُه لم يجعَلْ لأحدٍ السبيلَ على زوجته بعدَ فِراقِه إياها وبَيْنونَتِها منه، فيكونَ له إلى عَضْلِها سبيلٌ لتَفْتدِىَ منه مِن عَضْلِه إياها ، أَتَتْ بفاحشةٍ أم لم تأتِ بها، وكان اللَّهُ جلّ ثناؤه قد أباعَ للأزواج عَضْلَهن إذا أَتَيْنَ بفاحشةٍ مُبَيِّنةٍ حتى يَفْتدِين منه - كان بَيِّنًا بذلك خطأُ التأويل الذى تأؤَّله ابنُ زيدٍ ، وتأويلٍ مَن قال: عُنِى بالنهي عن العَضْلِ فى هذه الآيةِ أولياءُ الأَّيَامَى . وصحةُ ما قلْنا فيه . لَا تَعْضُلُهُنَّ﴾. فى موضع نَصْبٍ عطفًا على قولِه: ﴿ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾. ومعناه: لا يَحِلُّ لكم أن تَرِثُوا النساءَ كَرْهًا ولا أنْ تَعْضُلوهن. وكذلك هى فيما ذُكِر فى حرفٍ ابنِ مسعودٍ (١). (١) ينظر معانى القرآن للفراء ٢٥٩/١. ٥٣٢ سورة النساء : الآية ١٩ ولو قيل: هو فى موضعٍ جزمٍ على وَجْهِ النهي . لم يكنْ خطأً . / القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿إِلََّ أَنْ يَأْتِيَنَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ . ٣١٠/٤ يعنى بذلك جلّ ثناؤه : لا يَحِلُّ لكم أيُّها المؤمنون أَن تَعْضُلوا نساءً كم ، ضِرارًا منكم لهن، وأنتم لصُخْبتِهن كارِهون، وهُنَّ لكم طائعاتٌ، لتذهَبوا ببعضٍ ما آتَيْتُمُوهن مِن صَدُقاتِهِنَّ، إلا أن يَأْتِين بفاحشةٍ مُبَيِّةٍ ، فيَحِلَّ لكم حينئذِ الضِّرارُ بهنَّ؛ لِيَفْتَدِین منكم . ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ((الفاحشةِ)) التى ذكرها اللَّهُ جلّ ثناؤه فى هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناها: الزِّنَى. وقال: إذا زَنَت امرأةُ الرجلِ، حَلَّ له عَضْلُها والضِّرارُ بها لتَفتدِىَ منه بما آتاها مِن صَداقِها . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ ، قال : أخبرنا أشعتُ ، عن الحسنٍ فى البِكْرِ تَفْجُرُ، قال: تُضرَبُ مائةً، وتُنْفَى سنةً ، وتَرُدُّ إلى زوجِها ما أخَذَت منه. وتأوَّلَ هذه الآيةَ: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَّمْ﴾(١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا مَعْمَرٌ، عن عطاءٍ الْخُراسانىّ ، فى الرجل إذا أصابَت امرأتُه فاحِشةٌ ، أَخَذ ما ساقَ إليها وأخرَجها ، فَنَسَخ ذلك الحدودُ(٢). (١) أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه ٢٦٤/٤ عن ابن إدريس به بنحوه. (٢) تفسير عبد الرزاق ١٥٢/١، وفى مصنفه (١١٠٢٠)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٢/٢ إلى ابن المنذر . ٥٣٣ سورة النساء : الآية ١٩ حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنِيع، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن أيوب ، عن أبى قِلابةَ ، قال : إذا رأى الرجلُ مِن امرأتِه فاحِشةً ، فلا بأسَ أن يُضارّها ، ويَشُقَّ عليها حتى تَختلِعَ منه (١). حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال : أخبرنا ابنُ المباركِ ، قال : أخبرنى مَعْمَرٌ، عن أيوبَ ، عن أبى قِلابةَ فى الرجلِ يَطَّلِعُ مِن امرأتِه على فاحِشةٍ. فَذَكَر نحوَه . حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُدِّىِّ: ﴿إِلَّ أَن يَأْتِيَنَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾: [٥١٦/١ظ] وهو الزِّنَى، فإِذا فَعَلْن ذلك فَخُذُوا مُهورَهنّ(١) . حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ جُرَيج، قال : أخبرنى عبدُ الكريم أنه سَمِع الحسن البصرىَّ: ﴿إِلََّ أَنْ يَأْتِيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾. قال : الزِّنَى. قال: وسمِعتُ الحسنَ وأبا الشَّعْثاءِ يَقولان: فإن فَعَلَت، حَلَّ لزوجِها أن يكونَ هو يسألُها الخُلْعَ لِتَفْتدِىَ (٣). وقال آخرون : الفاحشةُ المُيّةُ فى هذا الموضع التُّشُوزُ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٢/٢ إلى ابن المنذر بنحوه، وذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٢٠٣/٣ عن أبى قلابة. وينظر ابن أبى شيبة ١٠٧/٥ . (٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٩٥/٥. (٣) فى ص: ((يعتدى مسلها))، وفى ت١: ((لفتدى مسلها))، وفى ت٢: (( لتفتدى نسكها))، وفى س: ((فيفتدى منها)). وليس فى مصدر التخريج. ورأى الشيخ شاكر أن صواب قراءتها: ((لتفتدى نفسها)). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٢/٢ إلى المصنف . ٥٣٤ سورة النساء : الآية ١٩ عليّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلََّ أَنْ يَأْتِيْنَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ : وهو البُغْضُ والتُّشُوزُ، فإذا فَعَلَت ذلك، فقد حَلَّ له منها الفِدْيةُ(١). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا حَكّامٌ، قال: ثنا عَنْبسةُ، عن علىِّ بنِ بَذِيمةً، عن مِقْسَمٍ فى قوله: (وَلا / تَعْضُلُوهُنّ لِتذهبوا ببعضِ ما آتَيْتُموهُنَّ إلا أنْ يُفْحِشْنَ) فى قراءةِ ابنِ مسعودٍ ، قال: إذا عصتك) وآذتْك، فقد حلَّ لك أخذُ ما أخَذتْ منك(٢). ٣١١/٤ حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن مُطَّفِ بنِ طَرِیفٍ ، عن خالدٍ ، عن الضَّاكِ بنِ مُزَاحِمِ: ﴿إِلََّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: الفاحشةُ هلهنا النشوزُ، فإذا نشَزت حلَّ له أن يَأْخُذَ خُلْعَها منها (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾. قال: هو النشوزُ(). حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنٍ مُرَيْجٍ ، قال : قال عطاءُ بنُ أَبِى رَبَاحِ: ﴿إِلََّ أَن يَأْتِيَنَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾: فإن فَعَلْنَ؛ إن شِئُم أَمْسَكَتُموهنَّ، وإن شِئْتُمْ أَرْسَلتُموهنَّ. حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضَّّاكَ بنَ مُزاحِم يقولُ فى قوله: ﴿إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾. قال: عدَل ربنا تبارك وتعالى فى القضاءِ، فرجع إلى النساءِ، (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٢/٢ إلى المصنف . (٢) فى م: ((عضلت)) .. (٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٠٨/٥ من طريق على بن بذيمة مختصرا . (٤) تفسير عبد الرزاق ١٥٢/١، وفى مصنفه (١١٠٢٠). ٥٣٥ سورة النساء : الآية ١٩ فقال: ﴿إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: والفاحشةُ العصيانُ والتَّشُوزُ ، فإذا كان ذلك مِن قِبَلِها، فإن اللَّهَ أَمَره أن يَضْرِبَها، وأمَره بالهجرِ، فإن لم تَدَع العصيانَ والنشوزَ، فلا جُناحَ عليه بعدَ ذلك أن يَأْخُذَ منها الفديةَ(١). قال أبو جعفرٍ: وَأَوْلَى ما قيل فى تأويل قوله: ﴿إِلََّ أَنْ يَأْتِيَنَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. أنه مَعْنِىٌّ به كلَّ فاحشةٍ مِن بذاءةٍ باللسانِ على زوجِها ، وأذِّى له ، وزِنِّى بفرجِها ، وذلك أن اللَّهَ جل ثناؤه عمَّ بقولِه: ﴿إِلََّ أَنْ يَأْتِيْنَ بِفَاحِشَةٍ مُّبِنَةٍ﴾ . كلَّ فاحشةٍ مُبَيّةٍ ظاهرةٍ ، فكلّ زوج امرأةٍ أتت بفاحشةٍ مِن الفواحشِ التى هى زِنّى أو نشوزٌ، فله عَضْلُها على ما بينَّ اللَّهُ فى كتابِهِ ، والتضييقُ عليها حتى تَفْتَدِىَ منه - بأىِّ معانى فواحشَ أَتَت ، بعد أن تكونَ ظاهرةٌ مُبَيَِّةٌ - بظاهرِ كتابِ اللَّهِ تبارك وتعالى، وصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ عَلَغِ . كالذى حدَّثنى يوسفُ(٢) بنُ سلمانَ(٣) البصرىُّ، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، أن رسولَ اللَّهِ عَ لِ، قال: ((اتَّقوا اللَّهَ فى النساءِ، فإنكم أخَذْتُمُوهنَّ بأمانةِ اللَّهِ، واسْتحلَلْتُمْ فُروجَهنَّ بكلمةِ اللَّهِ، وإنّ لكم عليهنَّ ألّا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تَكْرَهُونه، فإِن فَعَلْنَ ذلك، فاضْرِبُوهنَّ ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، ولهنَّ عليكم رِزْقُهنَّ وكِسْوَتُهنَّ بالمعروفِ))(٤). حدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْرُوقِىُّ ، قال : ثنى زيدُ بنُ الحُبَابِ ، قال : ثنا (١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٠٨/٥ من طريق خالد السجستانى، عن الضحاك مختصرًا. (٢) فى م: (( يونس)). (٣) فى النسخ: ((سليمان)). وينظر تهذيب الكمال ٤٣٢/٣٢. (٤) أخرجه ابن أبى شيبة القسم الأول من الجزء الرابع ص ٣٧٧ - ٣٨١، وعبد بن حميد (١١٣٥)، ومسلم ٢/(١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤) وابن خزيمة (٢٦٨٧، ٢٨٠٢، ٢٨٠٩، ٢٨١٢، ٢٨٢٦، ٢٨٥٥، ٢٩٤٤)، والطحاوى ١٩٠/٢، وفى المشكل (٢٤٣٤، ٤٣٠٠) وابن حبان (٣٩٤٤)، والبيهقى ٤٣٣/٥ - ٤٣٨ من طريق حاتم بن إسماعيل به . ٥٣٦ سورة النساء : الآية ١٩ موسى بنُ عُبيدَةَ الرَّبَذِىُّ، قال: ثنى صدقةُ بنُ يَسَارٍ، عن ابنِ عمرَ، أن رسولَ اللَّهِ عَ لِ قال: ((أيُّها الناسُ، إن النساءَ عندَكم عَوَانٍ(١)، أخَذْتُمُوهنَّ بأمانةِ اللَّهِ، واسْتَخْلَلْتُم فُرُوجَهنَّ بكلمةِ اللَّهِ ، ولكم عليهِنَّ حقٌّ ، ولهنَّ عليكم حقٌّ ، ومِن حقٌّكم عليهنَّ أَلَّا يُوِئْنَ فُرُشَكم أحدًا، ولا يَعْصِينَكم فى معروفٍ، فإذا فعَلْنَ ذلك ، فلهنَّ رزقُهنَّ وِسوتُهنَّ بالمعروفِ ))(٢). / فأخبرَ مَ ◌ِّ أن مِن حقِّ الزوج على المرأةِ أَلَا تُوطِئَ فراشَه أحدًا، وألّ تعصيه فى معروفٍ ، وأن الذى يَجِبُ لها مِن الرزقِ والكسوةِ عليه، إنما هو واجبٌ عليه إذا أدَّتْ هى إليه ما يَجِبُ عليها مِن الحقِّ ، بتر کها إيطاءً فراشِه غيره، وتر کها معصيته فى معروفٍ، ومعلومٌ أن معنى قولِ النبيّ ◌َّهِ: (( مِن حقٌّكم عليهنَّ أَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا)). إنما هو: ألّا يُمَكِّنَّ أَنفسَهنَّ مِن أحدٍ سواكم. وإذا كان ما روَيْنا فى ذلك صحيحًا عن رسولِ اللَّهِ مَّهِ، فبيّنٌ أن لزوج المرأةِ إذا أوطأت امرأتُه نفسَها غيرَه، وأُمْكَنت مِن جماعِها سواه ، أن له مِن منعِها الكسوةَ والرزقَ بالمعروفِ ، مثلَ الذى له مِن منعِها ذلك إذا هى عصَتْه فى المعروفِ ، وإذا كان ذلك له ، فمعلومٌ أنه غيرُ مانعٍ لها - بمنعِه إِيَّاها ما له منعُها - حقًّا لها واجبًا عليه، وإذا كان ذلك كذلك فبيِّنٌّ أنها إذا اقْتَدت نفسَها عند ذلك مِن زوجِها، فأخَذ منها زوجها ما أعطَتْه ، أنه لم يَأْخُذْ ذلك عن عضْلٍ مَنْهِيٍّ عنه، بل هو أخَذ ما أخَذ منها عن عَضْلٍ له مُباحٍ، وإذ كان ذلك كذلك، كان [١٧/١ ٥و] بيِّنًا أنه داخلٌ فى استثناءِ اللَّهِ تبارك وتعالى الذى استثناه مِن العاضلِينَ بقولِه: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَنْ يَأَتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾. وإذ صحَّ ذلك، فبيِّنٌّ فسادُ قولِ مَن قال: قولُه: ﴿إِلََّ (١) عوان: جمع عانية، وهى الأسيرة. أى: أسراء، أو كالأسراء. ينظر النهاية ٣/ ٣١٤. (٢) أخرجه عبد بن حميد (٨٥٦) من طريق زيد بن الحباب به مطولا. ٣١٢/٤ ٥٣٧ سورة النساء : الآية ١٩ أَنْ يَأْتِيَنَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَفٍْ﴾. منسوخٌ بالحدودِ؛ لأن الحَدَّ حقُّ اللَّهِ جلّ ثناؤه على مَن أتَى الفاحشةَ التى هى زنّى، وأمَّ العَضْلُ لِتَفْتَدِىَ المرأةُ مِن الزوج بما آتاها أو ببعضِه، فحقٌّ لزوجِها ، كما عَضْلُهُ إِيَّاها وتضييقُه عليها إذا هى نشَزت عليه لِتَقْتَدِىَ منه ، حقٌّ له، وليس حكم أحدِهما يُطِلُ حكمَ الآخرِ . فمعنى الآيةِ: ولا يَحِلُّ لكم أيُّها الذين آمنوا أن تَعْضُلُوا نساءَكم، فتُضَيِّقوا عليهنَّ، وَتَمْنَعُوهنَّ رزقَهنَّ وكسوتَهنَّ بالمعروفِ؛ لِتَذْهَبوا ببعضِ ما آتَيْتُموهنَّ مِن صَدُقاتِكم، ﴿إِلََّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ﴾ مِن زنی أو بذاءٍ علیکم ، وخلافٍ لكم فيما يَجِبُ عليهنَّ لكم . ﴿ مُّبَيِّنَةٍ﴾: ظاهرةٍ. فيَحِلّ لكم حينئذٍ عَضْلُهنَّ والتضييقُ عليهنَّ؛ لِتَذْهَبوا ببعضِ ما آتَيْتُموهنَّ مِن صَداقٍ، إن هنَّ اقْتَدَيْنَ منکم به . واخْتَلفت القَرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿مُبَيِّنَفْ﴾؛ فقرأ ذلك بعضُهم: (مُبَيَِّةٍ) بفتحِ الياءِ (١) ، بمعنى أنها قد بُيِّنت لكم، وأُعْلِنت وأُظْهِرت. وقرأه بعضُهم: ﴿ُّبَيِّنَةٍ﴾ بكسرِ الياءِ (١)، بمعنى أنها ظاهرةٌ بَيْنَةٌ للناسِ أنها فاحشةٌ . وهما قراءتان مستفيضتان فى قَرَأَةِ أمصارِ الإسلام ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ فى قراءتِه الصوابَ ؛ لأن الفاحشةَ إذا أُظْهَرها صاحبُها فهى ظاهرةٌ بَيِّنةٌ ، وإذا ظهَرت فيإظهارِ صاحبِها إِيَّاها ظهَرت ، فلا تكونُ ظاهرةٌ بَيْنَةً إلا وهى مُبَيَنَةٌ ، ولا مُبَيِّنَةً إلا وهى مُبَيِّنَةٌ ، فلذلك رأيتُ القراءةَ بأيّهما قرَأ القارئُ صوابًا . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ . (١) وهى قراءة ابن كثير وعاصم فى رواية أبى بكر، وحجة القراءات ص ١٩٦. (٢) وهى قراءة نافع وعاصم فى رواية حفص وأبى عمرو وابن عامر وحمزة والكسائى . المصدر السابق. ٥٣٨ سورة النساء : الآية ١٩ يعنى جلّ ثناؤهُ بقوله: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: وخالِقُوا (١) أيُّها الرجالُ نساءَكم، وصاحِبوهنَّ بالمعروفِ. يعنى: بما أمَرتُكم به مِن المصاحبةِ، وذلك إمساکُهنَّ بأداءِ حقوقِهنَّ التى فرض اللهُ جل ثناؤه لهنَّ علیکم إلیھنَّ، أو تسريح منکم لهنَّ بإحسانٍ . كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السُّدِّىِّ: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ / بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: وخالِطوهنَّ. كذا قال محمدُ ابنُ الحسينِ، وإنما هو: خالِقوهنَّ. مِن العِشْرَةِ وهى المُصَاحَبَةُ. ٣١٣/٤ القولُ فى تأويل قوله: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ ١٩ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا يعنى بذلك تعالى ذكرُه: لا تَعْضُلوا نساءَكم لتَذْهَبوا ببعضٍ ما آتَيْتُموهنَّ مِن غيرِ رِيبةٍ ولا نُشوزٍ كان منهنَّ، ولكن عاشِرُوهنَّ بالمعروفِ وإن كرِهْتُموهنَّ، فلعلَّكم أن تَكْرَهُوهنَّ فتُمْسِكُوهنَّ، فيجعَلَ اللَّهُ لكم فى إمساكِكم إِيَّاهِنَّ على كُرهٍ منكم لهنَّ، خيرًا كثيرًا، مِن ولدٍ يَرْزُقُكم منهنَّ، أو عطفِكم عليهنَّ بعدَ كراهتِكم إِيَّاهنَّ. کما حدَّثنی محمدُ بنُ عَمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عیسی ، عن ابن أبى تَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾. يقولُ: فعسى اللَّهُ أن يَجْعَلَ فى الكراهةِ خيرًا كثيرًا(١). حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابن أبى نَجيح، عن مجاهدٍ مثلَه . (١) فى س: ((خالطوا)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠٥/٣ (٥٠٤٦) من طريق ابن أبى نجيح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٣/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. ٥٣٩ سورة النساء : الآيتان ١٩، ٢٠ حدَّثنى محمدُ بنُ الحُسينِ، قال: ثنى أحمدُ بنُ مُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ فى قوله: ﴿ وَيَجْعَلَ اَللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. قال: الولدُ(١). حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی امی ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرً كَثِيرً﴾: والخيرُ الكثيرُ أَن يَعْطِفَ عليها ، فيُرْزَقَ الرجلُ ولدَها، ويجعَلَ اللَّهُ فى وَلِدِها خيرًا كثيرًا(١). والهاءُ فى قولِه: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾. على قولِ مجاهدٍ الذى ذكَرناه، كنايةٌ عن مصدرٍ ﴿تَكْرَهُواْ﴾. كأن معنى الكلامِ عندَه : فإن كرِهْتُموهنَّ، فعسى أن تَكْرَهوا شيئًا، ويجعَلَ اللَّهُ " فى كرهِهِ " خيرًا كثيرًا. ولو كان تأويلُ الكلام: فعسى أن تَكْرَهوا شيئًا ويجعَلَ اللَّهُ فى ذلك الشىءِ الذى تَكْرَهونه خیرًا کثیرًا. كان جائزًا صحيحًا . القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَإِنْ أَرَدَثُمُ اُسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًاً : يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ وَإِنْ أَرَدَثُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجِ﴾: وإن أَرَدْتُم أيُّها المؤمنون نكاح امرأةٍ مكانَ امرأةٍ لكم تُطَلِّقونها، ﴿ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ﴾ . يقولُ: وقد أعْطَيتُم التى تُرِيدُون طلاقَها مِن المهرِ ﴿قِنَطَارًا﴾. والقنطارُ المالُ الكثيرُ. وقد ذكَرْنا فيما مضى اختلافَ أَهلِ التأويلِ فى مَبْلَغِه ، والصوابَ مِن القولِ فى ذلك عندَنا(4) . (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠٥/٣ (٥٠٤٩) من طريق أحمد بن مفضل به . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠٥/٣ (٥٠٤٥، ٥٠٤٨) عن محمد بن سعد به . (٣ - ٣) فى ص، م، س: ((فيه))، وفى ت ١، ت٢، ت٣: ((فى ذلك الشىء الذى تكرهونه)) انتقال نظر من العبارة الآتية . والمثبت هو الصواب على ما يقتضيه أثر مجاهد المتقدم . (٤) تقدم فى ٢٥٤/٥ - ٢٦٠. ٥٤٠ سورة النساء : الآيتان ٢٠، ٢١ فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾. يقولُ: فلا تَضُرُّوا بهنَّ إذا أرَدْتُم طلاقَهُنَّ؛ ليَفْتَدِينَ منكم بما آتيتُموهنَّ. كما حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ، عن مجاهدٍ فى قوله: / ﴿ وَإِنْ أَرَدَثُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجَ مَّكَانَ زَوْجِ﴾: طلاقَ امرأةٍ مكانَ أخرى، فلا يَحِلُّ له مِن مالِ المطلَّقةِ شىءٌ وإن كثُر(١). ٣١٤/٤ حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبِى تَجيجٍ، عن مجاهدٍ مثله . القولُ فى تأويل قوله: ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُبِينًا ٢٠ يعنى بقولِه [٥١٧/١ظ] تعالى ذكره: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾: أتأخذون ما آتيتُموهنَّ مِن مُهورِهنَّ، ﴿بُهْتَنًا﴾. يقولُ: ظلمًا بغيرٍ حقٍّ، ﴿ وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾. يعنى: وإثمًا قد أبان أمرُ آخذِه أنه بأخذِه إيَّه لمن أخَذه منه ظالمٌ . القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ . يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾: وعلى أىِّ وجهٍ تأخُذون مِن نسائكم ما آتيْتُموهنَّ مِن صَدُقاتِهِنَّ إذا أردتُم طلاقَهنَّ، واستبدالَ غيرِهنَّ بهنَّ أزواجًا ، ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، فتباشَرْتُم وتلامَشْتُم . وهذا كلامٌ وإن كان مَخْرَجُه مخرجَ الاستفهامِ، فإنه فى معنى النكيرِ والتغليظِ، كما يقولُ الرجلُ لآخرَ: كيف تفعلُ كذا وكذا وأنا غيرُ راضٍ به؟ على معنى التهدُّدِ(٢) والوعيدِ . (١) تفسير مجاهد ص ٢٧١ . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٣/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٢) فى م: ((التهديد)) .