Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١
سورة آل عمران : الآية ١٨١
قتادةَ، قال: لما أنزل اللهُ: ﴿ مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قالت اليهودُ :
إنما يستقرِضُ الفقيرُ من الغنيِّ. فَأَنْزِل اللَّهُ: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ
فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءَ﴾ (١).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : سمِعت ابنَ زيدٍ يقولُ فى قولِه :
◌َّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾. قال: هؤلاء يهودُ .
فتأويلُ الآيةِ إذنْ : لقد سمِعِ اللَّهُ قولَ الذين قالوا من اليهودِ: إن اللَّهَ فقيرٌ إلينا
ونحن أغنياءُ عنه . سنكتُبُ ما قالوا من الإفكِ والفِرْيةِ على ربِّهم، وقتلَهم أنبياءَهم
بغيرِ حقٌّ .
/واختلفتِ القرأَةُ فى قراءةٍ قوله: ﴿ سَتَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنِْيَآءَ بِغَيْرِ ١٩٦/٤
حَقٍّ ﴾؛ فقرأ ذلك قرأةُ الحجازِ وعامةُ قرأةِ العراقِ: ﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ ﴾ بالنون
﴿ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَآءَ﴾ . بنصبِ القتلِ(٣) .
وقرأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفيين : (سَيُكْتَبُ ما قالُوا وَقَتْلُهُمُ الأنْبياءَ). بالياءِ من
(سَيُكْتَبُ)، وبضمِّها، ورفع ((القتل))(٢)، على مذهبٍ ما لم يُسمَّ فاعلُه، اعتبارًا
بقراءةٍ يُذكَرُ أنها من قراءةِ عبدِ اللَّهِ فى قولِه: ﴿ وَنَقُولُ ذُوقُواْ﴾. يُذكَرُ أنها فى قراءةِ
عبدِ اللَّهِ: (ويُقالُ)(٤).
فَأَغْفَل قارئُ ذلك وجهَ الصوابِ فيما قصَد إليه من تأويلِ القراءةِ التى تُنْسَبُ
إلى عبدِ اللهِ ، وخالف الحجةَ من قرأَةِ الإِسلام، وذلك أن الذى ينبغى لمن قرأ :
(١) تفسير عبد الرزاق ١٤١/١.
(٢) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبى عمرو والكسائى. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٢١ .
(٣) وهى قراءة حمزة وحده . المصدر السابق .
(٤) ينظر المصاحف لابن أبى داود ص ٦٠ .
٢٨٢
سورة آل عمران : الآية ١٨١
( سيُكْتَبُ ما قالوا وَقَتْلُهُمُ الأَنْبِياءَ). على وجهِ ما لم يُسمَّ فاعلُه، أن يقرأَ:
(ويُقالُ)؛ لأن قولَه: ﴿وَنَقُولُ(١)﴾. عطفٌ على قوله: ﴿سَتَكْتُبُ(٣)﴾
فالصوابُ من القراءةِ أن يُوفَّقَ بينهما فى المعنى ، بأن " يُقرَأَ جميعُهما" على مذهبٍ
ما ("قد سُمَّىَ" فاعلُه، أو على مذهبٍ ما لم يسمّْ) فاعلُه، فأما أن يُقرَأَ أحدُهما
على مذهبٍ ما لم يُسمَّ فاعلُه، والآخرُ على وجهِ ما قد سُمِّى فاعلُه من غيرِ معنًى ألجأه
إلى١) ذلك، فاختيارٌ خارجٌ عن الفصيحِ من كلامِ العربِ.
والصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندَنا: ﴿ سَنَكْتُبُ﴾. بالنونِ :
وَقَتْلَهُمُ﴾. بالنصبِ؛ لقولِه: ﴿ وَنَقُولُ﴾. ولو كانت القراءةُ فى :
سَنَكْتُبُ﴾. بالياءِ وضمِّها، لقيل: (ويقالُ) على ما قد بيَّنا .
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍ﴾. وقد ذكَرتَ
فى الآثارِ التى رَوَيتَ أن الذين عُنُوا بقولِه: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ اُلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ
فَقِيرٌ﴾. بعضُ اليهودِ الذين كانوا على عهدٍ نبيّنا محمدٍ عَ لَّه، [٨٤/١١و] ولم يكنْ
من أولئك أحدٌ قتَل نبيًّا من الأنبياءِ؛ لأنهم لم يُدرِ كوا نبيًّا من أنبياءِ اللَّهِ فيقتُلوه؟
قيل : إن معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذى ذهبتَ إليه ، وإنما قيل ذلك كذلك؛
لأن الذين عنى اللَّهُ جل وعز بهذه الآيةِ كانوا راضين بما فعَل أوائِلُهم من قَتْلِ من قتَلوا
من الأنبياءِ، وكانوا منهم، وعلى منهاجهم، من استحلال ذلك واستجازَتِه ،
(١) فى الأصل (( يقول)).
(٢) فى الأصل، ص، ت١، ت٢، ت٣: (( سيكتب)).
(٣ - ٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((يقرأ جميعا)).
(٤ - ٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((لم يسم)).
(٥ - ٥) فى م، ت٢، ت٣: (( يسمى)).
(٦) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((على)).
٢٨٣
سورة آل عمران: الآية ١٨٢،١٨١
فأضاف جلَّ وعزَّ فِعْلَ ما فعله مَن كانوا على منهاجِه وطريقتِه إلى جميعِهم ، إذ كانوا
أهلَ ملةٍ واحدةٍ ، ونِحْلةٍ واحدةٍ ، وبالرّضا من جميعِهِم فَعَلَ ما فَعَلَ فاعِلُ ذلك
منهم، على ما قد بيَّا من نظائرِه فيما مضَى قبلُ(١).
ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ اُلْحَرِيقِ
١٨٢
أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ونقولُ للقائلين: إِنَّ اللَّهَ فقيرٌ ونحن أغنياءُ. القاتلين
أنبياءَ اللَّهِ بغيرِ حقٌّ - يومَ القيامةِ: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ اٌلْحَرِيقِ﴾. يعنى بذلك:
عذابَ نارٍ محرقةٍ ملتهبةٍ . والنارُ اسمُ جامعٌ للملتهبةِ منها وغيرِ الملتهبةِ ، وإنما الحريقُ
صفةٌ لها، يرادُ بها أنها مُحرِقَةٌ، كما قيل: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. بمعنى: مُؤلمٌ.
و: وجيعٌ. بمعنى : مُوجِعٌ .
وأما قولُه: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾. يعنى أن قولَنا لهم يومَ القيامةِ:
ذُوقُواْ عَذَابَ اُلْحَرِيقِ ﴾ . بما أَسْلَفت أیدیکم، وا کتسبتها فى أيامٍ حیاتکم فى
الدنيا (٢) ، وبأن اللَّهَ جل ثناؤه عَدْلٌ لا يجورُ فيُعاقِبَ عبدًا له بغيرِ استحقاقٍ منه
العقوبةَ ، ولكنه يجازِى كلَّ نفسٍ بما كسَبت، ويُوفِّى كلَّ عاملٍ جزاءَ ما عمِل،
فجازى الذين قال لهم/ يومَ القيامةِ، من اليهودِ الذين وصَف صفتَهم ، فأخْبَر عنهم ١٩٧/٤
أنهم قالوا : إن اللَّهَ فقيرٌ ونحن أغنياءُ. وقتلوا بغيرِ حقِّ الأنبياءَ صلواتُ اللهِ عليهم -
بما جازاهم به من عذابِ الحريقِ، بما اكتسبوا من الآثامِ ، واجترحوا من السيئاتِ ،
وكذَبوا على اللَّهِ ، بعدَ الإعذارِ إليهم والإنذارِ. فلم يكنْ عزَّذِكْرُه بما عاقبهم به من
إذاقتِهم عذابَ الحريقِ ، ظالمًا ، ولا واضعًا عقوبته فى غيرِ أهلِها، وكذلك هو جلّ
ثناؤُه غيرُ ظلَّامِ أحدًا من خلقِه، ولكنه العادلُ بينَهم ، والمتفضِّلُ على جميعِهم، بما
(١) ينظر ما تقدم فى ٦٤٢/١، ٦٤٣، ٥٦/٢، ٥٧.
(٢) بعده فى ص، ت١: ((والآخرة)).
٢٨٤
سورة آل عمران : الآيتان ١٨٢، ١٨٣
أحبَّ من فواضلِهِ ونعَمِه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا تُؤْمِنَ لِرَسُولٍ
حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ [٨٤/١١] قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِالْبَيِّنَتِ
وَبِأَلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
١٨٣
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: لقد سمِعِ اللَّهُ قولَ الذين قالوا: إن اللَّهَ فقيرٌ. الذين
قالوا: إن الله١َ) عهِد إلينا ألا نؤمنَ لرسولٍ.
وقولُه: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ﴾. فى موضع خفضٍ ردًّا على قولِه:
اُلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ .
ويعنى بقوله: ﴿قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا تُؤْمِنَ لِرَسُولٍ ﴾ : أوصانا
وتقدَّم إلينا فى كتبِه، وعلى ألسنٍ أنبيائِه ﴿ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾. يقولُ: ألا
نصدِّقَ رسولاً فيما يقولُ أنه جاء به من عندِ اللَّهِ، من أمرٍ ونَهْی وغيرِ ذلك، ﴿ حَتَّی
يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾. يقولُ: حتى يجيئَنا بقربانٍ . وهو ما تقرّب به العبدُ
إلى ربِّه من صدقةٍ ، وهو مصدرٌ مثلُ العُدْوانِ والخُشْرانِ ، من قولِك: قرَّبتُ قُرْبانًا .
وإنما قال: ﴿تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾؛ لأن أكلَ النارِ ما قرّبه أحدُهم للَّهِ فى ذلك الزمانِ
كان دليلاً على قبولِ اللَّهِ منه ما قرّب له، ودَلالةً على صِدقِ المقرِّبِ فيما ادَّعى أنه
مُحِقٌّ فيما نازع أو قال .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ﴾: كان
الرجلُ يتصدَّقُ ، فإذا تُقُبِّل منه أَنْزِلت عليه نارٌ من السماءِ فأكلَتْهُ(١).
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣ ، س .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٣١/٣ (٤٥٩٨) عن محمد بن سعد به .
٢٨٥
سورة آل عمران : الآية ١٨٣
حُدِّثت عن الحسين ، قال : سمِعت أبا معاذٍ يقولُ : أخبرنا عُبيدٌ ، قال: سمِعت
الضَّّاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾: كان الرجلُ إذا تصدَّق
بصدقةٍ فتُقُبِّلت منه، بعَث اللَّهُ نارًا، فنزَلت على القربانِ فأكلَتْهُ(١).
فقال اللَّهُ تعالى لنبيِّه محمدٍ عَّهِ: " قُلْ للقائلين هذا القولَ، يا محمدُ: قد
جاء كم يا معشرَ مَن يزعمُ أنّ اللهَ عهِد إليه٢١ ألا يؤمنَ لرسولٍ حتى يأتيَه بقربانٍ تأكلُه
النارُ - رسلٌ من اللهِ من قَبلى، ﴿يِالْبَيِّنَتِ﴾. يعنى: بالحجج الدالةِ على صدقٍ
نبؤَّتِهم ، وحقيقةٍ قولِهم ، ﴿ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ﴾. يعنى: وبالذى الدَّعيتم أنه إذا جاء به
لزِمكم تصديقُه والإقرارُ بنبوَّتِه، مِن أكل النارِ قربانَه إذ قرَّب للَّهِ دَلالةً على صدقِه،
﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ . يقولُ له: قل لهم: قد جاءكم الرسلُ
الذين كانوا من قبلى بالذى زعمتم أنه حُجَّةٌ لهم عليكم ، فقتلتموهم ، فلِمَ قَتلتموهم
وأنتم مقرُّون بأن الذى جاءوكم به من ذلك كان حجَّةً لهم عليكم، ﴿إِن كُنْتُمْ
صَدِقِينَ﴾ فى أن اللَّهَ عهِد إليكم أن تؤمنوا بمن أتاكم من رسله بقربانٍ تأكلُه النارُ
حجّةً له على نبؤَّتِه ؟
/وإنما أَعْلَم اللَّهُ عبادَه [٨٥/١١و٢ بهذه الآيةِ أن الذين وصَف صفتَهم، من ١٩٨/٤
اليهودِ الذين كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ عَ ظِلّهِ، لن يَعْدُوا(١) أن يكونوا - فى كذبهم
على اللَّهِ ، وافترائهم على ربِّهم، وتكذييهم محمدًا عَظّمه، وهم يعلمونه صادقًا
محقًّا ، وجحودِهم نبؤَّتَه، وهم يجِدونَه مكتوبًا عندَهم فى عهدِ اللَّهِ تعالى إليهم ، أنه
(١) التبيان ٦٨/٣ .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س، وكتب مقابلها فى حاشية ص: ((ط ط، كذا))،
دلالة على وجود خطأ .
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((يقروا))، وفى م، س: ((يفروا)).
٢٨٦
سورة آل عمران: الآيتان ١٨٣، ١٨٤
رسولُه إلى خلقِه ، مفروضةٌ طاعتُه - إلا كمن مضى من أسلافِهم الذين كانوا يقتلون
أنبياءَ اللَّهِ ، بعدَ قطع اللَّهِ عذرَهم بالحجج التى أيَّدهم بها ، والأدلةِ التى أبان صدقَهم
بها ، افتراءً على اللَّهِ ، واستخفافًا بحقوقه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُو بِالْبَعْنَتِ
وَالزُّبُرِ وَالْكِتَبِ الْمُنِيرِ
١٨٤
وهذا تعزيةٌ من اللَّهِ جلَّ ثناؤه نبيّه محمدًا عَلٍّ على الأَذَى الذى كان ينالُه من
اليهودِ وأهلِ الشركِ باللَّهِ ، من سائرٍ أهلِ المللِ، يقولُ اللهُ تعالى له : لا یحُنْك یا
محمدُ كَذِبُ هؤلاء الذين قالوا : إن اللَّهَ فقيرٌ. وقالوا : إن اللَّهَ عهِد إلينا ألا نؤمنَ
الرسولٍ حتى يأتينَا بقُرْبانٍ تأكُلُه النارُ. وافتراؤُهم على ربّهم؛ اغترارًا بإمهالِ اللَّهِ
إِيَّهم، ولا يعظُمَنَّ عليك تكذيُهم إِيَّاك، وادعاؤهم الأباطيلَ، من عهودِ اللَّه إليهم،
فإنهم إن فعلوا ذلك بك فكذَّبوك، وكذَبوا على اللَّهِ ، فقد كَذَّب أسلافُهم من رسلٍ
اللَّهِ قبلَك مَن جاءهم بالحجج القاطعةِ العذرَ ، والأدلةِ الباهرةِ العقلَ، والآياتِ
المعجزةِ الخلقَ، وذلك هو البيّناتُ .
وأما ((الزُّبُرُ)) فإنه جمعُ زَبورٍ ، وهو الكتابُ، وكلَّ كتابٍ فهو زَبورٌ، ومنه قولُ
امرئ القَيْسِ (١):
لِمَنْ طَلَلٌ أَبْصَرتُه فِشَجَانِى
كخطِّ زَبورٍ فى عَسیبٍ(٢) يَمَانٍ
ويعنى بالكتابِ التوراةَ والإنجيلَ، وذلك أن اليهودَ كذَّبت عيسى وما جاء
به، وحرَّفت ما جاء به موسى، من صفةٍ محمدٍ عَ لَه، وبدَّلت عهدَه إليهم فيه ،
(١) ديوانه ص ٨٥ .
(٢) العسيب : جريدة النخل ، إذا نحى عنه خوصه ، كانوا يكتبون فيه قبل الإسلام.
٢٨٧
سورة آل عمران: الآيتان ١٨٤، ١٨٥
وأن النصارى جحَدت ما فى الإنجيلِ من نعتِه(٢)، وغيّرت(٢) ما أمرهم به فى
أمرِه .
وأما قولُه: ﴿الْمُنِيرِ﴾. فإنه يعنى: الذى يُنيرُ، فيُبِينُ الحقَّ لمن التبس عليه
ويوضِّحُه له . وإنما هو من النورِ والإضاءةِ ، يقالُ: قد أنار لك هذا الأمرُ. بمعنى: قد
أضاء لك وتبينَ، فهو يُثيرُ إنارةً، والشىءُ منيرٌ().
وقد حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا أبو زهيرٍ، عن مجُوَييرٍ، عن
الضَّاكِ: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾. قال: يُعزِّى نبيَّه ◌ِلَّهِ .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنِ جريج قولَه :
﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ/ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾. قال: يعزِّى نبيَّه عَلَه .
١٩٩/٤
وهذا الحرفُ فى مصاحفِ أهلِ الحجازِ والعراقِ: ﴿ وَالزُّبُرِ﴾. بغيرِ باءٍ،
وهو فى مصاحفِ أهلِ الشامِ: (وبِالزُّبُرِ ). بالباءِ، مثلُ الذى فى سورةٍ
(٥)
((فاطرٍ)) (٢).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْوِّتِّ وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ [٨٥/١١ظ] وَأُدْخِلَ الْجَنَةَ فَقَدْ فَازَّ وَمَا
١٨٥
اٌلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَنَعُ الْغُرُورِ
(١ - ١) فى ص، س: ((فإن)).
(٢) فى ص، س: (( بعثه)).
(٣) فى س: ((حرفوا)).
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((المنير)).
(٥) ينظر المصاحف ص ٤٤، ٤٥. ويإثبات الباء قرأ ابن عامر وحده، وقرأ باقى السبعة بغير باء. ينظر السبعة
لابن مجاهد ص ٢٢١ .
٢٨٨
سورة آل عمران : الآية ١٨٥
يعنى بذلك تعالى ذكره أن مصيرَ هؤلاء المفترين على اللَّهِ، من اليهودِ المكذِّبين
برسولِه ، الذين وصَف صفتَهم ، وأخبر عن جراءتِهم على ربِّهم ، ومصيرَ غيرِهم من
جميعٍ خلقِه تعالى ذكرُه ، ومرجعَ جميعِهم إليه ؛ لأنه قد حتَم الموتَ على جميعِهم،
فقال النبيِّه ◌ِ لَّهِ: لا يحزُنْك تكذيبُ من كذَّبك يا محمدُ ، من هؤلاء اليهودِ
وغيرِهم، وافتراءُ من افترى على اللهِ، فقد كُذِّب قبلَك رسلٌ جاءوا من الآياتِ)
والحججِ من أُرْسِلوا إليه، بمثلِ الذى جئتَ إلى من أُرْسِلتَ إليه، فلك بهم أسوةٌ
تتعزَّى بهم ، ومصيرُ من كذَّبك وافترى علىَّ، وغيرِهم، ومرجعُهم إلىَّ، فأُوفِّى كلَّ
نفسٍ منهم جزاءَ عملِهِ يومَ القيامةِ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ
أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يعنى أجورَ أعمالِكم، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ،
﴿ فَمَنْ زُحْرِجَ عَنِ النَّارِ﴾. يقولُ: فمن نُخّى عن النارِ، وأُبْعِد منها، ﴿فَقَدْ
فَازَّ﴾. يقولُ: فقد نجا وظفِر بحاجتِه. يقالُ منه: فاز فلانٌ بطَلِتِه ، يفوزُ فوزًا ومَفازًا
ومفازةً . إذا ظفر بها .
وإنما معنى ذلك: فمن نُحِّى عن النارِ فَأَبْعِد منها ، وأُدْخِل الجنةَ ، فقد نجا وظفِر
بعظيم الكرامةِ، ﴿ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَنَعُ الْغُرُورِ ﴾. يقولُ : وما لذاتُ الدنيا
وشهواتُها ، وما فيها من زينتِها وزخارفِها، ﴿إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾. يقولُ: إِلا متعةٌ
يمِتِّعُكموها الغرورُ والخداعُ المضمحِلَّ الذى لا حقيقةً له عندَ الامتحانِ ، ولا صحةً له
عندَ الاختبارِ ، فأنتم تلتذّون بما متَّعكم الغرورُ من دنياكم، ثم هو عائدٌ عليكم
بالفجائعِ والمصائبِ والمكارهِ . يقولُ جلَّ وعزَّ: ولا تركنوا إلى الدنيا، فتسكُنوا
إليها ، فإنما أنتم منها فى غرورٍ تُمَّعون ، ثم أنتم عنها بعد قليلٍ راحلون .
وقد رُوى فى تأويلٍ ذلك ما حدَّثنى به المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا
(١ - ١) فى ت٢: ((بالآيات))، وفى س: ((بالبينات)).
٢٨٩
سورة آل عمران : الآية ١٨٥
جريرٌ، عن الأعمشِ، عن بُكيرِ بنِ الأخْنسِ، عن عبد الرحمنِ بنِ سابطٍ فى قولِه :
﴿ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ اٌلْغُرُورِ﴾. قال: كزادِ الراعى، يزوّدُ(١) الكفَّ من
التمرِ، أو الشىءَ من الدقيقِ ، أو الشىءَ يشرَبُ عليه اللبنَ(١).
فكأن ابنَ سابطٍ ذهَب فى تأويلِه هذا إلى أن معنى الآية : وما الحياةُ الدنيا إلا
متاعٌ قليلٌ ، لا يُلِّغُ مَن تَمتَّعَه، ولا يكفيه لسفرِه .
وهذا التأويلُ وإن كان وجهًا من وجوهِ التأويلِ ، فإن الصحيح من القول فيه هو
ما قلنا؛ لأن الغُرور إنما هو الخدائُ فی کلامِ العربِ. وإذ کان کذلك ، فلا وجه
لصرفِه إلى معنى القلةٍ؛ لأن الشىءً قد یکونُ قليلا وصاحبه منه فی غیرِ خداعٍ ولا
غرور ، فأما الذی هو فی غرورٍ ، فلا القليلُ يَصِحُ له ولا الکثیرُ، مما هو/منه فى غرورٍ . ٢٠٠/٤
والغُرورُ مصدرٌ من قولِ القائلِ: غرّنى فلانٌ، فهو يَغُرُّنى غُرورًا. بضمِّ الغينِ،
وأما إذا فتحتَ الغينَ من الغرورِ، فهو صفةٌ للشيطانِ الغَرورِ الذى يَغْرُّ ابنَ آدمَ ، حتى
يُدْخِلَه من معصيةِ اللَّهِ [٨٦/١١ و] فيما يستوجِبُ به عقوبتَه .
وقد حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا عَبْدُ وعبدُ الرحيم ، قالا : ثنا محمدُ بنُ
عمرٍو، قال: ثنا أبو سلمةَ، عن أبى هريرةَ، قال: قال النبيُّ عَ ◌ّهِ: ((موضِعُ سوطٍ فى
الجنةِ خيرٌ من الدنيا وما فيها، واقرَءوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِعَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ
اُلْجَنَّةَ فَقَدْ فَأَزَّ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾))(١)
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((يزوده).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٧/٢ إلى المصنف .
(٣) أخرجه الترمذى (٣٢٩٢) عن أبى كريب به، وأخرجه هناد فى الزهد (١١٣)، وابن حبان (٤٧١٧) من
طريق عبدة بن سليمان به، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٠١/١٣، ١٠٢، وأحمد ٤٠٨/١٥ (٩٦٥١)، وعبد
بن حميد وعند الترمذى (٣٠١٣)، والنسائى (١١٠٨٥ - كبرى)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٣٣/٣
(٤٦١٠)، والحاكم ٢٩٩/٢ وغيرهم من طريق محمد بن عمرو به .
٢٩٠
سورة آل عمران : الآية ١٨٥
لَتُبْلُونَ فِىَ أَمْوَلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَتْمَعُنَّ مِنَ
القولُ فی تأويل قولِه :
اُلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًاً وَإِن
(١٨٦
تَّصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
يعنى بقولِه: ﴿لَتُبْلَوُنَ فِيَ أَمْوَلِكُمْ﴾: لَتُختبرِنَّ بالمصائبِ فى أموالِكم،
وَأَنْفُسِكُمْ ﴾. يعنى: وبهلاكِ الأُقرباءِ والعشائرِ، من أهلِ نصرتِكم وملّتِكم،
وَلَتَسْمَعُنَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. يعنى: من اليهودِ،
وقولِهم : إِنَّ اللَّهَ فقيرٌ ونحن أغنياءُ. وقولِهم: يدُ اللَّهِ مغلولةٌ. وما أشبه ذلك من
افترائِهم على اللَّهِ، ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرِكُواْ﴾. يعنى: النصارى، ﴿ أَذَنَّى
كَثِيرًاً﴾ . والأذى من اليهودِ ما ذكرنا، ومن النصارى قولُهم: المسيح ابنُ اللَّهِ.
وما أَشْبهَ ذلك من كفرِهم باللّهِ، ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ﴾(١). لأُمرِ اللَّهِ الذى أمَركم به
فيهم وفى غيرِهم، من طاعتِه، ﴿ وَتَتَّقُواْ﴾. يقولُ: وتتقوا اللَّهَ فيما أمَركم
ونهاكم، فتعملوا فى كلِّ(١) ذلك بطاعتِه، ﴿ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
يقولُ : فإن ذلك الصبرَ والتقوى مما عزَمِ اللَّهُ عليه، وأمَركم به .
وقيل : إن ذلك كلَّه نزَل فى فنحاصَ اليهودىِّ سيدٍ بنى قَيْنُقَاعَ.
كالذى حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنِ
جريجٍ، قال: قال عكرمةُ فى قوله: ﴿لَتُبْلَوُنَ فِى أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ
وَلَتَسْمَعُنَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَّى
كَثِيرًا﴾. قال: نزلت هذه الآيةُ فى النبيّ ◌َّهِ وفى أبى بكرٍ، رضوانُ اللَّهِ عليه،
وفى فنحاصَ اليهودىِّ سيدٍ بنى قَيْثُقَاعَ. قال: بعَث النبيُّ عَ لَّهِ أبا بكر الصديقَ
(١) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((وتتقوا. يقول: وإن تصبروا)).
(٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
٢٩١
سورة آل عمران : الآية ١٨٦
رحِمه اللهُ إِلى فنحاصَ اليهودىِّ يستمِدُّه، و کتب إلیه بكتابٍ، وقال لأبى بكر: ((لا
تفتاتَنَّ على بشىءٍ حتى ترجِعَ)). فجاء أبو بكرٍ وهو متوشِّخ السيف ، فأعطاه
الكتابَ ، فلما قرأه قال: قد احتاج ربُّكم أن نُمِدَّه. فهمَّ أبو بكرٍ أن يضرِبَه بالسيفِ،
ثم ذكَر قولَ رسولِ اللهِ عَلِ: ((لا تفتاتَنَّ علىَّ بشىءٍ حتى ترجعَ)). فكفَّ،
ونزَلت: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرًا لَهُمَّ بَلْ هُوَ
شَرٌ لَهُمْ﴾. وما بين الآيتين إلى قوله: ﴿لَتُبْلَوُنَ فِى أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ .
نزَلت هذه الآياتُ فى بنى قَيْنُقاعَ إلى قولِهِ: ﴿فَإِن كَذَّبُوَكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن
قَبْلِكَ﴾. قال ابنُ جريج: يعزِّى نبيَّه عَلِ؛ قال: ﴿لَتُبْلَوُنَ فِى أَمْوَلِكُمْ / ٢٠١/٤
وَأَنْفُسِكُمْ﴾. قال: أَعْلَمِ اللَّهُ المؤمنين أنه سَيَبْتَليهم فينظُرُ كيف صبرُهم على
دينِهم، ثم قال: ﴿ وَلَسْمَعُنَّ [٨٦/١١] مِنَ اُلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن
قَبْلِكُمْ﴾. يعنى: اليهودَ والنصارى، ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى
كَثِيرًا﴾، فكان المسلمون يسمَعون من اليهودِ قولَهم: عُزَيْرُ ابنُ اللَّهِ. ومن
النصارى: المسيحُ ابنُ اللَّهِ. فكان المسلمون يَنْصِبون لهم الحربَ، ويسمعون
إشراكهم ، فقال اللَّهُ: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
يقولُ: من القوةِ مما عزَم اللَّهُ عليه وأمَركم به (١) .
وقال آخرون : بل نزَلت فى كعبٍ بنِ الأشرفِ ، وذلك أنه كان يهجو رسولَ
اللَّهِ مَت ◌ِهِ ، ويُشبِّبُ بنساءِ المسلمين.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٦/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
٢٩٢
سورة آل عمران : الآية ١٨٦
الزهرىِّ فى قوله: ﴿ وَلَتَتْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ
الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًا﴾. قال: هو كعبُ بنُ الأشرفِ، وكان
يحرِّضُ المشركين على النبيّ ◌َّهِ وأصحابِه فى شعرِه، ويهجو النبىَّ عَ لَّه
" وأصحابه١)، فانطلَق إليه خمسةُ نفرٍ من الأنصارِ فيهم محمدُ بنُ مَسْلمةً،
ورجلٌ يقالُ له: أبو عَبْسٍ. فَأَتَوْه وهو فى مجلسٍ قومِه بالعوالى(٢)، فلما رآهم
ذُعِر منهم، وأنكر شأنَهم، وقالوا: جئناك لحاجةٍ . قال: فَلْيَدْنُ إلىّ بعضُكم
فلْيحدِّثْنى بحاجتِه. فجاءه رجلٌ منهم فقال: جئناك لنبيعَك أدراعًا عندَنا ، لنستنفِقَ
بها . فقال: واللّهِ لئن فعلتم لقد جهدتم منذ نزَل بكم هذا الرجلُ. فواعدوه أن يأتُّوه
عِشاءً حينَ يَهْدَأُ عنهم الناسُ، فَأَتَوه فنادَوه، فقالت امرأَتُه: ما طرّقك هؤلاء
ساعتَهم هذه لشىءٍ مما تحِبُّ. قال: إنهم حدَّثونى بحديثِهم وشأنِهم. قال
معمرٌ: فأخبرنى أيوبُ، عن عكرمةَ، أنه أَشْرَف عليهم فكلَّمهم، فقال():
أَتَرْهَنونى أبناءكم - وأرادوا أن يبيعَهم تمرًا - قال: فقالوا: إنا نستحبى أن تُعَيَّرَ
أبناؤنا، فيقالَ : هذا رهينةُ وَسْقٍ، وهذا رهينةُ وَسْقين. فقال: أتَّوْهَنونى نساءَكم ؟
فقالوا: أنت أجملُ الناسِ، ولا نأمَنُك، وأىُّ امرأةٍ تمتنعُ منك لجمالِك؟ ولكنا
نَوْهَنُك سلاحنا، فقد علِمتَ حاجتنا إلى السلاحِ اليومَ. فقال : ائتونی بسلاحِكم
واحْتَمِلوا ماشئتُم. قالوا: فانزِلْ إلينا نأخُذْ عليك وتأخُذْ علينا. فذهَب ينزِلُ،
فتعلَّقت به امرأتُه وقالت : أَرْسِلْ إلى أمثالِهم من قومِك يكونوا معك. قال : لو
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت٢، ت ٣، س.
(٢) العوالى : ضيعة بينها وبين المدينة أربعة أميال ، وقيل: ثلاثة . وذلك أدناها ، وأبعدها ثمانية . معجم البلدان
٧٤٣/٣ ٠
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((هدى))، وفى م: ((هدأ)). والمثبت من تفسير عبد الرزاق.
(٤) بعده فى تفسير عبد الرزاق: (( ما ترهنونى)).
٢٩٣
سورة آل عمران : الآيتان ١٨٦، ١٨٧
وجَدونى هؤلاء نائمًا ما أيقظونى. قالت: فكلِّمْهم من فوقِ البيتِ . فأبى عليها ،
فنزَل إليهم يفوحُ ريحُه، قالوا: ما هذه الريحُ يا أباً ) فلانٍ؟ قال: هذا عطرُ أمّ
فلانٍ . امرأتِه، فدنا إليه بعضُهم يَشْتَمُ (١ رأسَهُ ١ ، ثم اعتنقه، ثم قال : اقتُلوا عدوَّ
اللَّهِ . فطعَنه أبو عَبْسٍ فى خاصرتِهِ، وعلاه محمدُ بنُ مسلمةَ بالسيفِ ، فقتلوه، ثم
رجَعوا، فأصبحت اليهودُ مذعورين، فجاءوا إلى النبيّ عَ لَّهِ فقالوا: قُتِل سيدُنا
غِيلَةٌ . فذكِّرهم النبىُّ عَ لَّهِ صنيعَه، وما كان يحضُّ عليهم، ويحرِّضُ فى قتالِهم،
ويؤذيهم، ثم دعاهم إلى أن يكتُبَ بينَه وبينَهم صُلْحًا . فقال : فكان ذلك الكتابُ
مع علىٍّ رضوانُ اللَّهِ عليه (٤) .
[٨٧/١١و] القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ / الَّذِينَ أُوتُواْ
اُلْكِتَبَ (ْ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُْ فَتَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَأَشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنًا
٢٠٢/٤
١٨٧
قَلِيلًا فَبْسَ مَا يَشْتَرُونَ
يعنى بذلك تعالى ذكرُه: واذكرْ أيضًا من هؤلاءِ اليهودِ وغيرِهم من أهلِ
الكتابِ منهم يا محمدُ ، إذ أُخَذ اللَّهُ ميثاقَهم لَيِّنُنَّ للناسِ أمرَك الذى أخَذ ميثاقَهم
على بيانِه للناسٍ، فى كتابِهم الذى فى أيديهم، وهو التوراةُ والإنجيلُ، وأنك للَّهِ
رسولٌ مرسَلٌ بالحقِّ ، ( ولا يكتُمونه فنبذوه وراءَ ظهورِهم). يقولُ: فترَكوا أمرَ اللَّهِ
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت٢، ت٣، س .
(٢) فى الأصل، م: ((يشم))، وفى تفسير عبد الرزاق: ((ليشتم)).
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: (( رائحته)).
(٤) تفسير عبد الرزاق ١٤٢/١، ١٤٣. والحديث له أصل فى البخارى (٤٠٣٧) موصولًا من حديث جابر
ابن عبد الله .
(٥ - ٥) هنا وفيما يأتى فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((ليبيننه للناس ولا يكتمونه)). وسنثبتها فيما يأتى
بالياء. وهى القراءة التى رجحها المصنف. وسيذكر المصنف هاتين القراءتين بعدُ .
٢٩٤
سورة آل عمران : الآية ١٨٧
وضيَّعوه، ونقضُوا ميثاقَه الذى أخَذ (١) عليهم بذلك، فكتَموا أمرَك، وكذَّبوا بك،
وَاشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. يقولُ: وابتاعُوا بكتمانِهم ما أخَذ عليهم الميثاقَ ألَّ
يكتُموه من أمرٍ نبوَّتِك، عِوضًا منه، خسيسًا قليلاً من عَرَضِ الدنيا . ثم ذمَّ جلَّ ثناؤُه
شراءَهم ما اشْتَرَوا به من ذلك، فقال: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَّرُونَ﴾
واخْتَلف أهلُ التأويلِ فى من ◌ُنِى بهذه الآيةِ ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها اليهودُ
خاصَّةٌ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال : ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال :
ثنی محمدُ بنُ أبی محمدٍ مولی زید بن ثابت ، عن عكرمةً ، أنه حدثه عن ابنِ عباس :
( وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيِئْتَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ) . إلى قولِه:
◌ْعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يعنى: فِنحاصَ وأشيعَ، وأشباهَهما من الأحبارِ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبی محمدٍ
مولى آل زيدِ بنِ ثابتٍ ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ مثلَه(٣) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ( وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيشَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَيْبَيْسَنَّهُ لِلنَّاسِ
وَلَا يَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ). كان أمَرهم أن يتّبعوا النبيَّ الأمّىَّ الذى
ء
يؤمنُ باللهِ وكلماتِه، وقال: ﴿ وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
(١) فى س: ((أخذه)).
(٢) جزء من الأثر المتقدم تخريجه فى ص ١٩٤.
(٣) سيرة ابن هشام ٥٥٩/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٣٨/٣ (٤٦٤٠) من طريق سلمة به.
٢٩٥
سورة آل عمران : الآية ١٨٧
فلما بعَثِ اللَّهُ محمدًا عَ لَّهِ قال: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّنِىَ
فَارْهَبُونِ ﴾ [البقرة: ٤٠]. عاهَدهم على ذلك، فقال حينَ بعَث محمدًا: صدِّقوه ،
وتَلقَون الذى أحببتم عندى(١).
حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُدِّىِّ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ
مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ) الآية . قال: إن اللَّهَ أَخَذ ميثاقَ اليهودِ
لَيْبِّثْنَّه للناسِ؛ محمدًا عَلَه، (ولا يكتُمونَه فَتَبَذُوهُ) اليهودُ(٢) ﴿ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ
وَأَشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلاً ﴾(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن
أبى الجَخَافِ، عن مسلم البَطين، قال: سأل الحجّاجُ بنُ يوسفَ جلساءَه عن هذه
الآيةِ [٨٧/١١ظ]: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِشَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾. قال: فقام رجلٌ ٢٠٣/٤
إلى سعيدِ بنِ جبيرٍ فسأله، فقال: وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ أَهلِ الكِتابِ: يهودُ، (لَيْبِيْنُنَّهُ
لِلنَّاسِ) محمدًاً عَظِلِّ (وَلَا يَكْتُمُونَهُ فَتَبَذُوهُ)(٤).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجّاجٌ ، عن ابن نجريج قولَه :
﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِينَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ . قال:
وكان فيه : إن الإسلامَ دينُ اللَّهِ الذى افترَضه على عبادِه، وإن محمدًا يجدُونَه
مكتوبًا عندَهم فى التوراة والإنجيلِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٣٥/٣ (٤٦٢٣) عن محمد بن سعد به .
(٢) سقط من: م، وفى تفسير ابن أبى حاتم: ((فنبذوا العهد)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٣٦/٣ عقب الأثر (٤٦٣١)، وفى ٨٣٧/٣ (٤٦٣٥) من طريق أحمد
ابن المفضل به .
(٤) تفسير عبد الرزاق ١٤١/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٣٦/٣ (٤٦٢٨) عن الحسن بن يحيى
به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٣٥/٣، ٨٣٦، ٨٣٨، ٨٤٠ (٤٦٢٥، ٤٦٣١، ٤٦٤٢،
٤٦٤٣، ٤٦٤٩) من طريق سفيان به .
٢٩٦
سورة آل عمران : الآية ١٨٧
وقال آخرون : عُنِى بذلك كلُ من أُوتِىَ علمًا بأمرِ الدينِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ
اُلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَيْبِنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ) الآية: هذا
ميثاقٌ أخَذه اللَّهُ على أهلِ العلم ، فمن عَلِم شيئًا فَلْيعلِّمْه، وإِيَّاكم وكتمانَ العلم ، فإِن
كتمانَ العلمِ هَلَكَةٌ ، ولا يتكلَّفَنَّ رجلٌ ما لا عِلْمَ له به ، فيخرُجَ من دينِ اللَّهِ ، فيكونَ
من المتكلِّفين، كان يقالُ: مثَلُ علم لا يقالُ به، كمثلٍ كَنزٍ لا يُنفَقُ منه، ومثلُ
حكمةٍ لا تُخرَجْ، كمثلٍ صنم قائم لا يأْكُلُ ولا يشرَبُ . وكان يقالُ: طُوتَى لعالم
ناطِقٍ، وطُوتَى لمستَمِعِ واعٍ، هذا رجلٌ عَلِم علمًا فعلَّمه، وبذَله ودعا إليه ، ورجلٌ
٠
سمِع خیرًا فحفظه ووعاه ، وانتفع به(١) .
حدَّثنى يحيى بنُ إبراهيمَ المسعودىُّ، قال: ثنى أبى، عن أبيه ، عن جدِّه، عن
الأعمشِ، عن عمرو بنِ مُرَّةَ ، عن أبى عبيدةَ ، قال : جاء رجلٌ إلى قوم فى المسجدِ
وفيه عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ ، فقال: إن أخاكم كعبًا يُقرتُكم السلامَ، ويبشِّرُكم أن هذه
الآيةَ ليست فيكم: ( وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَيْبِنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا
يَكْتُمُونَهُ﴾. فقال له عبدُ اللَّهِ : وأنت فأقرِْه السلامَ، وأخبره أنها نزَلت وهو يهودىٌّ.
حدَّثنى ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن عمرو بنِ مُرَّةَ، عن أبى
عُبيدةَ بنحوِه ، عن عبدِ اللَّهِ وكعبٍ(٢).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٣٦/٣، ٨٣٧ (٤٦٢٧، ٤٦٢٩، ٤٦٣٢) من طريق يزيد به ببعضه .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٨/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر بتمامه.
(٢) أخرجه ابن عسا کر فی تاریخ دمشق ١٧٢/٥٠ من طریق جریر به بنحوه ، وهو فى تفسیر الثوری ص ٨٣
عن الأعمش به .
٢٩٧
سورة آل عمران : الآية ١٨٧
وقال آخرون : معنى ذلك: وإذ أخذ اللَّهُ ميثاقَ النبيِّين على قومِهم.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، عن سفيانَ، قال: ثنى حبيبُ(١) بنُ
أبى ثابتٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، قال : قلتُ لابنِ عباسٍ : إن أصحابَ عبدِ اللَّهِ يقرءون:
( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنَ الذينَ أُوتُوا الكِتابَ مِيثاقَهم). قال: من النبيِّين على قومِهم.
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا قَبِيصةُ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيب، عن
سعيدٍ قال: قلت لابنِ عباسٍ: إن أصحابَ عبدِ اللَّهِ يقرءون: [٨٨/١١ظ]
﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيشَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾. ونقرأ(١): ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ
النَّبِّئِنَ﴾ [آل عمران: ٨١]. قال: فقال: أخذ اللَّهُ ميثاقَ النبيِّين على قومِهم.
وأما قولُه : ( لَيْبَيْتَّهُ لِلنَّاسِ). فإنه كما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ ابنٍ
عبدِ الوارثِ ، قال: /ثنى أبى، قال: ثنا محمدُ بنُ ذَكْوانَ، قال: ثنا أبو نَعامةَ ٢٠٤/٤
السعدىُّ، قال: كان الحسنُ يفسّرُ قولَه: ( وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
لَيْنَيَّنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يُكْتُمُونَهُ): لَيتكلّمُنَّ بالحقِّ، وَيُصدِّقُتَّه بالعملِ(٤) .
واخْتَلفَت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُهم: ﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا
تَكْتُمُونَهُ﴾. بالتاءِ جميعًا (٥)، وهى قراءةُ عُظْمٍ قَرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ(١) ، على
وجهِ المخاطَبةِ() ، بمعنى: قال اللَّهُ لهم: لَتبينْتَّه للناسِ ولا تكتُمونه .
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((يحيى)). ينظر ترجمة حبيب بن أبى ثابت فى تهذيب الكمال ٣٥٨/٥.
(٢) سقط من: م، ت٢، ت٣. وفى ص، ت١، س: ((ويقرأ)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٣٥/٣ (٤٦٢٤) من طريق به .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٨/٢ إلى المصنف .
(٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٦) وهى قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائى، وعاصم فى رواية حفص. السبعة لابن مجاهد ص ٢٢١ .
(٧) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((المخاطب)).
٢٩٨
سورة آل عمران : الآية ١٨٧
وقرأ ذلك آخرون: (لَيْنَيِّننَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ يَكْتُمُونَهُ ). بالياءِ جميعًاً ، على وجهِ
الخبرِ عن الغائبٍ ؛ لأنهم فى وقتٍ إخبارِ اللَّهِ جَلَ وعزَّ نبيَّه عَِّ بذلك عنهم كانوا غيرَ
موجودين، فصار الخبرُ عنهم كالخبرِ عن الغائبِ .
والقولُ فى ذلك عندنا أنهما قراءتان صحيحةٌ وجوهُهما ، مستفيضتان فى قرأة
الإسلامِ ، غيرُ مختلِفَتى المعانى، فبأيتِهما قرأ القارئُّ فقد أصاب الحقَّ والصوابَ فى
ذلك، غيرَ أن الأمرَ فى ذلك وإن كان كذلك، فإن أحبَّ القراءتين إلىَّ أن أقرأ
بها (٢) : ( لَيْبِيِّنْتَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ يَكْتُمُونَهُ). بالياءِ جميعًا، استدلالاً بقوله: ﴿فَتَبَذُوهُ
وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ . - أنه إذا كان قد خرَج مَخْرَجَ الخبرِ عن الغائبِ على سبيلٍ قوله :
﴿ فَنَبَذُوهُ ﴾ . - حتی یکونَ الكلامُ متّسقًا کلُهعلی معنى واحدٍ ومثالٍ واحدٍ ، ولو
كان الأُولُ بمعنى الخطابِ ، لكان أن يقالَ: فَنبَذتموه وراءَ ظهورٍ كم. أَوْلَى من أن
يقالَ: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ .
وأما قولُه: ﴿فَتَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ . فإنه مثلٌ لتضييعِهم القيامَ بالميثاقِ ،
وتر کھم العملَ به .
وقد بيَّنَّا المعنى الذى من أجلِه قيل ذلك كذلك فيما مضى من كتابنا هذا (٣)،
فکرِهنا إعادته .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وعاصم فى رواية أبى بكر . المصدر السابق .
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((بهما)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٣١١/٢ .
٢٩٩
سورة آل عمران : الآية ١٨٧
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال : ثنا ابنُ إدريسَ، قال : أخبرنا يحيى بنُ أيوبَ البَجَلىُّ،
عن الشعبىِّ فى قوله: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾. قال: إنهم قد كانوا يقرَءونه ،
إنما نبذوا العملَ به(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنِ جُرِيجٍ:
﴿ فَنَبَذُوُهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾. قال: نبَذُوا الميثاقَ(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ، [٨٨/١١ظ] قال: ثنا مالكُ
ابنُ مِغْولٍ، قال: نُبَعتُ عن الشعبىِّ فى هذه الآية: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ .
قال: قَذَفُوه بينَ أيديهم، وترَكوا العملَ به (٢).
وأما قولُه: ﴿وَاشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ . فإن معناه ما قلنا، من أَخْذِهم ما
أَخَذُوا على كتمانِهم الحقَّ، وتحريفهم الكتابَ .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال، ثنا أحمدُ بنُ مفضَّل، قال: ثنا أسباطُ ،
عن الشدىِّ: ﴿ وَأَشْتَرَوْا بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: أخَذوا طمعًا، وكتَموا اسمَ
محمد ے (3)
وقولُه: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. يقولُ: فبئس الشراءُ يشترُون فى تضييعهم
الميثاقَ ، وتبديلهم الكتابَ .
/ کما حدّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عیسی ، عن ابن أبى ٢٠٥/٤
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٣٧/٣ (٤٦٣٤) من طريق ابن إدريس به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٨/٢ إلى المصنف.
(٣) أخرجه أبو عبيد فى غريب الحديث ١٧٤/٤، ١٧٥ من طريق مالك بن مغول به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٣٦/٣ عقب الأثر (٤٦٣١) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به .
٣٠٠
سورة آل عمران : الآيتان ١٨٧، ١٨٨
نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿فَتْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. قال: تبديلُ اليهودِ التوارةَ (١).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا
بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٨٨
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك قومٌ من أهلِ
النفاقِ كانوا يقعُدون خِلافَ رسولِ اللَّهِ عِلّهِ إذا غَزا العدوَّ، فإذا انصرف رسولُ
اللَّهِ بِِّ اعتذَروا إليه، وأحبُّوا أن يُحْمَدوا بما لم يفعَلوا.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ سهلٍ بنِ عَشْكرٍ وابنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقِيُّ ، قالا : ثنا ابنُ أبی
مريمَ ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ بن أبى كَثيرٍ ، قال: ثنى زيدُ بنُ أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ
يسارٍ، عن أبى سعيد الخذْرِىِّ، أن رجالًا من المنافقين كانوا على عهدٍ رسولٍ
اللَّهِ عَظَّ إذا خرَج النبيُّ ◌َِّ إلى الغزوِ، تخلّفوا عنه، وفرِحوا بمقعَدِهم خِلافَ
رسولِ اللَّهِ ◌َّهِ، فإذا قدِم النبيُّ عَظ له من السفرِ اعتذَروا إليه، وأحبُّوا أن يُحْمَدوا بما
لم يفعلوا، فَأَنْزَل اللَّهُ تعالى فيهم: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَواْ وَ يُحِبُّونَ أَنْ
يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ الآية(٢) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿لَا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَوَأْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾. قال: هؤلاء
المنافقون يقولون للنبيّ عَِّ: لو قد خرّجتَ لخرَجنا معك. فإذا خرَج النبىُّ عَ لَّه
(١) تفسير مجاهد ص ٢٦٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٣٧/٣ (٤٦٣٨). وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٠٨/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٧٧) عن محمد بن سهل به ، وأخرجه البخارى (٤٥٦٧)، ومسلم (٢٧٧٧)، وابن
أبى حاتم فى تفسيره ٨٣٩/٣ (٤٦٤٦)، والبيهقى فى الشعب (٤٧٨٢)، والواحدى فى أسباب النزول
ص ١٠١ من طريق ابن أبى مريم به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٨/٢ إلى ابن المنذر.