Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
سورة آل عمران : الآية ١٧٢
شهِدتُ مع رسولِ اللَّهِ مَلِ أحدًا أنا وأخْ لى، فرجَعنا جريحين، فلما أذِن رسولُ اللَّهِ صَ ل
بالخروجِ فى طلبِ العدوِ، قلتُ لأُخى، أو قال لى: أَتَفوتُنا غزوةٌ مع رسولِ اللهِ عَلِ؟
واللهِ ما لنا من دابَّةٍ نركبُها، وما منا إلا جريحٌ ثقيلٌ، فخرجنا مع رسولِ اللَّهِ وَّهِ ، وكنتُ
أيسرَ بجرحًا منه، فكنتُ إِذا غُلِب حمَلتُه عُقْبَةً(١)، ومشَى عُقْبةً، حتى انتهينا إلى ما انتهى
إليه المسلمون، فخرَج رسولُ اللَّهِ وَ لَه، حتى انتهى إلى / حَمراءِ الأسَدِ، وهى من المدينةِ ١٧٧/٤
على ثمانيةِ أميالٍ ، فأقام بها ثلاثًا؛ الاثنين والثلاثاءَ والأربعاءَ، ثم رجَع إلى المدينةِ(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن ابن إسحاقَ ، قال : فقال اللَّهُ تبارك
وتعالى: ﴿ الَّذِينَ أُسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾. أى
الجرائمحُ، وهم الذين ساروا مع رسولِ اللَّهِ وَّهِ الغدَ من يومٍ أُحدٍ إلى حَمراءِ الأَسَدِ،
على ما بهم من ألم الجراح، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَأَتَّقَوْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ الَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ
لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْعُ﴾ الآية. وذلك يومَ أحدٍ بعدَ القتلِ
والجراحِ، وبعدَ ما انصرّف المشركون؛ أبو سفيانَ وأصحابُه، فقال رسولُ اللهِ عَل
لأصحابِهِ: ((أَلا عصابةٌ تنتدبُ (٤) لأمرِ اللَّهِ تطلُبُ عدوَّها، فإنه أنكى للعدوٌ، وأبعدُ
للسَّمْعِ)). فانطلَق عصابةٌ منهم على ما يَعْلَمُ اللَّهُ تعالى من الجهدِ (٥).
(١) العقبة: الشوط. النهاية لابن الأثير ٣/ ٢٦٩.
(٢) سيرة ابن هشام ١٠١/٢. وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٣١٤/٣، ٣١٥ من طريق ابن إسحاق به .
(٣) سيرة ابن هشام فى السيرة ١٢١/٢.
(٤) فى الأصل، ص، ت١، س: ((تشدد))، وفى م، ت٢، ت ٣: ((تشد))، والمثبت من أسباب النزول
للواحدی ، وما سیأتی من حديث ابن عباس .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨١٧/٣ (٤٥١٣) من طريق يزيد بنحوه، والواحدى فى أسباب النزول
( تفسير الطبرى ١٦/٦ )
ص ٩٧ من طريق سعيد به .

٢٤٢
سورة آل عمران : الآية ١٧٢
حدَّثنا محمدُ بنُّ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ: انطلَق أبو سفيانَ منصرفًا من أحدٍ ، حتى بلَغ بعضَ الطريقِ ، ثم إنهم ندِموا
وقالوا: بئْسَما صنَعْتُم (١)، إنكم قتلْتُموهم، حتى إذا لم يبقَ منهم إلا الشَّريدُ
ترَكتُموهم! ارجِعوا واستأصِلوهم. فقذَف اللّهُ فى قلوبِهِم الرُعبَ، فهُزِموا، فَأَخْبَرِ اللَّهُ
رسولَه، فطلَبهم حتى بلَغ حمراءَ الأسَدِ، ثم رجَعوا من حَمراءِ الأَسَدِ، فَأَنْزَل اللَّهُ جلَّ
ثناؤُه فيهم: ﴿ اُلَّذِينَ أُسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْءِّ﴾(٢).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: إن اللَّهَ جلَّ وعزَّ قذَف فى قلبٍ أبى سفيانَ الرُّعبَ - يعنى
يومَ أَحدٍ - بعدَ ما كان منه ما كان ، فرجَع إلى مكةَ، فقال النبىُّ عَّمِ: ((إن أبا سفيانَ
قد أصاب منكم طَرْفًا، وقد رجَع، وقذَف اللَّهُ فى قلبِه الرعبَ )). وكانت وقعةُ أحدٍ
فى شؤَالٍ، وكان التُّجارُ يَقدَمون المدينةَ فى ذى القَعدةِ، [١٣/١١ظ] فينزِلون ببدرٍ
الصُّغْرَى فى كلِّ سنةٍ مرَّةً ، وإنهم قدِموا بعدَ وْعةٍ أُحدٍ ، وكان أصاب المؤمنين القَرْحُ،
واشتكوا ذلك إلى نبيِّ اللّهِ ◌ِّهِ، واشتَدَّ عليهم الذى أصابَهم، وإن رسولَ اللَّهِ ندَب
الناسَ لينطلِقوا معه، ويتَّبِعوا ما كانوا مُتَّبِعِين، وقال(١): ((إنما يرَحِلُون الآنَ، فيأَتُّونَ
الحجّ ولا يقدرون على مثلِها حتى عامٍ مُقبلٍ)). فجاء الشيطانُ فخوَّف أولياءَه ، فقال:
إن الناسَ قد جمعوا لكم. فأبى عليه الناسُ أن يتَِّعوه، فقال: ((إنى ذاهبٌ، وإن لم
يتبعنى أَحدٌ لأَحضِّضَ الناسَ )). فانْتَدَب معه أبو بكر الصديقُ، وعمرُ، وعثمانُ،
وعلىّ، والزبيرُ، وسعدٌ ، وطلحةُ ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، وعبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ،
(١) فى ص: ((صنعنا)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٢/٢ إلى المصنف بنحوه .
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((ذلك).

٢٤٣
سورة آل عمران : الآية ١٧٢
وحذيفةُ بنُ اليمانِ، وأبو عُبيدةَ بنُ الجرّاح فى سبعين رَجُلًا، فساروا فى طلبٍ أبى
سفيانَ، فطلَبوه حتى بلَغوا الصَّفْراءَ(١)، فأَنْزِل اللَّهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُوْ لِلَّهِ
وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْغُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَتَّقَوْ أَبْرٌ عَظِيمٌ﴾(١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا هاشمُ بنُ القاسم ، قال: ثنا أبو سعيدٍ ، عن
هشامٍ بنِ عروةَ، / عن أبيه، عن عائشةً، أنها قالت لعبدِ اللَّهِ بنِ الزبير: يا بنَ أُختى، ١٧٨/٤
أَمَا واللَّهِ إِن أباك وجدَّك - تعنى أبا بكرٍ والزبيرَ - لمِن الذين قال اللَّهُ تعالى فيهم:
﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْغُ﴾(٣).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجَّاجٌ ، عن ابنٍ جريجٍ، قال :
أَخْبِرتُ أن أبا سفيانَ بنَ حربٍ لما راحَ هو وأصحابُه يومَ أحدٍ ، قال المسلمون للنبىّ
٦
عَ لَّه: إنهم عامِدون إلى المدينةِ. فقال: ((إن رَكِبوا الخيلَ وترَكوا الأثقالَ، فإنهم
عامِدون إلى المدينةِ، وإن جلَسوا على الأثقالِ وتَرَكوا(٤) الخيلَ، فقد رَعَبَهم (٥) اللَّهُ
ولَيْسوا بعامِدِيها)). فركبوا الأَتْقالَ، فرعَبهم اللَّهُ، ثم ندَب ناسًا يتبعونهم؛ ليُرَوا أن
بهم قوةً ، فَأَتْبَعوهم ليلَتَيْن أو ثلاثًا، فنزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدٍ
مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرَّةٌ﴾(١).
(١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((الصفا))، والصفراء: واد من ناحية المدينة، وهو واد كثير النخل والزرع
والخير فى طريق الحاج. معجم البلدان ٣٩٩/٣.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠١/٢ إلى المصنف، وينظر تفسير ابن كثير ١٤٥/٢.
(٣) أخرجه الحاكم ٢٩٨/٢ من طريق هاشم بن القاسم به ، وفيه هشام بن القاسم، وهو خطأ، وينظر تهذيب
الكمال ٠١٣٠/٣٠
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت ٣: ((ركبوا)).
(٥) فى م: ((أرعبهم)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٢/٢ إلى المصنف.

٢٤٤
سورة آل عمران : الآيتان ١٧٢، ١٧٣
حدَّثنى سعيدُ بنُ الرَّبيع، قال: ثنا سفيانُ ، عن هشام بن عروةً ، عن أبيه ، قال :
قالت لى عائشةُ : إن كان أبَوَاك لمن الذين استجابوا للَّهِ والرسولِ من بعدِ ما أصابهم
القرح. تعنى أبا بكرٍ والزبيرَ(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: كان عبدُ اللَّهِ
من الذين استجابوا للَّهِ والرسولِ(٢).
قال أبو جعفرٍ: فوعَد اللهُ مُحسِنَ مَن ذكّرنا أمرَه - من أصحابٍ رسولٍ
اللَّهِ عَظِّمِ؛ الذين استجابوا للَّهِ والرسولِ من بعدٍ ما أصابهم القَرْحُ، إذا اتَّقَى اللَّه عز وجل
فخافه، فأدَّى فرائضَه، وأطاعه فى أمرِهِ ونهيِهِ فيما يَستقبِلُ من عُرِه - أجرًا عظيمًا،
وذلك الثوابُ الجزيلُ، والجزاءُ العظيمُ، على ما قدَّم من صالح أعماله فى الدنيا .
[٧٤/١١ ٥] القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ
لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
١١٧٣
يعنى بذلك تعالى ذِكرُه : وأن اللَّهَ لا يُضيعُ أجرَ المؤمنين، الذين قال لهم
الناسُ: إن الناسَ قد جمعوا لكم. و﴿ الَّذِينَ﴾ فى موضعِ خفضٍ، مردودٌ على
﴿ المؤمنين﴾. وهذه الصفةُ من صفةِ الذين استجابوا للَّهِ والرسولِ. و﴿ النَّاسُ﴾
الأوَّلُ: هم قومٌ - فيما ذُكِر لنا - كان أبو سفيانَ قد سأَلهم أن يُبِّطوا رسولَ اللَّهِ عَِّ
وأصحابَه الذين خرجوا فى طلَبِه بعدَ مُنصرَفِه عن أَحدٍ إلى حَمراءِ الأسَدِ .
و﴿ النَّاسَ﴾ الثانى: هم أبو سفيانَ وأصحابُه من قريشِ الذين كانوا معه بأَحدٍ .
(١) أخرجه الحميدى (٢٦٣)، وسعيد بن منصور فى سننه (٥٤٥ - تفسير)، وابن ماجه (١٢٤)، وابن أبى
داود فى مسند عائشة (١٦)، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ٣٥٨/١٨، ٣٥٩، من طريق سفيان به بنحوه .
وأخرجه ابن سعد ١٠٤/٣، والبخارى (٤٠٧٧)، ومسلم (٢٤١٨)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٨١٥/٣
(٤٥٠٧)، والحاكم ٢٩٨/٢، والبيهقى فى دلائل النبوة ٣١٢/٣ من طريق هشام بن عروة به بنحوه.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٢/٢ إلى المصنف.

٢٤٥
سورة آل عمران : الآية ١٧٣
يعنى بقولِه: ﴿قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾. قد جمعوا الرجالَ للقائِكم والكرّةِ إليكم
لحربِكم . ﴿فَأَخْشَوْهُمْ﴾، يقولُ: فاخْذَروهم، واتَّقوا لقاءَهم؛ فإنه لا طاقةَ لكم
بهم. ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾، يقولُ: فزادهم ذلك من تخويفٍ مَن خوَّفهم أمرَ أبى
سفيانَ وأصحابِهِ من المشركين ، يقينًا إلى يقينِهم، وتصديقًا للَّهِ ولوعدِه ووعدِ رسولِه
إلى تصديقهم، ولم يُثْنِهم ذلك عن وجهِهم، الذى أمَرهم رسولُ اللَّهِ مَّهِ بالسيرِ
فيه. ولكن ساروا حتى بلغوا رضوانَ اللَّهِ منه. ﴿وَقَالُواْ﴾ - ثقةٌ باللَّهِ، وتوكّلًا
عليه ، إذ خوَّفهم مَن خوَّفهم أبا سفيانَ وأصحابَه من المشركين -: ﴿حَسْبُنَا اُللَّهُ
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. يعنى بقولِه: ﴿حَسْبُنَا اُللَّهُ﴾. كفانا(٢) اللَّهُ، يعنى(٢):
يكفينا اللَّهُ. ﴿ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، يقولُ: ونعْمَ المَوْلِى لمن ولِيَه وكفَله .
وإنما وصَف تعالى نفسَه بذلك؛ / لأن ((الوكيلَ)) فى كلام العربِ: هو المُسْتَدُ ١٧٩/٤
إليه القيامُ بأمرٍ مَن أَسْنَد إليه القيامَ بأمرِهِ، فلما كان القومُ الذين وصَفهم اللَّهُ بما
وصَفهم به فى هذه الآياتِ ، قد كانوا فوَّضوا أمرَهم إلى اللَّهِ، ووثِقوا به، وأَشْنَدوا
ذلك إليه ، وصَف نفسَه بقيامِه لهم بذلك، وتفويضِهم أمرَهم إليه بالوَكالةِ ، فقال :
ونِعْم الوكيلُ اللَّهُ تعالى لهم .
واخْتَلف أهلُ التأويلِ فى الوقتِ الذى قال مَن قال لأصحابِ رسولِ اللهِ ◌ٍَّ :
(إِنَّ النَّاسَ قَدْ حَمَعُواْ لَكُمْ﴾ ؛ فقال بعضُهم : قيل ذلك لهم فى وجهِهم الذى
خرَجوا فيه مع رسولِ اللهِ ◌ِلَّهِ مِن أُحدٍ إلى حَمَراءِ الأسَدِ، فى طلبٍ أبى سفيانَ ومَن
معه من المشركين .
(١) فى ص، ت١، س: ((كفينا)).
(٢) فى ص، ت١، س: ((بمعنى)).

٢٤٦
سورة آل عمران : الآ ية ١٧٣
ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ السببِ
الذى من أجلِه قيل ذلك، ومَن قائلُه
[٧٤/١١ظ] حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ،
عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرو بنِ حزمٍ ، قال : مرَّ به - يعنى برسولِ
اللَّهِ عِمِ - مَعْبٌ الحُراعىُّ بحمراءِ الأَسَدِ، وكانت خزاعةٌ، مسلمُهم ومشركُهم،
عَيْبةً(١) نُصحِ لرسولِ اللَّهِ عَظِلّهِ بِتِهَامَةَ، صَفْقَتُهم معه، لا يُخفون عليه شيئًا كان بها ،
ومعبدٌ يومَئذٍ مشركٌ، فقال: يا محمدُ، أَمَا واللَّهِ لقد عزَّ علينا ما أصابك فى
أصحابِك، ولَوَدِدنا أن اللَّهَ عزَّ وجلَّ كان أعفاك فيهم. ثم خرج من عندِ رسولِ
اللَّهِ مََّّهِ بحمراءٍ(١) الأسَدِ، حتى لقِى أبا سفيانَ بنَ حربٍ ومن معه بالرَّوْحاءِ، قد
أَجْمعوا الرَّجْعةَ إلى رسولِ اللَّهِ وَهِ وأصحابِهِ، وقالوا: أصبْنا حَدَّ( ١) أصحابِه وقادتهم
وأشرافَهم ، ثم نرجِعُ قبلَ أن نستأصِلَهم؟! لنكُوَّنَّ على بقيَّتِهم، فلْنفرُ غَنَّ منهم . فلما
رأى أبو سفيانَ مَعْبدًا، قال: ما وراءَك يا معبدُ؟ قال: محمدٌ قد خرَج فى أصحابِهِ
یطلُبکم فی جمع لم أرَ مثله قطَّ ، یتحرّقون علیکم تحُقًا ، قد اجتمع معهمن كان تخلّف
عنه فى يومِكم، وندِموا على ما صنَعوا ، فيهم ( ١) من الحَتَقِ عليكم شىءٌ(٥) لم أرَ مثلَه قطُ .
قال : ويِلَك ما تقولُ ؟ قال: واللهِ ما أراك ترتحلُ حتى ترى نواصىَ الخيلِ. قال: فواللَّهِ
لقد أَجْمَعْنا الكرّةَ عليهم لنستأصلَ بقيَّتَهم، قال: فإنى أنهاك عن ذلك، فواللَّهِ لقد
حمّلنى ما رأيتُ على أن قلتُ فيه أبياتًا من شعرٍ! قال: وما قلتَ؟ قال: قلتُ(١):
(١) عيبة الرجل: موضع سره. النهاية ٣٢٧/٣، واللسان (ع ی ب ).
(٢) فى م: ((من حمراء)).
(٣) فى ص، س: ((محمداو))، وفى م، ت٢، ت٣: ((فى أحد)). وينظر سيرة ابن هشام ١٠٢/٢، ١٠٣.
(٤) فى م: ((فهم)) .
(٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((بشىء)).
(٦) الأبيات فى سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٣.

٢٤٧
سورة آل عمران : الآية ١٧٣
إِذْ سالتِ الأرضُ بالجُزْدِ(١) الأبابيلِ()
كادَتْ تُهَدُّ من الأصواتِ راحلتى
تَوْدِى(٢) بأَشْدٍ كرامٍ لا تَنابلةٍ(*)
فظَلْتُ عَدْوًا (٢) أظُنُّ الأرضَ مائلةً
عندَ اللِّقاءِ ولا مِيلٍ(٥) مَعَازِيلٍ(١)
لما سَمَوا برئيسٍ غيرِ مَحْذولٍ
إذا تَغَطْمَطَتْ(٨) البطحاءُ بالجيلِ"
فقلتُ ويلَ ابنِ حربٍ من لقائِكُمُ
لكلِّ ذى إِربةٍ منهم ومَعْقولٍ
إنّى نذيرٌ لأَهلِ البَسْلِ(١٠) ضاحيةٌ
وليس يُوصَفُ ما أَنْذَرتُ بالقيلِ
مِن جيشِ أحمدَ لا وَخْشٍ(١١) تَابِلةٍ
(١) الجرد: جمع أجرد، وهو القصير الشعر من الخيل، وقيل: الخيل العتاق. شرح غريب السيرة ١١٧/٢،
١١٨، واللسان (ج ر د ).
(٢) الأبابيل : الجماعات المتفرقة . اللسان (أب ل ).
(٣) ردت الخيل تردى: رجمت الأرض بحوافرها فى سيرها أو عدوها. ينظر غريب السيرة ١١٨/٢،
واللسان (ردى ).
(٤) التنابلة : جمع تنبال ، والتنبال : القصير. اللسان (ت ن ب ل ).
(٥) فى الأصل، ص، ت٢، ت٣، س: ((خرق)). والميل: جميع أميل، وهو الذى يميل على السرج فى
جانب لا يستوى عليه، وقيل: هو الذى لا سيف معه ولا رمح أو لا ترس معه. ينظر غريب السيرة ١١٨/٢،
واللسان (م ی ل ).
(٦) المعازيل: الذين لا سلاح معهم. غريب السيرة ١١٨/٢، اللسان (ع زل).
(٧) العدو : مشى سريع. غريب السيرة ٢ / ١١٨.
(٨) تغطمطت: اهتزت وارتجت، والبطحاء: السهل من الأرض. غريب السير ١١٨/٢.
(٩) فى ت١، ت٢، ت٣، س: ((بالخيل))، وغير منقوطة فى ص. والجيل: الصنف من الناس. ينظر غريب
السيرة ٢/ ١١٨، والخيل بالفتح: اسم للأفراس والفرسان جميعًا. تاج العروس (خ ى ل). قال السهيلى فى
الروض الأنف ٦ / ٤٨، ٤٩: قوله: بالخيل: جعل الردف - وهو الحرف الذى يكون قبل حرف الروى -
حرف لين، والأبيات كلها مُردَفة الروىّ بحرف مد ولين. وهذا هو السّناد .
(١٠) البسل: الحرام. وأراد بأهل البسل قريشًا؛ لأنهم أهل مكة، ومكة حرام. غريب السيرة ١١٨/٢،
واللسان ( ب س ل ).
(١١) الوخش: رذالة الناس وأخساؤهم. اللسان (وخ ش).

٢٤٨
سورة آل عمران : الآية ١٧٣
١٨٠/٤
/قال : فثَنى ذلك أبا سفيانَ ومن معه، ومرَّ به رَكْبٌ من عبدِ القَيْسِ ، فقال :
أين تريدون؟ قالوا: نريدُ المدينةَ. قال: ولِمَ؟ قالوا: نريدُ المِيرةَ. قال: فهل أنتم
مُبلِّغون عنى محمدًا رسالةً أُرسلُكم بها إليه(١)، وأُحَمِّلُ لكم إبلكم هذه غدًا زَبِيبًا
بُعُكَاظَ إذا وافيتُموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا جئْتُموه فأخبروه أنا قد أجْمَعنا السيرَ
إليه وإلى أصحابِه ؛ لنستأصلَ بقيَّتَهم، فمرَّ الرَّكْبُ برسولِ اللَّهِ مَّهِ وهو بحمراءٍ
الأسَدِ، فأخبروه بالذى قال أبو سفيانَ، فقال رسولُ اللَّهِ مَةٍ(٢): ((حَسْبُنا اللَّهُ ونعمَ
(٣)
الوكيلُ))(٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: فقال اللَّهُ: ﴿ الَّذِينَ
قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. [٧٥/١١و] والناسُ الذين قال لهم ما قالوا ، النفرُ من عبد القيسِ،
الذين قال لهم(١) أبو سفيانَ ما قال؛ إن أبا سفيانَ ومن معه راجعون إليكم. يقولُ اللَّهُ
تبارك وتعالى: ﴿فَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ﴾ الآية (١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدىِّ، قال: لما
ندِموا - يعنى: أبا سفيانَ وأصحابَه - على الرجوع عن رسولِ اللَّهِ مَ له وأصحابه
وقالوا: ارجعوا فاستأصِلوهم فقذَف اللَّهُ فى قلوبِهم الرُعبَ فهُزِموا، فَلَقُوا أَعرابيًّا،
فجعَلوا له مُعْلًا، فقالوا له : إن لقيتَ محمدًا وأصحابَه فأخبرهم أنا قد جمَعنا لهم ،
(١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٢) بعده فى الأصل: ((وأصحابه)).
(٣) سيرة ابن هشام ١٠٢/٢، ١٠٣، وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٣١٥/٣، ٣١٦ من طريق ابن
إسحاق به .
(٤) بعده فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((الناس)).
(٥) سيرة ابن هشام ١٢١/٢. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨١٨/٣ (٤٥١٧) من طريق سلمة به .

٢٤٩
سورة آل عمران : الآية ١٧٣
فأخبرَ اللَّهُ جلَّ ثناؤه رسولَه عََّه، فطلَبهم حتى بلَغ حمراءَ الأسَدِ ، فلقُوا الأعرابيَّ فى
الطريقِ، فأخبرهم الخبرَ، فقالوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ. ثم رجعوا من حمراءِ
الأسَدِ ، فَأَنْزَل اللَّهُ تعالى فيهم، وفى الأعرابيّ الذى لِقِيَهم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ
إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اُللَّهُ وَنِعْمَ
اُلْوَكِيلُ﴾(١).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: استقبل أبو سفيانَ فى مُنصرَفِه من أُحدٍ عيرًا واردةً المدينةَ
بيضاعةٍ لهم، وبينهم وبينَ النبيِّ ◌َِّ حِبالٌ، فقال: إن لكم علىَّ رضاكم إن أنتم
ردَدْتُم عنى محمدًا ومن معه ، إن أنتم وجدتموه فى طلَبى ، وأخبر تموه أنى قد جمعت
له جموعًا كثيرةٌ ، فاستقبلَت العيرُ رسولَ اللَّهِ ◌َِّ، فقالوا له: يا محمدُ، إنا نخبرك
أن أبا سفيانَ قد جمَع لك جموعًا كثيرةٌ ، وأنه مقبلٌ إلى المدينةِ ، وإن شئتَ أن ترجعَ
فافعَلْ، ولم يَزِدْه ذلك ومن معه إلا يقينًا، وقالوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ. فأَنْزَل
اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ
فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: انطلَق رسولُ اللَّهِ
عَلَه وعصابةٌ من أصحابِهِ بعدَ ما انصرَف أبو سفيانَ وأصحابُه من أُحدٍ خلْفَهم ،
حتى كانوا بذى الحُلَيفةِ ، فجعَل الأعرابُ والناسُ يأتون عليهم ، فيقولون لهم : هذا
أبو سفيانَ مائلٌ عليكم بالناسِ ، فقالوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ. فَأَنْزِل اللَّهُ تعالى
فيهم: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٢/٢ إلى المصنف.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٣/٢ إلى المصنف.

٢٥٠
سورة آل عمران : الآية ١٧٣
وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾(١)
١٨١/٤
/وقال آخرون: بل قال ذلك لرسولِ اللَّهِ ◌َ له وأصحابه من قال ذلك له فى غزوةٍ
بدرِ الصُّغرى، وذلك فى مسيرِ النبيِّ عَ لَّهِ من عامٍ قابل من وقعة أحدٍ ، للقاءِ عدوِّه أبی
سفيانَ وأصحابِه ، للموعدِ الذى كان واعَده الالتقاءَ بها .
ذكر من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح،
عن مجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾. قال:
هذا أبو سفيانَ، قال لمحمدٍ عَ لَّهِ: موعدُكم بدرٌ حيثُ قتَلتُم أصحابَنا. فقال
محمدٌ عَظ ◌ِهِ: ((عسى)). فانطلق رسولُ اللّهِ مَّهِ [٧٥/١١ظ] لموعدِه حتى نزَل بدرًا،
فوافقوا السوقَ فيها، وابتاعوا، فذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ
وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسَّهُمْ سُوْءٌ﴾. وهى غزوةُ بدرِ الصُّغرى(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنٍ مُجريجٍ، عن
مجاهدٍ بنحوِه، وزاد فيه: وهى بدرٌ الصغرى. قال ابنُ نجريج: لما عمَد النبىُّ عَ لَّه
لموعدٍ أبى سفيانَ، فجعلوا يلقَوْن المشركينَ، ويسألونهم عن قريشٍ، فيقولون : قد
جَمعوا لكم، يكِيدونهم بذلك، يريدون أن يَوْعَبوهم، فيقولُ المؤمنون: ﴿حَسْبُنَا
اللَّهُ وَنِعْمَ اُلْوَكِيلُ﴾. حتى قدِموا بدرًا، فوجَدوا أسواقَها عافيةً لم ينازِعْهم فيها
أحدٌ ، وقدِم رجلٌ من المشركين، فأَخْبَر أهلَ مكةَ بخيلٍ محمدٍ عليه السلامُ ، وقال
(١) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٩٧ من طريق سعيد به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨١٩/٢ (٤٥٢٣) من طريق ابن أبى نجيح به .

٢٥١
سورة آل عمران : الآية ١٧٣
فى ذلك(١):
(١)
نفَرَتْ قَلُوصى عن خيولٍ محمدٍ
(٢)
وعَجْوةٍ منثورةٍ كالعُنْجُدِ
واتَّخَذتْ ماءَ قُدَيدٍ(٢) مَؤعدى
قال أبو جعفرٍ: هكذا أنشدنا القاسمُ، وهو خطأً ، وإنما هو:
قد نفَرَتْ من رُفْقَتى محمدٍ
وعَجْوةٍ من يثربِ كالعُنْجُدِ
تَهْوِى على دينِ أبيها الأَثلدِ
قد جعَلَتْ ماءَ قُدَیدٍ مَوْعدى
وماءَ ضَجْنانَ لها ضُحَى الغدٍ (٤)
حدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا ابنُ عُيينةً ، عن
عمرٍو، عن عكرمةَ، قال: كانت بدرٌ متجرًّا فى الجاهليةِ ، فخرَج ناسٌ من المسلمين
يريدونه، فلقِيهم ناسٌ من المشركين، فقالوا لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ
فَأَخْشَوْهُمْ﴾. فأما الجبانُ فرجَع، وأما الشُّجائحُ فأخَذ الأَهْبةَ للقتالِ ، وأهبةَ التجارةِ ،
وقالوا: ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. فأَتَوْهم فلم يلْقَوا أحدًا، فَأَنْزَل اللَّهُ عزَّ
وجلَّ فيهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ﴾
(١) هو معبد بن أبى معبد الخزاعى.
(٢) العنجد : حب العنب ، ويقال: هو الزبيب الأسود. اللسان (عنجد ).
(٣) قديد: اسم موضع قرب مكة. معجم البلدان ٤/ ٤٢.
(٤) سيرة ابن هشام ٢١٠/٢، وذكره ابن كثير فى تفسيره ١٤٩/٢ عن المصنف.
(٥) تفسير عبد الرزاق ١٤٠/١، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٥٤٣ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى
تفسيره ٨١٨/٣ (٤٥٢٢) من طريق سفيان بن عيينة به .

٢٥٢
سورة آل عمران : الآية ١٧٣
١٨٢/٤
/حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا ابنُ عيينةً،
قال : أخبرنى زكريا ، عن الشعبىّ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمٍو، قال: هى كلمةُ إبراهيمَ
عَلِ حينَ أُلْقِىَ فى النارِ، فقال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾(١).
وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ قولُ من قال: إن الذى قيل لرسولِ اللَّهِ عَّالتاهل
وأصحابِه، من أن الناسَ قد جمعوا لكم فاخشَوْهم. كان فى حالٍ خُروج رسولِ اللَّهِ
عَلَّه، وخُروجِ مَن خرَّج معه فى أَثْرٍ أبى سفيانَ ومن كان معه من مشرکی قریشٍ،
منصرفَهم عن أَحدٍ إلى حَمراءِ الأسَدِ ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذِكرُه إنما مدَح الذين وصَفهم
بقيلهم: ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ اُلْوَكِيلُ﴾. لما قيل لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ
لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾. بعدَ الذى قد كان نالهم من القروح والكُلُومِ، بقولِه: ﴿ الَّذِينَ
أُسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْعُ﴾. ولم تكن هذه الصفةُ إلا
صفةً من تَبع رسولَ اللَّهِ مِ لّهِ، من جَرْحَى أصحابِه بأحدٍ إلى حَمراءِ الأسَدِ .
فأما(٢) الذين خرجوا معه إلى غزوةٍ بدرِ الصُّغرى، فإنه لم يكُنْ فيهم
جريج ، إلا جريحٌ قد تقادم اندمالُ جُرْحِه، وبرَأْ كَلْمُه. وذلك أن رسولَ اللَّهِ
عَ ◌ٍّ، [٧٦/١١ و] إنما خرَج إلى بدرِ الخَرَّجةَ الثانيةَ إليها لموعدٍ أبى سفيانَ الذى
كان واعَده اللقاءَ بها بعدَ سنةٍ من غزوةٍ أَحدٍ فى قولِ بعضٍ، وفى قولٍ
آخرين: خرج إليها بعدَما مضى عشرةُ أشهرٍ من أحدٍ ، فى شعبانَ سنةً أربع
من الهجرة. وذلك أن وقعةَ أَحدٍ كانت فى النصفِ من شوَّالٍ من سنةٍ
ثلاثٍ، وخُروجَ النبيِّ عَِّ لغزوةٍ بدرِ الصُّغرى إليها فى شعبانَ من سنةِ أربعٍ، ولم
يكنْ للنبيّ ◌َّهِ بينَ ذلك وقعةٌ مع المشركين كانت بينَهم فيها حربٌ جُرِح فيها
(١) تفسير عبد الرزاق ١٤٠/١، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٥٣/١٠ من طريق الشعبى بنحوه، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ١٠٣/٢ إلى ابن المنذر.
(٢) بعده فى م: ((قول)).
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.

٢٥٣
سورة آل عمران : الآيتان ١٧٣ ، ١٧٤
أصحابُه ، ولكن قد كان قُتِل فى وقعةِ الرَّجِيع من أصحابِهِ جماعةٌ لم يشهَدْ أحدٌ
الر
منهم غزوة بدرِ الصُّغْرَى، وكانت وقعةُ الرَّجِيعِ فيما بينَ وقعةِ أَحدٍ ، وغزوةٍ
النبيِّ عَ لَّه بدرًا الصُّغرى.
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ
(١٧٤)
وَأَتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ ﴾. فانصرف الذين
استجابوا للَّهِ والرسول من بعد ما أصابهم القزح ، من وجههم الذی توجّهوا فيه ، وهو
سيرهم فى أثَرِ عدوّهم إلى حَمراءِ الأسَدِ. ﴿ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ ، يعنى: بعافيةٍ من
ربِّهم، لم يَلْقَوا بها عدوًّا، ﴿وَفَضْلٍ﴾، يعنى ما أصابوا فيها من الأرباح
بتجارتِهِم التى تَجَروا بها ، والأجرِ الذى اكتسبوه، ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ﴾. يعنى:
لم ينَلْهم بها مكروة من عدوِّهم ولا أَذَّى، ﴿ وَأَتَّبَعُواْ رِضْوَنَ اُللَّهِ﴾ . يعنى بذلك:
أنهم أَرْضَوا اللَّهَ بفعلِهم ذلك، واتباعِهم رسولَه إلى ما دعاهم إليه، من اتباعٍ أَثْرِ(٣)
العدوِّ وطاعتِهم، ﴿ وَاَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. يعنى: واللَّهُ ذو إحسانٍ وطَوْلٍ
عليهم، بصرفٍ عدوّهم الذى كانوا قد همُّوا بالكرَّةِ إليهم، وغير ذلك من أياديه
عندَهم، وعلى غيرِهم بنعَمِه، ﴿ عَظِيمٍ﴾ عندَ من أنْعَم به عليه من خلقِه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ .
/ذكرُ من قال ذلك
١٨٣/٤
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح،
عن مجاهدٍ: ﴿فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾. قال: والفضلُ ما أصابوا من
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت٢، ت٣، س.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((أمر)).

٢٥٤
سورة آل عمران : الآية ١٧٤
التجارةِ والأجرِ (١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنٍ تجريجٍ، عن
مجاهدٍ ، قال: وافقوا السوقَ فابتاعوا، وذلك قوله: ﴿فَأَنْقَلَبُواْ [٧٦/١١ظ] بِنِعْمَلٍ مِّنَ
اللّهِ وَفَضْلٍ﴾. قال: الفضلُ ما أصابوا من التجارةِ والأجرِ. قال ابنُ نجريج: ما
أصابوا من البيع نعمةٌ من اللَّهِ وفضلٌ، أصابوا عفوَه وعَّتَه، لا ينازِعُهم فيه أحدٌ .
قال: وقولُه: ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ﴾. قال: قَتْلٌ. ﴿ وَأَتَّبَعُواْ رِضْوَانَ الَهِ﴾. قال:
طاعةً النبيِّ يَبِّ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ
عَظِيمٍ﴾. لما صرَف عنهم من لقاءِ عدوّهم (١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباس، قال: أطاعوا اللَّهَ، وابتغَوا حاجتهم، ولم يؤذِهم أحدٌ :
فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَتَّبَعُواْ رِضْوَنَ الَّهِ وَاللَّهُ ذُو
فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾(٣).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشّدىِّ، قال: أعطَى
رسولُ اللَّهِ مَِّ أصحابَهُ(٤) - يعنى: حينَ خرَج إلى غزوة بدرِ الصغرى - بيدٍ دراهمَ
ابتاعوا بها من موسم بدرٍ ، فأصابوا تجارةٌ ، فذلك قولُ اللَّهِ عز وجل: ﴿فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ
مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَنَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. أما ((النعمةُ)) فهى العافيةُ ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨١٩/٣ (٤٥٢٦) من طريق ابن أبى نجيح به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٠٤/٢ إلى ابن المنذر .
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٢١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٠/٣ (٤٥٣٢) من طريق آخر عن ابن إسحاق به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨١٩/٣، ٨٢٠ (٤٥٢٩، ٤٥٣١) عن محمد بن سعد به .
(٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .

٢٥٥
سورة آل عمران : الآيتان ١٧٤، ١٧٥
وأما ((الفضلُ)) فالتجارةُ، و ((السوءُ)) القتلُ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَمٌ﴾.
يعنى بذلك تعالى ذكره : إنما الذى قال لكم، أيها المؤمنون: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ فخوَّفوكم بجموعِ عدوِّ كم ، ومسيرِهم إليكم ، من فعلِ الشيطانِ ألقاه
على أفواهِ من قال ذلك لكم ، يخوِّفُكم بأوليائه من المشركين ؛ أبى سفيانَ وأصحابِه
من قريشٍ ، لتَوْهَبوهم، وتَجْنوا عنهم .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثناسعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ
الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءٌَ﴾: يخوِّفُ واللَّهِ المؤمنَ بالكافرِ، وَيُرْهِبُ المؤمنَ بالكافرِ " .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجَّاجْ، عن ابنٍ نجريجٍ، قال :
قال مجاهدٌ قوله: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُ﴾. قال: يخوِّفُ المؤمنين
(٣)
بالكفارِ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ إِنََّا ذَلِكُمُ الشَّيْطَنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. يقولُ : الشيطانُ
يخوّفُ المؤمنين بأوليائِه (٤) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ
يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءٌَ﴾: / أى: أولئك الرهطُ - يعنى النفرَ من عبدِ القيس - الذين قالوا
١٨٤/٤
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨١٩/٣، ٨٢٠ (٤٥٢٥، ٤٥٣٠) من طريق أحمد بن مفضل به، و٣/
٨١٩ عقب الأثر (٤٥٢٦) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢١/٣ (٤٥٣٧) من طريق يزيد به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/٢ إلى المصنف، وذكره بنحوه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٠/٢
عقب الأثر (٤٥٣٣) معلقًا عن العوفى عن ابن عباس .

٢٥٦
سورة آل عمران : الآية ١٧٥
الرسولِ اللَّهِ ◌ِ لِ ما قالوا، وما أُلقى الشيطانُ على أفواهِهم، ﴿ يُخَوِّفُ [٧٧/١١ و]
أَوْلِيَاءٌَ﴾ . أى: يُؤْهُكم بأوليائِه(١) .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا علىُّ بنُ مَعْبدٍ ، عن عتَّابِ بن بشيرٍ ، مولی قریشٍ ،
عن سالمِ الأَقْطسِ فى قولِهِ: ﴿ إِنََّا ذَلِكُمُ الشَّيْطِنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَمٌ﴾ . قال :
يُخوِّفُكم بأولیائِه .
وقال آخرون: معنى ذلك: إنما ذلكم الشيطانُ يعظّمُ أمرَ المشركين، أيها
المنافقون ، فى أنفسكم لتخافونه(٢) .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ، قال: ذكَر أمرَ
المشركين وعظَّمهم فى أعينِ المنافقين، فقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ
أَوْلِيَاءٌ﴾. يقولُ: يعظُمُ أولياءَه فى صدورِ كم فتخافونَهم " .
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءٌَ﴾. وهل يخوِّفُ الشيطانُ
أولياءَه؟ (+ وكيف) قيل: إن كان معناه: يخوِّفُكم بأوليائِه: ﴿ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُ﴾؟
قيل: ذلك نظيرُ قولِه: ﴿ لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢]. بمعنى:
لينذرَكم بأسَه الشديدَ، وذلك أن البأسَ لا يُنذَرُ، وإنما يُنْذَرُ به (٥).
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ يقولُ : معنى ذلك : يخوِّفُ الناسَ
(١) سيرة ابن هشام ١٢١/٢. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢١/٢ (٤٥٤٠) من طريق سلمة به.
(٢) فى ص، ت١، س: ((فتخافوه)). وفى م، ت٢، ت٣: (( فتخافونه)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٠/٣ (٤٥٣٥) من طريق أحمد بن المفضل به.
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .
(٥) ينظر معانى القرآن للفراء ٢٤٨/١.

٢٥٧
سورة آل عمران : الآيتان ١٧٥، ١٧٦
أولياءَه، كقولِ القائلِ: هو يُعْطِى الدراهمَ، ويكسو الثيابَ. بمعنى: هو يُعطِى الناسَ
(١)
الدراهم ، ويكشوهم الثيابَ ، فحذَف ذلك للاستغناء عنه . ولیس الذی شبّه من
ذلك بمشتَبِهٍ (٢) ؛ لأن الدراهمَ فى قولِ القائلِ: هو يُعطى الدراهمَ. معلومٌ أن المعطَى
هى الدراهمُ، وليس كذلك الأولياءُ فى قوله: ﴿ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءُمُ﴾. مخوَّفين، بل
التخويفُ من الأولياءِ لغيرِهم ، فلذلك اقْتَرقا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ فَلَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُم ◌ُؤْمِنَ
يعنى تعالى ذكره : فلا تخافوا أيها المؤمنون المشركين، ولا يعظُمَنَّ عليكم
أمرُهم ، ولا تَرْهَبوا جمعَهم مع طاعتِكم إياى ؛ ما أطعْتُمونى ، واتبعتم أمرى ، وإنى
متكفِّلٌ(٢) لكم بالنصرِ والظَّفَرِ، ولكن خافونٍ، واتقوا أن تَعصُونى، وتخالفوا
أَمْرِى ، فَتَهلِكوا، ﴿إِن كُنُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ . يقولُ: ولكن خافونى دونَ المشركين،
ودونَ جميع خلقى أن تخالفوا أمرِى ، إن كنتم مصدِّقى رسُولى ، وما جاءكم به من
عندی .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُواْ
اُللَّهُ شَيْئًا ﴾
[ ٧٧/١١ظ] يقول تعالى ذكره: ولا يَحْزُنْك يا محمدُ كفر الذين يسارعون فى
الكفرِ ، مرتدِّين على أعقابِهم من أهلِ النفاقِ ، فإنهم لن يضرُّوا اللَّهَ شيئًا بمسارعتِهم
فى الكفرِ، كما أن مسارعتَهم لو سارعوا إلى الإيمانِ لم تكنْ بنافعتِه ، فكذلك
مسارعتُهم إلى الكفرِ غيرُ ضارَّتِه .
(١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((بمشبه).
(٣) فى ص، ت١، س: ((متكلف)).
( تفسير الطبرى ١٧/٦ )

٢٥٨
سورة آل عمران : الآيتان ١٧٦، ١٧٧
/ کما حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عیسی ، عن ابنِ أُبی
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ وَلَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ ﴾ . يعنى:
+(١)
إنهم المنافقون(٢) .
١٨٥/٤
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ وَلَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ
يُسَرِعُونَ فِ الْكُفْرَّ﴾. أى: المنافقون(٣).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظَا فِىِ الْآَخِرَةِّ وَهُمْ عَذَابٌ
١٧٦
عَظِيمُ
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه : يريدُ اللَّهُ ألا يجعلَ لهؤلاء الذين يسارعون فى الكفرِ
نصيبًا فى ثواب الآخرةِ ، فلذلك خذَلهم فسارعوا فيه ، ثم أَخْبَر أنهم مع حرمانهم ما
◌ُرِموا من ثوابِ الآخرةِ، لهم عذابٌ عظيمٌ فى الآخرةِ ، وذلك عذابُ النارِ .
وقال ابنُ إسحاقَ فى ذلك بما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، عن ابنِ
إسحاقَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَقًّا فِى الْآَخِرَةِ﴾: أن يُخْبِطَ أعمالَهم (٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِآلْإِيمَنِ لَنْ يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئًا
١٧٧
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
يعنى بذلك تعالى ذكرُه المنافقين الذين تقدَّم إلى نبيِّه ◌ِ لّ فيهم ، ألّ يحزنَه
مسارعتُهم إلى الكفرِ، فقال النبيِّه ◌ِ له: إن هؤلاء الذين ابتاعوا الكفرَ بإيمانِهم،
فارتدُّوا عن إيمانِهم بعدَ دخولِهم فيه، ورضُوا بالكفرِ باللّهِ وبرسولِه، عوضًا من
(١) فى م: (هم).
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٦٢. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٢/٣ (٤٥٤٥) من طريق ابن أبى نجيح
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) سيرة ابن هشام ١٢١/٢.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٢/٣ (٤٥٤٦)، من طريق سلمة به.

٢٥٩
سورة آل عمران : الآيتان ١٧٧، ١٧٨
الإيمانِ ، لن يضرُّوا اللَّهَ بكفرِهم، وارتدادِهم عن إيمانهم شيئًا، بل إنما يضرُّون بذلك
أنفسَهم بإيجابِهم بذلك لها من عقابِ اللَّهِ ما لا قِبلَ لها به .
وإنما حثَّ اللَّهُ عَزَّ ذكرُه بهذه الآياتِ من قولِه: ﴿ وَمَا أَصَبَكُمْ يَوْمَ اُلْتَفَى
اٌلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾. إلى هذه الآيةِ - عباده المؤمنين على إخلاصِ اليقينِ،
والانقطاع إليه فى أمورِهم، والرضا به ناصرًا وحدَه دونَ غيرِهِ من سائرِ خلقِه،
ورغّب بذلك فى جهادِ أعدائِه وأعداءِ دينه، وشجَّع بها قلوبَهم، وأَعْلَمهم أن من
وليه بنصرِه ، فلن يُخْذَلَ ، ولو اجتمع عليه جميعُ من خالَفه وحادَّه، وأن من خذَله،
فلن ينصُرَه ناصِرٌ ينفَعُه نصرُه [٧٨/١١و] ولو كثُرت أعوانُه (١ ونصراؤُه(١).
كما حدَّثنا ابنُ جميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
أَشْتَرَوَأْ الْكُفْرَ بِالْإِيمَنِ﴾: أى المنافقين، ﴿لَن يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ ﴾ : أى مُوجعٌ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نَجيح،
عن مجاهدٍ ، قال: هم المنافقون (٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنََّا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا
نُعْلِيٍ لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّأْ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ
/ يعنى بذلك تعالى ذكره: ولا يظُنََّّ الذين كفروا باللَّهِ ورسولِه، وما جاء به ١٨٦/٤
من عندِ اللَّهِ، أن إملاءَنا لهم(٣) خيرٌ لأنفسِهم.
ويعنى بالإملاءِ: الإطالةَ فى العمُرِ، والإِنساءَ فى الأجل، ومنه قولُه جلَّ ثناؤه:
(١ - ١) فى م، ت٢، ت٣، س: ((أو نصراؤه)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢٣/٣ (٤٥٥٠) من طريق ابن أبى نجيح به .
(٣) فى الأصل: ((إياهم)).

٢٦٠
سورة آل عمران : الآية ١٧٨
﴿ وَأَهْجُرُبِ مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]. أى حينًا طويلًا. ومنه قيل: عِشْتَ طويلًا،
وتملَّيْتَ حَبِيبًا(١) . والملا نفسُه: الدهرُ، والمَلَوانِ: الليلُ والنهارُ. ومنه قولُ تميم بنٍ
(٢)
مُقْبِلٍ(١) :
ألا يا ديارَ الحَيِّ بالسَّبُعانِ(١)
أملَّ عليها بالبِلَى المَوَانِ
يعنى بالمَلَوينِ (٤) : الليلَ والنهارَ.
وقد اخْتَلفت القرأةُ فى قراءةٍ قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِىِ لَهُمْ خَيْرٌ
لِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ فقرأ ذلك جماعةٌ منهم: ﴿وَلَا يَحْسَنَّ﴾ بالياءِ، ويفتحِ الألفِ من
قوله: ﴿أَنَّمَا﴾، على المعنى الذى وصَفتُ من تأويلِه (٥). وقرأه آخرون: ( ولا
تَحْسَبنَّ) بالتاءِ، و﴿ أَنَّمَا﴾، أيضا بفتح الألفِ من ((أَما))، بمعنى: ولا تَحْسَبَنَّ يا
محمدُ أنت (١) الذين كفَروا أنما تُمْلِى لهم خيرٌ لأنفسِهم (١).
فإن قال قائلٌ: فما الذى من أجلِه فُتحِت الألفُ من قولِه: ﴿ أَنَّمَا﴾ . فى قراءةٍ
من قرأ: (تَحْسَبَنَّ). بالتاءِ، وقد علمتَ أن ذلك إذا فُرِئ بالتاءِ، فقد أَعْملتَ
﴿ تحسبنَّ﴾ فى ﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، وإذا أعملتَها فى ذلك لم يجُزْلها أن تقعَ على
(((أنما))؛ لأن ((أنما)) إنما يعمَلُ فيها عاملٌ يعمَلُ فى شيئين نصبًا؟
قيل : أما الصوابُ فى العربيةِ، ووجهُ الكلامِ المعروفُ من كلام العربِ كَشْرُ
(١) فى الأصل، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((حينًا)). وفى ص: ((حنينا)). والمثبت هو الصواب، وتمليت
حبيباً : عشت معه ملاوة من دهرك وتمتعت به . اللسان (م ل ى) .
(٢) دیوانه ص ٣٣٥.
(٣) السبعان: موضع معروف فى ديار قيس، وقيل: هو جبل قبل فلج. ينظر معجم البلدان ٣٣/٣.
(٤) فى ص، م: ((بالملوان)).
(٥) هذه قراءة العشرة إلا حمزة. ينظر السبعة ص ٢١٩، والنشر ١٨٤/٢.
(٦) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .
(٧) هذه قراءة حمزة، ووافقه المطوعى. ينظر المصدران السابقان، وينظر إتحاف فضلاء البشر ص ١١٠.