Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١
سورة آل عمران : الآية ١٥٢
ابنُ عباسٍ: لمّ هزَم اللَّهُ المشركين يومَ أُحدٍ ، قال الرُّماةُ: أَدْرِكوا الناسَ ونبىَّ
اللَّهِ عََّّهِ، لا يَسْبِقوكم إلى الغنائم، فتكونَ لهم دونَكم. وقال بعضُهم: لا نَرِيمُ
حتى يَأْذَنَ لنا النبىُّ عَلِ. فَنزَلَت: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُم مَّن
يُرِيدُ الْآَخِرَةٌ﴾(١).
قال ابنُ جريج : قال ابنُ مسعودٍ: ما علِمْنا أن أحدًا مِن أصحابٍ رسولٍ
اللَّهِ عَلَّهِ كان يُرِيدُ الدنيا وعرَضَها حتى كان يومَئذٍ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن المباركِ ، عن الحسنِ :
مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا﴾: هؤلاء الذين يَحِيزُونُ الغنائمَ، ﴿وَمِنكُمْ
مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ ، الذين يَتَّبِعُونهم يَقْتُلونهم.
حدَّثنا الحسينُ بنُ عمرو بنِ محمدِ العَنقَزِىُّ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّل ، قال :
ثنا أسباطُ بنُ نصرٍ، عن السدىِّ، عن عبدٍ خيرٍ ، قال: قال عبدُ اللَّهِ : ما كنتُ أَرَى
أحدًا مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ مَ لَّه يُرِيدُ الدنيا، حتى نزَل فينا يومَ أحدٍ: ﴿مِنكُم
مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ، عن عبدٍ خيرٍ ، قال : قال ابنُ مسعودٍ : ما كنتُ أَظُنُّ فى أصحابِ رسولٍ
اللَّهِ عَظِّمِ يومَئذٍ أحدًا ثُرِيدُ الدنيا، حتى قال اللَّهُ ما قال(٤).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع ، قال : قال عبدُ اللَّهِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٦/٢ إلى المصنف.
(٢) فى م: ((يحوزون)).
(٣) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (١٣٩٩) عن الحسين بن عمرو به .
(٤) أخرجه ابن أبى عاصم فى الزهد (٢٠٣) وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٨/٣ (٤٣٣٠)، والبيهقى فى
الدلائل ٢٢٨/٣ من طريق أحمد بن المفضل به .
١٤٢
سورة آل عمران : الآية ١٥٢
ابنُ مسعودٍ لما رآهم وقَعوا فى الغَنائم: ما كنتُ أَحْسَبُ أن أحدًا مِن أصحابٍ رسولٍ
اللَّهِ عَهِ يُرِيدُ الدنيا حتى كان اليومُ.
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی امی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : كان ابنُ مسعودٍ يقولُ: ما شعَرْتُ أن أحدًا مِن أصحاب
النبيِّ ◌َِّ كان يُرِيدُ الدنيا وعرّضَها حتى كان يومَئذٍ .
١٣١/٤
/ حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ
الدُّنْيَا﴾. أى: الذين أرادوا النهبَ، رغبةً فى الدنيا ، وتركَ ما أَمِروا به مِن الطاعةِ
التى عليها ثوابُ الآخرةِ. ﴿وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾، أى: الذين جاهَدوا
فى اللَّهِ و(١) لم يُخالِفوا إلى مانهُوا عنه، لعَرَضٍ مِن الدنيا؛ رغبةً فى رجاءِ ما عندَ اللَّهِ مِن
حسنٍ ثوابِهِ فى الآخرةِ (٢) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِبْتَلِيَكُمْ
يعنى بذلك تعالى ذكرُه: ثم صرَفَكم أيُّها المؤمنون عن المشركين بعد ما أراكم
ما تُمُون فيهم وفى أنفسكم ، مِن هزيمتكم إيَّهم، وظهورٍ كم عليهم ، فردّ وجوهكم
عنهم ؛ لمعصيتكم أمرَ رسولى، ومخالفتِكم [٤٧/١١ و] طاعتَه، وإيثارٍ كم الدنيا على
الآخرةِ؛ عقوبةً لكم على ما فعَلْتُم، ﴿ لِبْتَلِيَكُمْ﴾. يقولُ: لِيَخْتَبِرَكم، فِيَتَمَيَّرَ
المنافقُ منكم مِن المخلصِ الصادقِ فى إيمانِه منكم .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ ،
عن السدىِّ، ثم ذكر حينَ مال عليهم خالدُ بنُ الوليدِ: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
(١) سقط من : م.
(٢) سيرة ابن هشام ١١٤/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٩/٣ (٤٣٣٢) من طريق سلمة به.
١٤٣
سورة آل عمران : الآية ١٥٢
(١)
وسط
لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن مباركٍ ، عن الحسنِ
فى قولِه: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾. قال: صرَف القومَ عنهم، فقُتِل مِن المسلمين
بعِدَّةٍ مَن أُسِروا يومَ بدرٍ ، وقُتِل عمُّ رسولِ اللهِ عَهِ، وَكُسِرَت رَبَاعِيْتُه، وشُجَّ فى
وجهِه، فكان يَمْسَحُ الدمَ عن وجهِه ويقولُ: ((كيف يُفْلِحُ قومٌ فَعَلوا هذا بنبيِّهم،
وهو يَدْعُوهم إلى ربِّهم؟)) فنزَلَت " هذه الآيةُ): ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ ﴾ الآية
[ آل عمران: ١٢٨]. فقالوا: أليس كان رسولُ اللَّهِ مَِّ وعَدَنا النصرَ؟ فأَنْزَل اللّهُ:
﴿ وَلَقَدْ صَدَنَّكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ إلى قولِه: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ
(٣)
وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ
لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾. أىْ: صرَفَكم عنهم لِيَخْتَبِرَ كم، وذلك ببعضٍ ذنوبكم(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى
اُلْمُؤْمِنِينَ
١٥٢
يعنى بقوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾: ولقد عفا اللَّهُ أيُّها
المُخالِفِون أمْرَ رسولى، والتارِكون طاعتَه، فيما تقَدَّم إليكم مِن لزومِ الموضع الذى
أمَرَ كم بلزومِه - عنكم ، فصفَح لكم مِن عقوبةِ ذنبِكم الذى أتَيْتُموه ، عما هو أعظمُ
مما عاقَتَكم به، مِن هزيمةِ أعدائِكم إياكم، وصَرْفِ وجوهِكم عنهم ، إذ لم يَسْتَأْصِلْ
٥
جمیعکم .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٩/٣ (٤٣٣٥) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣ ، س .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٦/٢ إلى المصنف .
(٤) سيرة ابن هشام ١١٤/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٩/٣ (٤٣٣٦) من طريق سلمة به .
١٤٤
سورة آل عمران : الآية ١٥٢
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن مباركٍ ، عن
الحسنِ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾. قال: قال الحسنُ - وصفَّق بيديه - :
وكيف عفا عنهم وقد قُتِل منهم سبعون، وقُتِل عمُّ رسولِ اللَّهِ مَِّّهِ، وكُسِرَت
رَبَاعِيتُه، وشُجَّ فى وجهه؟ قال: ثم يقولُ: قال اللَّهُ: قد عفَوْتُ عنكم إذ
عصَيْتُمونى، ألا أَكونَ اسْتَأْصَلْتُكم. قال: ثم يقولُ الحسنُ: هؤلاء مع رسولٍ
١٣٢/٤ اللَّهِ، / وفى سبيل اللّهِ، غِضابٌ للَّهِ، يُقاتِلون أعداءَ اللَّهِ، نُهُوا عن شىءٍ
فضيَّعوه (١)، فواللَّهِ ما تُرِكوا حتى غُمُوا بهذا الغَمِّ، فَأَفْسَقُ الفاسقين اليومَ
يتجَرْثَمُ (١) كلَّ كبيرةٍ، ويَوْكَبُ كلَّ داهيةٍ، ويَسْحَبُ عليها ثيابَه، ويَزْعُمُ ألا
بأسَ عليه، فسوف يَعْلَمُ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجرَيْج قولَه :
﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾. قال: لم يَسْتَأْصِلْكم(٤) .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن [٤٧/١١ظ] ابن إسحاقَ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا
عَنكُمْ﴾: ولقد عفا اللَّهُ عن عظيم ذلك، لم يُهْلِككم بما أتَيْثُم مِن معصيةٍ
نبيِّكم ◌َ ◌ِّ، ولكن عُدْتُ بِفَضْلِى عليكم(٥).
وأما قولُه: ﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. فإنه يعنى: واللَّهُ ذو طَوْلٍ
(" ومنّ) على أهلِ الإِيمانِ به وبرسولِه، بعفوِه لهم عن كثيرٍ ما يَسْتَوْجِبون به العقوبةَ عليه
مِن ذنوبِهم ، فإن عاقَبَهم على بعضٍ ذلك، فذو إحسانٍ إليهم ، بجميلٍ أياديه عندَهم .
(١) فى م: ((فصنعوه)).
(٢) فى س: ((يتجرأ))، وفى م: ((يتجرأ على))، وتجرثم الشىء: أخذ معظمه. اللسان (جرثم).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٦/٢ إلى المصنف بتمامه، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٨٩/٣
(٤٣٣٧) من طريق الحجاج ، عن الحسن، مختصرا جدًّا .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٦/٢ إلى المصنف ، وابن المنذر.
(٥) سيرة ابن هشام ١١٤/٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٩٠/٣ (٤٣٣٨) من طريق سلمة به.
(٦ - ٦) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .
١٤٥
سورة آل عمران: الآيتان ١٥٢، ١٥٣
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَلَقَدْ عَفَا
عَنكُمُ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وكذلك منَّ اللَّهُ على
المؤمنين، أن عاقَبَهم ببعضِ الذنوبِ فى عاجلِ الدنيا؛ أدبًا وموعظةً ، فإنه غيرُ
مُسْتَأْصِلٍ لكلِّ ما فيهم مِن الحقِّ له عليهم؛ لما أصابوا مِن معصيتِه، رحمةً لهم،
وعائدةً عليهم ، لما فيهم (١) مِن الإِيمانِ(٢).
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْؤُنَ عَلَّ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ
يَدْعُوكُمْ فِىّ أُخْرَكُمْ﴾ .
يعنى بذلك تعالى ذكرُه: ولقد عفا عنكم أيُّها المؤمنون إذ لم يَسْتَأْصِلْكم
إهلاكًا منه جميعكم بذنوبِکم وهربِکم عن عدوّکم ®إذ تُصْعِدُون ولا تلوون علی
أحدٍ .
واخْتَلَفَتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرَأَتَه عامةُ قرأةِ أهلِ الحجازِ والعراقِ والشامِ
سوى الحسنِ البصرىِّ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ بضمِّ التاءِ وكسرِ العينِ. وبه القراءةُ
عندَنا؛ لإجماع الحُجَّةِ مِن القرأةِ على القراءةِ به، واستنكارِهم ما خالَفه .
وُرُوِى عن الحسن البصرىِّ رحِمه اللهُ أنه كان يَقْرَأَ: (إِذْ تَصْعَدونَ) بفتحِ التاءِ
(٤)
والعينِ ) .
حدَّثنى بذلك أحمدُ بنُ يوسُفَ ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلّام ، قال: ثنا حجاجٌ ،
عن هارونَ ، عن يونُسَ بنِ عُبيدٍ ، عن الحسنِ .
(١) فى الأصل: (( فيه )).
(٢) سيرة ابن هشام ١١٤/٢ .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٤) ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ١٠٨.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٦/٢ إلى المصنف.
( تفسير الطيرى ١٠/٦ )
١٤٦
سورة آل عمران : الآية ١٥٣
فأما الذين قرَءوا: ﴿ تُصْعِدُونَ ﴾ بضمّ التاءِ و کسر العین ، فإنهم وجهوا معنى
ذلك إلى أن القومَ حينَ انْهَزَموا عن عدوّهم ، أخَذُوا فى الوادى هارِبِين، وذكروا أن
ذلك فى قراءةٍ أَبيِّ: (إذ تُصْعِدون فى الوادى).
حدَّثنا بذلك(١) أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا أبو عُبيدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ(١).
١٣٣/٤
قالوا : فالهربُ / فى مستوى الأرضِ وبطونِ الأودية والشِّعابِ إصعادٌ لا
صُعودٌّ. قالوا : وإنما يَكونُ الصعودُ على الجبالِ والسَّلالِيم والدَّرَج؛ لأن معنى
الصعودِ الارتقاءُ والارتفائُ على الشىءٍ عُلُوًّا .
قالوا: فأما الأخذُ فى مستوى الأرضِ والهبوطِ، فإنما [٤٨/١١ و] هو
إصعادٌ، كما يقالُ: أَصْعَدْنا مِن مكةً. إذا ابْتَدَأَتَ فى السفرِ منها والخروجِ،
وأصْعَدْنا مِن الكوفةِ إلى خُراسانَ، بمعنى: خرَجْنا منها سفرًا إليها، وابتَدَأَنا
منها الخروجَ إليها .
قالوا : وإنما جاء تأويلُ أكثرٍ أَهلِ التأويلِ بأن القومَ أخَذوا عندَ انهزامِهم عن
عدوّهم فى بطنِ الوادى .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِذْ
تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ عَلَىّ أَحَدٍ﴾ . ذاكم يومَ أَحَدٍ ، أصْعَدوا فى الوادى
فِرَأَوْا(٤) نبىَّ اللّهِ عَلِ يَدْعوهم: ((أى عبادَ اللهِ))".
(١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٦/٢ إلى المصنف.
(٣ - ٣) فى الأصل: ((وابتدأ منها فالخروج))، وفى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((وابتدأ منها الخروج)).
(٤) بياض فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س، وفى م: ((فرارًا و)).
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٧/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر .
١٤٧
سورة آل عمران : الآية ١٥٣
" حدَّثْنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفر، عن أبيه،
عن الربيعِ فى قوله: ﴿إِذْ نُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ عَلَّ أَحَدٍ﴾ : وذلك يومَ أحَدٍ،
صعِدوا الوادىَ فَرَأوانبىَّ اللهِ يَدْعُوهم() فى أُخْراهم: (((" يالَعباد٢ِ) اللَّهِ) (٢ بالعباد٢ِ) اللَّهِ)).
وأما الحسنُ رحمه الله فإنى أُراه ذهَب فى قراءتِه: (إذْ تَصْعَدُونَ). بفتحِ التاءِ
والعينِ ، إلى أنَّ القومَ حينَ انْهَزَموا عن المشركين صعِدوا الجبلَ . وقد قال ذلك عددٌ مِن
أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال : ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ، قال: لما شدَّ المشركون على المسلمين بأحدٍ فهزموهم، دخَل بعضُهم
ءِ
المدينةَ، وانْطَلَق بعضُهم فوقَ الجبلِ إلى الصخرةِ ، فقاموا عليها ، وجعَل رسولُ اللَّهِ
يَدْعو الناسَ: ((إِلىَّ عبادَ اللَّهِ) إلىَّ عبادَ اللَّهِ)). فذكَر اللَّهُ صعودَهم على الجبلِ، ثم
ذكّر دعاءَ النبيِّ عَّه إياهم، فقال: (إِذْ تَصْعَدون ولا تَلْوون على أحدٍ والرسولُ
يَدْعوكم فى أُخراكم)(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى تَجيحٍ،
عن مُجاهدٍ ، قال: انحازوا إلى النبيِّ يَ ◌ّلَه، فجعَلوا يَصْعَدون فى الجبلِ، والرسولُ
يَدْعوهم فى أُخراهم .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبِى تَجِيحٍ، عن
مُجاهِدٍ مثلَه .
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .
(٢ - ٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((إلى عبادَ)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١٨/٢ عن السدى.
١٤٨
سورة آل عمران : الآية ١٥٣
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج،
قال: قال ابنُ عباسٍ قولَه: (إذا تَصْعَدون ولا تَلْؤُون على أحدٍ). قالَ:
صَعِدوا) [٤٨/١١ظ] فى الجبلِ(٢) فِرارًا(٣).
قال أبو جعفرٍ: وقد ذكرنا أن أولى القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرأ: ﴿إِذْ
تُصْعِدُونَ ﴾ بضمِ التاءِ وكسرِ العينِ، بمعنى السّيرِ ) والهربِ فى مستوى الأرضِ أو
فى المَهابطِ (٥)؛ لإجماع الحُتََّةِ على أنَّ ذلك هو القراءةُ الصحيحةُ ، ففى إجماعِها
على ذلك الدليلُ الواضحُ على أن أولى التأويلين بالآية تأويلُ مَن قال: أَصْعَدوا فى
الوادى ومضَوْا فيه . دونَ قولٍ مَن قال : صعِدوا على الجبلِ .
وأما قولُه: ﴿وَلَا تَلْوُنَ عَلَىَّ أَحَدٍ﴾. فإنه يعنى: ولا تَعْطِفون على
أحدٍ منكم ، ولا يَلْتَفِتُ بعضُكم إلى بعضٍ ؛ هربًا مِن عدوٌّ كم مُصْعِدين فى الوادى .
ويعنى بقولِه: ﴿ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَّ أُخْرَالِكُمْ﴾: ورسولُ اللَّهِ يَدْعوكم
أيُّها المؤمنون به من أصحابِه ﴿فِىّ أُخْرَاكُمْ﴾. يعنى أنه يُنادِيكم مِن خلفِكم: «إلَّ
عبادَ اللَّهِ ، إلىَّ عبادَ اللَّهِ)) .
١٣٤/٤
/ كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ مجرَيْجٍ،
قال: قال ابنُ عباسٍ قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَّ أُخْرَكُمْ﴾: ((أى١) عبادَ
اللَّهِ ارْجِعوا، أى(١) عبادَ اللَّهِ، ارْجِعوا))(١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَالرَّسُولُ
(١) فى الأصل: ((أصعدوا)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أحد)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢ / ٨٦، ٨٧ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((السبق)).
(٥) فى الأصل: ((الهبوط)).
(٦) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((إلى)).
١٤٩
سورة آل عمران : الآية ١٥٣
يَدْعُوكُمْ فِيَّ أُخْرَانِكُمْ﴾: رأَوْا نبيَّ اللَّهِ يَدْعوهم: ((أى(١) عبادَ اللَّهِ))(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ مثلَه.
(٣ حدَّثنى المثَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثلَه".
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ قال: أَنَّبَهم اللَّهُ بالفرارِ عن
نبيِّهم وهو يَدْعُوهم، لا يَعْطِفون عليه لدعائِه إياهم، فقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا
تَلْوُونَ عَ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَّ أُخْرَنَكُمْ﴾(١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللهِ :
﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَ أُخْرَنَكُمْ﴾: هذا يومَ أُحُدٍ حينَ انْكَشَف الناسُ عنه (٥).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَمٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا
١٥٣)
فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
يعنى بقوله جلَّ وعَزَّ: ﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَدٍ ﴾ يَغْنى : فجازاكم بفرارِكم عن نبيِّكم،
وفشَلِكم عن عدوّكم، ومعصيتِكم ربَّكم، ﴿غَمَّا بِغَمٍ﴾. يقولُ: غمًّا على غمِّ.
وسمَّى العقوبةَ التى عاقَبَهم بها مِن تسليطِ عدوّهم عليهم ، حتى نال منهم ما
نال، ثوابًا ، إذ كان جزاءً مِن عملهم الذى سخِطه ولم يَرْضَه منهم ، فدلَّ بذلك
تعالى ذكره أن كلَّ عِوَضٍ كان لُعُوَّضٍ مِن شىءٍ مِن العملِ، خيرًا كان أو شؤًّا،
[٤٩/١١ و] أو العوضِ الذى بذَله رجلٌ لرجلٍ، أو يدِ سلَفَت له إليه ، فإنه مستحقٌّ اسمَ
ثوابٍ ، كان ذلك العِوَضُ تَكْرِمةٌ أو عقوبةً، ونظيرُ ذلك قولُ الشاعرِ(١):
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((إلى)).
(٢) تقدم تخريجه فى ص ١٤٦ .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٤.
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١١٨/٢.
(٦) بياض فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وفى م: ((ذلك)).
(٧) هو الفرزدق ، والبيت فى ديوانه ص ٢٢٧.
١٥٠
سورة آل عمران : الآية ١٥٣
أداهِمَ () سُودًا أو مُحَدْرَجةً(٢) سُمْرًا
( أخافُ زيادًا١) أن يكونَ عطاؤه
فجعَل العطاءَ القيودَ(٤)، وذلك كقولِ القائلِ لآخرَ سلَف إليه منه مكروة :
لأَجازِيَتَّك على أفعالِك، ولأَثِيَنَّك ثوابَك .
وأما قولُه: ﴿غَمَّا بِغَدٍ﴾. فإِنه قيل: ﴿عَمَّا بِغَرٍ﴾. ومعناه: غمًّا
على غمّ. كما قال: ﴿ وَلَأَصَلِّيَتَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]. بمعنى:
ولأَصَلِّبْتَّكم على جذوع النخلِ. وإنما جاز ذلك لأن معنى قولِ القائلِ: أثابك اللَّهُ
غمًّا على غمِّ: جزاك اللَّهُ غمًّا بعدَ غمّ تقدَّمه. فكان كذلك معنى: ﴿فَأَثَبَكُمْ
غَمَّا بِغَدٍ ﴾. لأن معناه: فجزاكم غمَّا بعَقِبٍ غمّ تقدَّمه . وهو نظيرُ قولِ القائلِ :
نزَلْتُ ببنى فلانٍ ، ونزَلْتُ على بنى فلانٍ، وضرَبْتُه بالسيفِ، وعلى السيفِ.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الغمّ الذى أُثِيب القومُ على الغمِّ، وما كان غُّهم
١٣٥/٤ الأولُ والثانى؟ فقال بعضُهم: / أما الغَمُّ الأولُ، فكان ما تحَدَّث به القومُ أن
نبيَّهم عَ لِّ قد قُتِل. وأما الغمّ الآخرُ، فإنه كان ما كان نالَهم مِن القتلِ والجراحِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَثَبَكُمْ
غَمَّا بِغَمٍ ﴾: كانوا تحدَّثُوا يومَئذٍ أن نبيَّ اللّهِ عَلَّهِ أُصِيب، وكان الغمُ الآخرُ قتلَ
أصحابِهم، والجراحاتِ التى أصابتهم. قال: وذُكِر لنا أنه قُتِل يومَئذٍ سبعون رجلاً
(١ - ١) فى الديوان: ((فلما خشيت)).
(٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((دراهم)). والأداهم: جمع أدهم، وهو القيد. اللسان (د هـ م).
(٣) فى الأصل: ((مدحرجة)).
والمحدرجة: السياط التى أُخْكِم فتلها .
(٤) فى م: ((العقوبة))، وفى سٍ: ((النقود)).
١٥١
سورة آل عمران : الآ ية ١٥٣
مِن أصحاب رسولِ اللهِ ◌َّهِ؛ ستةٌ وستون من الأنصارِ، وأربعةٌ مِن المهاجرين.
وقولُه: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾. يقولُ: على ما فاتكم مِن
غَنيمةِ القومِ ، ﴿ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ﴾ فى أنفسكم مِن القتلِ والجِراحاتِ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نُجيح،
عن مُجاهدٍ فى قولِه: ﴿ فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَدٍ ﴾. قال: فَرَّةً بعد فرَّةٍ الأولى حينَ
سمِعوا الصوتَ أن محمدًا قد قُتِل، فرجَع (١) الكفارُ فضرَبوهم مُدْبرِين، حتى قتلوا
منهم سبعين رجلاً، ثم انْحازوا إلى النبيّ ◌َّله، فجعَلوا يَصْعَدون فى الجبلِ والرسولُ
يَدْعُوهم فى أُخْراهم(٣) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال : ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبى نجيح، عن
مُجاهدٍ نحوه .
وقال آخرون: بل غمُّهم الأولُ كان قَتْلَ مَن قُتِل منهم ، وجَرْحَ مَن ◌ُجُرِح منهم ،
والغمُّ الثانى كان مِن سَماعِهم صوتَ القائلِ: قُتِل محمدٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿غَمَّا بِغَدٍ﴾. قال: الغمُ الأولُ الجِرائحُ والقتلُ، والغمُ الثانى
حينَ سمِعوا أن النبيَّ عَ لِّ قد قُتِل، فَأَنْساهم الغمُ الآخرُ ما أصابهم مِن الجراح
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٧/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) فى م: (( الثانية حيث رجع)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٩١/٣ (٤٣٤٧) من طريق ابن أبى نجيح، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٨٧/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
١٥٢
سورة آل عمران : الآية ١٥٣
والقتلِ، وما كانوا يَرْجُون [٤٩/١١ظ] مِن الغَنيمةِ، وذلك حينَ يقولُ: ﴿لِكَيْلَا
تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ﴾(١).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ :
فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَمٍ﴾. قال: الغمُ الأولُ الجراحُ والقتلُ، والغُّ الآخرُ حينَ
سمِعوا أن رسولَ اللَّهِ عَلَّهِ قد قُتِل، فأنْساهم الغمُّ الآخرُ ما أصابهم مِن الجراحِ
والقتلِ، وما كانوا يَرْجون مِن الغنيمةِ، وذلك حينَ يقولُ اللَّهُ: ﴿لِكَيْلَا
تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ﴾(٢).
وقال آخرون : بل الغمُّ الأُولُ كان ما فاتهم مِن الفتح والغَنيمةِ ، والثانى إشرافُ
أبى سفيانَ عليهم فى الشِّعْبِ ، وذلك أن أبا سفيانَ - فيما زعم بعضُ أهلِ السِّيرِ - لمّا
أصاب مِن المسلمين ما أصاب، وهرَب المسلمون ، جاء حتى أشْرَف عليهم وفيهم
رسولُ اللَّهِ عَلِ فِى شِعْبٍ أُحُدٍ الذى كانوا وأَلُوا(٣) إليه عندَ الهزيمةِ، فخافوا أن
يَصْطَلِمَهم(٤) أبو سفيانَ وأصحابُه .
ذكرُ °من قال ذلك)
١٣٦/٤
/حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسْباطُ، عن
السدىِّ، قال: انْطَلَق رسولُ اللَّهِ وَهِ يومَئذٍ يَدْعو الناسَ ، حتى انْتَهَى إلى أصحاب
الصخرةِ ، فلمَّا رأَوْه وضَع رجلٌ سهمًا فى قوسِه، فأراد أن يَرْمِيَه، فقال: ((أنا رسولُ
اللَّهِ)). ففرِحوا بذلك حينَ وجَدوا رسولَ اللَّهِ حيًّا، وفرِح رسولُ اللَّهِ صَ لِّ حِينَ رأَى
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٦، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٩١/٣ (٤٣٤٨) عن الحسن بن يحيى
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٧/٢ إلى ابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٧/٢ إلى المصنف.
(٣) فى م: ((ولو)). ووألوا: لجئوا. اللسان (وأل).
(٤) الاصطلام : افتعال من الصلم: القطع. النهاية ٣ / ٤٩.
(٥ - ٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((الخبر بذلك)).
١٥٣
سورة آل عمران : الآية ١٥٣
أن(١) فى أصحابِهِ مَن يَمْتَنِعُ. فلمَّا اجْتَمَعوا وفيهم رسولُ اللَّهِ عِلْمٍ(١) ذهَب عنهم الحَزَنُ،
فأقْبَلوا يَذْكُرون الفتحَ وما فاتهم منه ، ويَذْكُرون أصحابَهم الذين قُتِلوا . فأقْبَل أبو سفيانَ
حتى أشْرَف عليهم، فلمَّا نظَروا إليه، نَسُوا ذلك الذى كانوا عليه، وهمَّهم أبو سفيانَ ،
فقال رسولُ اللَّهِ عَه: (( ليس لهم أن يَعْلُونا، اللهم إن تُقْتَلْ هذه العِصابةُ لا تُعْبَدْ)).
ثم ندَب أصحابَه، فرمَوْهم بالحجارةِ حتى أَنْزَلُوهم ، فقال أبو سفيانَ يومَئذٍ: اعْلُ
هُبَلُ ، حَنْظلةُ بِحَنْظلةَ ، ويومٌ بيومٍ بدرٍ . وقتلوا يومَئذٍ حنظلةَ بنَ الراهبِ ، و كان جُنُبًا
فَعشَلَته الملائكةُ، وكان حَنْظلةُ بنُ أبى سفيانَ قُتِل يومَ بدرٍ . وقال أبو سفيانَ : لنا
الغُزَّى، ولا عُزَّى لكم. فقال رسولُ اللَّهِ عْظَاهِ لعمرَ: ((قل: اللَّهُ مولانا ولا مَوْلى
لكم)). فقال أبو سفيانَ: أفيكم محمدٌ ؟ قالوا : نعم . قال : أما إنها قد كانت فيكم
مُثْلَةٌ ، ما أَمَرْتُ بها ولا نهَيْتُ عنها ، ولا سرَّْنى ولا ساءَتْنى. فذكَر اللَّهُ إشرافَ أبى
سفيانَ عليهم، فقال: ﴿فَأَتَبَكُمْ غَمَّا بِغَمٍ لِّكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا
فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ﴾. الغمُّ الأولُ ما فاتهم مِن الغَنيمةِ والفتحِ، والغمّ
الثانى إشرافُ العدوِّ عليهم [٥٠/١١] ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ مِن
الغَنيمةِ ﴿ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ﴾ مِن القتلِ حينَ تَذْكُرون. فشغَلهم أبو سفيانَ(٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ ، قال : ثنى ابنُ شِهابٍ
الزهرىُّ، ومحمدُ بنُ يحيى بنِ حَبَّانَ، وعاصمُ بنُ عمرَ بنِ قَتادةَ ، والحصينُ بنُ عبدِ
الرحمنِ بنِ عمرو بنِ سعدِ بنِ مُعاذٍ ، وغيرُهم مِن علمائنا فيما ذكروا مِن حدیثِ أُحُدٍ ،
قالوا : كان المسلمون فى ذلك اليوم - لِما أصابهم فيه مِن شدةِ البلاءِ - أَثلاثًا؛ ثلثٌ قَتِيلٌ،
(١) سقط من : الأصل
(٢) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: (( حين).
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٢٠/٢، ٥٢١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٧/٢ إلى المصنف وابن
أبى حاتم، وهو عند ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٩١/٣ (٤٣٤٩) من طريق أحمد به مختصرا جدا .
١٥٤
سورة آل عمران : الآية ١٥٣
وثلثٌ جَرِيحٌ ، وثلثٌ مُنْهَزِمٌ وقد تَلَغَّبَتْهُ ) الحربُ حتى ما يَدْرِىَ ما يَصْنَعُ، وحتى خلَص
العدوُّ إلى رسولِ اللهِ فدُثَ(٢) بالحجارة ، حتى وقَع لشِقُه، وأُصِيبَتْ رَبَاعِيتُه، وشُجّ فى
وَجْنِّهِ(٢)، وكُلِمَت شَفَتُهُ(٤)، وكان الذى أصابه عُتْبَةُ بنُ أبى وَقَّاصٍ . وقاتَل مُصْعبُ
ابنُّ عُميرٍ دونَ رسولِ اللَّهِ مَّهِ ومعه لِواؤُه حتى قُتِل، وكان الذى أصابه ابنُ قَمِيئةً
الليثىُ وهو يَظُنُّ أنه رسولُ اللَّهِ عَ له، فرجع إلى قريش فقال: قد قتَلْتُ محمدًا (٥).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاقَ ، قال : فكان أولَ مَن عرَف
رسولَ اللَّهِ عِهِ بعدَ الهزيمةِ وقولِ الناسِ: قُتل رسولُ اللّهِ عَهِ. كما(٩) حدَّثنى ابنُ
شهابٍ الزهرىُّ - كعبُ بنُ مالكِ أخو بنى سلِمةً، قال: عرَفْتُ عْنَه تَزْهَران(٧)
تحتَ المِغْفَرِ، فنادَيْتُ بأَعْلَى صوتى: يا مَعْشرَ المسلمين، أَبْشِروا، هذا رسولُ اللَّهِ عَه.
فأشار إلىّ رسولُ اللّهِ مَ له: أن أَنْصِتْ. فلمَّا عرَف المسلمون رسولَ اللَّهِ مَ لله نهضوا
١٣٧/٤ به، ونهَض نحوَ الشِّعْبِ معه علىُّ بنُ أبى طالبٍ وأبو بكرٍ بنُ أبى قُحافةَ / وعمرُ بنُ
الخطابِ وطلحةُ ابنُ عُبيدِ اللَّهِ والزبيرُ بنُ العَّامِ والحارثُ بنُ الصِّمَّةِ(، فى رَهْطِ مِن
المسلمين، قال: فبينا رسولُ اللَّهِ وَّمِ فى الشِّغْبِ ، ومعه أولئك النفرُ مِن أصحابِه ، إذ
عَلَت عاليةٌ مِن قريشِ الجبلَ، فقال رسولُ اللَّهِ مَّهِ: ((اللهم إنه لا يَنْبَغِى لهم أن
يَعْلُونا )). فقاتَل عمرُ ابنُ الخطابِ ورهْطُ معه مِن المهاجرين حتى أهْبَطوهم عن
(١) فى م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((بلغته)).
(٢) الدث: الرجم . القاموس المحيط (د ث ث).
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((وجهه).
(٤) فى الأصل: (( شفتيه)).
(٥) سيرة ابن هشام ٧٣/٢، ٧٩، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٥١٤/٢ - ٥١٦.
(٦) بعده فى النسخ: ((حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال)) . والمثبت من تاريخ
المصنف.
(٧) تزهران : تشرقان .
(٨) فى م: ((الصامت)).
١٥٥
سورة آل عمران : الآية ١٥٣
الجبل، ونهَض رسولُ اللَّهِ عَه إلى صخرةٍ مِن الجبلِ لِيَعْلُوَها، وكان رسولُ اللَّهِ صَحِ
قد بدَّن(١) ، وظاهر بينَ دِرْعَيْنْ(١) ، فلمَّا ذهَب لِيَنْهَضَ، فلم يَسْتَطِعْ، جلَس تحتَه طلحةُ
ابنُ عُبيدِ اللَّهِ ، فنهَض حتى اسْتَوَى عليها .
ثم إنَّ أبا سفيانَ حينَ أراد الانصرافَ أَشْرَف على الجبلِ، ثم صرخ بأعلى
صوتِه: أَنْعَمَتْ فعالٍ (٣) ، إنَّ الحربَ سِجالٌ، يومٌ بيومٍ بدرٍ ، اعْلُ هُبَلُ . أَىْ: ظهَر
دينُك. فقال رسولُ اللَّهِ يََِّمِ لعمرَ: ((قُمْ فَأَجِبْه، فَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَى وأجَلُ، لا سَواءَ،
قَتْلانا فى الجنةِ ، وقَتْلاكم فى النارِ )). فلمَّا أجاب عمرُ رضِى اللَّهُ عنه أبا سفيانَ ، قال
له أبو سفيانَ: هَلُمَّ إلىّ ياعمرُ، فقال له رسولُ اللَّهِ مِ: ((ائْتِه فانْظُرْ ما شأنُه)) ؟
فجاءَه فقال له أبو سفيانَ: [٥٠/١١ ظ] أَنْشُدُك اللَّهَ يا عمرُ، أَقتَلْنا محمدًا؟ فقال عمرُ:
اللهمَّ لا ، وإنه لَيَسْمَعُ كلامَك الآنَ. فقال: أنت أصدقُ عندى مِن ابنٍ قَمِيئةً
وأبهُ) . لقولِ ابنِ قَمِيئةَ لهم: إنى قد قتَلْتُ محمدًا. ثم نادىَ أبو سفيانَ، فقال: إنه
قد كان فى قَتْلاكم مُثَلٌ(٥)، واللَّهِ ما رضِيتُ ولا سخِطْتُ، وما نهَيْتُ ولا أمَوْتُ(١).
حدَّثنا ابنُ محميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَوِّ
لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَبَكُمْ﴾، أى: كَرْبًا بعدَ
كَوْبٍ ، قَتْلُ مَن قُتِل مِن إخوانِكم، وعلوُّ عدوٌ كم عليكم ، وما وقَع فى أنفسكم مِن
(١) بدن : كبر وأسن . النهاية ١٠٧/١ .
(٢) أى جمع ولبس إحداهما فوق الأخرى. النهاية ١٦٦/٣.
(٣) فى م: ((فقال)). وقد كان الرجل من قريش إذا أراد ابتداء أمر عمد إلى سهمين فكتب على أحدهما:
((نعم))، وعلى الآخر: ((لا)). ثم يتقدم إلى الصنم ويجيل سهامه، فإن خرج سهم ((نعم)) أقدم، وإن خرج
سهم (( لا)) امتنع. وكان أبو سفيان لما أراد الخروج إلى أحد استفتى هبل، فخرج له سهم الإنعام فذلك قوله :
((أنعمت، فعالٍ عنها)): أى تجاف عنها ولا تذكرها بسوء، يعنى آلهتهم. النهاية ٣/ ٢٩٤.
(٤) فى م: ((وأشار)).
(٥) فى م: ((مثلة)).
(٦) سيرة ابن هشام ٨٣/٢، ٨٦، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٥١٨/٢، ٥٢١، ٥٢٢، ٥٢٧.
١٥٦
سورة آل عمران : الآية ١٥٣
قولٍ مَن قال: قُتِل نبيُكم. فكان ذلك مما تَتَابَع عليكم ﴿غَمَّا بِغَدٍ لِّكَيْلَا
تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ مِن ظهورٍ كم على عدوٌ كم بعد أن رأيتُموه بأعينِكم ،
وَلَ مَآ أَصَبَكُمْ﴾ مِن قتلِ إخوانِكم حين (١) فَْتُ بذلك الكربّ عنكم،
﴿ وَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. وكان الذى فرَّج به عنهم ما كانوا فيه مِن الكربِ
والغمِّ الذى أصابهم أن اللَّهَ تعالى ذكرُهُ ردَّ عنهم ◌ِذْبةَ الشيطانِ بقتلٍ نبيِّهم، فلمَّا
رَأَوْا رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ حِيًّا بينَ أَظْهُرِهم، هان عليهم ما فاتهم مِن القومِ بعدَ(١) الظهورِ
عليهم، والمصيبةِ التى أصابَتْهم فى إخوانِهم، حينَ صرَّف اللَّهُ القتلَ عن نبيّهم ◌ِّ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ :
فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَمٍ﴾. قال ابنُ مجرَيج: قال مجاهدٌ: أصاب الناسَ حُزْنٌ
وغَمّ على ما أصابهم فى أصحابِهم الذين قُتِلوا، فلمَّا توَجّوا فى الشِّعْبِ (٤ وهم فلّ
مُصابون٤) ، وقَف أبو سفيانَ وأصحابُه ببابِ الشِّعْبِ ، فظنَّ المؤمنون أنهم سوف يَمِيلون
عليهم فيَقْتُلونهم أيضًا، فأصابهم حزنٌ فى ذلك(١) أنساهم حُزنَهم فى أصحابهم ،
فذلك قولُه: ﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَمٍ لِكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾. قال
ابنُ نجريج: قولُه: ﴿عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾. يقولُ: على ما فاتكم مِن غَنَائِمِ القومِ،
﴿ وَلَآَ مَآ أَصَبَكُمْ﴾ فى أنفسِكم (١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، قال :
(١) فى م: (( حتى)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فهذا))، وفى م: ((فهان)).
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٤، وأخرج بعضه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٩١، ٧٩٢ (٤٣٥٠، ٤٣٥٧)
من طريق سلمة به .
(٤ - ٤) فى ص: ((وهم مصابون))، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يتصافون)).
(٥) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أيضا)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٧/٢ إلى المصنف .
١٥٧
سورة آل عمران : الآية ١٥٣
أَخْبرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ/ كَثيرٍ، عن عُبيدٍ بنِ عُميرٍ قال: جاء أبو سفيانَ بنُ حربٍ ومَن ١٣٨/٤
معه حتى وقَف بالشِّعْبٍ ، ثم نادَى: أفى القوم ابنُ أبى كَبْشةَ؟ فسكتوا ، فقال أبو
سفيانَ : قُتِل وربِّ الكعبةِ . ثم قال : أفى القوم ابنُ أبى قُحافةً؟ فسكتوا ، فقال : قتِل
وربّ الكعبةِ . ثم قال : أفى القومِ ابنُ الخطابِ ؟ فسكتوا ، فقال : قُتل وربّ الكعبةِ.
ثم قال أبو سفيانَ اعْلُ هُبَلُ، يوم بيومٍ بدرٍ، (والحربُ سجالٌ) وحَنْظلةُ بحنظلةَ،
وأنتم واجِدون فى القومِ مُثَلًا لم تكُنْ عن رأى سَراتِنا وخِيارِنا ، ولم نَكْرَهْه حينَ رأيناه .
فقال النبيُّ ◌َ ◌ِّ لعمرَ بنِ الخطابِ: ((قُمْ فنادٍ، فقل: اللَّهُ أَعْلَى وأجَلَّ، نعم، هذا
رسولُ اللَّهِ [٥٥١/١١]، وهذا أبو بكرٍ، وهأنذا، لا يَشْتَوِى أصحابُ النارِ وأصحابُ
الجنةِ ، أصحابُ الجنةِ هم الفائزون ، قَتْلانا فى الجنةِ، وقَتْلاكم فى النارِ)) .
وقال آخَرون فى ذلك بما حدَّثنی به محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى
عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى
أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىّ أُخْرَانِكُمْ﴾: فرجَعوا فقالوا: واللَّهِ لَنَأْتِيَّهم ، ثم
لَنَقْتُلَنَّهم، قد جرَحوا (٢) منا. فقال رسولُ اللَّهِ وَمِ: ((مَهْلًا، فإنما أصابكم الذى
أصابكم مِن أجلِ أنكم عصَيْتُمونى)). فبينما هم كذلك، إذ أتاهم القومُ قد
اخْتَشبوا(٢)، وقد اخْتَرَطوا سيوفَهم ، فكان غمُّ الهزيمةِ وغمُّهم حينَ أَتَوْهم،
◌ْلِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ مِن القتلِ ﴿وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ﴾ مِن
الجِراحةِ، ﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَمٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ﴾ الآيَةَ. وهو يومُ أحدٍ ().
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، س .
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((خرجوا)).
(٣) فى الأصل، وتفسير ابن أبى حاتم، والدر المنثور: ((أيسوا))، وفى م، ت١، ت٢، ت٣، س :
((أنسوا))، وغير منقوطة فى ص ، ولعل المثبت هو الصواب، يقال: ائتشب القوم: اجتمعوا .
(٤) اخترطوا سيوفهم : سلّوها من أغمادها .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٩٠/٣، ٧٩١ (٤٣٤٣، ٤٣٤٥) عن محمد بن سعد به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٨٧/٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم .
١٥٨
سورة آل عمران : الآية ١٥٣
وأولى هذه الأقوالِ بتأويل الآيةِ قولُ مَن قال: معنى قوله: ﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا
بِغَمٍ﴾ ( فأثابكم بغمِّكم٢١ أيُّها المؤمنون بحرمانِ اللَّهِ إياكم غَنيمةَ المشركين والظّفَرَ
بهم والنصرَ عليهم ، وما أصابكم مِن القتلِ والجراح يومَئذٍ - بعدَ الذى كان قد أَراكم
فى كلِّ ذلك ما تُحِيُّون - بمعصيتِكم ربَّكم، وخلافِكم أمرَ نبيَّكُم مَّهِ؛ عمَّ ظنِّكم أن
نبيَّكُم مَّمِ قد قُتِل، وميلَ العدوِّ عليكم بعدَ فُلولِكم منهم .
والذى يَدُلُّ على أن ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ مما خالَفه من الأقوال١ِ) قولُه:
لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَبَكُمْ﴾. والفائتُ لا شكَّ
أنه هو ما كانوا رجَوا الوصولَ إليه مِن غيرِهم، إمَّا مِن ظهورٍ عليهم بغلَبِهم ، وإما مِن
غنيمةٍ يَخْتَازُونها، وأن قولَه: ﴿وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ﴾ هو ما أصابهم إما فى أبدانِهم ،
وإما فى إخوانهم .
فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الغمَّ الثانىَ هو معنًى غيرُ هذين؛ لأن اللَّهَ
جلَّ ثناؤه أخْبَر عبادَه المؤمنين به مِن أصحابٍ رسولِ اللَّهِ مَ لَّهِ ، أنه أثابهم غمًّا ( بعدَ
غم١ّ؛ لئلا يُخْزِنَهم ما نالهم مِن الغمِّ الناشئُّ عما فاتهم مِن غيرِهم ، ولا ما أصابهم
قبلَ ذلك فى أنفسِهم، وهو الغمّ الأُولُ على ماقد بيَّناه قبلُ .
وأما قولُه: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ﴾ فإن
تأويلَه على ما قد بيَنْتُ مِن أنه لكيلا تَحْزَنوا على ما فاتكم فلم تُدْرِ كوه مما كنتم تَوْجون
إدراكَه مِن عدوٌ کم من الظّفَرِ عليهم والظهورِ ، وحيازةٍ غنائمِھم ، ولا ما أصابکم فی
أنفسِكم مِن جرحٍ مَن جُرِح وقَتْلِ مَن قُتِل مِن إخوانِكم .
وقد ذكرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيه قبلُ على السبيلِ التى اخْتَلَفوا فيه .
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٢ - ٢) فى ص، م، ت١، ت٣، س: ((بغم)).
١٥٩
سورة آل عمران: الآيتان ١٥٣، ١٥٤
/و كما حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ(١) وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ ١٣٩/٤
فى قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ﴾ .
قال: على ما فاتكم مِن الغنيمةِ التى كنتم تَرْجُون ، وَلاَ تَحْزَنُوا على ما
أصَابكم مِن الهزيمةِ .
وأما قولُه: ﴿وَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. فإنه يعنى جلَّ ذكره: واللَّهُ
بالذى تَعْمَلون أيُّها المؤمنون - مِن إصْعادٍ كم فى الوادى هَرَبًا مِن عدوٌّ كم،
وانْهِزِامِكم، وتَرْكِكم نبيَّكم وهو يَدْغُوكم فى أَخْراكم، [٥١/١١ظ] وحُزْنِكم
على ما فاتكم مِن عدوِّكم، وما أصابكم فى أنفسِكم منهم - ذو خبرةٍ وعلمٍ،
وهو مُخْصٍ ذلك كلّه عليكم حتى يُجازِيَكم به؛ المحسِنَ منكم بإحْسانِه،
ـه
والمُسِيءَ بإساءته، أو يَعْفُوَ عنه.
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿ ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةٌ
مِنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ
يعنى بذلك جل ثناؤه: ثم أَنزَل اللَّهُ أيُّها المُؤمِنون من بعدِ الغمِّ الذى أُتابَكم
ربُّكم بعدَ غَمِّ تقَدَّمه قبلَه، ﴿أَمَنَةً﴾ وهى الأمانُ على أهلِ الإِخْلاصِ منكم
واليقينِ، دونَ أهلِ النِّفاقِ والشَّكِّ.
ثم بيَّن تعالى ذكرُه عن ((الأمَنَةِ)) التى أَنْزَلها عليهم ما هى؟ فقال:
نُعَاسًا﴾. بنصبِ ((التُّعاسِ)) على الإبدالِ مِن ((الأَمَنةِ)).
ثم اخْتَلَفَت القَرَأَةُ فى قراءةِ قوله: ﴿ يَغْشَى﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأَةِ الحِجازِ
(٢)
والمدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكُوفِيّين بالتَّذْ کیرِ بالياءِ : ﴿ يَغْشَى ﴾
(١) سقط من : م .
(٢) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وابن عامر. ينظر حجة القراءات ص ١٧٦.
١٦٠
سورة آل عمران : الآية ١٥٤
وقرَأته جماعةٌ مِن قَرأةِ الكُوفيين بالتأنيثِ: (تَغْشَى) بالتاءِ ().
وذهَب الذين قرَءوا ذلك بالتَّذْكيرِ إلى أن النُّعاسَ هو الذى يَغْشَى الطائفةَ مِن
المؤمنين دونَ الأَمَنةِ ، فذكَّره بتذكيرِ النُّعاسِ .
وذهَب الذين قرَءوا ذلك بالتأنيثِ إلى أن الأمنةَ هى التى تَغْشاهم، فَأَنْتُوه
لتأنيثِ الأَمَنةِ .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنهما قِراءتان مَعْروفتانٍ مُسْتَفِيضتان فى
قَرأَةِ الأَمْصارِ ، غيرُ مختلفَتَين فى معنًى ولا غيرِه؛ لأن الأمنةَ فى هذا الموضعِ هى
النُّعاسُ ، والنعاسُ هو الأمَنةُ، وسواءٌ ذلك ، وبأَتَّتِهما قرَأ القارئُ فهو مُصِيبٌ الحقَّ فى
قراءته ، وكذلك جَميعُ ما فى القرآنِ مِن نَظائرِهِ، مِن نحوٍ قوله: (إن شَجَرَةَ الزَّقُّوم *
طَعامُ الأثيم » كالمُهْلِ تَغْلِى فى البطونِ ) [الدخان: ٤٣-٤٥]. و: (ألم يكُ نُطْفةً من
(٢)
منىٌّ ◌َمْنَى) [القيامة: ٣٧]. و: ﴿وَهُزِىّ إِلَيْكِ بِحِذْعُ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ ﴾ [مريم: ٢٥].
فإن قال قائلٌ: وما كان السببُ الذى مِن أَجْلِه افْتَرَقَت الطائفتان اللتان
ذكَرَهما اللَّهُ تبارك وتعالى، فيما اقْتَرَقَنا فيه مِن صفتَيْهما ، فأمِنت إحداهما بنفسِها
١٤٠/٤ حتى نَعَسَت، وأهمَّت الأخرى أنفسُها حتى ظنَّت باللَّهِ غيرَ الحقِّ / ظنَّ الجاهليةِ؟
قيل : كان سببُ ذلك فيما ذُكِر لنا كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ ، قال : ثنا
أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن السدىِّ : إن المشركين انْصَرَفوا يومَ أحدٍ
بعدَ الذى كان مِن أمرِهم وأمْرِ المسلمين، فواعَدوا النبىَّ ◌َّمِ بدرًا مِن قابلٍ، فقال
لهم: ((نعم)). فتخَوَّف المسلمون أن يَنْزِلُوا المدينةَ، فبعث رسولُ اللَّهِ عَمِ رجلًا،
فقال: ((انْظُرْ، فإن رأيْتَهم قعَدوا [٥٢/١١,] على أثقالِهِم، وجنَبوا ) خيولَهم، فإن
(١) وهى قراءة حمزة والكسائى. حجة القراءات ص ١٧٦ .
(٢) سيأتى بيان هذه القراءات فى مواضعها من التفسير.
(٣) جنَب الفرسَ: قادَه إلى جنبه. التاج (ج ن ب).