Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١
سورة آل عمران : الآية ١٠٤
جماعةٌ ﴿ يَدْعُونَ﴾ الناسَ ﴿ إِلَى الْخَيْرِ) يَعْنى: إلى الإسلامِ وشرائعِه التى
شرَّعها اللَّهُ لعبادِه، ﴿ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ﴾ يقولُ: يأمُرون الناسَ باتباعِ
محمدٍ ( رسولِ الله١ِ) عَّهِ، ودينِه الذى جاء به مِن عندِ اللَّهِ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِّ ﴾ يَغْنى: ويَنْهون عن الكفرِ باللّهِ، والتكذيبِ بمحمدٍ عَلَه ، وبما جاء به مِن
عندِ اللَّهِ ، بجهادِهم بالأيدى والجوارحِ حتى يَنْقادوا لكم بالطاعةِ .
وقولُه: ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. يعنى: المُنجِحون عندَ اللَّهِ ، الباقون فى
جِنانِهِ(٢) ونعيمِه .
وقد دلَّلنا(١) على معنى الإفلاح فى غيرِ هذا الموضعِ بما أغْنى عن إعادته
(٤)
مهناً.
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا عيسى بنُ عمرَ القارئُ، عن أبى
عونِ الثقفىِّ، أنه سمِعِ صُبْحًا، قال: سمِعتُ عثمانَ يَقْرأُ: ( ولْتكُنْ منكم أُمَّةٌ يدعون إلى
الخيرِ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكرِ ويَسْتَعينون اللَّهَ على ما أصابهم) (١).
حدَّثنى أحمدُ بنُ حازمٍ ، قال: ثنا أبو نعيمٍ ، قال : ثنا ابنُ عيينةً ، عن عمرو بنِ
دينارٍ، قال : سمِعتُ ابنَ الزبيرِ يَقْرَأُ(١) . فذكَر مثلَ قراءةٍ عثمانَ التى ذكرناها قبلُ
(١ - ١) سقط من: م، س، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى م: (( جناته)) .
(٣) بعده فى م: ((فيما مضى)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ٢٥٦/١ - ٢٥٨.
(٥) أخرجه ابن أبى داود فى المصاحف ص ٣٩ من طريق عيسى بن عمر، به. وذكره ابن أبى حاتم فى الجرح
والتعديل ٤٤٩/٤ فى ترجمة صبيح، وفيه: يهدون . بدلا من: يدعون . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٢/٢
إلى عبد بن حميد وابن الأنبارى، وهذه القراءة شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة ، وهى مخالفة لرسم
المصحف .
(٦) فى ت ١: ((يقول)).

٦٦٢
سورة آل عمران : الآيتان ١٠٤، ١٠٥
(١)
سواءٌ) .
حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ ، قال: أخبرَنا يزيدُ ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن
الضحاكِ: ﴿ وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّهُ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِلْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
اُلْمُنكَرِ﴾. قال: هم خاصَّةُ أصحابٍ ("رسولِ اللهِ))، وهم خاصَّةُ الرواةِ (٣) .
٣٩/٤
/ القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَّءَ هُمُ
الْبَيِّنَتْ وَأُوْلَئِكَ لَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
يَعْنى بذلك عزَّ وجلّ: ولا تكونوا يا معشرَ الذين آمَنوا ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ﴾ مِن
أهلِ الكتابِ، ﴿ وَأَخْتَلَفُواْ ﴾ فى دينِ اللّهِ وأمرِهِ ونهيِهِ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَ هُمُ الْبَيِّنَتُ
مِن حُجَجِ اللهِ ، فيما اختلفوا فيه وعلِموا الحقَّ فيه فتعمَّدُوا خلافَه، وخالفوا أمرَ اللَّهِ
ونقَضُوا عهدَه وميثاقَه جراءةً على اللَّهِ، ﴿ وَأُوْلَئِكَ لَمْ﴾ يَعْنى: ولهؤلاءِ الذين
تفرّقوا واختلفوا مِن أهلِ الكتابِ مِن بعدِ ما جاءهم ﴿عَذَابُ﴾(٤) عندَ اللهِ
عَظِيمُ
يقولُ جلَّ ثناؤه: فلا تَتَفَرَّقوا) يا معشرَ المؤمنين فى دينكم تَفَّقَ هؤلاءِ فى
دينهم ، ولا تَفْعَلوا فعلَهم، وتَسْتَقُّوا فى دينكم بسنتِهم، فيكونَ لكم مِن عذابِ اللَّهِ
العظيم مثلُ الذى لهم .
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٥٢١ - تفسير)، وابن أبى داود فى المصاحف ص ٨٢، ٨٣ من طريق
ابن عيينة به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢ / ٦١، ٦٢ إلى عبد بن حميد وابن الأنبارى.
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الرسول)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٢/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤) بعده فى م، س: ((من)).
(٥) فى م: ((تفرقوا)).

٦٦٣
سورة آل عمران: الآيات ١٠٥ - ١٠٧
كما حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن
ج
﴾.
الربيعِ فى قوله: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ هُمُ الْبَيِنَتُ
قال: هم أهلُ الكتابِ ، نهَى اللَّهُ أهلَ الإِسلام أن يَتَفَرَّقوا ويَخْتَلِفوا كما تَفَرَّق
واختلف أهلُ الكتابِ، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَأُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
عليّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَآَخْتَلَفُواْ ﴾.
ونحو هذا فى القرآنِ: أمَر اللَّهُ جلَّ ثناؤه المؤمنين بالجماعةِ ، ونهاهم عن الاختلافِ
والفُرْقةِ ، وأخبرهم أنما هلَك مَن كان قبلَهم بالمراءِ والخصوماتِ فى [٤٤١/١ و] دينٍ
اللَّهِ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ سنانٍ ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحنفىُّ، عن عبادٍ ، عن الحسنِ فى
قوله: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ هُمُ الْبَمِنَتُ وَأُوْلَكَ لَهُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى(١).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوٌ فَأَمَّا الَّذِينَ أُسْوَدَتْ
وَأَمَّا الَّذِينَ
(١٠٦
وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُ بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
(١٠٧
أَنْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللهِّ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ
يَغْنِى بذلك جلَّ ثناؤه: أولئك لهم عذابٌ عظيمٌ فى يومٍ تَبِيضُّ وجوهٌ وتسودٌ
وجوة .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٢/٢ إلى المصنف.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٢٨/٣ (٣٩٤٥) من طريق عبد الله بن صالح به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٢٨/٣ (٣٩٤٦) من طريق أبى بكر الحنفى به .

٦٦٤
سورة آل عمران : الآيتان ١٠٦، ١٠٧
وأما قولُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ أُسْوَذَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُ بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ﴾. فإِن
٤٠/٤ معناه: فأما الذين اسودَّت / وجوهُهم فيقالُ لهم: أُكَفَرْتُم بعدَ إيمانِكم فَذُوقُوا
العذابَ بما كنتم تكفُرُون .
ولا بدَّ لـ ((أمّا)) مِن جوابٍ بالفاءِ، فلما أُسقِط الجوابُ سقَطت الفاءُ معه ، وإنما
جاز تركُ ذكرٍ ((فيقالُ))، لدلالةٍ ما ذكِر مِن الكلامِ عليه .
وأما معنى قوله جلَّ ثناؤه: ﴿أَكَفَرْتُ بَعْدَ إِيمَنِكُمْ﴾ . فإنَّ أهلَ التأويلِ
اختلفوا فى مَن ◌ُنى به ؛ فقال بعضُهم: عُنى به أهلُ قبلتِنا مِن المسلمين .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُ
وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ﴾ الآية: لقد كفَر أقوامٌ بعدَ إِيمانِهم كما تَسْمَعون، ولقد ذُكر لنا
أن نبيَّ اللّهِ مْ لِهِ كان يقولُ: «والذى نفسُ محمدٍ بيدِه، لَيَرِدَنَّ علىَّ الحوضَ ممن
صحِبنى أقوامٌ، حتى إذا رُفِعوا إلىَّ ورأيتُهم، اخْتُلِجوا(١) دُونِى، فَلأَقُولَنَّ: ربِّ،
أصحابى، أصحابى. فَلَيْقالنَّ: إنك لا تَدْرِى ما أحدثوا بعدك)). وقولُه: ﴿ وَأَمَّا
الَّذِينَ أَنْيَضَتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللهِ﴾: هؤلاء أهلُ ("طاعةِ اللَّه٢ِ) والوفاءِ بعهدٍ
اللَّهِ، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَفِى رَحْمَةِ اَللَّهِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ﴾(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ أُسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ
(١) اختلجوا: اجتذبوا واقتطعوا. التاج (خ ل ج).
(٢ - ٢) فى س: ((الطاعة)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٠/٣ (٣٩٦٠) من طريق يزيد به ، مقتصرًا على آخره . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٦٣/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد. دون المرفوع. والمرفوع أخرجه البخارى
(٦٥٧٦)، ومسلم (٢٢٩٧) من حديث ابن مسعود .
٠

٦٦٥
سورة آل عمران : الآيتان ١٠٦، ١٠٧
إِيَمَنِكُمْ فَذُوقُواْ اُلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: فهذا مَن كَفَر مِن أهلِ القبلةِ حينَ
(١)
اقتتلوا(١).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن حمادِ بنِ سلمةَ والربيعِ بنٍ صَبِيحِ، عن أبى
غالبٍ(٢)، عن أبى أمامةً: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ أُسْوَذَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُ بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ﴾ .
قال: هم الخوارجُ) .
وقال آخرون: عُنِى بذلك كلُّ مَن كَفَر باللَّهِ بعدَ الإِيمانِ الذى آمَن ، حينَ أخذ
اللَّهُ مِن صلبٍ آدمَ ذريته، وأشهدَهم على أنفسِهم(٤) بما بينَّ فى كتابه (٥).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا علىُّ بن الهَيْثم ، قال : أخبرنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ،
عن الربيع، عن أبى العاليةِ، عن أَبيِّ بنِ كعبٍ فى قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَةٌ
وُجُوٌ﴾. قال: صاروا يومَ القيامةِ فريقين؛ فقال لمن اسودَّ وجهُه وعَيَّرَهم:
◌ْأَكَفَرْتُ بَعْدَ إِيمَنِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. قال: هو الإِيمانُ
الذى كان قبلَ الاختلافِ فى زمانِ آدمَ، حينَ أخَذ منهم عهدَهم وميثاقَهم ، وأقرُّوا
(١) فى س: ((اختلفوا)). والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٠/٣ (٣٩٥٨) من طريق أحمد بن
المفضل به .
(٢) فى النسخ: ((مجالد)). والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٣٤/ ١٧٠.
(٣) أخرجه الطبرانى (٨٠٣٤، ٨٠٣٧) من طريق حماد والربيع به مرفوعا .
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٢٩/٣ (٣٩٥٥) من طريق أبى غالب به مرفوعًا أيضًا. وعزاه السيوطى
فی الدر المنثور ٦٣/٢ إلى عبد بن حميد .
(٤) فى ص، ت ٢، ت ٣، س: ((نفسه)).
(٥) يشير المصنف إلى قوله جل وعز: ﴿ وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على
أنفسهم ألست بربكم﴾. الآية ١٧٢ من سورة الأعراف.

٦٦٦
سورة آل عمران : الآيتان ١٠٦، ١٠٧
كلُّهم بالعبوديةِ، وفطَرهم على الإسلامِ، فكانوا أمةٌ واحدةٌ مسلمين، يقولُ:
﴿ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ﴾ . يقولُ: بعد ذلك الذى كان فى زمانِ آدمَ. وقال فى
الآخرين: الذين استقاموا على إيمانِهم ذلك، فأخلَصوا (١) له الدينَ والعملَ ، فَض
اللَّهُ وُجوهَهم، وأدخلَهم فى رضوانِه وجنتِه(١) .
وقال آخرون: بل الذين ◌ُنوا بقولِه: ﴿أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ﴾. المنافقون .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سناٍ ، قال : ثنا أبو بكرٍ الحنفىُ ، عن عبّادٍ ، عن الحسنِ :
﴿ يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ / وَتَسْوَذُ وُجُوَّةً﴾ الآية. قال: هم المنافقون، كانوا أعطَوا كلمةً
الإيمانِ بألسنتِهم وأنكروها بقلوبهم وأعمالِهم (١) .
٤١/٤
وأولى الأقوالِ التى ذكرناها فى ذلك بالصوابِ القولُ الذی ذكرناه عن أبىِّ بنِ
كعبٍ، أنه عُنِى بذلك جميعُ الكفارِ ، وأن الإيمانَ الذى يُوَبَّخون على ارتدادِهم عنه
هو الإيمانُ الذى أقَرُوا به يومَ قيل لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنً
[الأعراف: ١٧٢]. وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه جعَل جميعَ أهل الآخرةِ فريقين؛ أحدُهما
سودًا(٤) وجوهُه، والآخرُ بيضًا(٥) وجوهُه، فمعلومٌ إذ لم يكنْ هنالك إلا هذان
الفريقان، أن جميعَ الكفارِ داخلون فى فريقِ مَن سُوِّد وجهُه ، وأن جميعَ المؤمنين
داخلون فى فريقٍ مَن يُيِّض وجهُه، فلا وجهَ إذنْ لقولٍ قائلٍ: عُنِى بقولِه: ﴿أَكَفَرْتُمُ
(١) فى ص، ت ١، س: (( وأخلصوا)) ..
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٠/٣ (٣٩٥٦، ٣٩٥٩) من طريق أبى جعفر به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٢٩/٣ (٣٩٥٣) من طريق أبى بكر الحنفى به .
(٤) فى م: ((سوداء)).
(٥) فى م: (( بيضاء)).

٦٦٧
سورة آل عمران : الآيات ١٠٦ - ١٠٨
بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ ﴾ بعضُ الكفارِ دونَ بعضٍ. وقد عمَّ اللَّهُ جلّ ثناؤه الخبرَ عنهم
جميعِهم، وإذا دخل جميعُهم فى ذلك ، ثم لم يكنْ لجميعِهم حالةٌ آمنوا فيها ثم
ارْتَدُوا كافرين بعدُ إلا حالةً واحدةً، كان معلومًا أنها المرادُ بذلك.
فتأويلُ الآيةِ إذن: أولئك لهم عذابٌ عظيمٌ فى يومٍ تَبْيَضُّ وجوهُ قوم (١)، وتسودٌ
وجوهُ آخرين؛ فأما الذين اسوَدَّت وجوهُهم فيقالُ: أجحَدتم توحيدَ اللَّهِ وعهدَه
وميثاقَه الذى واثَّقْتُمُوه عليه، بألّا تشركوا به شيئًا، وتُخْلِصوا له العبادةَ ﴿بَعْدَ
إِيَمَنِّكُمْ﴾. يَغْنى: بعدَ تصديقِكم به، ﴿فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ .
يقولُ: بما كنتم تَّجْحَدون فى الدنيا ما كان اللَّهُ قد أخذ ميثاقكم بالإقرارِ به والتصديقِ .
﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ أُبَيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ ﴾ ممن ثبت على [٤٤١/١ ظ] عهدِ اللَّهِ ومیثاقِه ،
فلم يُبَدِّلْ دينَه، ولم يَنْقَلِبْ على عَقِبَيْه بعدَ الإقرارِ بالتوحيدِ ، والشهادةِ لربِّه
بالألوهةِ ، وأنه لا إلهَ غيرُه، ﴿فَفِى رَحْمَةِ اللهِ ﴾. يَقُولُ: فهمْ فى رحمةِ اللَّهِ .
يعنى: فى جنتِه ونعيمِها، وما أعدَّ اللَّهُ لأهلِها فيها، ﴿هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾. أى:
باقون فيها أبدًا بغيرِ نهايةٍ ولا غايةٍ .
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اَللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا
لِّلْعَلَمِينَ
١٠٨
يَعْنى بقولِه(٢) جلَّ ثناؤه: ﴿تِلْكَ مَايَتُ اللَّهِ ﴾ : هذه آياتُ اللَّهِ .
وقد بيَّنَّا كيف وضَعت العربُ ((تلك)) و((ذلك)) مكانَ ((هذا)) و ((هذه)) فى
غيرِ هذا الموضعِ فيما مضَى قبلُ، بما أغنى عن إعادته(٣).
(١) سقط من: ص، ت ١، س.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بذلك)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٢٢٨/١ - ٢٣١.

٦٦٨
سورة آل عمران : الاية ١٠٨
وقولُه: ﴿ءَايَتُ اللَّهِ﴾. يعنى مواعظَ اللَّهِ وعِبِرَه وحُجَجَه، ﴿ نَتْلُوهَا
عَلَيْكَ﴾: نَقْرَؤُها عليك ونَقُصُّها ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ . يعنى بالصدقِ واليقينِ .
وإنما يَعْنى بقولِه: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ اللَّهِ﴾ : هذه الآياتُ التى ذكَر فيها أمورَ
المؤمنين مِن أنصارِ رسولِ اللَّهِ عَظِلّه وأمورَ يهودِ بنى إسرائيلَ وأهلِ الكتابِ، وما هو
فاعلٌ بأهلِ الوفاءِ بعهدِه، وبالمبدِّلين دينه ، والناقضين عهدَه بعدَ الإقرارِ به . ثم أخبر
عزَّ وجلَّ نبيّه محمدًا عَ لَّم أنه يَتْلو ذلك عليه بالحقِّ، وأعلَمه أن مَن عاقَبَ (١) مِن خلقِه
بما أخبر أنه معاقبُه ؛ مِن تسويدِ وجهِه ، وتخليدِه فى أليمِ عذابِهِ ، وعظيمٍ عقابِهِ ، ومَن
جازاه منهم بما جازاه؛ مِن تبييضٍ وجهِه، وتكريمِه، وتشريفٍ منزلتِه(١) لديه،
بتَخليدِه فى دائم نعيمِه ، فبغيرِ ظلمٍ منه لفريقٍ منهم ، بل بحقِّ(٢) استوجَبوه، وأعمالٍ
لهم سلَفت، جازاهم / عليها، فقال تعالى ذكرُه: ﴿ وَمَا اُللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ﴾ .
يعنى بذلك: وليس اللَّهُ يا محمدُ بتسويدِ وجوهِ هؤلاءِ، وإذاقَتِهم العذابَ العظيمَ،
وتَبْبيضِه(٤) وجوه هؤلاءٍ، وتنعيمِه إياهم فى جنَّتِهِ، طالبًا وضعَ شىءٍ مما فعَل مِن ذلك
فى ١٢ غيرِ موضعِه الذى هو موضعُه. إعلامًا بذلك عبادَه أنه لن يَصْلُحَ فى حكمتِه
بخلقِه غيرُ ما وعَد أهلَ طاعتِهِ والإيمانِ به ، وغيرُ ما أوعَدُ(١) أهلَ معصيتِه والكفرِ به،
وإنذارًا منه هؤلاء، وتبشيرًا منه هؤلاء.
٤٢/٤
(١) فى م: ((عاقبه)).
(٢) فى ص، ت ١: ((متوليه)) .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((لحق)).
(٤) فى م: ((تبييض)).
(٥) زيادة من : م.
(٦) فى ص: ((وعد)).

٦٦٩
سورة آل عمران : الآية ١٠٩
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلّ: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِىِ اُلْأَرْضِّ وَ إِلَى اَللَّهِ
تُرْجَعُ الْأُمُورُ
١٠٩
يَعْنى بذلك جلّ ثناؤه أنه يُعاقِبُ الذين كفروا بعد إيمانِهم، بما ذكر أنه
معاقبُهم به، مِن العذابِ العظيم وتسويدِ الوجوهِ، ويُثِيبُ (١) أهلَ الإِيمانِ به
الذين ثبتوا على التصديقِ والوفاءِ بِعُهودِهم التى عاهَدوا عليها، بما وصَف أنه
مُثيبُهم به، مِن الخلودِ فى جِنانِه(١) ، مِن غيرِ ظلم منه لأحدِ الفريقَين فيما فعَل ؛
لأنه لا حاجةً به إلى الظلم، وذلك أن(٣) الظالمَ إِنما يَظْلِمُ غيرَه ليَزْدادَ إلى عزّه (٤)
عزةٌ بظلمِه إياه، وإلى سلطانِه سلطانًا، أو(٥) إلى مُلِكه ملكًا؛ " أو إلى
نقصانٍ) فى بعضِ أسبابِهِ، يُتَمِّمُ بها(٢) ظلمَ غيرِه فيه ما كان ناقصًا مِن أسبابِه
عن التمام، فأما مَن كان له جميعُ ما بينَ أقطارِ المشارقِ والمغاربِ، وما فى
الدنيا والآخرةِ، فلا معنى لظلمِه أحدًا، فيَجُوزَ (٨) أن يَظْلِمَ شيئًا؛ لأنه ليس مِن
أسبابِه شىءٌ ناقصٌ يَحْتَاجُ إلى تمامٍ، فيتمَّ ذلك بظلم غيرِهِ، تعالى اللَّهُ عُلُؤَّا
كبيرًا. ولذلك قال جلَّ ثناؤه عَقِيبَ قولِه: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ
(١٠٨
وَلِلّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ اُلْأَرْضِّ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
(١) فى ص: ((يثبت))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((تثبت))، وفى س: ((تثبيت)).
(٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: (( جناته)).
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) فى م: ( عزته)).
(٥) فى م: ((و)).
(٦ - ٦) فى م: ((لنقصان)).
(٧) فى م: ((بما)).
(٨) فى س: (( فلا يجوز)).

٦٧٠
سورة آل عمران : الآية ١٠٩
واختلف أهلُ العربيةِ فى وجهِ تكريرِ اللَّهِ تعالى ذكرُه اسمَه مع قوله: ﴿وَإِلَى
اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. ظاهرًا، وقد تقدَّم اسمُه ظاهرًا مع قوله: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِى
اُلسَمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِّ ﴾؛ فقال بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ : ذلك نظيرُ
قولِ العربِ: أمَّا زيدٌ فذهَب زيدٌ. وكما قال الشاعرُ(١):
لا أُرَى الموتَ يَشْبِقُ الموتَ شىءٌ نَقَّصَ الموتُ ذا الغِنَى والفقيرا
فَأَظهَر فى موضعِ الإضمارِ .
وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ : ليس ذلك نظيرَ هذا البيتِ ؛ لأن موضعَ الموتِ
الثانى فى البيتِ موضعُ كنايةٍ ؛ لأنه كلمةٌ واحدةٌ ، وليس ذلك كذلك فى الآية ؛ لأن
قولَه: ﴿ وَلِلّهِ مَا فِىِ السَّمَوَاتِ وَمَا فِىِ اَلْأَرْضِّ﴾. خبرٌ ليس مِن قوله: ﴿ وَإِلَى اللَّهِ
تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ فى شىءٍ ، وذلك أن كلَّ واحدةٍ(١) مِن القصتين مفارقٌ معناها معنى
الأخرى ، مكتفيةٌ كلُّ واحدةٍ منهما بنفسِها ، غيرُ محتاجةٍ إلى الأخرى، كما(٣) قال
الشاعرُ: لا أرى الموت. محتاجٌ إلى تمامِ الخبرِ عنه .
وهذا القولُ الثانى عندَنا أولى بالصوابِ ؛ لأن كتابَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ لا تُوجَّهُ(٤)
معانيه وما فيه مِن البيانِ إلى الشواذٌ مِن الكلامِ والمعانى ، وله فى الفصيحِ مِن المنطقٍ
والظاهرِ مِن المعانى المفهوم وجةٌ صحيحٌ موجودٌ .
(١) البيت لعدى بن زيد، كما فى أمالى ابن الشجرى ١/ ٢٤٣، والخزانة ١/ ٣٨١. ونسبه فى الكتاب
٦٢/١، واللسان (ن غ ص) إلى ابنه سوادة. وفى نسخة من الكتاب : سواد. والصحيح أنه لعدى بن زيد ،
فهو فى ديوانه ص ٦٥، كما فى حاشية النكت للأعلم ١/ ١٩٨.
(٢) فى ص، ت ١، س: ((واحد)).
(٣) كذا فى النسخ، ولعل الصواب: ((وما)).
(٤) فى م، ت ٢، ت ٣: ((تؤخذ))، وفى ت ١، س: ((يوجد))، وغير منقوطة فى ص. والمثبت ما يقتضيه
السياق .

٦٧١
سورة آل عمران : الآيتان ١٠٩، ١١٠
/وأما قولُه: ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. فإنه يَعْنى تعالى ذكره: إلى اللَّهِ ٤٣/٤
مصيرُ أمرٍ جميعِ خلقِه؛ الصالحِ منهم والطالحِ، والمحسنِ والمسىءٍ ، فيُجازِى كلًّا
على قدرٍ استحقاقِهم منه الجزاءَ، بغيرِ ظلم منه أحدًا منهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ ؛
فقال بعضُهم: هم الذين هاجروا مع رسولٍ [٤٤٢/١ و] اللّهِ عَّه مِن مكةَ إلى المدينةِ،
وخاصةٌ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ عَّهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن سِماكٍ ، عن
سعيدٍ بنِ تجبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قال فى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
٠
قال : هم الذين خرجوا معه مِن مكةً(١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ ، قال: ثنا ابنُ عليةً(١٢) ، عن قيسٍ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾. قال : هم الذين هاجروا مِن
مكةً إلى المدينةِ .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمٍَّ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ .
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٥٥/١٢، وأحمد ٢٧٢/٤ (٢٤٦٣)، والنسائى فى الكبرى (١١٠٧٢)،
والطبرانى (١٢٣٠٣)، والحاكم ٢٩٤/٢ من طريق إسرائيل ، عن سماك به .
(٢) فى النسخ: ((عطية)). وقد تقدم مرارًا.

٦٧٢
سورة آل عمران : الآية ١١٠
قال عمرُ بنُ الخطابِ: لو شاء اللَّهُ لقال: أنتم. فكنا (١) كلُّنا، ولكن قال(٢):
كُنتُمْ﴾. فى خاصةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ لّهِ، ومَن صنَع مثلَ صنيعِهم(١)،
كانوا خيرَ أمةٍ أَخْرِجت للناسِ، يَأْمُرون بالمعروفِ ويَنْهون عن المنكرِ ".
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ جريجٍ : قال
عكرمةُ: نَزَلت فى ابنِ مسعودٍ وسالمٍ مولى أبي حذيفةً وأَبىّ بنِ كعبٍ ومعاذٍ بنٍ
(٥)
جبل(٥) .
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا مصعبُ بنُ المقدامِ، عن إسرائيلَ، عن السدىِّ ،
عمن حدَّثه، قال عمرُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. قال: تكُونُ لأولِنا
ولا تكونُ لآخرِنا(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا إسرائيلُ، عن
سِماكِ بنِ حربٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ﴾. قال: هم الذين هاجروا مع النبيِّ عَ لَه إلى المدينةِ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذكِر لنا أن عمرَ
ابنَ الخطابِ قال فى حَجّةٍ حَجَّها ورأى مِن الناسِ رِعةً سيئةً(٨)، فقرَأَ هذه: ﴿كُنْتُمْ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((وكنا)).
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ما صنعتم).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٢/٣ (٣٩٧٠) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٣/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٢/٣ (٣٩٦٩) من طريق إسرائيل به .
(٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٠، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٢/٣ (٣٩٦٨) عن الحسن بن يحيى به .
(٨) الرعة هلهنا: الاحتشام والكف عن سوء الأدب، أى: لم يحسنوا ذلك. النهاية ١٧٥/٥.

٦٧٣
سورة آل عمران : الآية ١١٠
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ الآية. ثم قال: يا أيها الناسُ، مَن سرَّه أن يكونَ مِن
تلكم(١) الأمةِ ، فليؤدِّ شرطَ اللَّهِ منها (٢) .
٤٤/٤
احدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن
الضحاكِ فى قوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾. قال: هم(١) أصحابُ
رسولِ اللَّهِ مَّهِ خاصةً. يعنى: وكانوا هم الرواةَ الدعاةَ الذين أمَر اللَّهُ المسلمين
(٤)
بطاعتِهم .
وقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خيرَ أمةٍ أُخْرِجت للناسِ، إذا كنتم
بهذه الشروطِ التى وصَفهم جلَّ ثناؤه بها . فكان تأويلُ ذلك عندَهم: كنتم
خيرَ أمةٍ تَأْمُرون بالمعروفِ وتَنْهَون عن المنكرِ وتُؤْمِنون باللّهِ، أُخْرِجوا للناسِ فِى
زمانكم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾. يقولُ:
على هذا الشرطِ ؛ أن تَأْمُروا بالمعروفِ وتَنْهَوا عن المنكرِ وتُؤْمِنوا باللّهِ. يقولُ : لمن أنتم
بِينَ ظَهرانَيه، كقوله: ﴿ وَلَقَدِ اخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴾ [الدخان: ٣٢].
(١) فى م: ((تلك))، وفى س: ((هذه)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٣/٢ إلى المصنف.
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) تقدم فى ص ٦٦٢ .
(٥) فى م، ت ٢، ت ٣، س: ((إذ)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
( تفسير الطبرى ٤٣/٥ )

٦٧٤
سورة آل عمران : الآية ١١٠
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ . قال : يقولُ: كنتم خيرَ الناسِ
للناسِ، على هذا الشرطِ؛ أن تَأْمُروا بالمعروفِ وتَنْهَوا عن المنكرِ وتُؤْمِنوا باللّهِ . يقولُ:
٥
لمن بينَ ظَهْرَيه، كقوله: ﴿ وَلَقَدِ اخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢].
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ميسرةَ، عن أبى حازم ، عن
أبى هريرةَ: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. قال: كنتم خيرَ الناسِ للناسِ،
تَجيئون بهم فى السلاسلِ تُدْخِلُونهم (١) فى الإسلامِ(٢).
حدَّثنا عُبِيدُ بنُ أسباطَ ، قال : ثنا أبى، عن فُضيلٍ بنٍ مرزوقٍ ، عن عطيةً فى
قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾. قال: خيرُ الناسِ للناسِ(١) .
وقال آخرون: إنما قيل: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾؛ لأنهم أكثرُ الأمم
استجابةً للإسلامِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتِ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع
قولَه: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ﴾. قال: لم تكنْ أمةٌ أكثرَ استجابةً فى الإسلامِ مِن هذه الأمةِ ، فمِن ثمّ
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فتدخلوا بهم))، وفى صحيح البخارى: ((حتى يدخلوا)).
(٢) أخرجه البخارى (٤٥٥٧)، والنسائى فى الكبرى (١١٠٧١)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٢/٣
(٣٩٧١)، والحاكم ٨٤/٤ من طريق سفيان به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/٢ إلى الفريابى وعبد بن
حميد وابن المنذر .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٣/٣ (٣٩٧٥) من طريق عيسى بن موسى عن عطية به ، وعقب الأثر
(٣٩٧٢) معلقًا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/٢ إلى عبد بن حميد.
٠

٦٧٥
سورة آل عمران : الآية ١١٠
قال: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾(١).
وقال بعضُهم: عنَى بذلك أنهم كانوا خيرَ أمةٍ أُخْرِجت للناسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سنانٍ ، قال: ثنا أبو بكرِ الحنفىُ، عن عبادٍ ، عن الحسنِ فى
قولِه: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ / أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ﴾. قال: قد كان ما تَسْمَعُ مِن الخيرِ فى هذه الأمةِ.
٤٥/٤
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ، قال: كان الحسنُ
يقولُ : نحن آخِرُها وأكرمُها على اللَّهِ .
قال أبو جعفرٍ : وأولى هذه الأقوالِ بتأويل الآيةِ ما قال الحسنُ ؛ وذلك أن يعقوبَ
ابنَ إبراهيمَ حدَّثنی قال: ثنا ابنُ علیةَ ، عن بَهْزِ بنِ حكيم ، عن أبيه ، عن جدِّه ، قال :
سمِعتُ رسولَ اللَّهِ عِلَّه يقولُ: ((ألا إنكم وقَّيتم سبعين أمةٌ، أنتم خيرُها(١) وأكرمُها
(٣)
على اللَّهِ(٢)).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، [٤٤٢/١ظ] قال : أخبرنا
(١) بعدها فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((والله أعلم )).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٣/٣ (٣٩٧٣) من طريق ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن
أبى العالية ، عن أبي بن كعب .
(٢) فى ص، م، والمسند، والمنتخب، والموضع الثانى من سنن ابن ماجه: ((آخرها)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الناس)).
والحديث أخرجه ابن ماجه (٤٢٨٨) من طريق ابن علية به .
وأخرجه أحمد ٥،٣/٥ (الميمنية)، والدارمى ٣١٣/٢، وعبد بن حميد (٤٠٩- منتخب)، وابن ماجه
(٤٢٨٧)، والطبرانى ٤٢٢/١٩ (١٠٢٣) من طرق عن بهز به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/٢ إلى ابن
المنذر وابن مردويه .

٦٧٦
سورة آل عمران : الآية ١١٠
معمرٌ، عن بهزِ بنِ حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، أنه سمِع النبىَّ عَّه يقولُ فى قوله :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾. قال: ((أنتم تُتِمُون سبعين أمةً ، أنتم خيرُها
وأكرمُها على اللَّهِ))(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال : ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذكِر لنا أن نبيّ
اللَّهِ مَ ◌ّه قال ذاتَ يومٍ وهو مُسنِدٌ ظهرَه إلى الكعبةِ: ((نحن نُكْمِلُ يومَ القيامةِ سبعين
٥
أمةً ، نحن آخرُها وخيرُها))(١).
وأما قولُه: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾. فإنه يعنى : تَأْمُرون بالإيمانِ باللّهِ ورسوله
والعملِ بشرائعِه، ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾. يعنى: وتَنْهَون عن الشركِ بِاللَّهِ
وتكذيبٍ رسولِه، وعن العملِ بما نھَى عنه .
كما حدَّثنا علىّ بنُ داودَ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةٌ ، عن
علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾. يقولُ: تَأْمُرونهم
بالمعروفِ؛ أن يَشْهَدوا ألَّ إلهَ إلا اللَّهُ، والإقرارُ بما أنزل اللَّهُ، وتُقَاتِلونهم عليه، ولا إلهَ
إلا اللَّهُ هو أعظمُ المعروفِ ، وتَنْهَونهم عن المنکرِ ، والمنکرُ هو التكذيبُ ، وهو أنکرُ
(٣)
المنكرِ(٣).
وأصلُ المعروفِ كلُّ ما كان معروفًا (٤) فعلُه، جميلاً مستحسنًا ، غيرَ مستقبَحِ
فى أهلِ الإِيمانِ باللّهِ ، وإنما سُمِّيَت طاعةُ اللَّهِ معروفًا؛ لأنه مما يَعْرِفُه أهلُ الإِيمانِ ولا
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٠، ومن طريقه الترمذى (٣٠٠١)، والحاكم ٨٤/٤، وأخرجه ابن أبى حاتم فى
تفسيره ٧٣١/٣ (٣٩٦٧) عن الحسن بن يحيى به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/٢ إلى المصنف.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣/ ٧٣٣، ٧٣٤ (٣٩٧٧، ٣٩٧٨)، والبيهقى فى الأسماء والصفات
(٢٠٦)، من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/٢ إلى ابن المنذر.
(٤ - ٤) فى م: ((ففعله جميل مستحسن)).

٦٧٧
سورة آل عمران : الآية ١١٠
يَسْتَنْكِرون فعلَه. وأصلُ المنكرِ ما أنكره اللَّهُ، ورأَوه قبيحًا فعلُه، ولذلك سُمِّيَت
معصيةُ اللَّهِ منكرًا؛ لأن أهلَ الإيمانِ باللَّهِ يَسْتَنْكِرون فعلَها، ويَسْتَعْظِمون رُكوبَها .
وقولُه: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾. يعنى: وتُصَدِّقون باللّهِ، فَتُخْلِصون له التوحيدَ
والعبادةَ .
فإن سأَل سائلٌ فقال: وكيف قيل: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾. وقد زعَمتَ أن
تأويلَ الآيةِ أن هذه الأمةَ خيرُ الأمم التى مضَت ، وإنما يُقالُ: كنتم خيرَ أمةٍ . لقومٍ
كانوا خيارًا فتَغَيَّروا عما كانوا عليه ؟
قيل : إن معنى ذلك بخلافٍ ما ذهَبتَ إليه ، وإنما معناه: أنتم خير أمةٍ . كما
قيل: ﴿ وَأَذْكُرُوْاْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦]. وقد قال فى موضع آخرَ:
﴿ وَأَذْكُرُواْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَتََّكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]، فإدخالُ (( كان)) فى
مثلٍ هذا وإسقاطُها بمعنّى واحدٍ ؛ لأن الكلامَ معروفٌ معناه .
ولو قال أيضًا فى ذلك قائلٌ: ﴿كُنْتُمْ﴾ بمعنى التمام. كان تأويلُه :
خُلِقْتم خيرَ أمةٍ ، أو: وُجِدْتم خيرَ أمةٍ ، كان معنًى صحيحًا .
وقد زعم بعضُ أهلِ العربيةِ أن معنى / ذلك: كنتم خيرَ أمةٍ عندَ اللَّهِ فى اللوحِ
المحفوظِ، أُخْرِجت للناسِ.
٤٦/٤
والقولان الأولان اللذان قلنا أشبهُ بمعنى الخبرِ الذى رَوَيناه قبلُ .
وقال آخرون: معنى ذلك : كنتم خيرَ أهلٍ طريقةٍ . وقال: الأُمَّةُ الطريقةُ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ مِّنْهُمُ
١١٠
اُلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَسِقُونَ
يعنى بذلك تعالى ذكره: ولو صدَّق أهلُ التوراةِ والإنجيلِ، مِن اليهودِ

٦٧٨
سورة آل عمران : الآيتان ١١٠، ١١١
والنصارى، بمحمدٍ عَ لَّه وما جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمَّ﴾ عندَ اللَّهِ
فى عاجلٍ دنياهم وآجلٍ آخرَتِهِم ، ﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ . يعنى: مِن أهلِ الكتابِ
مِن اليهودِ والنصارى، المؤمنون المصدِّقون رسولَ اللَّهِ عَّهِ فيما جاءهم به مِن عند
اللَّهِ، وهم عبدُ اللَّهِ بنُ سلَامٍ وأخوه، وثعلبةُ بنُ سَعْيَةً (١) وأخوه، وأشباهُهم ممن
آمَنوا (٢) باللّهِ، وصدَّقوا " برسولِه محمدٍ ٢) عَلَّهِ، واتبعوا ما جاءهم به من عندِ اللَّهِ )
وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ يعنى: الخارجون عن دينهم؛ وذلك أن مِن دينِ اليهودِ
اتّباعَ ما فى التوراةِ والتصديقَ بمحمدٍ سَ لَّهِ ، ومِن دينِ النصارى اتباعَ ما فى الإنجيلِ
والتصديقَ به وبما فى التوراة، وفى (٤) الكتابين صفةٌ محمدٍ عَّ لِ ونعتُه ومبعثُه، وأنه
نبُّ اللَّهِ. وكلتا الفرقتين - أعنى اليهود والنصارى - مكذبةٌ، فذلك فسقُهم
وخروجهم عن دينهم الذى يَدَّعُون أنهم يَدِينون به، الذى قال جلَّ ثناؤه:
﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَسِقُونَ﴾.
وقال قتادةُ بما حدَّثْنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً:
﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: ذَّ اللّهُ أكثرَ الناسِ().
[١١ /ظ ١] القولُ" فى تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿لَنْ يَضُوكُمْ إِلَّ أَذَىّ﴾ .
قال أبو جعفرِ: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: لن يَضُرَّكم (١) يا أهلَ الإيمانِ بِاللَّهِ
(١) فى م: ((سعيد)). وينظر سيرة ابن هشام ٢/ ٢٣٨، ٢٤٥.
(٢) فى ص، ت ١، س: ((آمن)) .
(٣ - ٣) فى ص: ((رسوله محمدًا)).
(٤) بعده فى ص، م: (( كل)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٤/٣ (٣٩٨٢) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/٢
إلی عبد بن حميد .
· من هنا تبدأ قطعة من مخطوط جامعة القرويين ولعلها الجزء الحادى عشر، وسيجد القارئ أرقام صفحاتها بين
معقوفين .
(٦) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يضروكم)).

٦٧٩
سورة آل عمران : الآية ١١١
ورسوله، هؤلاء الفاسقون من أهلِ الكتابِ شيئًا، بكفرِهم وتكذيِهم نبيَّكم
محمدًا عَ ◌ّهِ، ﴿إِلَّ أَذَى﴾. يعنى بذلك: ولكنهم يُؤْذُونَكم بشركهم
وإسماعِكم كفرَهم، وقولِهم فى عيسى وأمّه وعُزَيرٍ، ودعائهم إياكم إلى
الضلالةِ ، ولا يَضُرُّونكم(١) بذلك.
وهذا مِن الاستثناءِ المنقطع الذى هو مخالفٌ معنى ما قبلَه، كما قيل: ما
أشتكى شيئًا إلا خيرًا. وهذه كلمةٌ محكيةٌ عن العربِ سماعًا .
وبنحوِ ما قلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ
إِلَّ أَذَىّ﴾. يقولُ: لن يَضُرُّوكم إلا أذّى تَسْمَعونه منهم (١).
/حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿لَنْ
يَضُرُوكُمْ إِلََّّ أَذْىٌّ﴾. قال: أَذِى تَسْمَعونه منهم (١).
٤٧/٤
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ
قوله: ﴿لَنْ يَضُوكُمْ إِلَّ أَذَى﴾. قال: إشراكُهم فى عُزَيرٍ وعيسى
والصليب(٤) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سنانٍ ، قال : ثنا أبو بكرِ الحنفىُ، عن عبادٍ ، عن الحسنِ فى
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يضروكم)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٦٤، إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٤/٣ عقب الأثر (٣٩٨٤) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٥/٣ (٣٩٨٥) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج .

٦٨٠
سورة آل عمران : الآية ١١١
قوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّ أَذَىّ﴾ الآية. قال: تَشْمَعون منهم كذبًا على اللَّهِ ،
يَدْعُونكم إلى الضلالةِ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَإِن يُقَتِلُوكُمْ يُوَلُوَكُمُ الْأَدْبَارِّ ثُمَّ لَا
يُنْصَرُونَ
يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُهُ(٢) : وإِن يُقَاتِلْكم أهلُ الكتابِ مِن اليهودِ والنصارى
يُهْزَموا عنكم، فيُوَلَّوكم أدبارهم انهزامًا .
فقولُهُ(١): ﴿ يُوَلُوكُمُ الْأَدْبَارِ﴾. كنايةٌ عن انهزامِهم؛ لأن المنهزمَ يُحَوِّلُ ظهرَه
(٣)
إلى قِرِنِه (٤) الطالبِ هرَبًا إلى مَلْجأً وموئلٍ يَئِلُ إليه منه، خوفًا على نفسِه، والطالبُ
فى أثَرِهِ . فَدُبُرُ المطلوبِ حينئذٍ يَكونُ مُحاذِىَ وجهِ الطالبِ الهَازمِه .
﴿ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾. يَغْنى: ثم لا يَنْصرُهم اللَّهُ أيها المؤمنون عليكم ؛
لكفرِهم باللّهِ ورسوله، وإيمانِكم بما آتاكم نبيكم محمدٌ عَ لِّ؛ لأن الله تبارك وتعالى
قد ألقى الرعب فى قلوبِهم، فأيدكم١) أيها المؤمنون بنصرٍ كم . وهذا وعدٌ مِن اللَّهِ
تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًاًمَ ◌ّه وأهلَ الإيمانِ نَصْرَهم على مَن كفرَ به مِن أهلِ الكتابِ .
وإنما رفَع قولَه: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾. وقد جزَم قولَه: [٢/١١و] ﴿يُوَلُّوكُمُ
اُلْأَدْبَارَ ﴾. على جوابِ الجزاءِ، ائتنافًا للكلام؛ لأن رُءوسَ الآياتِ قبلَها بالنونِ ،
فأْحَق هذه بها، كما قال: ﴿ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغْنَذِرُونَ ﴾ [المرسلات: ٣٦]. رفعًا، وقد
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٤/٣ (٣٩٨٤) من طريق أبى بكر الحنفى به .
(٢) بعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣: (( وإن يقاتلوكم)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((وأما قوله)).
(٤) فى م: ((جهة)). والقرن: الكفء والنظير فى الشجاعة والحرب. اللسان ( ق رن ).
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((قلوب)).
(٦) فى م: (( كائدكم)).