Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١
سورة آل عمران : الآية ٢٩
يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: قل يا محمدُ للذين أمَرْتُهم ألَّا يَتَّخِذوا الكافرين أولياءَ
مِن دونِ المؤمنين: ﴿إِن تُخْفُواْ مَا فِ صُدُورِكُمْ﴾ مِن مُوالاةِ الكفارِ فتُسِرُوهُ(١)، أو
تُتدوا ذلكم مِن نفوسِكم بألسنتِكم وأفعالِكم فتُظْهِروه، ﴿يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ ، فلا يَخْفَى
عليه . يقولُ: فلا تُضْمِرُوا لهم مودَّةً ولا تُظْهِرُوا لهم مُوالاةً، فيَنالَكم مِن عُقوبةِ
ربّكم ما لا طاقةً لكم به؛ لأنه يعلمُ سِرَّكم وعَلانيتَكم ، فلا يَحْفَى عليه شىءٌ منه،
وهو مُخْصِيه عليكم، حتى يُجازيَكم عليه بالإحسانِ إحسانًا ، وبالسيئةِ مثلَها .
كما حدَّثنی موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشّدِّىِّ، قال:
أخبرهم أنه يَعْلَمُ ما أَسَرُوا مِن ذلك وما أعلنوا، فقال (١): ﴿إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ
أَوْ تُدُوهُ ﴾ (٢).
وأمَّا قولُه: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ﴾ فإنه(٤) يَعنى أنه إذا(٥) كان
لا يَخْفَى عليه شىءٌ هو فى سماءٍ أو أرضٍ أو حيثُ كان، فكيف يَخْفَى عليه - أيُّها
القومُ الذين يَتَّخِذون الكافرين أولياءَ مِن دونٍ [٣٩٩/١و] المؤمنين - ما فى صدور كم
مِن المَيَلِ إليهم بالمودةِ والمحبةِ ، أو ما تُبْدُونه لهم بالمعونةِ فعلًا وقولًا ؟
وأمَّا قولُه: ﴿ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ فإنه يعنى: واللَّهُ قديرٌ على
مُعاجَلتِكم بالعقوبةِ () على مُوالاتِكم إياهم، ومُظاهرتِكموهم على المؤمنين، وعلى
ما يشاءُ مِنِ الأمورِ كلِّها ، لا يَتَعذَّرُ عليه شىءٌ أراده، ولا يَمْتِعُ عليه شىءٌ طَلَبه .
(١) فى س: (( فتستروه)) .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((قال)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣١/٢ (٣٣٨٩) من طريق عمرو به .
(٤) فى ت ١، س: ((فإنما)) .
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((إذ)).
(٦) فى ص، ت١، ت ٢، ت ٣، س: ((والعقوبة)).
( تفسير الطبرى ٢١/٥ )
٣٢٢
سورة آل عمران : الآية ٣٠
القولُ فى تأويل قولِه عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُخُضَرًّا
وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَذُ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَّأَ بَعِيدًا ﴾
٠
٢٣١/٣
/ يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: ويُحَذِّرُ كم اللَّهُ نَفْسَه فى يومٍ تَجِدُ كلَّ نفسٍ ما عمِلت
مِن خيرٍ مُحْضَرًا مُوفّرًا، ﴿ وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَّأَ
بَعِيدًا﴾. يَعنى: غايةٌ بعيدةٌ ، فإنَّ مصيرَ كم أيها القومُ يومئذٍ إليه، فاحْذَرُوه على
أنفسكم من ذنوبکم .
وكان قتادةُ يقولُ فى معنَى قوله: ﴿تُخْضَرًّا﴾. ما حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا
يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ
تُعْضَرًا﴾. يقولُ: مُؤَقًَّا(١).
وقد زعم بعضُ (٢) أهلِ العربيةِ أن معنَى ذلك: واذْكُرُ(٢) يومَ تَجِدُ. وقال: إن
ذلك إنما جاء كذلك ؛ لأن القرآنَ إِنما نزَل للأمرِ والذِّكْرٍ، كأنه قيل لهم: اذْكُروا كذا
وكذا؛ لأنه فى القرآنِ فى غيرِ موضعٍ: واتَّقُوا يومَ كذا، وحينَ كذا .
وأما ﴿مَا﴾ التى مع ﴿عَمِلَتْ﴾ فبمعنَى ((الذى))، ولا يجوزُ أن تكونَ
جزاءً ، لوقوعِ ﴿ تَجِدُ ﴾ علیه(١) .
وأمَّا قولُه: ﴿ وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ﴾. فإِنه معطوفٌ على قولِه: ﴿مَا﴾
الأُولَى، و﴿ عَمِلَتْ﴾ صِلَةٌ بمعنَى الرفعِ، لَّ (٥) قيل: ﴿تَوَذُ﴾
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣١/٢ (٣٣٩٢) من طريق يزيد به .
(٢) زيادة يقتضيها السياق .
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.
(٤) الوقوع : التعدى .
(٥) فى النسخ: ((كما)). والمثبت ما يقتضيه السياق. وينظر معانى القرآن للفراء ٢٠٦/١.
٣٢٣
سورة آل عمران : الآية ٣٠
فتأويلُ الكلام: يومَ تَجِدُ كلَّ نفسٍ الذى عمِلت مِن خيرٍ مُحضرًا، والذى
عمِلت مِن سُوءٍ تَوَدُّ لو أن بينَها وبينَه أمدًا .
والأمدُ(١) الغايةُ التى يُنْتَهَى إليها، ومنه قولُ الطّرِمَّاحُ
(٢)
رٍ وَهُودٍ (٢) إذا انْقَضَى أَمَدُهُ(٤)
كُلُّ حِيٍّ مُسْتَكْمِلٌ عِدَّةَ العُمْـ
يَعنى : غايةُ أجلِه .
وقد حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرٌو ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّئِّ
قولَه: ﴿ وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَّأَ بَعِيدًا ﴾: مكانًا بعيدًا(٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنٍ نجريج: ﴿ أَمَدّأَ
بَعِيدًا﴾. قال: أجلًاً(٦).
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال: ثنا أبو بكرِ الحنفىُ ، قال : ثنا عبَادُ بنُ منصورٍ ،
عن الحسنِ فى قوله: ﴿ وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَّا بَعِيدًا﴾ .
قال: يَسُرُّ أحدَهم ألا يَلْقَى عملَه ذاك أبدًا، يكونُ ذلك مُناه، وأما فى الدنيا فقد
كانت خطيئتُه يَسْتَلِذُّها(٧) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
٣٠
يقولُ جلَّ ثناؤه: ويُحَذِّرُكم اللَّهُ نفسَه أن تُشْخِطُوها عليكم بركوبِكم ما
(١) فى ص: ((فإن)).
(٢) ديوانه ص ١٩٧.
(٣) مودٍ : هالك .
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أجله))، وفى الديوان: ((عدده)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٢/٢ (٣٣٩٧) من طريق عمرو به .
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧/٢ إلى المصنف.
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣١/٢ (٣٣٩٤) من طريق أبى بكر الحنفى به .
٣٢٤
سورة آل عمران: الآيتان ٣٠، ٣١
يُشْخِطُه عليكم، فتوافُوهُ(١) يومَ تَجِدُ كلُّ نفسٍ ما عمِلت من خيرٍ محضرًا، وما
عمِلت من سوءٍ تودُّ لو أن بينها وبينَه أمدًا بعيدًا، وهو عليكم ساخطً ، فيتالَكم مِن
ألیمٍ عقابه ما لا قِتَلَ لکم به .
ثم أخبَر عزَّ وجلَّ أنه رءوفٌ بعبادِه رحيمٌ بهم، ومِن رأفته بهم تحذِیرُه إِيَّهم
نفسَه، وتخويفُهم عقوبتَه ، ونَهُه إيَّاهم عما نهاهم عنه مِن معاصِیه .
كما حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، عن ابنِ
عُيينةَ، عن عمرٍو، عن(١) / الحسنِ فى قوله: ﴿ وَيُعَذِّرُكُمُ الَّهُ نَفْسَهُمْ وَاللّهُ رَءُوفٌ
بِالْعِبَادِ﴾. قال (١) : مِن رأفتِه بهم أن حذَّرهم نفسَه (٤) .
٢٣٢/٣
القولُ فى تأويل قولِه : ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ
٣١
لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (
اختلف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى أُنزِلِتْ هذه الآيةُ فيه ؛ فقال بعضُهم:
أَنْزِلت فى قومٍ قالوا على عهدِ النبيِّ ◌َِّ: إِنَّا نُحِبُّ ربَّنا. فأُمَرِ اللَّهُ جلَّ وعزَّ نبيّه
محمدًا عٍَّ أن يقولَ لهم: إن كُنتم صادِقِين فيما تَقولون فاتَِّعونى، فإنَّ ذلك علامةٌ
صِدْقِكم فيما قُلْتُم مِن ذلك .
(١) فى م: ((فتوافونه)).
(٢) فى النسخ: ((بن)). والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ١٢٣/٢٢.
:
(٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((هو)).
(٤) تفسير عبد الرزاق ١١٨/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٢/٢ (٣٣٩٨) من طريق الفضيل بن
عياض ، عن الحسن .
٣٢٥
سورة آل عمران : الآية ٣١
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ ، عن بکرِ
ابنِ الأسودِ ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: قال قومٌ على عهدِ النبيِّ عْ له: يا محمدُ،
إِنَّا نُحِبُّ ربَّنا. فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. فجعَل اتِّبَاعَ نبيِّه محمدٍ عَظِلّهِ عَلَمًا لحُّه، وعذابٍ مَن خالَفه(١).
حدَّثنى المُنى ، قال : ثنا علىُ بنُ الهَيْثم ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ ، عن أبى عُبَيدةَ ،
قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: قال أقوامٌ على عهدِ رسولِ اللَّهِ عَمِ: يا محمدُ، إنّا
لنُحِبُّ ربّنا. فَأَنزَلِ اللَّهُ جلَّ وعزَّ بذلك قرآنًا: ﴿ قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ
يُحْبِبْكُمُ اَللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، فجعَل اللَّهُ أَتِبَاعَ نبيّه محمدٍ عِّ عَلَمًا لحُّه،
وعذابٍ مَن خالَفه(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنٍ مجرَيجٍ قولَه :
﴿ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اَللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. قال: كان قومٌ يَزْعُمون أنهم يُحِبُّون
اللَّهَ، يقولُون: إِنَّا نُحِبُ ربَّنا. فأمَرَهم اللَّهُ أَن يَتَّبِعوا [٣٩٩/١ظ] محمدًا عَظِلّهِ، وجعَل
اِّاعَ محمدٍ عَلَمًا حُّم(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ (٤) ، قال : ثنا أبو بكرِ الحنفىُ ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ منصورٍ ،
عن الحسنِ فى قولِهِ: ﴿إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآية. قال: إنَّ أقوامًا كانُوا على
عهدِ رسولِ اللَّهِ مَّهِ يَزْعُمون أنهم يُحِبُّون اللَّهَ، فأراد اللَّهُ أن يَجعلَ لقولِهم تصديقًا
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧/٢ إلى المصنف.
(٢) أخرجه الآجرى فى الشريعة (٢٥٤) من طريق عبد الوهاب به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧/٢ إلى
ابن المنذر .
(٣) عزاه فى الدر المنثور ١٧/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤) فى النسخ: ((سفيان)). وتقدم فى ص ٣٢٣.
٣٢٦
سورة آل عمران : الآية ٣١
مِن عملٍ، فقال: ﴿إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآية. كان اتِّباعُ محمدٍ عَظَلِّ تصديقًا
(أ)
لقولِهم (١).
وقال آخرون: بل هذا أمرٌ مِن اللَّهِ نبيّه محمدًا عَّهِ أن يقولَ لوفدٍ تَجْرانَ الذين
قَدِموا عليه مِن النصارَى، إنْ كان الذى يقولونه فى عيسى مِن عظيمِ القولِ إنما
يقولُونه تعظيمًا للَّهِ وحبًّا له، فاتَّبِعوا محمدًا عَلَّهِ .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
٢٣٣/٣
/ حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ
جعفرِ بنِ الزُّبَيرِ: ﴿ قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ أى : إن كان هذا مِن قولكم - یعنی فی
عيسى - حبًّا للَّهِ وتعظيمًا له ﴿فَاتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أى : ما
مضَى مِن كفرِكم، ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١).
قال أبو جعفرٍ : وأولَى القولينِ بتأويلِ الآيةِ قولُ محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبيرِ؛ لأنه
لم يَجْرِ لغيرِ وفدٍ تَجْرانَ فى هذه السورةِ ولا قَبْلَ هذه الآيةِ ذِكْرُ قومِ ادَّعَوا أنهم يُحِبُّون
اللَّهَ ولا أنهم يُعَظِّمونه، فيكونَ قولُه: ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ ﴾ جوابًا لقولِهم
على ما قاله الحسنُ .
وأمَّا ما روَى الحسنُ فى ذلك مما قد ذكَرْناه ، فلا خبرَ به عندَنا يَصِحُ فِيَجوزَ أن
يُقالَ: إِن ذلك كذلك. وإن لم يكن فى السورةِ دَلالةٌ على أنه كما قال، إلا أن يكونَ
الحسنُ أراد بالقوم الذين ذكر أنهم قالوا ذلك على عهدِ رسولِ اللَّهِ مَّهِ وَقْدَ نَجْرَانَ مِن
النصارَى، فيكونَ ذلك مِن قولِه نَظِیرَ إخبارِنا .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٣/٢ (٣٤٠٢) من طريق أبى بكر الحنفى .
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٨، ٥٧٩.
٣٢٧
سورة آل عمران : الآيتان ٣٢،٣١
فإذا لم يكنْ بذلك خبرٌ على ما قُلنا ، ولا فى الآيةِ دليلٌ على ما وصَفْنا، فأوْلَى
الأمورِ بنا أن نُلْحِقَ تأويلَه بالذى عليه الدَّلالةُ مِن آيِ السورةِ ، وذلك هو ما وَصَفْنا؛
لأن ما قبلَ هذه الآيةِ مِن مُبْتَداً هذه السورةِ وما بعدَها خبرٌ عنهم ، واخْتِجاجٌ مِن اللَّهِ
النبيِّه محمدٍ عَّهِ، ودليلٌ على بُطولِ قولِهم فى المسيح. فالواجبُ أن تكونَ هى أيضًا
مَصْروفةَ المعنَى إلى نحوِ ما قبلَها ومعنَى ما بعدَها .
فإذْ كان الأمرُ على ما وَصَفْنا ، فتَأويلُ الآيةِ : قلْ يا محمدُ للوفدِ مِن نصارَى
تَجْرانَ: إِن كُنتُم تَزْعُمُون أنكم تُحِبُّون اللَّهَ، وأنكم تُعَظِّمون المسيح، وتقولون فيه ما
تقولون ، حُبًّا منكم ربَّكم، فحَقِّقُوا قولَكم الذى تقولونه، إن كُنتم صادِقین ،
باتِّبَاعِكم إياىَ، فإنكم تعلمون أنى للَّهِ رسولٌ إليكم، كما كان عيسى رسولاً إلى مَن
أَرْسِلَ إليه ، فإنه إن اتَّبَعْتُمونى وصدَّقْتُمونى على ما آتَيْثُكم به مِن عندِ اللَّهِ ، يَغْفِرُ لكم
ذُنوبَكم، فيَصْفحُ لكم عن العقوبةِ عليها ، ويَعفو لكم عمَّا مضى منها ، فإنه غفورٌ
لذنوبٍ عبادِه المؤمنين، رحيم بهم وبغيرِهم مِن خلقِه .
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنِ تَوَلَوْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
الْكَفِینَ
٣٢
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: قل يا محمدُ لهؤلاءِ الوفدٍ مِن نصارَى نَجْرَانَ: أَطِيعُوا
اللَّهَ والرسولَ محمدًا، فإنكم قد عَلِمتم يقينًا أنه رسُولِى إلى خلقِى ، ابْتَعثتُه بالحقِّ ،
تَجِدونه مكتوبًا عندَكم فى الإنجيلِ ، فإن تولَّوْا فاستدْبَروا عمَّا دَعوتَهم إليه مِن ذلك
وأعْرَضُوا عنه ، فأعْلِمْهم أن اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كَفَر، بجَحْدِ ما عَرَف مِن الحقِّ وأنكره
بعدَ علمِه، وأنهم منهم بجُحودِهم نُبوَّتَك وإنكارِهم الحقَّ الذى أنت عليه ، بعد
علمِهم بصِحَّةٍ أُمرِك وحقيقةِ نُبَّتِك .
٣٢٨
سورة آل عمران : الآيتان ٣٣،٣٢
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ
جعفرٍ بِنِ الزُّبيرِ: ﴿ قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾: فأنتم تعرِفُونه - يعنى الوفدَ مِن
نصارَى نجرانَ - وَجِدونه فى كتابِكم، ﴿ فَإِن تَوَلَّوْ﴾ على كفرِهم، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا
يُحِبُّ الْكَفِرِينَ﴾(١).
٢٣٤/٣
/ القولُ فى تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَدَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ
عَلَى الْعَلَمِينَ
٣٣
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن اللهَ اجْتَبَى آدمَ ونوحًا، واختارَهما لدينِهما،
وآلَ إبراهيمَ وَآلَ عِمرانَ لدينهم الذى كانوا عليه؛ لأنهم كانوا أهلَ الإسلامِ.
فأخْبَرِ اللهُ عزَّ وجلَّ أنه اختار دينَ مَن ذكَرْنا على سائرِ الأديانِ التى خالَفَتْه. وإنما عنَى
بـ ((آلِ إبراهيمَ وآلٍ عِمرانَ)) المؤمنين.
وقد دَلَّلْنا على أن آلَ الرجلِ أَتْباعُه وقومُه ومَن هو على دينِه .
وبالذى قلنا فى ذلك رُوِىَ القولُ عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُه .
حدَّثنى المُثُنى ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَنَ عَلَى
اَلْعَلَمِينَ﴾. قال: هم المؤمنون مِن آلِ إبراهيمَ وآلٍ عِمرانَ وآلٍ ياسينَ وآلٍ محمدٍ ،
يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِنََّهِيمَ لَلَّذِينَ آَتَّبَعُوهُ﴾ [ آل عمران: ٦٨].
وهم المؤمنون (١) .
(١) سيرة ابن هشام ٥٧٩/١.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٥/٢ (٣٤١٤)، من طريق عبد اللَّه بن صالح به دون
آخره .
٣٢٩
سورة آل عمران: الآيتان ٣٣ ، ٣٤
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ
ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾: رجلانِ نَبيَّانِ اصْطَفاهما اللهُ
على العالمين .
[٤٠٠/١ و] حدَّثنا الحسنُ بنُ يحبى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا
مَعْمِرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ
عَلَى الْعَلَمِينَ﴾. قال: ذكَر اللهُ أهلَ بَيْتَيْنْ صالحَيْ، وَرَجُليْن صالحَيْنٍ، فَفَضَّلهم
على العالَمِين، فكان محمدٌ عَ لِّ مِن آلِ إبراهيمَ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال : ثنا أبو بكر الحنفىُ ، قال: ثنا عَبَّادٌ ، عن الحسنِ
فى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ﴾. إلى قوله: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعُ
عَلِيمُ﴾ . قال: فَضَّلَهم اللهُ على العالمينَ بالنبوّةِ على الناسِ كلِّهم، كانوا هم الأنبياءَ
الأَتْقِيَاءَ الْمُصْطَفَيْنَ(٢) لربِّهم(٣) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ ذُرِيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضُِ وَاللّهُ سَمِيعُ عَلِيمُ
٣٤
يعنى بذلك أن اللهَ اصْطَفى آلَ إبراهيمَ وَآلَ عِمرانَ ذُرِّيَةٌ بعضُها من بعضٍ .
فالذُّرِّيةُ منصوبةٌ على القطع مِن ((آلِ إبراهيمَ وآلٍ عمرانَ))؛ لأن ((الذُّرِّيَةَ)) نكرةٌ ،
و(( آلَ عِمرانَ)) مَعْرِفَةٌ .
ولو قيلَ: نُصِبَتْ على تكريرِ ((الاصْطِفاءِ)). لكان صوابًا؛ لأن المعنى):
(١) تفسير عبد الرزاق ١١٨/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٥/٢ (٣٤١٣) عن الحسن بن يحيى
به .
(٢) فى م، س: ((المطيعين)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٤/٢ (٣٤١١) من طريق أبى بكر الحنفى به .
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((لمعنى)).
٣٣٠
سورة آل عمران : الآيتان ٣٤، ٣٥
اصطَفى ذُرِّيةً بعضُها مِن بعضٍ .
وإنما جعَل بعضَهم مِن بعضٍ فى الموالاةِ فى الدينِ، والمؤازَرَةِ على الإسلامِ
والحقِّ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ [ التوبة:
٧١]. وقال فى مَوْضِع آخرَ: ﴿الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِ﴾ [التوبة:
٦٧]. يغنى: أنَّ دينَهم واحدٌ، وطريقَتَهم واحدةٌ، فكذلك قولُه: ﴿ذُرِيَّةً بَعْضُهَا مِنْ
بَعْضِرُ﴾. إنما معناه: ذُرِّيةً دِينُ بعضِها دِينُ بعضِ، وكَلِمَتُهم واحدةٌ ، ومِلَّتُهم
واحدةٌ فى توحيدِ اللهِ وطاعتِه .
٢٣٥/٣
/ كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذُرِّيَّةً]
بَعْضُهَا مِنْ بَعْضَِّ﴾. يقولُ: فى النيةِ والعملِ والإخلاصِ والتوحيدِ له (١).
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمُ﴾ . يعنى بذلك: واللهُ ذو سَمْع لقولِ امرأةٍ عِمرانَ ،
وذو علم بما تُضْمِرُه فى نفسِها ، إذ نَذَرتْ له ما فى بطنِها مُحَرَّرًا .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَنَ رَبٍ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى
(٣٥
مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنْيَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
يعنى (" بذلك بقوله جلَّ ثناؤه: واللهُ سميعٌ عليمٌ) ﴿إِذْ قَالَتِ أَمْرَأَتُ عِمْزَنَ رَبِّ
إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِ بَطْنِ مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّيٌّ﴾. فـ ﴿إِذْ﴾ مِن صِلَةِ ﴿سَمِيعُ﴾ . وأما
امرأةٌ عِمرانَ، فهى أمُّ مَريمَ ابنةِ عِمرانَ أَمِّ عيسى ابنِ مريمَ ، صلواتُ اللهِ عليه، وكان
اسمُها ، فيما ذُكِرَ لنا، حَتَّةَ ابنةَ فاقوذً(٣) ابنِ قبيلٍ (٤) .
كذلك حدَّثنا به محمدُ بنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلَمَةُ، عن ابنٍ إسحاقَ فى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٥/٢ (٣٤١٨) من طريق شيبان ، عن قتادة .
(٢ - ٢) فى النسخ: (( بقوله جل ثناؤه)) . والمثبت هو ما جرت عليه عادة المصنف فى تفسيره ، وسیأتی فی ص ٣٩٢.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((قابود)).
(٤) فى م فى هذا الموضع والموضع بعده: (( قتيل)).
٣٣١
سورة آل عمران : الآية ٣٥
نَسَبِهُ (١) . وقال غيرُ ابنٍ حُميدٍ : ابنةُ فاقودَ - بالدالِ - ابنِ قبيلٍ .
فأما زوجها ، فإنه ◌ِمرانُ بنُ ياشهمَ(١) بنِ أمونَ بنِ منشا بنِ حزقيا بنِ أحزيقَ(٣)
ابنِ يوثمَ(٤) بنِ عزاريا (٥) بنِ أمصيا بنِ ياوشَ بنِ أحزيهو(٢) بنِ يارمَ() بنِ يهغاشاطَ(٨)
ابنِ أيشا(٢) بنِ أبيا (١٠) بنٍ رحبعمَ بنِ سليمانَ بنِ داودَ بنِ أيشا .
كذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ فى
(١١)
نسبه (١).
وأما قولُه: ﴿رَبٍّ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِىِ بَطْنِى مُحَرَّرًا﴾. فإن معناه: إنى جَعَلتُ
لك يا ربِّ نذرًا؛ أن لك الذى فى بطنى مُحرّرًا لعبادتك . يعنى بذلك : حَبَستُه على
خدمتِك وخدمةِ قُدُسِكَ فى الكنيسةِ ، عَتِيقةٌ مِن خِدمةِ كلِّ شىءٍ سواك، مُفَرَّغةُ لك
خاصّةً .
ونصب ﴿مُحَرًّا﴾ على الحالِ (٢ ١ مِمّا فى الصفةِ مِن ذِكْرٍ(١٢) ((الذى)).
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٥٨٦، وينظر البداية والنهاية ٢/ ٤١٨.
(٢) فى ت ١، ت ٢، س، والبداية والنهاية: ((باشم)).
(٣) فى النسخ: ((أحريق))، والمثبت من تاريخ المصنف والبداية والنهاية .
(٤) فى تاريخ المصنف: ((يوثام))، وفى البداية والنهاية: ((موثم))، وأثبتناه بالثاء ليوافق ما فيهما .
(٥) فى تاريخ المصنف: ((عزريا)).
(٦) فى النسخ: ((أحريهو))، والمثبت من تاريخ المصنف والبداية والنهاية .
(٧) فى النسخ: ((يارم))، والمثبت من تاريخ المصنف والبداية والنهاية .
(٨) فى تاريخ الطبرى: ((يهشافاظ)).
(٩) فى م: ((أشا))، وفى تاريخ الطبرى: ((أسا))، وفى البداية والنهاية: ((أيش)).
(١٠) فى النسخ: ((أبان)). والمثبت من تاريخ المصنف.
(١١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٨٥/١، ٥٨٦. وينظر البداية والنهاية ٤١٧/٢.
(١٢ - ١٢) فى م: (( من ما التى بمعنى)).
٣٣٢
سورة آل عمران : الآية ٣٥
فَتَقَبِّلْ مِنِىٌّ﴾. أى: فتَقبلْ منى ما نَذَرْتُ لك يا ربِّ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الشَّمِيعُ
اٌلْعَلِيمُ﴾. يعنى: إنك أنت يا ربِّ السميعُ لما أقولُ وأَدْعُو، العليمُ لما أنْوِى فى نفسِى
وأُرِيدُ ، لا يَخْفَى عليك سِرُ أَمْرِى وعلانيتُه .
وكان سببَ نذرٍ حَنَّةَ ابنةٍ فاقوذَ (١) امرأةٍ عِمرانَ، الذى ذكره اللهُ فى هذه الآيةِ ،
فيما بَلَغَنا ، ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلَمَةُ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ،
قال: تَزَوَّج زكريا وعمرانُ أَخْتَين، فكانت أمّ يحيى عندَ زكريا، وكانت أمّ مريمَ عندَ
عِمرانَ ، فهلَك ◌ِمرانُ وأمّ مريمَ حاملٌ بمريمَ ، فهى جَنينٌ فى بطنِها . قال : وكانت
فيما يَزْعُمون قد أُمْسِك عنها الولدُ حتى أَسَنَّتْ ، وكانوا أهلَ بيتٍ مِن اللهِ جلَّ ثناؤه
بمكانٍ ، فبينا هى فى ظلِّ شجرةٍ ، نَظَرَتْ إلى طائرٍ يُطْعِمُ فَرْخًا له ، فتَحَرَّكتْ نفسُها
للولدِ ، فَدَعَتِ اللهَ أن يَهَبَ لها ولدًا، فحمَلَتْ بمريمَ، وهلَك ◌ِمرانُ ، فلمَّا عَرَفتْ أن
فى بطنها جنينًا ، جَعَلته للهِ نَذيرةً. والتَّذيرةُ أن تُعَبِّدَه للهِ، فَتَجْعَلَه حبسًا فى الكنيسةِ ،
لا يُتَفعُ به بشىءٍ مِن أمور الدنيا .
٢٣٦/٣
/ حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ جعفرٍ
ابنِ الزُّبِيرِ، قال: ثم ذكَر امرأةَ عِمرانَ وقولَها: ﴿ رَبٍ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِىِ بَطْنِى
مُحَرًّا﴾ أى: نَذَرْتُه، تقولُ: جَعَلتُه عتيقًا لعبادةِ اللهِ، لا يُنْتَفَعُ به بشىءٍ مِن أمورٍ
الدنيا، ﴿ فَتَقَبَّلْ مِنِىُّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(١).
حدَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ الطُّفاوىُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ رَبِيعةً ، قال : ثنا
النَّصْرُ بنُ عربيٍّ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ مُحَرَّرًا﴾. قال: خادمًا للبيعةِ(١).
(١) فى ص: ((قاقود)).
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٩.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٦/٢ (٣٤٢٣) من طريق النضر بن عربى به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٨/٢ إلى عبد بن حميد .
٣٣٣
سورة آل عمران : الآية ٣٥
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن النَّضرِ بنِ عربىٌّ، عن مُجاهدٍ ،
قال : خادمًا للكَنِيسةِ .
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوح، قال : أخبرنا إسماعيلُ، عن الشَّعْبِىّ
فى قوله: ﴿ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِىِ بَطْنِى مُحَرًَّا﴾. قال: فَرَّغْتُه للعبادةِ(١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا [٤٠٠/١ظ] إسماعيلُ
ابنُّ أبى خالدٍ ، عن الشعبىِّ، فى قولِهِ: ﴿إِ نَّذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِ مُحَّرًا﴾. قال:
جَعَلْتُه فى الكنيسةِ، وفرَغْتُه للعبادةِ (١).
حدَّثْنى المُثُنى ، قال : ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ ، قال: أخبرنا مُشيمٌ، عن إسماعيلَ ،
عن الشعبيّ نحوَه .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيح،
عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِىِ بَطْنِ مُخَّرًا﴾. قال: للكنيسةِ(٢)
يَخْدِمُها .
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال : ثنا شِبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ ، عن مجاهدٍ :
﴿ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِ بَطْنِى مُحَرَّرًا﴾. قال: خالصًا لا يُخالِطُه شىءٌ مِن أمرٍ
(٣)
الدنيا(٣).
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٦/٢ عقب الأثر (٣٤٢٢) معلقًا.
(٢) فى ص، ت ١: ((الكنيسة)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٦/٢ (٣٤٢٢) من طريق وكيع به .
٣٣٤
سورة آل عمران : الآية ٣٥
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا حَكَامٌ ، عن عمرٍو ، عن عطاءٍ ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ :
13
﴿ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِىِ بَطَنِى مُحَّرًا﴾. قال: للبيعةِ والكنيسةِ(١).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا الحِمَّانىُ، قال: ثنا شَرِيكَ، عن سالم، عن سعيدٍ :
إِّ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرًَّا﴾. قال: مُحَرَّرًا للعبادةِ().
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ قَالَتِ أَمْرَأَتُ
عِمْرَنَ رَبٍّ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا﴾ الآية: كانت امرأةٌ عِمرانَ حرَّرتْ للهِما
فى بطنها، وكانوا إنما يُحَرِّرون الذكورَ، وكان المحرَّرُ إذا حُرِّر ◌ُجُعِلَ فى الكنيسةِ(٣) لا
يَبْرَحُها ، يقومُ عليها ويَكْتُسُها(٤) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِىِ بَطْنِى مُحَرَّرًا﴾. قال: نَذَرتْ ولدَها
(٥)
للكنيسةِ(٥).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿ إِذْ قَالَتِ
أَمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبٍ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِىِ بَطْنِى مُحَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّيِّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
اٌلْعَلِيمُ﴾. قال: وذلك أن امرأةَ عِمرانَ حَمَلَت ، فظَنَّت أن ما فى بطنِها غلامٌ،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩/٢ إلى عبد بن حميد، ولفظه: جعلته لله والكنيسة ، فلا يحال بينه وبين
العبادة .
(٢) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ص ٣٤٤ (تراجم النساء) من طريق شريك به، بلفظ: للعبادة لا
یشغله عنها .
(٣) بعده فى ص، ت ١: ((أن)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد مطولًا.
(٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٨، ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ص ٣٤٧ (تراجم النساء).
٣٣٥
سورة آل عمران : الآية ٣٥
فوَهَبَتْه للهِ مُحررًا، لا يَعْمِلُ فى الدنيا (١).
حدَّثنى المُنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ،
قال: كانت /امرأةُ عِمرانَ حَرَّرتْ للهِ ما فى بطنِها. قال: وكانوا إنما يُحَرِّرون
الذُّكورَ، فكان المحرَّرُ إذا حُرِّر ◌ُجُعِلَ فى الكنيسةِ لا يَبْرَحُها، يقومُ عليها ويَكْنُسُها(٢).
٢٣٧/٣
حُدِّثْتُ عن الحُسينِ بنِ الفَرَج، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال: أخبرنا عُبَيدٌ ،
قال : سَمِعتُ الضحاكَ فى قولِه: ﴿رَبٍّ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِىِ بَطْنِ مُحَرًَّا﴾. قال :
جَعَلتْ ولدَها للهِ وللذين يَدْرُسون الكتابَ ويَتَعلَّمونه(٣) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
القاسم بنٍ أبى بَزَّةً، أنه أخبره عن عِكرمةً، وأبى بكرٍ ، عن عِكرمةَ، أن
امرأةَ عِمرانَ كانت عجوزًا عاقرًا تُسَمَّى حَنَّةَ، وكانت لا تَلِدُ ، فجَعَلتْ تَغْبِطُ
النِّساءَ لأولادِهن، فقالت: اللهمّ إنَّ علىَّ نذرًا شُكْرًا، إن رَزَقْتَنى ولدًا أن
أَتَصَدَّقَ به على بيتِ المَقْدسِ، فيكونَ مِن سَدَنَتِهِ وخُدَّامِه. قال: وقولُه :
﴿ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِ بَطَِّى مُحَرَّرًا﴾: إنها لَلحُرَّةُ ابنةُ الحرائرِ ﴿ مُحَرًَّا ﴾ للكنيسةِ
(٤)
يَخْدِمُها (٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال : ثنا أبو بكرِ الحنفىُ، عن عَبَّادِ بنِ منصورٍ ، عن
الحسنِ فى قولِهِ: ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ الآية كلّها. قال: نَذَرتْ ما فى بطنِها ،
ثم سَيَّبَتْها .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٦/٢ عقب الأثر (٣٤٢٢) من طريق عمرو به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٦/٢ عقب الأثر (٣٤٢٣) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩/٢ إلى ابن المنذر.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩/٢ إلى المصنف وابن المنذر مطولاً
٣٣٦
سورة آل عمران : الآية ٣٦
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبٍّ إِنِّهِ وَضَبْتُهَا أُنْثَ وَاَللَّهُ
أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرِ كَالْأُنْثَىْ وَإِ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾ .
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾: فلما وَضَعَتْ حَنَّةُ النَّذِيرَةَ. ولذلك
أَنَّثَ، ولو كانت الهاءُ عائدةً على ﴿مَا﴾، التى فى قولِه: ﴿إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى
بَطَنِى مُحَرًَّا﴾. لكان الكلامُ: فلما وَضَعتْه قالت: ربِّ إنى وَضَعتُه أُنْثَى .
ومعنى قوله: ﴿وَضَعَتْهَا﴾: وَلَدَتْها. يُقالُ منه: وَضَعَت المرأةُ تَضَعُ وَضْعًا .
قَالَتْ رَبٍّ إِ وَضَعْتُهَا أُنْقَى﴾ أى: ولَدْتُ النَّذيرَةَ أَنْثَى. ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ .
واخْتَلَف القَرأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقَرَتْه عامةُ القَرأَةِ: ﴿وَضَعَتْ﴾(١). خبرًا
مِن اللهِ عزَّ وجلَّ عن نفسِه أنه العالِمُ بما وَضَعَتْ، مِن غيرِ قيلِها: ﴿رَبِّ إِنِ
وَضَعْتُهَا أُنْقَ﴾ .
وقرَأ ذلك بعضُ المُتُقدِّمين: ( واللَّهُ أعلمُ بما وضَعْتُ)(٢). على وجهِ الخيرِ
بذلك عن أمّ مريمَ أنها هى القائلةُ: واللهُ أعلمُ بما ولدتُ ، منى .
وأولى القراءتَين بالصوابِ ما نَقَلَتْه الحُجةُ مُسْتَفِيضَةً فيها قراءتُه بينَها ، لا
يَتَدافعون صحتها، وذلك قراءةُ مَن قرأ: ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. ولا يُعْتَرَضُ
بالشاذِّ عنها عليها(٢).
فتأويلُ الكلامِ إذن: واللهُ أعلمُ مِن كلِّ خَلْقِه بما وَضَعتْ. ثم رجَع جلَّ
ذِكْرُه إلى الخبرِ عن قولِها، وأنها قالت - اعتذارًا إلى ربِّها مما كانت نَذَرتْ
(١) وهى قراءة نافع وابن كثير وحفص عن عاصم وأنى عمرو وحمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ١٦٠.
(٢) وهى قراءة أبى بكر عن عاصم ، وابن عامر . المصدر السابق .
(٣) القراءتان متواترتان ، لا شذوذ فى إحداهما .
٣٣٧
سورة آل عمران : الآية ٣٦
فى حَمْلِها فحرَّرَتْه لخدمةِ ربِّها -: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرِ كَالْأُنثَى﴾؛ لأن الذكرَ
أقوى على الخدمةِ وأَقْوَمُ بها، وأن الأنثى لا تَصْلُغُ فى بعضِ الأحوالِ لدُخولِ
القُدُسِ، والقيامِ بخدمةِ الكنيسةِ؛ لِمَا يَعْترِيها مِن الحَيْضِ والنّفاسِ. ﴿ وَإِ
سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾.
/ كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ ٢٣٨/٣
جعفرِ بنِ الزُّبِيرِ: ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبٍّ إِ وَضَعْتُهَاْ أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ
وَلَيْسَ اُلَّكَرِ كَالْأُنِّى﴾. أى: لِمَ جَعَلْتُها له محرّرةً(١) نذِيرةً(٢) .
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرِ
كَالأُنثِّ﴾: لأن الذكرَ هو أقوى على ذلك مِن الأنثى.
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرِ
كَالأُنثٌِّ﴾: كانت المرأةُ لا يُسْتَطائُ (١) أن يُصْنَعَ بها ذلك - يعنى أن تُحَّرَ للكنيسةِ
فتُجْعَلَ فيها ، تَقُومُ عليها وتَكْنُسُها، فلا تَبْرَحُها - مما يُصِيبُها مِن الخَيْضِ والأَذَى،
فعندَ ذلك قالت: ﴿ وَلَيْسَ [٤٠١/١ و] الذَّكَرِ كَالْأُنْثِّ﴾.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ قَالَتْ رَبٍّ إِنِّ وَضَعْتُهَا أَنْثَ﴾: وإنما كانوا يُحرِّرون الغِلْمانَ، قالتْ(٤):
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((محررا لك)).
(٢) سيرة ابن هشام ٥٧٩/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٠/٢ (٤١٩ - تحقیق الد کتور حكمت
بشير ياسين) من طريق عبد الرحمن بن سلمة ، عن ابن إسحاق قوله بزيادة المتن الآتى .
(٣) فى ص: ((تستطاع))، وفى م: ((يستطيع)).
(٤) فى النسخ: ((قال))، والمثبت من مصدرى التخريج .
( تفسير الطبرى ٢٢/٥ )
٣٣٨
سورة آل عمران : الآية ٣٦
وَلَيْسَ الذَّكَرِ كَلْأُنْثِّىَّ وَإِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾(١).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ،
قال : كانت امرأةٌ عِمرانَ حَرَّرتْ للهِ ما فى بطنِها ، وكانت على رجاءٍ أَن يَهَبَ لها
غُلامًا ؛ لأن المرأةَ لا تَسْتطيعُ ذلك - يعنى القيامَ على الكنيسةِ لا تَبْرَحُها وتَكْتُسُها -
لما يُصِيئُها مِن الأَذَى(٢).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، أن امرأةَ عِمرَانَ
ظَنَّتْ أن ما فى بطنِها غلامٌ، فوهَبَتْه للهِ ، فلمَّا وَضَعتْ إذا هى جاريةٌ ، فقالت تَعْتَذِرُ.
إلى اللهِ: ﴿ رَبِّ إِنِ وَضَعْتُهَا أُنْثَ﴾ - ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرِ كَلْأُنْفٌُّ﴾ تقولُ: إنما يُحرَّرُ
الغِلمانُ. يقولُ اللهُ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. فقالتُ: ﴿ إِنِ سَمَّيْتُهَا
مرّيَمَ﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ نجريجٍ، عن
القاسم بن أبي بَزَّةَ، أنه أخبره عن ◌ِكرمةً، وأبى بكرٍ ، عن عكرمةَ:
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبٍّ إِنِ وَضَْتُهَا أُنْتَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرِ
كَالْأُنْتَّى﴾ يعنى: فى المَحيضِ، ولا يَنْبغِى لامرأةٍ أن تكونَ مع الرجالِ. أُمُّها تقولُ
(٥)
ذلك
(١) تقدم تخريجه فى ص ٣٣٤.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٧/٢ (٣٤٢٧) من طريق ابن أبى جعفر به مختصرا .
(٣) فى ص: ((فقال)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٧/٢ (٣٤٢٥) من طريق عمرو به، مختصرا. بلفظ : فلما وضعت
إذا هى جارية ، فقالت تعتذر إلى الله: ﴿رب إنى وضعتها أنثى ﴾.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٧/٢ (٣٤٢٨) من طريق ابن جريج به نحوه مطولاً، وعزاه السيوطى
فی الدر المنثور ١٩/٢ إلى ابن المنذر.
٣٣٩
سورة آل عمران : الآية ٣٦
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَإِنِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ
٣٦
الرَّحِيمِ
تعنى بقولها: ﴿ وَإِنّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا﴾: وإنى أَجْعَلُ مَعاذَها
ومَعاذَ ذُرِّيتِها مِن الشيطانِ الرجيمِ بك .
وأصلُ المَعَاذِ المَوَئِلُ والمَلْجأُ والمَعْقِلُ.
فاسْتَجاب اللهُ لها ، فأعاذَها اللهُ وذُرِّيتَها مِن الشيطانِ الرجيم ، فلم يَجْعلُ له
عليها سبيلاً .
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال : ثنا عَبْدُ بنُ سليمانَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن يزيدَ
ابنِ عبدِ اللهِ بنِ قُسَيطٍ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ عَه: (( ما مِن نَفْسٍ
مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا والشيطانُ يَنالُ منه تلك الطَّعْنَةَ، وبها(١) يَسْتَهِلُ الصَّبىُ، إلا ما
كان مِن مريمَ ابنةٍ عِمرانَ، فإنها لَمَّا / وَضَعَتْها قالت: رَبِّ إِنِّى أُعِيذُها بك
٢٣٩/٣
وذُرِّيَّتَها من الشيطانِ الرجيمِ. فضُرِبَ دُونَها حِجابٌ، فطعَن فيه))(٢).
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ ، قال : ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ،
عن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قُسَيطٍ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ عَلِ:
((كُلُّ مَوْلُودٍ مِن وَلَدِ آدَمَ له طَعْنَةٌ مِن الشيطانِ، وبها يَسْتَهِلَّ الصَّبِىُّ، إلا ما
كان مِن مريمَ ابنةِ عِمرانَ وولدِها، فإنّ أمَّها قالت حين وضَعتْها: ﴿وَإِنِّ
أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾. فضُرِبَ دُونَهما حِجابٌ، فطعَن
(١) فى ص: ((لها)).
(٢) أخرجه الحاكم ٥٩٤/٢ من طريق يزيد بن عبد الله ، عن أبيه ، عن أبى هريرة ، وينظر تهذيب
الكمال ١٧٧/٣٢.
٣٤٠
سورة آل عمران : الآية ٣٦
فى الحجاب)) .
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاق ، عن یزیدَ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ قُسَيطِ، عن أبى هريرةَ، عن رسولِ اللهِ عَله بنحوِه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المُغيرةِ ، عن عمرٍو، عن شُعَيبٍ
ابنِ خالدٍ، عن الزُّهْرىِّ(١)، عن سعيدِ بنِ الْمُسْئِّبٍ، قال: سمِعتُ أبا هريرةً
يقولُ: سمِعتُ النبيَّ عَّمِ يقولُ: ((ما مِن بنى آدمَ مولودٌ يُولَدُ إلا قد مَسَّه
الشيطانُ حينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلَّ صَارِخًا بِمَسِّه إياه، غيرَ مريمَ وابنِها)). فقال أبو
هريرةَ: اقرءوا إن شئتُم: ﴿إِنّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ
الرَّحِيمِ﴾().
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى ابنُ أبى ذئبٍ، عن
عَجْلانَ مَوْلَى الْمُشْمَعِلِّ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ صَعِ: (( كلُّ مولودٍ
يُولَدُ مِن بنى آدمَ يَمِسُّه الشيطانُ بِإِصْبَعِه، إلا مريمَ وابنَها)) (١).
حدَّثنى أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وَهْبٍ ، قال : ثنى عمِّى عبدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ ،
قال: أخبرنى عمرُو بنُ الحارثِ، أن أبا يُونسَ سُليمًا (٤) مولى أبى هريرةَ، حدَّثه عن
(١) فى م: ((الزبير)). وينظر تهذيب الكمال ٥٢١/١٢.
(٢) أخرجه البخارى (٣٤٣١)، ومسلم (٢٣٦٦/١٤٦)، والبغوى فى تفسيره ٣٠/٢ من طريق شعيب بن
أبی حمزة عن الزهرى به .
(٣) أخرجه أحمد ٢٦٣/١٣، ٢٧٨، ٧/١٤ (٧٨٧٩، ٧٩٠٢، ٨٢٥٤) من طريق ابن أبى ذئب
به .
(٤) فى م: ((سليمان))، وفى ت ١: ((سلمان)). وينظر تهذيب الكمال ٣٤٣/١١.