Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
سورة البقرة : الآية ٢٨٤
يومَ القيامةِ أنَّك أخفَيت فى صدرِك كذا وكذا؛ لا يُؤَاخِذُه (١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن عمرٍو
ابنِ مُبَيدٍ ، عن الحسنِ، قال: هى مُحْكمةٌ لم تُنْسَخْ .
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال : ثنا ابنُ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى
قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىَّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾. قال: مِن
الشكٌّ واليقينِ(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ ،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾. يَقُولُ: فى اليقينِ والشكِّ.
حدَّثنى المثنى، قال [٩١/٨و]: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ،
عن مجاهدٍ مثله .
فتأويلُ هذه الآيةِ على قولِ ابنِ عباس الذى رَواه علىُ بنُ أبى طلحةً : وإن تُبْدوا
ما فى أُنفسِكم مِن سيِّ(٣) الأعمالِ، فتُظْهِروه بأبدانِكم وجَوارِحِكم، أو تُخْفوه
فتُسِرُوه فى أنفسِكم ، فلم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ مِن خلقى، أَحاسِبْكم به، فأغْفِرُ كلَّ ذلك
لأَهلِ الإِيمانِ بى ، وأُعَذِّبُ أهلَ الشكُّ والنفاقِ فی دینی .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٥٧٢، ٥٧٤ (٣٠٥٥، ٣٠٦٥)، وابن الجوزى فى النواسخ ص
٢٣٢ من طريق ابن أبى جعفر به .
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٧ ، ومن طريقه ابن الجوزى فى النواسخ ص ٢٣٤، وأخرجه ابن أبى حاتم فى
تفسيره ٥٧٣/٢ (٣٠٥٩)، والنحاس فى ناسخه ص ٢٧٤ ، وابن الجوزى فى النواسخ ص ٢٣٤ من طريق
ابن علية به .
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((شىء من) .

١٤٢
سورة البقرة : الآية ٢٨٤
وأما على الروايةِ التى رَواها عنه الضحاكُ مِن روايةٍ تُبيدِ بنِ سليمانَ عنه ، وعلى
ما قاله الربيعُ بنُ أنسٍ ، فإن تأويلَها : إن تُظْهِروا ما فى أَنُفْسِكم فتَعْمَلوه مِن المعاصى،
أو تُضْمِروا إرادته فى أنفسِكم فتُخْفُوه، يُعْلِمْكم اللَّهُ به يومَ القيامةِ ، فَيَغْفِرُ لمن يشاءُ
ويُعَذِّبُ مَن يشاءُ .
وأما قولُ مجاهدٍ فشبية معناه بمعنی قول ابن عباس الذى رواه عنه علُ بنُ أبی
طلحةً .
١٤٩/٣
/وقال آخرون ممن قال: هذه الآيةُ محكمةٌ، وهى غيرُ منسوخةٍ . ووافقوا
الذين قالوا: معنى ذلك أن اللَّهَ أعلَمَ عبادَه به(١) ما هو فاعلٌ بهم، فيما أبدَوا
وأخفَوا مِن أعمالِهِم - : معناها أن اللَّهَ محاسبٌ خلقَه بجميع ما أبدَوه مِن سِّئُّ
أعمالهم وجميع ما أسروه ، ومعاقبُهم عليه ، غيرَ أن عقوبتَه إياهم على ما أخفَوه مما لم
يَعْمَلوه، ما يَحْدُثُ لهم فى الدنيا مِن المصائبِ والأمورِ التى يَحْزَنون عليها ويألمون
ـها(٢) .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ ، قال: أخبرنا يزيدُ ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن
الضحاكِ فى قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىَّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
الآية. قال : كانت عائشةُ تقولُ: مَن همّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها أرسَل اللَّهُ عليه مِن الهمِّ
والحزنِ مثلَ الذى همَّ به مِن السيئةِ فلم يَعْمَلْها فكانت كفارتَه(٣) .
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س. وبه أى بقوله .
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( منها)).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٨١ - تفسير ) من طريق جويبر به بنحوه .

١٤٣
سورة البقرة : الآية ٢٨٤
حدِّثت عن الحسين ، قال : سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ ، قال: سمِعت
الضحاكَ يَقُولُ فى قولِه: ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ
اللَّهُ ﴾. قال: كانت عائشةُ تقولُ: كلُّ عبدٍ يَهُمْ بمعصيةٍ أو يُحَدِّثُ بها نفسَه،
حاسَبه اللَّهُ بها فى الدنيا ، يَخَافُ ويَحْزَنُ ويَهْتَمُّ .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنا أبو ثُمَيلَةَ، عن عُبيدٍ ، عن
الضحاكِ ، قال : قالت عائشةُ فى ذلك: كلُّ عبدٍ همّ بسوء ومعصيةٍ ، وحدَّث بها
نفسَه، حاسَبه [٩١/٨ظ] اللَّهُ بها فى الدنيا، يَخَافُ ويَحْزَنُ ويَشْتَدُّ هُه، لا يَتَالُه مِن
ذلك شىءٌ، كما همَّ بالسوءِ ولم يَعْمَلْ منه شيئًا .
حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ ، قال: ثنا أَسَدُ بنُ موسى، قال: ثنا حمادُ بنُ
سلمةَ، عن علىِّ بنِ زيدٍ، عن أميةً(١) أنها سألت عائشةَ عن هذه الآيةِ :
﴿ وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ﴾، و﴿ مَن
يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. فقالت: ما سألنى عنها أحدٌ مُذ سألتُ
رسولَ اللَّهِ مَِّلَّهِ، فقال: ((يا عائشةُ، هذه متابعةُ اللَّهِ العبدَ بما يُصيبُه مِن
الحمَّى والنكْبةِ والشَّوكةِ، حتى البضاعةِ يَضَعُها فى كمِّه يَفْقِدُها، فيُرَوَُّ لها،
فيجدُها فى ضِئْنِه(٢) ، حتى إن المؤمنَ ليَخْرُجُ مِن ذُنوبِه كما يَخْرُجُ التِّبْرُ الأحمرُ مِن
(٣)
الكِيرِ))(٣) .
وأولى هذه الأقوالِ التى ذكرناها بتأويل هذه الآيةِ قولُ مَن قال: إنها مُحْكمةٌ
(١) فى ص، م: ((أمه))، وفى س: ((أبيه)). وهى أمية بنت عبد اللَّه، وينظر تهذيب الكمال ١٣٢/٣٥.
(٢) الضبن : الإبط وما يليه . اللسان ( ض ب ن).
(٣) أخرجه الطيالسى (١٦٨٩)، وأحمد ٢١٨/٦ (الميمنية)، والترمذى (٢٩٩١)، وابن أبى حاتم فى
تفسيره ٥٧٤/٢ (٣٠٦٢)، والبيهقى فى الشعب (٩٨٠٩) من طريق حماد به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٧٥/١ إلى ابن المنذر.

١٤٤
سورة البقرة : الآية ٢٨٤
وليست بمنسوخةٍ ، وذلك أن النسخَ لا يكونُ فى حكم إلا يَنْفِيه بآخرَ له نافٍ من كلِّ
وجوهِه، وليس فى قوله جلَّ ثناؤه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ لَهَا مَا
كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتّْ﴾ نفىُ الحكم الذى أعلَم عبادَه بقوله: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ
يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ أن المحاسبةَ ليست بموجبةٍ عقوبةَ اللَّهِ ، ولا مُؤاخذةً بما حُوسِب
عليه العبدُ مِن ذُنوبِه ، وقد أخبر اللَّهُ جلَّ ثناؤه عن المجرمين أنهم حينَ تُغْرَضُ عليهم
كُتبُ أعمالِهِم يومَ القيامةِ يَقُولون: ﴿ يَوَيَِّثَنَا مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً
وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَا﴾ [الكهف: ٤٩]. فأخبر أن كتبَهم مُحصِيةٌ عليهم صغائرَ
أعمالِهم وكبائرَها، فلم تَكُنِ الكتبُ - وإن أُحصَت صغائرَ الذنوبِ وكبائرَها -
بموجِبٍ إحصاؤها على أهلِ الإيمانِ باللَّهِ ورسوله وأهلِ الطاعةٍ له، أن يَكُونوا بكلِّ
ما أحصَته الكتبُ مِن الذنوبِ معاقَبين؛ لأنه عزَّ وجلَّ وعَدهم العفوَ عن الصغائرِ
باجتنابِهم الكبائرَ، فقال فى تنزيله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ
عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. فكذلك(١) محاسبةٌ
١٥٠/٣ اللَّهِ عبادَه المؤمنينَ بما هو / محاسبُهم به مِن الأمورِ التى أَخْفَتها أنفسُهم، غيرُ موجبةٍ
لهم منه عقوبةً ، بل محاسبتُه إياهم ، إن شاء اللَّهُ، عليها ليُعرِّفَهم بفَضْلِه عليهم
بعفوِه لهم عنها، كما بلَغنا عن رسولِ اللَّهِ ◌َّمِ فى الخبرِ الذى حدَّثنى به أحمدُ بنُ
المِقِدامِ ، قال : ثنا المُعْتَمرُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعت أبى، عن قتادةَ، عن صفوانَ بنِ
مُحرِزٍ، عن ابنِ عمرَ، عن نبيِّ اللَّهِ مَ له، قال: ((يُدْنِى اللَّهُ عزَّ وجلَّ عبده المؤمنَ يومَ
القيامةِ حتى يَضَعَ عليه كنَّفَه ، فَيُقَرِّرُه بسيئاتِهِ ، يَقولُ : هل تَعْرِفُ؟ فيَقُولُ: نعم.
فيَقُولُ: ستَرتُها فى الدنيا وأَغْفِرُها اليومَ. ثم يُظْهِرُ له حسناتِه [٩٢/٨و]، فيَقُولُ:
﴿ هَاؤُمُ أَقْرَءُواْ كِتَبِيَهْ ﴾ [الحاقة: ١٩] - أو كما قال - وأما الكافر فإنه يُنادَى به على
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فدلك))، وفى م: ((فدل أن)).

١٤٥
سورة البقرة : الآية ٢٨٤
رُءُوسِ الأشهادِ ))(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عَدَىٌّ، عن سعيدٍ وهشام، وحدَّثنى
يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا ابنُ عُلَيَةَ، قال : أخبرنا هشامٌ، قالا جميعًا فى
حديثهما : عن قتادةَ، عن صفوانَ بنِ مُحرِزٍ ، قال : بينما نحن نَطُوفُ بالبيتٍ مع
عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ وهو يَطُوفُ، إذ عرَّض له رجلٌ، فقال: يابنَ عمرَ، ما سمِعتَ
رسولَ اللَّهِ لَّهِ يَقُولُ فى النَّجْوَى؟ فقال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ مَ الِ يَقُولُ: ((يَدْنُو
المؤمنُ مِن رَبِّه حتى يَضَعَ عليه كَنَفَه ، فيُقَرِّرُه بِذُنوبِهِ، فِيَقُولُ : هل تَعْرِفُ كذا؟
فيقولُ: ربِّ، أعرِفُ(٢) . مرتين، حتى إذا بلغ به ما شاء اللَّهُ أَن يَتْلُغَ به، قال: فإنى قد
ستَرتُها عليك فى الدنيا وأنا أَغْفِرُها لك اليومَ)). قال: ((فيُعْطَى صحيفةَ حسناتِه أو
كتابه بيمينه. وأما الكفارُ والمنافقون، فينادَى بهم على رُءوسِ الأشهادِ: ﴿هَؤُلَاءِ
الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَهُ اللَّهِ عَلَى الَِّينَ﴾(١).
قال أبو جعفر : إن اللَّهَ جلَّ ثناؤه يَفْعَلُ بعبدِه المؤمنِ مِن تعريفِه إياه سيئاتٍ
أعمالِه ، حتى يُعرِّفَه تَفَضُّلَه علیه بعفوه له عنها ، فكذلك فعلُه، تعالی ذکرُه، فى
محاسبته إياه بما أبداه مِن نفسِه وبما أخفاه مِن ذلك، ثم يَغْفِرُ له كلّ ذنبٍ (٢) بعدَ
(١) أخرجه أحمد ٣١٨/٩ (٥٤٣٦)، والبخارى (٢٤٤١)، وفى خلق أفعال العباد (٢٤٨ - ٢٥٠)، وابن
أبى عاصم فى السنة (٦٠٤، ٦٠٥)، والآجرى فى الشريعة (٦١٩)، وغيرهم من طرق عن قتادة به.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( و)).
(٣) فى ص، م: ((اغفر)).
(٤) أخرجه مسلم - كما فى التحفة ٤٣٧/٥ - عن محمد بن بشار به ، ومن طريق ابن أبى عدى عن سعيد
وحده به. وأخرجه البخارى (٤٦٨٥)، وفى خلق أفعال العباد (٢٥١)، وابن منده فى الإيمان (٧٩٠) من
طريق سعيد وهشام به ، وأخرجه مسلم (٢٧٦٨)، وعبد الله بن أحمد فى السنة (٤٣٧)، والنحاس فى
ناسخه ص ٢٧٧، وفى القطع والائتناف ص ٣٨٦، والآجرى فى الشريعة (٦١٨)، وابن منده (٧٩٠) من
طريق ابن علية به ، وأخرجه ابن منده (١٠٧٧) من طريق هشام به .
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ذلك)).
( تفسير الطبرى ١٠/٥ )

١٤٦
سورة البقرة : الآية ٢٨٤
تعريفِه بفَضْلِهِ وبِكَرَمِه عليه ، فيَسْتُؤُه عليه . وذلك هو المغفرةُ التى قد وعَد عبادَه
المؤمنين، فقال: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ .
فإن قال قائلٌ : فإن قولَه عزَّ وجلَّ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتَّْ ﴾ ينبِىُّ
عن أن جمیع الخلقِ غیرُ مؤاخذین إلا بما کسبته أنفسُهم مِن ذنبٍ ، ولا مثابین إلا بما
اكتسبته مِن خيرٍ. قيل: إن ذلك كذلك، وغيرُ مؤاخذِ العبدُ بشىءٍ مِن ذلك إلا
بفعلٍ ما نُهِى عن فعلِه ، أو تركِ ما أُمِر بفعلِه .
فإن قال: فإذ كان ذلك كذلك، فما معنى وعيدِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ إيانا على ما
أَحْفَته أنفسنا بقولِه: ﴿ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ إن كان ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا
أَكْتَسَبَتْ﴾، وما أضمرته قلوبُنا وأخْفَته أنفسنا؛ مِن همّ بذنبٍ، أو إرادةٍ لمعصيةٍ ، لم
تَكْتَسِبْه جوارحنا ؟
قيل له : إن اللَّهَ جلَّ ثناؤه قد وعَد المؤمنين أن يعفوَ لهم عما هو أعظمُ من همِّ همَّ
به أحدُهم مِن المعاصى فلم يَفْعَلْه، وهو ما ذكرنا، مِن وعْدِه إياهم العفوَ عن صغائرٍ
ذُنوبِهم إذا هم اجْتَنَبوا كبائرَها، وإنما الوعيدُ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ
يَشَآءُ﴾ على ما أخفته نفوسُ الذين كانت أنفسُهم تُخْفِى الشكَّ فى اللَّهِ والمريةَ [٨/
٩٢ظ] فى وحدانيته، أو فى نبوّةِ نبيّه محمدٍ عَ لَه، وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ ، أو فى
١٥١/٣ المَعَادِ والبعثِ مِن المنافقين، على نحو ما قال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ ،/ ومَن قال بمثل
قولِهما؛ من أن تأويلَ قوله: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ على الشكُ
واليقين، غيرَ أَنَّا نقولُ: إن المُتُوعَّدَ بقولِه: ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءٍ﴾. هو مَن كان
إخفاءُ نفسِه ما تُخْفِيه الشكَّ والمزِيةَ فى اللَّهِ، وفيما يكونُ الشكُّ فيه باللّهِ كفرًا ،
والموعودَ الغُفْرَانَ بقولِه: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ هو الذى إخفاؤه(١) ما يُخْفِيه الهمَّةُ
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أخفى و)).

١٤٧
سورة البقرة : الآية ٢٨٤
بالتقدم على بعضٍ مانهاه اللَّهُ عنه، مِن الأمورِ التى كان جائزًا ابتداءُ تحليلِه وإباحتِهِ ،
فحرَّمه على خلقِه جل ثناؤُه، أو على تركِ بعضِ ما أمَره اللَّهُ بفعلِه، مما كان جائزًا ابتداءُ
إباحةٍ تركِه، فأوْجَب فعلَه على خلقِه . فإن الذى يَهِمُّ بذلك مِن المؤمنين إذا هو لم
يُصَحِّحْ همَّه بما يَهِمُ به ، ويُحَقِّقْ ما أُخْفَتْه نفسُه مِن ذلك بالتقدم عليه ، لم يَكُنْ مأخوذًا ،
كما رُوِى عن رسولِ اللَّهِ مَ لِ أنه قال: ((مَن همَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلْها كُتِبَت له حسنةٌ ،
ومَن هَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها لم تُكْتَبْ عليه)) (١). فهذا الذى وصَفْنا هو الذى يُحاسِبُ
اللَّهُ تبارك وتعالى به مؤمنى عبادِه، ثم لا يُعاقِبُهم عليه .
فأما من کان ما أُخْفَتْه نفسُه شگًّا فى اللّهِ ، وازتیابًا فی نبوة أنبيائه ، فذلك هو
الهالكُ المُخَلَّدُ فى النارِ ، الذى أُوْعَده جلَّ ثناؤه أن يعذِّبَه العذابَ الأليمَ بقولِه:
وَيُعَذِبُ مَنْ يَشَّةٌ﴾ .
فتأويلُ الآيةِ إذنْ: ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ﴾ أيُّها الناسُ فتُظْهِروه ﴿ أَوْ
تُخْفُوهُ ﴾ فَتَنْطَوِى عليه نفوسُكم ﴿ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾، فيُعرّفُ مؤمنكم(
تفَضُّلَه بعفوه عنه ومغفرته له ، فيَغْفِرُه له، ويُعَذِّبُ مُنافِكم(٢) على شكّه(٤) الذى
انْطَوَت عليه نفسُه فى وَحْدانيةِ خالقِه ونبوةٍ أنبيائه .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ
٢٨٤
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: واللَّهُ على العفوِ عما أُخْفَتْه نفسُ هذا المؤمنِ مِن الهِئَّةِ
بالخَطيئةِ، وعلى عقابٍ هذا الكافرِ على ما أحْفَتْه نفسُه مِن الشكِّ فى توحيدٍ
(١) أخرج نحوه مسلم (٢٠٦، ٢٠٧) من حديث أبى هريرة وابن عباس. وينظر ما تقدم فى ٢ / ٤١١.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: (( مؤمنيكم)).
(٣) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((منافقيكم)).
(٤) فى ص: ((شك))، وفى م، س: ((الشك)).

١٤٨
سورة البقرة: الآيتان ٢٨٤ ، ٢٨٥
[٩٣/٨و] اللَّهِ ونبوةٍ أنبيائِه، ومُجازاةٍ كلِّ واحدٍ منهما على ما كان منه، وعلى غیرِ
ذلك مِن الأمور - قادرٌ.
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ،
وَاَلْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَئِكَتِهِ، وَّكُهِ، وَرُسُلِهِ﴾﴾ .
يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: صدَّق الرسولُ، يعنى: رسولُ اللَّهِ عَّهِ، فَأَقرَّ ﴿بِمَا
أُنْزِلَ إِلَيْهِ ﴾ يعني: بما أُوحِى إليه مِن عندِ ربِّه مِن الكتابِ وما فيه مِن حلال وحرامٍ،
ووعدٍ ووَعيدٍ ، وأَمْرٍ ونهي ، وغيرِ ذلك مِن سائرٍ ما فيه مِن المعانى التى حوَاها .
وذُكِر أن رسولَ اللَّهِ عَه لما نزَلَت هذه الآيةُ عليه قال: ((يحقُّ (١) له)).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ
بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ،﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ عَّمِ لما نزلت هذه الآيةُ قال:
((ويحقُّ(١) له أن يُؤْمِنَ))(٣).
وقد قيل: إنها نزَلَت بعدَ قولِه: ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىَّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
١٥٢/٣ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيُ﴾؛ لأن المؤمنين برسولِ اللَّهِ مَ ◌ّهِ مِن أصحابِهِ شقَّ عليهم ما توَعَّدَ اللّهُ به مِن
محاسبتهم على ما أخْفَتْه نفوسُهم، فشكَوْا ذلك إلى النبيِّ مَ ◌ّهِ، فقال لهم رسولُ
اللَّهِ وَمِ: ((لعلكم تقولون: سمِعْنا وعصَيْنا كما قالت بنو إسرائيلَ)). فقالوا: (بل
نقول٣ُ): سمِعْنا وَأَطَعْنا. فَأَنْزَل اللَّهُ لذلك مِن قولِ النبيِّ عَ لَه وقولِ أصحابِهِ:
(١) فى الأصل: ((لحق)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٧٦/٢ (٣٠٧١) من طريق يزيد به .
(٣ - ٣) سقط من : الأصل.

١٤٩
سورة البقرة : الآية ٢٨٥
{ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَاُلْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَبِكَتِهِ، وَكْتُهِ،
وَرُسُلِهِ،﴾. يقولُ: وصدَّق المؤمنون أيضًا مع نبيّهم عليه السلامُ باللَّهِ وملائكته
وكتبه ورسلِه ، الآيتين. وقد ذكَرْنا قائلى ذلك قبلُ (١).
واخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَكُهِ،﴾ فقرَأْ ذلك عامَّةُ قرَأَةِ المدينةِ وبعضُ
[٩٣/٨ظ] قرأَةِ أهلِ العراقِ ﴿وَكُهِ،﴾(١) على وجهِ جمعِ الكتابِ، على معنى:
والمؤمنون كلٌّ آمَن باللّهِ وملائكتِه وجميع كتبِهِ التى أَنْزَلَها على أنبيائِه ورسلِه .
وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قرأَةِ أهلِ الكوفةِ: ( وكتابِهِ) (١). بمعنى: والمؤمنون كلٌّ
آمَن باللّهِ وملائكته وبالقرآنِ الذى أَنْزَلَه على نبيِّه محمدٍ عَلَّه .
وقد رُوِى عن ابنِ عباس أنه كان يَقْرَأُ ذلك : ( وكتابِهِ)(٤) . ويقولُ: الكتابُ
أكثرُ مِن الكتبِ. وكان ابنُ عباسٍ يُوَجَّهُ تأويلَ ذلك إلى نحوٍ قوله: ﴿ وَالْعَصْرِّ
١
إِنَّ اُلْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢]. يعنى جنسَ الناسِ وجنسَ الكتابِ، كما
يقالُ : ما أكثرَ درهمَ فلانٍ ودينارَه. ويُرادُ به جنسُ الدراهم والدنانيرِ .
وذلك وإن كان مذهبًا مِن المذاهبِ معروفًا، فإن الذى هو أعْجَبُ إلىَّ مِن
القراءةِ فى ذلك أن يُقْرَأْ بلفظِ الجمع ؛ لأن الذى قبلَه جمعٌ، والذى بعده كذلك -
أَغْنِى بذلك: ﴿ وَمَلَتَبِكَتِهِ،﴾ ﴿ وَرُسُلِهِ،﴾ - فإِلْحَاقُ ((الكتبِ)) فى الجمعِ لفظًا به
أعجبُ إلىَّ مِن توحيدِه وإخراجِه فى اللفظِ به بلفظِ الواحدِ؛ لِيكونَ لاحقًّا فى اللفظِ
والمعنى بلفظِ ما قبلَه وما بعده وبمعناه .
(١) ينظر ما تقدم ص ١٣٠ - ١٣٨.
(٢) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبى عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ١٩٥، ١٩٦.
(٣) وهى قراءة الكسائى وحمزة . المصدر السابق .
(٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٤٧٧ - تفسير ) من طريق عكرمة، عن ابن عباس .

١٥٠
سورة البقرة : الآية ٢٨٥
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ،
وأما قولُه: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ"﴾. فإنه أُخْبَرَ جلَّ ثناؤه بذلك
عن المؤمنين أنهم يقولون ذلك . ففى الكلام فى قراءةٍ مَن قرأ: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ
مِّن رُسُلِهِ،﴾ بالنون، متروكٌ قد اسْتُغْنِى بدلالةِ ما ذُكِر عنه، وذلك المتروكُ هو
((يقولون )).
وتأويلُ الكلام : والمؤمنون كلٌّ آمَن باللّهِ وملائکتِه و کتبه ورسله ، يقولون : لا
نُفَرَّقُ بينَ أحدٍ مِن رسلِه . وتَرَك ذكْرَ ((يَقُولُون)) لدلالةِ الكلام عليه، كما ترَكَ ذْرَه
فى قولِهِ: ﴿ وَالْمَلَتِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَِهِم مِّن كُلِّ بَابٍ
سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْثٌ ﴾
٢٣)
[الرعد: ٢٣، ٢٤]. بمعنى : يقولُون: سلام عليكم .
وقد قرَأ ذلك جماعةٌ مِن المتُقدِّمين: (لا يُفَرَّقُ بينَ أحدٍ من رسِلِهِ) بالياءِ(١)،
بمعنى : والمؤمنون كلُّهم آمَن باللَّهِ وملائكته وكتبه ورسلِه، لا يُفَرِّقُ الكلَّ منهم بينَ
أحدٍ مِن رسِلِه ، فيُؤْمِنَ ببعضِ ويَكْفُرَ ببعضٍ، ولكنهم يُصَدِّقون بجميعِهم ، ويُقِرُّون
أن ما جاءوا به كان مِن عندِ اللَّهِ، وأنهم دَعَوْا إلى اللَّهِ وإلى طاعتِه، ويُخالِفون فى
فعلِهِم ذلك اليهودَ الذين أَقَرُوا بموسى وكذَّبوا بعيسى، والنصارى الذين أقَرُّوا بموسى
وعيسى وكذَّبوا بمحمدٍ عَ لَه وجحَدوا نبوته، ومَن أَشْبَهَهم مِن الأمم الذين كذَّبوا
بعضَ رُسُلِ اللَّهِ وأقَرُوا ببعضٍ .
/ كما حدَّثنا يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿لَا نُفَرِّقُ
بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ،﴾: كما صنَع القومُ - يعنى بنى إسرائيلَ - قالوا: فلانٌ نبىٌّ
وفلانٌ ليس نبيًّا ، وفلانٌ نُؤْمِنُ به وفلانٌ لا نُؤْمِنُ به .
١٥٣/٣
(١) وهى قراءة ابن جبير وابن يعمر وأبى زرعة بن عمرو بن جرير، ويعقوب ، ونص رواة أبى عمرو على أنها
بالياء. البحر المحيط ٢/ ٣٦٥. ويعقوب من القراء العشرة الذين تواترت قراءاتهم عند الجمهور.

١٥١
سورة البقرة : الآية ٢٨٥
والقراءةُ التى لا نسْتَجِيزُ غيرَها فى ذلك عندَنا بالنونِ: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ
مِّن رُسُلِهِ،﴾؛ لأنها القراءةُ التى قامَت حجتُها بالنقلِ المُسْتفيضِ الذى يَمْتَنِعُ معه
التَّشائعُ(١) والتَّواطُؤُ والسهوُ والغَلَطُ ، بمعنى ما وصَفْنا من: يقولون: لا نُفَرَّقُ بينَ أحدٍ
مِن رسلِه. ولا يُعْتَرَضُ بشادٍّ مِن القراءةِ على ما جاءت به الحجةُ نقلًا وراثةً(١).
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَ رَبَّنَا
٢٨٥
وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
يعنى بذلك جل ثناؤُه : وقال الكلُّ مِن المؤمنين : سمِعنا قولَ ربِّنا وأمْرَه إِيَّانا بما
أَمَرَنا به ، ونهيَه عما نهانا عنه ﴿ وَأَطَعْنَاً﴾. يعنى: أَطَعْنا ربَّنا فيما أَلْزَمنا مِن فرائضِه
واسْتَعْبَدَنا به مِن طاعتِه ، وسلَّمْنا له .
وقولُه: ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾. يعنى: وقالوا : غفرانَك ربَّنا. بمعنى: اغْفِرْ لنا
ربَّنَا غُفْرانَك. كما يُقالُ: سبحانَك. بمعنى: نُسَبِّحُك سبحانَك.
وقد بيََّّا فيما مضى أن الغفرانَ والمغفرةَ السترُ مِنِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ على ذنوبٍ مَن غُفِر
له، وصَفْحُه له عن هَتْكِ سترِه بها فى الدنيا والآخرةِ ، وعفؤُه عن العقوبةِ عليه (١).
وأما قولُه: ﴿ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾. فإنه يعنى جل ثناؤه أنهم قالوا : وإليك ياربَّنا
مَرْجِعُنا ومَعادُنا ، فاغْفِرْ لنا ذنوبَنا .
فإن قال لنا قائلٌ: فما الذى نصَب: ﴿غُفْرَانَكَ
؟
قيل له : وقوعُه وهو مصدرٌ موقعَ الأمرِ، وكذلك تَفْعَلُ العربُ بالمصادرِ
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((التشاغر)). والتشاعر: التعالم. من ((شعر)) بمعنى: علم.
(٢) فى ص، م، س: (( ورواية)).
(٣) ينظر ما تقدم ٧٢٠/١، ٧٢١ .

١٥٢
سورة البقرة : الآيتان ٢٨٥، ٢٨٦
والأسماءِ إذا حلَّت محلّ الأمرِ وأدَّت عن معنى [٩٤/٨ظ] الأمرِ نصَبتها ، فيقولون:
شكرًا للَّهِ يا فلانٌ، وحمدًا له. بمعنى: اشْكُرِ اللَّهَ واحْمَدْه. والصلاةَ الصلاةَ، بمعنى
: صَلُّوا. ويَقُولُون فى الأسماءِ: اللَّهَ اللَّهَ يا قومٍ. ولو رُفِع بمعنى: هو اللَّهُ، أو هذا اللَّهُ.
وؤُجِّه إلى الخبرِ وفيه تأويلُ الأُمرِ، كان جائزًا، كما قال الشاعرُ(١):
إن قومًا منهم عُمَيرٌ وأشباهُ عُمَيْرٍ ومنهمُ السَّفَّاح
لَجَدِيرون بالوفاءِ إذا قال أخو النَّجْدةِ السّلامُ السلامح
ولو كان قولُه: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ جاء رفعًا فى القراءةِ لم يكنْ خطأً ، بل
كان صوابًا على ما وصَفنا.
وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ لما نزَلَت على رسولِ اللَّهِ مَّ ◌َهِ ثناءً مِن اللَّهِ عليه وعلى
أمتِه ، قال له جبريلُ مَّهِ: إن اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد أحْسَن عليك وعلى أمتِك الثناءَ، فسَلْ
ربَّك .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن بيانٍ، عن حكيم بنِ جابرٍ، قال: لمَّ أَنْزِلَ
على رسولِ اللهِ عَّهِ: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ
بِاللَّهِ وَمَبِكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً
غُفْرَانَكَ / رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. قال جبريلُ عليه السلامُ: إن اللَّه تبارك وتعالى
قد أحْسَن الثناءَ عليك وعلى أمتِك، فسَلْ تُعْطَهْ. فسأل: ((﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا
إِلَّا وُسْعَهَا﴾)) إلى آخرِ السورةِ ().
١٥٤/٣
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ
(١) البيتان فى معانى القرآن للفراء ١/ ١٨٨، والخصائص ١٠٢/٣، والدرر اللوامع ١٤٦/١.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٧٥/٢ (٣٠٧٠) من طريق جرير به. وأخرجه سعيد بن منصور
(٤٧٨- تفسير ) ، وابن أبى شيبة ٥٠١/١١ من طريق بيان به .

١٥٣
سورة البقرة : الآية ٢٨٦
يعنى بذلك جل ثناؤه: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا فيَتَعَبَّدُها إلا بما يَسَعُها، فلا يُضَيِّقُ
عليها ولا يَجْهَدُها .
وقد بيّنا فيما مضى قبلُ أَن الوُسْعَ اسمٌ مِن قولِ القائلِ: وَسِعنى هذا الأمرُ(١).
مثلُ الجُهْدِ والؤُجْدِ ، مِن : جَهَدنى هذا الأمرُ، ووجَدْتُ منه .
كما حدَّثنى [٩٥/٨ و] المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ
صالحٍ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَأَ﴾.
قال: هم المؤمنون ، وسَّع اللَّهُ عليهم أمرَ دينهم، فقال اللَّهُ جل ثناؤه: ﴿وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وَقَالَ: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ ﴾
(٢)
[ التغابن: ١٦ ] .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ ، عن
الزهرىِّ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، قال: لما نزَلَت ضَّ المؤمنون منها ضجةٌ ، وقالوا : يا .
رسولَ اللَّهِ ، هذا نَتوبُ من عملِ اليدِ والرِّجْلِ واللسانِ ، فكيف نتوبُ مِن الوَسْوسةِ؟
كيف تَخْتَنِعُ منها؟ فجاء جبريلُ عليه السلامُ بهذه الآيةِ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا﴾. إنكم لا تَسْتَطِيعون أن تَمْتَنِعوا مِن الوَسْوسةِ (١).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿لَا يُكَلِفُ
اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاَ﴾: ووسعُها طاقتُها، فكان حديثُ النفسِ مما لم يُطِيقوا(٤).
(١) ينظر ما تقدم فى ٢١٣/٤.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٧٧/٢ (٣٠٨٠) من طريق عبد الله بن صالح به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٦/١ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٧٨/٢ عقب الأثر (٣٠٨٤) من طريق عمرو بن حماد به .

١٥٤
سورة البقرة : الآية ٢٨٦
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ
يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿لَهَا﴾: للنفسِ التى أَخْبَر أنه لا يُكَلِّفُها إلا وسعها.
يَقُولُ: لكلِّ نفسٍ ما اجْتَرَحَت وعمِلَت مِن خيرٍ. ﴿وَعَلَيْهَا ﴾. يعنى: وعلى كلِّ
نفسٍٍ ﴿مَا أَكْتَسَبَتَّْ﴾: ما عمِلَت مِن شرٍّ.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه:
﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أىْ: مِن خيرٍ، ﴿وَعَلَيْهَا مَا
أَكْتَسَبَتْ﴾ أىْ: مِن شرٌّ. أو قال: مِن سُوءٍ .
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿لَهَا مَا
كَسَبَتْ﴾. يقولُ: ما عمِلَت مِن خيرٍ، ﴿ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ . يقولُ: وعليها ما
عمِلَت مِن شرّ .
/حُدِّثْتُ عن عمارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ مثلَه .
١٥٥/٣
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجريجٍ، عن
الزهرىِّ، عن [٩٥/٨ظ] عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتّْ﴾،
عملُ اليدِ والرّمْلِ واللسانِ(١).
فتأويلُ الآيةِ إذنْ: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نفسًا إلا ما يَسَعُها فلا يَجْهَدُها ولا يُضَيِّقُ عليها فى أمرٍ
دينها ، فيُؤَاخِذها بهِمَّةٍ إن همَّت، ولا بُوَسْوَسةٍ إن عَرَضَت لها، ولا بخَطْرَةٍ إِن خَطَرَت
بقليِها، ولكنه يؤاخذُها بما عمِلت فتعمَّدت وقصَدت عملَه من خيرٍ أو شرٌّ".
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٧٨/٢، ٥٧٩ (٣٠٨٧، ٣٠٩٠) من طريق سعيد بن مرجانة ، عن
ابن عباس .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.

١٥٥
سورة البقرة : الآية ٢٨٦
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَاً !
وهو تعليمٌ مِن اللَّهِ عبادَه المؤمنين دعاءَه؛ كيف يَدْعُونه، وما يقولون فى
دعائِهم إياه ، ومعناه: قولوا: ربَّنا لا تُؤَاخِذْنا إن نَسِينا شيئًا فَرَضْتَ علينا عملَه فلم
نَعْمَلْه، أو أخْطَأْنا فى فعل شىءٍ نهيْتَنا عن فعلِه ففعَلْناه على غيرِ قصدٍ منا إلى
معصيتك، ولكن على جَهالةٍ منا به وخطأً .
كما حدَّثنى يونُسُ ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾: إن نَسِينا شيئًا مما افْتَرَضْتَه علينا، أو
أُخْطَأْنَا شيئًا مما حرَّمْتَه علينا .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبَرَنا مَعْمرٌ، عن
ن
قَتَادةَ فى قولِه: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾. قال: بلَغَنى أن
النبىَّ عٍَّ قال: ((إن الله تبارك وتعالى تَجَاوَز لهذه الأَمَّةِ عن نسيانِها وما حدَّثَت به
(١)
أنفسها))(١).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ ، قال: زعَم
السدىُّ أن هذه الآيةَ حينَ نزَلَت: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال
له جبريلُ عَّهِ: فَعَل(٢) ذلك يا محمدُ(٣).
فإن قال لنا قائلٌ: وهل يَجوزُ أن يُؤَاخِذَ اللَّهُ جلَّ ثناؤه عبادَه بما نَسُوا أو أخْطَئوا،
فِيَسْأَلُوه ألا يُؤَاخِذَهم بذلك ؟
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٢. والحديث أصله فى البخارى (٢٥٢٨، ٥٢٦٩، ٦٦٦٤)، ومسلم
(١٢٧) من حديث أبى هريرة .
(٢) فى م: ((فقل)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٧/١ إلى المصنف.

١٥٦
سورة البقرة : الآية ٢٨٦
قيل: إن النسيانَ على وجهين؛ أحدُهما : على وجهِ التَّضْييع مِن العبدِ
والتَّفْريطِ . والآخرُ: على وجهِ عجزِ الناسى عن حفظِ ما اسْتُحْفِظ وؤُكِّل به،
وضعف عقله عن احتماله .
فأما الذى يكونُ مِن العبدِ على وجهِ التَّضْبِيعِ منه والتفريطِ، [٩٦/٨و] فهو ترٌ منه
لما أُمِر بفعلِه، فذلك الذى يَوْغَبُ العبدُ إلى اللَّهِ فى تركِه مُؤاخَذتَه به، وهو النسيانُ الذى
عاقَب اللَّهُ به آدمَ صلواتُ اللهِ عليه، فأخْرَجَه مِن الجنةِ، فقال فى ذلك: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنًا
إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]. وهو النسيانُ الذى قال جلّ
ثناؤُه: ﴿ فَلْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١]. فرغبةٌ
العبدِ إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ بقولِه: ﴿ رَبَِّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ فيما
كان مِن نسيانٍ منه لما أمِر بفعلِه ، على هذا الوجهِ الذى وصَفْنا، ما لم یکن تركُه ما
ترَك مِن ذلك تَفْرِيطًا منه فيه وتَضْييعًا، كفرًا باللَّهِ، فإن ذلك إذا كان كفرًا باللّهِ ، فإن
الرغبةَ إلى اللَّهِ فى تركِه المؤاخذةَ به غيرُ جائزةٍ ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤه قد أخْبَر عبادَه أنه لا
يَغْفِرُ لهم الشركَ به، فمسألتُه فِعْلَ ما قد أعْلَمَهم أنه لا يَفْعَلُه خطأٌ ، وإنما تجوزُ(١)
مسألتُه المغفرةَ فيما كان(٢) مثلَ نسيانِه القرآنَ بعدَ حفظِه بتَشاغُلِه عنه وعن قراءتِه ،
وبمثلِ نسيانِه صلاةٌ أو صيامًا ، باشتغالِه عنهما بغيرِهما حتى ضيَّعهما .
وأما الذى العبدُ به غيرُ مُؤاخَذٍ لعجزٍ بِنْيَّتِه عن حفظِهِ، وقلةِ احتمالٍ عقلِهِ ما
ؤُكِّل بمراعاتِه ، فإن ذلك مِن /العبدِ غيرُ معصيةٍ، وهو به غير آثم ، فذلك الذى لا وجه
المسألةِ العبدِ ربَّه أن يغفِرَه له؛ لأنه مسألةٌ منه له أن يَغْفِرَ له ما ليس له بذنبٍ ، وذلك
مثلُ الأمرِ يَغْلِبُ عليه وهو حَريصٌ على تذكّرِه وحفظِهِ، كالرجلٍ يَخْرِصُ على حفظِه
١٥٦/٣
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((یکون)).
(٢) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((من)).

١٥٧
سورة البقرة : الآية ٢٨٦
القرآنَ بجِدٍّ منه ، فيَقْرَؤُه ثم يَنْساه بغيرِ تَشاغُلٍ منه بغيرِه عنه، ولكن لعجزٍ بِنْتِه عن
حفظِهِ ، وقلَّةِ احتمالٍ عقلِه ذكْرَ ما أَوْدَع قلبَه منه ، وما أشْبَهَ ذلك مِن النسيانِ ، فإن
ذلك مما لا تجوزُ مسألةُ الربِّ مغفرتَه؛ لأنه لاذنبَ للعبدِ فيه فيُغْفَرَ له باكتسابِهِ .
وكذلك للخطأ وجهان؛ أحدُهما: مِن وجهِ ما نُهِى عنه العبدُ ، فَيَأْتِيه بقصدٍ
منه وإرادةٍ ، فذلك خطأُ منه وهو به مأخوذٌ ، يُقالُ منه: خَطِئ فلانٌ وأخْطَأ. فيما أتَى
مِن الفعلِ، و:أثِم ، إذا أتَى ما يأْتُمُ فيه وركِبه، ومنه قولُ الشاعرِ (١):
خطِئوا الصوابَ ولا يُلامُ المُرْشَدُ
الناسُ يَلْحَوْن(٢) الأميرَ إذا هم
بمعنى : أَخْطَئُوا الصوابَ. وهذا الوجهُ الذى يَرْغَبُ العبدُ إلى ربِّه فى صَفْحِ ما
كان منه مِن إثم عنه ، إلا ما كان مِن ذلك كفرًا .
والآخرُ منهما : ما كان منه على وجهِ الجهلِ [٩٧/٨ظ] به، والظنِّ منه بأن له
فِعْلَه، كالذى يَأْكُلُ فى شهرِ رمضانَ ليلاً وهو يَحْسَبُ أن الفجرَ لم يَطْلُعْ، أو يُؤَخِّرُ
صلاةٌ فى يومٍ غَيْمِ وهو يَنْتَظِرُ بتأخيرِه إياها دخولَ وقتِها ، فَيَخْرُجُ وقتُها وهو يَرَى أن
وقتَها لم يَدْخُلْ ، فإن ذلك مِن الخطأّ الموضوع عن العبدِ الذى وضَع اللَّهُ عز وجل عن
عبادِهِ الإِثْمَ فيه ، فلا وجه لمسألةِ العبدِ ربَّه أَلا يُؤَاخِذَه به .
وقد زعم قوم أن مسألةَ العبدِ ربَّه ألا يُؤَاخِذَه بما نسِى أو أخْطَأ ، إنما هو فعلٌ منه لما
أمرَه به ربُّه تبارك وتعالى، أو لما ندَبه إليه مِن التذلُّلِ له ، والخضوعِ بالمسألةِ، فأما على
وجهِ مسألتِهِ الصَّفْحَ عنه، فما لا وجه له عندَهم .
وللبيانٍ على(٢) هؤلاء كتابٌ سنأتى فيه إن شاء اللَّهُ على ما فيه الكِفايةُ من ◌ُفِّق لفهمِه .
(١) هو عبيد بن الأبرص الأسدى، والبيت فى ديوانه ص ٤٢.
(٢) يلحون : يلومون .
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((عن)) .

١٥٨
سورة البقرة : الآية ٢٨٦
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ
عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤُه: قولوا: ربَّنا ولا تَحْمِلْ علينا إصرًا. ويعنى بالإِصْرِ
العهدَ، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ ﴾ [آل
عمران: ٨١]. وإنما عنَى بقولِه: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًّا﴾: ولا تَحْمِلْ علينا
عهدًا نَعْجِزُ عن القيام به ولا نَسْتَطِيعُه. ﴿ كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاْ﴾.
يعنى : على اليهودِ والنصارى الذين كُلِّفوا أعمالًا، وأُخِذت عهودُهم ومَواثيقُهم
على القيامِ بها ، فلم يَقُوموا بها، فعُوجِلوا بالعقوبةِ، فعلَّم اللَّهُ عزَّ جلَّ أمةَ محمدٍ عَه
الرغبةَ إليه بمسألتِه ألا يَحْمِلَهم مِن عهودِهِ ومَواثيقِه على أعمالٍ - إن ضَيَّعوها أو
أُخْطَئوا فيها أو نَسُوها - مثلَ الذى حَمَل مَن قبلَهم، فيُحِلَّ بهم بخطئِهم فيه
وتَضْيِيعِهم إياه مثلَ الذى أَحَلَّ بمن قبلَهم .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمٌ، عن
١٥٧/٣ قتادةَ فى قولِه: / ﴿ وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا﴾. قال: لا تَحْمِلْ علينا عهدًا وميثاقًا
كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَاْ﴾. يقولُ: كما غُلِّظ على مَن قبلَنا (١).
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال : ثنا أبى، عن موسى [٩٧/٨و] بن قيس الحَضْرمىِّ، عن
مُجاهدٍ فى قولِه: ﴿ وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا﴾. قال: عهدًا(١).
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٢.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٧/١ إلى عبد بن حميد.

١٥٩
سورة البقرة : الآية ٢٨٦
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح،
عن مُجاهدٍ فى قوله: ﴿ إِصْرًّا﴾. قال: عهدًا .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: حدَّثنى معاويةُ، عن علىِّ،
عن ابن عباسٍ فى قوله: ﴿ إِصْرًا﴾. يقولُ: عهدًا(١).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ :
رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ وَلَا عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾: والإِصْرُ
العهودُ التى كانت على مَن قبلَنا مِن اليهودِ (١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ نجريجٍ فى قوله :
﴿ وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾. قال: عهدًا لا تُطِيقُه ولا نَسْتَطيعُ القيامَ به، ﴿ كَمَا
حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾، اليهود والنصارى، فلم يَقُوموا به، فأهْلَكْتَهم(٢).
حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ ، قال: أُخْبَرَنا يَزِيدُ، قال: أُخْبَرَنا جُوَبِيرٌ، عن
الضحاكِ: ﴿ إِصْرًا﴾. قال: المواثيقَ(٤).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن
الربيع: الإصرُ العهدُ، ﴿ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌ ﴾ [آل عمران: ٨١]. قال: عهْدى.
(٥ حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه )
(١) ذكره الحافظ فى التغليق ١٨٧/٤ عن المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٨٠/٢ (٣٠٩٧) من
طريق الضحاك ، عن ابن عباس .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٨٠/٢ عقب الأثر (٣٠٩٧) من طريق عمرو بن حماد به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٧/١ إلى المصنف.
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٨٠/٢ عقب الأثر (٣٠٩٧) معلقا .
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.

١٦٠
سورة البقرة : الآية ٢٨٦
وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ﴾. قال: عهدى(١)١).
(١
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی امی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ﴾. قال: عهدى(٢).
وقال آخرون : معنى ذلك : ولا تَحْمِلْ علينا ذنوبًا وإثْمًا كما حمَلْتَ ذلك على
مَن قبلَنا مِن الأمم، فَتَمْسَخنا قِرَدةً وخَنازيرَ كما مسَخْتَهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى سعيدُ بنُ عمرو السَّكونىُّ، قال: ثنا بَقِيةُ بنُ الوليدِ، عن علىٍّ بنٍ
هارونَ، عن ابنِ مجريجٍ، عن عطاءِ بنِ أبى رَباحٍ فى قولِه: ﴿ وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا
إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾. قال: لا تَمْسَخْنا قردةٌ وخنازيرَ(٤)
.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قولُه: ﴿ رَبَّنَا وَلَا
تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ . لا تَحْمِلْ علينا ذنبًا ليس
فيه توبةٌ ولا كفارةٌ(٤) .
وقال آخرون: معنى الإِصْرِ بكسرِ الألفِ : الثّقْلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
/ حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع ١٥٨/٣
قوله: ﴿ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيَّنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ [٩٧/٨ظ] مِن
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س .
(٢) ينظر المحرر الوجيز ٣٢٠/٢.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٥/٢ (٣٧٦٥) عن محمد بن سعد به .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٧/١ إلى المصنف .