Indexed OCR Text

Pages 1-20

٧٠
تفسِِّيُ الطِّبُرَى
جَامِعُ الْبَيّانِّ عَنْ تَأْوِيلِ آَى الْقُرآنِ
لأَبِ جَعَفَر محمّد بن جَرِيرِ الطَّبَرِىّ
(٢٢٤هـ - ٣١٠ هـ )
تحقيق
الدكتورعبدالبكر بن عبد الحسن التركى
بالتعاون مع
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدارهجر
الدكتور عبد السنة حسنريا
الجزء الخامس
هجر
للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الدكتور عبد السند حسن يمامة
مكتب : ٤ ش ترعة الزمر - المهندسين - جيزة
ت : ٣٢٥١٠٢٧
مطبعة : ٣٢٥٢٥٧٩ - فاكس : ٣٢٥١٧٥٦

تَفْسَِّيُالظَّرِىّ
جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ الْقُرآنِ

٥
سورة البقرة : الآية ٢٦٨
القولُ فى تأويل قوله جلّ ثناؤه: [١٥١/٨] ﴿ الشَّيْطِنُ بَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم
بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ﴾ .
يعنى بذلك تعالى ذكره : الشيطانُ يعِدُكم أيها الناسُ بالصدقةِ وأدائِكم الزكاةَ
الواجبةَ عليكم فى أموالِكم، أن تَفْتَقِروا، ﴿ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾. يعنى:
ويأمُرُكم بمعاصى اللَّهِ، وتركِ "الصلاةِ، و١) طاعتِه، ﴿وَاَللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً
مِنْهُ﴾ . يعنى أن اللَّهَ تبارك وتعالى يَعِدُكم أيُّها المؤمنون أن يستُرَ عليكم فحشاءَ كم ،
بصفحِه لكم عن /عقوبتكم عليها ، فيغفرَ لكم ذنوبكم بالصدقةِ التى تتصدَّقون، ٨٨/٣
وَفَضْلًا ﴾. يعنى: ويَعِدُكم أن يُخْلِفَ عليكم من صَدقاتِكم، فَيُفْضِلَ عليكم
من عطاياه، ويُسبِغَ عليكم فى أرزاقِكم .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضح، قال : ثنا الحسينُ بنُ
واقدٍ ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اثنانٍ من اللَّهِ، واثنانِ
من الشيطانِ ، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾. يقولُ: لا تُنفِقْ ماَلَك وأمسِكْه عليك ؛
فإنك تحتاجُ إليه، ﴿ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ ﴾ على هذه المعاصى، ﴿ وَفَضْلًا ﴾
(٢)
فى الرزقِ(٢) .
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٥٣٠، ٥٣١ (٢٨١١، ٢٨١٩،٢٨١٦) من طريق الحسين بن واقد
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/١ إلى ابن المنذر .

٦
سورة البقرة : الآية ٢٦٨
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه :
الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ
وَفَضْلًا ﴾. يقولُ: مغفرةً لفحشائِكم، وفضلًا لفقرٍكم(١).
حدَّثنا هنَّادُ بنُ الشَّرِىِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن
مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ مِلّهِ: ((إنَّ للشيطانِ لَمَّةً من ابنِ آدمَ،
وللملَكِ لمةً ، فأما لمةُ الشيطانِ ، فإِيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، وأمَّا لمةُ الملَكِ
فإِيعادٌ " بالخيرِ وتصديقٌ بالحقِّ)، فمن وجَد ذلك فلْيعلَمْ أنَّه من اللَّهِ، ولْيحمَدِ اللَّهَ،
ومن وجَد الأخرى فلْيتعوَّذْ باللَّهِ من الشيطانِ)). ثم قرأ: ((﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ
وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾))(٣).
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال : ثنا الحكمُ بنُ بَشيرِ بنِ سلمانَ ، قال: ثنا عمرٌو ، عن عطاءٍ
ابنِ السائبِ ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: إن للإنسانِ من الملَكِ لمةً ، ومن
الشيطانِ لمةً ، [١/٨ ٥ظ] فاللَّمَّةُ من المَلَكِ إيعادٌ بالخيرِ وتصديقٌ بالحقِّ، واللَّكَّةُ من
الشيطانِ إِيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ. وتلا عبدُ اللَّهِ: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْغَقْرَ
وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ . قال عمرو : وسمِعْنا فى هذا
الحديثِ أنه كان يقالُ : إذا أحسَّ أحدُ كم من لمةِ المَلَكِ شيئًا، فَلْيحمَدِ اللَّهَ، وليسأَلْهِ مِن
فضلِه ، وإذا أحسَّ من لمةِ الشيطانِ شيئًا، فلْيَشْتغفرِ اللَّهَ، ولْيتعوَّذْ من الشيطانِ.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٣٠/٢ (٢٨١٧) من طريق سعيد به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/
٣٤٨ إلى عبد بن حميد .
(٢ - ٢) فى الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بالحق وتصديق بالخير)).
(٣) أخرجه الترمذى (٢٩٨٨)، والنسائى فى الكبرى (١١٠٥١)، وأبو يعلى (٤٩٩٩)، وابن أبى حاتم فى
تفسيره ٥٢٩/٢ (٢٨١٠)، وابن حبان (٩٩٧) من طريق هناد بن السرى به ، وأخرجه البيهقى فى الشعب
(٤٥٠٦) من طريق أبى الأحوص به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/١ إلى ابن المنذر.
(٤) فى الأصل: ((يتعوذ)) .

٧
سورة البقرة : الآية ٢٦٨
حدَّثْنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: ثنا عطاءُ بنُ السائبِ ، عن أبى
الأحوصِ، أو عن مرَّةً، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ: ألا إن للملَكِ لمةً ،
وللشيطانِ لمةً ، فلمَّةُ الملَكِ إبعادٌ بالخيرِ وتصديقٌ بالحقِّ، ولمةُ الشيطانِ إِيعادٌ بالشرِّ
وتكذيبٌ بالحقِّ ، ذلكم بأن اللَّه عز وجل يقولُ: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُكُم
بِالْفَحْشَآءٌ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًاْ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾. فإذا وجدتم من هذه
شيئًا فاحْمَدوا اللَّهَ عليه، وإذا وجَدتم من هذه شيئًا فتعوَّدوا باللّهِ من الشيطانِ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحبى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ، عن
الزهرىِّ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ فى قولِه :
﴿ الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ اٌلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِلْفَحْشَاءِ﴾. قال: إن للمَلَكِ لمةً ،
وللشيطانِ لمةً ، فلمَّةُ المَلَكِ إيعادٌ بالخيرِ وتصديقٌ بالحقِّ، فمن وجَدها فلْيَحمَدِ اللَّهَ ،
ولمةُ الشيطانِ إِيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، فمن وجَدها فلْيستعِذْ باللَّهِ(١) .
/ حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا الحجّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلَمةَ، قال: ٨٩/٣
أخبرنا عطاءُ بنُ السائبِ ، عن مرةَ الهَمْدانيّ، أن ابنَ مسعودٍ قال: إن للملَكِ لمةً ،
وللشيطانِ لمَّةً ، فلمَّةُ المَلَكِ إيعادٌ بالخيرِ وتصديقٌ بالحقِّ ، ولمةُ الشيطانِ إِيعادٌ بالشرّ
وتكذيبٌ بالحقِّ ، فمن أحسَّ من لمةِ الملَكِ شيئًا ، فليحمَدِ اللَّهَ عليه، ومن أحسَّ من
لمةِ الشيطانِ شيئًا(١٢)، فليتعوَّذْ باللّهِ منه. ثم تلا هذه الآية: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ
وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾.
حدَّثنا المَثَنَّى ، قال : ثنا سويدُ بنُ نصرٍ ، قال : أخبرنا ابنُ المباركِ، عن فِطْرٍ، عن
(١) تفسير عبد الرزاق ١٠٩/١، وأخرجه ابن مردويه فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ٤٧٥/١ من
طريق الزهرى ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن مسعود مرفوعًا نحوه .
(٢) سقط من: الأصل .

٨
سورة البقرة : الآيتان ٢٦٨، ٢٦٩
المسيَّبِ بنِ رافعٍ، عن عامرِ بنِ عَبْدةً، عن عبدِ اللَّهِ بنحوه .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن مُرةَ بنِ شَراحيلَ،
عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: إن للشيطانِ لمةً ، وللملَكِ لمةً، فأما لمةٌ
الشيطانِ فتكذيبٌ بالحقِّ وإيعادٌ بالشرّ، وأما لمةُ المَلَكِ فإِيعادٌ بالخيرِ وتصديقٌ
بالحقِّ، فمن وجَد ذلك فلْيعلَمْ أنه من اللَّهِ ، ولْيَحْمَدِ اللّه عليه، ومن وجد الأخرى
فَلْيتعوَّذْ من الشيطانِ [٥٢/٨ ] الرجيم. ثم قرأ: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم
بِالْفَحْشَاءٌ وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًاْ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيٌ﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ
(٢٦٨)
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: واللهُ واسعُ الفَضْلِ ) الذى يَعِدُ كم أن يُعْطِيَكموه من
فضلِه وسَعَةٍ خزائنه، عليم بنفقاتكم وصدقاتكم التى تُنْفِقون وتتصدقون بها ،
◌ُخصِیھا لکم حتی یجازێکم بها عندَ مَقْدَمِکم علیہ فی آخرێکم .
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ
اُلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوِيَ خَيْرًاً كَثِيرًا﴾ .
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: يُؤْتِى اللَّهُ الإصابةَ فى القولِ والفعل من يشاءُ من عبادِه،
ومن يُؤْتَ الإصابةً فى ذلك منهم فقد أوتیَ خيرًا كثيرًا .
واخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: الحكمةُ التى ذكرها اللَّهُ
تبارك وتعالى فى هذا الموضع هى القرآنُ والفقهُ به .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةٌ ، عن علىٍّ ، عن
(١) فى الأصل: ((للفضل)).

٩
سورة البقرة : الآية ٢٦٩
ابنِ عباسٍ فى قوله تبارك وتعالى: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًاً
كَثِيرًا﴾ : يعنى المعرفةَ بالقرآنِ ؛ ناسخِه ومنسوخِه، ومُحْكمِه ومتشابهِه،
ومُقدَّمِه ومؤخَّرِه، وحلالِه وحرامِه ، وأمثالِه(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿يُؤْتِي اَلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾. قال: الحكمةُ القرآنُ والفقْهُ فى
(٢)
القرآنِ (٢) .
/حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، [٥٢/٨ظ] قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: ثنا سعيدٌ، عن ٩٠/٣
قتادةَ قولَه: ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوْنِىَ خَيْرًا
كَثِيرًا﴾: والحكمةُ الفقهُ فى القرآنِ(٣) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الهلالىُّ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا
مهدىُّ بنُ ميمونٍ ، قال : ثنا شعيبُ بنُ الحَبْحابِ، عن أبى العاليةِ: ﴿ وَمَن يُؤْتَ
اُلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوِيَ خَيْرًاً كَثِيرَاً﴾. قال: الكتابُ والفهمُ به (٢) .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ يُؤْتِ
الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ) الآية. قال: ليست بالنبوَّةِ، ولكنه القرآنُ والعلمُ والفقهُ(٢).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٣١/٢ (٢٨٢٢) والنحاس فى ناسخه ص ٥٠ من طريق عبد الله بن
صالح به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/١ إلى ابن المنذر.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٩.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/١ إلى عبد بن حميد.
(٤) فى م: (( فيه )) .
والأثر ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٧٦/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/١ إلى المصنف.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٧/ ٢٣١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٣١/٢ (٢٨٢٣)، والخطيب فى الفقيه
والمتفقه (١٠٦) من طريق جرير به، وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ٢٩٢/٣، والخطيب (١٠٥، ١٠٧) من
طريق ليث به .

١٠
سورة البقرة : الآية ٢٦٩
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جريج ، قال : قال
ابنُ عباسٍ : الفقهُ فى القرآنِ(١) .
وقال آخرون : معنى الحكمةِ الإصابةُ فى القولِ والفعلِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبى
تَجيح، قال: سمِعتُ مجاهدًا قال: ﴿وَمَن يُؤْتَ اُلْحِكْمَةَ﴾. قال :
و (٢)
الإصابةُ(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نجيح،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿ يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ﴾. قال : يُؤْتی
إصابته من يشاءُ() .
وحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ يُؤْتِ اَلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾. قال: الكتابُ، يُؤْتِى إصابتَه منْ
٤)
يشاء .
وقال آخرون : هى العلم بالدينِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ : الحكمةُ العقلُ فى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/١ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٣٢/٢ (٢٨٢٥) من طريق سفيان به .
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٤٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤٨/١ إلى عبد بن حميد.
(٤ - ٤) سقط من: م.

١١
سورة البقرة : الآية ٢٦٩
الدينِ. وقرَأ: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرًا :
(١
وحدثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قلتُ لمالك: ما الحكمةُ؟ قال :
المعرفةُ بالدينِ، والفقهُ فيه، والاتباعُ له .
وقال آخرون : الحكمةُ الفَهمُ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبى حمزةَ، عن إبراهيمَ ،
قال: " هو الفهمُ. يعنى " الحكمةَ() .
وقال آخرون: هى الخشيةُ.
[٥٣/٨و] ذكرُ من قال ذلك
/ حدَّثنى المُنَى ، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع ٩١/٣
فى قولِه: ﴿ يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ الآية. قال: الحكمةُ
الخشيةُ؛ لأن رأسَ كلِّ شيءٍ خشيةُ اللَّهِ. وقرَأ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال آخرون : هى النبوّةُ .
(١) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد الحكمة العقل)).
وتقدم هذا الأثر والأثر بعده فى ٥٧٦/٢ .
(٢ - ٢) فى م: ((الحكمة هى الفهم)).
(٣) فى ص، ت ١: ((بمعنى)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٣٢/٢ (٢٨٢٦) من طريق سفيان به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٣١/٢ (٢٨٢٤) من طريق أبى جعفر، عن الربيع ، عن أبى العالية ،
وذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٧٦/١ عن أبى العالية، وذكره القرطبى فى تفسيره ٣٣٠/٣ عن الربيع مختصرا
بلفظ : الحكمة الخشية .

١٢
سورة البقرة : الآية ٢٦٩
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدىِّ قوله: ﴿يُؤْتِى
اٌلْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ الآية. قال: الحكمةُ هى النبوّةُ(١).
وقد بيّنا فيما مضَى معنى ((الحكمةِ))، وأنها مأخوذةٌ من الحُكم وفصلِ القضاءِ،
وأنها الإصابةُ، بما دلَّ على صحّتِه، فَأَعْنى ذلك عن تكريرِه فى هذا الموضعِ .
وإذا كان ذلك(٣) معناه، كان جميعُ الأقوالِ التى قالها القائلون الذين ذكرنا
قولَهم فى ذلك ، داخلًا فيما قُلنا من ذلك؛ لأن الإصابةَ فى الأمورِ إنما تكونُ عن فَهمِ
بها وعلم ومعرفةٍ، وإذا كان ذلك كذلك، كان المصيبُ عن فَهْمِ منه بمواضعٍ
الصوابِ فى أمورِهِ ، فَهِمَّا خاشيًا للَّهِ، فقيهًا عالماً ، وكانت النبوّةُ من أقسامِه؛ لأن
الأنبياءَ مُسَدَّدون مُفَهَّمُون مُوَفَّقون لإصابةِ الصوابِ فى الأمورِ ، فالنبؤَّةُ بعضُ معانى
الحكمةِ .
فتأويلُ الكلام : يُؤْتِى اللَّهُ إصابةَ الصوابِ فى القولِ والفعلِ مَن يشاءُ، ومَن يؤتِه
اللَّهُ ذلك فقد آتاه خيرًا كثيرًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَمَا يَذَّكَرُ إِلََّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ
(٢٦٩)
يغْنى جلَّ ثناؤه بذلك: وما يتعظُ بما وعَظه به ربُّه فى هذه الآياتِ التى وعَظ
فيها المُنْفِقِين أموالَهم، بما (٤ وعظَهم به وغيرَهم) فيها وفى غيرِها من آي كتابِهِ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٣٢/٢ (٢٨٢٨) من طريق عمرو به .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٥٧٧/٢ .
(٣) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((كذلك)).
(٤ - ٤) فى م ((وعظ به غيرهم)).

١٣
سورة البقرة : الآيتان ٢٦٩، ٢٧٠
فيَذَّكَّرُ وعَدَه ووعيدَه فيها، فينزجِرُ عمَّا زجَره عنه ربُّه، ويُطيعُه فيما أمَره به ﴿إِلَّاَ
أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾. يغنى: [٥٣/٨ظ] إلَّا أَولو العقولِ الذين عقَلوا عن اللَّهِ أمره ونهيه.
فأخْبَر جلَّ ثناؤه أن المواعظَ غيرُ نافعةٍ إلّا أُولى الحِجا والحُلُوم ، وأن الذِّكرَى غيرُ
ناهيةٍ إلا أهلَ النُّهَى والعقولِ .
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن
٧٠
تَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ
يغنى جلَّ ثناؤه بذلك: وأىَّ نفقةٍ أَنْفَقْتُم. يغنى: أىَّ صدقةٍ تصدَّقْتُم، أو أىَّ
نَذْرٍ نذَرتم . يعنى بالنذرِ ما أَوْجَبه المرءُ على نفسِه، تبرُّرًا فى طاعةِ اللَّهِ ، وتقرُّبًا به إليه
مِن صدقةٍ أو عملٍ خيرٍ ، ﴿فإن اللَّهَ يعلَمُه﴾ أىْ: إِنَّ جميعَ ذلك بعلم اللَّهِ ، لا يعزُبُ
عنه منه شیءٌ ، ولا يَخْفَی علیه منه قلیلٌ ولا کثیرٌ ، ولکنه يُخْصِیه أيها الناسُ علیکم ،
حتی یُجازى (١ جمیعکم علی جمیع ذلك، فمن كانت نفقتُه منکم وصدقتُه ونذرُه
ابتغاء مرضاةِ اللَّهِ وتثبيتًا من نفسِه، جازاه بالذى وعَده مِن التضْعيفِ ، ومن كانت نفقتُه
وصدقتُه رياءَ الناسِ ، ونذورُه للشيطانِ، جازاه بالذى أوْعَده مِن العقابِ وأليم العذابِ .
/ كالذى حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابنٍ ٩٢/٣
أبى نَجِيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم
مِّن نَذْرٍ﴾. قال (٢): فإن اللَّهَ يَعْلَمُه ويُخْصِيهُ(١) .
حدَّثْنِى المُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيجٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
(١) فى ص. م، ت ١، ت٢، ت٣ (( يجازيكم)).
(٢) سقط من : م .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٣٥/٢ (٢٨٤١) من طريق ابن أبى نجيح به ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٥٠/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

١٤
سورة البقرة : الآيتان ٢٧٠، ٢٧١
ثم أُوْعَد جلَّ ثناؤه من كانت نفقتُه رياءٌ، ونذورُه طاعةً للشيطانِ ، فقال :
وَمَا لِلَّلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾. يغنى: وما لمن أَنْفَق مالَه رياءَ الناسِ وفى معصيةٍ
اللَّهِ ، وكانت نذورُه للشيطانِ وفى طاعتهِ، ﴿مِنْ أَنصَارٍ ﴾ وهم جمعُ نصيرٍ ،
كما الأشرافُ جمعُ شريفٍ .
ويعْنى بقولِه: ﴿مِنْ أَنصَارٍ﴾: مَن ينصُرُهم مِن اللَّهِ يومَ القيامةِ، فيدفَعُ
عنهم عقابَه يومَئذٍ بِقُوّةٍ وشدَّةِ بطشٍ ، ولا بفديةٍ ( ولا حيلةٍ ).
وقد دلَّلْنا على أن الظالمَ هو الواضحُ الشىءَ فى غيرِ موضعِه(٢) ، وإنما سمَّى اللَّهُ
المنفقَ مالَه رياءَ الناسِ، والناذرَ فى غيرِ طاعتِهِ ظالماً؛ لوضعِه إنفاقَ مالِه فى غيرِ
موضِعِه، ونَذْرَه فى غيرِ ما له وضعُه فيه، فكان ذلك ظلمَه .
فإن قال قائلٌ: فكيف قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُمْ﴾. ولم يقلْ: يعلَمُهما .
وقد ذكَّر النذرَ والنفقةَ ؟
قيل: إنما قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُمْ﴾ لأنه أراد: فإن اللَّهَ يعلَمُ ما أَنْفَقتم
[٥٤/٨و] أو نذَرتم. فلذلك وحَّد الكنايةً.
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَا هِىِّ وَإِن
تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا اُلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِرُ عَنكُم مِّن سٍَّاتِكُمُ وَاللّهُ
٢٧١
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
يغنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ﴾: إن تُعْلِنُوا الصدقاتِ ،
فتُعطوها مَن تصدَّقْتُم بها عليه، ﴿ فَنِعِمَا هِىَّ﴾. يقولُ: فَنِعْمَ الشىءُ هى، ﴿ وَإِن
تُخْفُوهَا﴾. يقولُ: وإن تَسْتُروها فلم(٢) تُغْلِنُوها، ﴿ وَتُؤْتُوهَا اُلْفُقَرَآءَ﴾. يغنى:
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٥٥٩/١، ٥٦٠ .
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((فلن)).

١٥
سورة البقرة : الآية ٢٧١
وتعطوها الفقراءَ فى السرِّ، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. يقولُ: فإخفاؤُ كم إِيَّاها خيرٌ
لكم مِن إعلانِها، وذلك فى صدقة التطوّعٍ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِن
تُبْدُوا الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىٌّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ
كلٌّ مقبولٌ إذا كانت النيّةُ صادقةٌ ، وصدقةُ السرِّ أفضلُ، وذُكِر لنا أنّ الصدقةَ تطفئُ
الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النارَ(١).
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الرَّبِيعِ فى قوله: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِيَّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ
فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: كلٍّ مقبولٌ إذا كانت النيّةُ صادقةً، والصدقةُ فى السرِّ
أفضلُ. وكان يقولُ : إنّ الصدقةَ تُطفىُّ الخطيئةَ كما يُطفىُّ الماءُ النارَ(١).
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ،
عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِيِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا
اٌلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: فجعَل اللّهُ صدقةَ السرِّ فى التطوّع تفضُلُ علانيتَها
بسبعِينَ ضِعْفًا، وجعَل صدقةَ الفريضةِ علانيتَها أفضلَ مِن سرِّها. يقالُ : بخمسةٍ
وعشرين ضِعْفًا، وكذلك جميعُ الفرائضِ والنوافلِ و(٢) الأشياءِ كلِّها(٤).
/ حدَّثنى عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الحنفى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ، قال: أخبرنا ٩٣/٣
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٣/١ إلى المصنف وعبد بن حميد. وقوله: الصدقة تطفئ الخطيئة ...
أخرجه الترمذى (٦١٤) مرفوعا من حديث كعب بن عجرة، وينظر ما أخرجه أحمد ٣٣٢/٢٢ (١٤٤٤١)
من حديث جابر .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٣٧/٢ (٢٨٤٩) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٣) فى الأصل، م: ((فى)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٣٦/٢ (٢٨٤٧) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٥٣/١ إلى ابن المنذر .

١٦
سورة البقرة : الآية ٢٧١
عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: سمِعت سفيانَ يقولُ فى قولِه: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ
فَنِعِمَا هِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا اُلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. قال: يقولُ: هو
سوى الزكاةٍ(١) .
وقال آخرون: إنما عنَى اللَّهُ عزَّ وجلَّ بقولِه: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا
: إن تُبُدُوا الصدقاتِ على أهلِ الكتابين من اليهودِ والنصارى، فنِعِمَّا هى، وإن
تُخْفُوها وتُؤْتُوها فقراءَهم، فهو خيرٌ [٥٤/٨ظ] لكم. قالوا: وأما ما أُعطِىَ فقراءُ
المسلمين من زكاةٍ وصدقةِ تطوّعٍ، فإخفاؤُه أفضلُ من إعلانِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: حدثنى عبدُ الرحمنِ بنُ شُريح،
أنه سمِع يزيدَ بنَ أبى حبيبٍ يقولُ: إنما نزلت هذه الآيةُ: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ
فَنِعِمَّا هِىَّ﴾ فى الصدقةِ على اليهودِ والنصارَى(١) .
حدَّثنى عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الحنفي، قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ ، قال:
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، قال: أخبرنا ابنُ لَهيعةَ، قال: كان يزيدُ بنُ أبى
حبيبٍ يأمرُ بقَسْم الزكاةِ فى السرِّ. قال عبدُ اللَّهِ: أُحبُّ أن تُعْطَى فى العلانيةِ .
يغْنى الزكاةَ .
ولم يَخْصُصِ اللَّهُ جلّ ثناؤُه مِن قوله: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا
هِيِّ﴾. ( صدقةً دونَ صدقة٣ٍ) ، فذلك على العموم ، إلّا ما كان من زكاةٍ واجبةٍ ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٣٦/٢ (٢٨٤٥) من طريق ابن المبارك به ..
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٣٩/٢ (٢٨٦٣) عن يونس بن عبد الأعلى به .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

١٧
سورة البقرة : الآية ٢٧١
فإنَّ الواجبَ مِن الفرائض قد أُجْمَع الجميعُ على أن الفضلَ فى إعلانِه وإظهارِهِ،
سوى الزكاةِ التى ذكرنا اختلافَ المختلفينَ فيها، مع إجماع جميعهم على أنها
واجبةٌ ، فحكمُها فى أن الفضلَ فى أدائِها علانيةٌ حكمُ سائرِ الفرائضِ غيرِها .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَيُكَفِرُ عَنكُم مِّنِ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
اختلفت القرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فرُوى عن ابنِ عباس أنه كان يقرؤُه: (وتُكفِّرُ
عنكم) بالتاءِ ) . ومن قرأه كذلك ، فإنه يغنى به : وتُكفِّرُ الصدقاتُ عنكم من سيئاتِكم.
وقرَأْ آخَرون: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُمْ﴾. بالياءِ(٢) . بمعنى: ويكفِّرُ اللَّهُ عنكم
بصدقاتِکم ، علی ما ذکر فی الآية من سيئاتِکم .
وقرأ ذلك بعدُ عامّةُ قرَأَةٍ أهل المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ( وَتُكَفِّرْ عنكم) . بالنونِ
وجَزْمِ الحرفِ (٢)، بمعنى: وإن تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفقراءَ، نكفّزْ عنكم من سيئاتِكم .
بمعنى مجازاةِ اللهِ عزَّ وجلَّ مُخْفِىّ الصدقةِ بتكفيرِ بعضٍ سيئاتِه بصدقتِه التى أُخْفاها .
وأولى القراءاتِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ قراءةُ من قرأ: ( وَنُكَفِّرْ عنكم ) .
بالنونِ وجزمِ الحرفِ، على معنى الخبرِ مِن اللَّهِ جلّ ثناؤه عن نفسِه أنه يُجازِى المخفِىّ
صدقتَه التطوُّعَ؛ ابتغاءَ [٥٥/٨و] وجهِه من صدقتِه، بتكفيرِ سيئاتِه . وإذا قُرِئ كذلك
فهو مجزومٌ على التَّسْقِ على موضِعِ الفاءِ فى قولِه: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. لأن
الفاءَ هنالك حلَّت محَلَّ جوابٍ الجزاءِ.
فإن قال لنا قائلٌ : وكيف اخترتَ الجزمَ على النَّشْقِ على موضِع الفاءِ، وتركتَ
(١) ينظر البحر المحيط ٣٢٥/٢، وهى قراءة شاذة، لم يقرأ بها أحد من العشرة .
(٢) وهى قراءة ابن عامر وحفص . حجة القراءات ص ١٤٨ .
(٣) وهى قراءة نافع وحمزة والكسائى، ولم يذكر المصنف قراءة من قرأ بالنون ورفع الراء، وهى قراءة ابن كثير
وأبى عمرو وأبى بكر . المصدر السابق ص ١٤٧، ١٤٨.
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
( تفسير الطبرى ٢/٥ )

١٨
سورة البقرة : الآية ٢٧١
اختيارَ نَسْقِه على ما بعدَ الفاءِ، وقد علمتَ أن الأفصحَ من الكلام فى النسقِ على
جوابِ الجزاءِ الرفعُ وإنما الجزمُ تجويزٌ ؟
قيل : اخترنا ذلك ليُؤْذِنَ بجزمِه أن التكفيرَ - أعنى تكفيرَ اللَّهِ مِن سيئاتٍ
٩٤/٣ المُتصَدِّقِ - لا محالةَ داخلٌ فيما وعَد اللَّهُ المُصَّدِّقَ أن يُجازيَه به على صدَقِتِه ؛
لأن ذلك إذا ◌ُزِم مُؤذِنٌ بما قُلنا لا محالةَ ، ولو رُفِع كان قد يَحْتَملُ أن يكونَ داخلًا
فيما وعَده اللَّهُ أن يُجازيَه به ، وأن يكونَ خبرًا مستأنَفًا ، أنه يكفِّرُ من سيئاتٍ عبادِه
المؤمنين، على غيرِ المجازاةٍ لهم بذلك على صدقاتِهم ؛ لأن ما بعدَ الفاءِ فى جوابٍ
الجزاءِ استئنافٌ، فالمعطوفُ على الخبرِ المستأنَفِ فى حكم المعطوفِ عليه، فى أنه
مُشْتأنفٌ (١) غيرُ داخلِ فى الجزاءِ، ولذلك من العلَّةِ اخترنا جزمَ (نُكَفِّرْ) عطفًا به على
موضعِ الفاءِ مِن قولهِ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. وقراءتَه بالنونِ .
فإن قال قائلٌ : وما وجهُ دخولٍ (مِن) فى قوله: ( ونُكفِّرْ عنكم من سيئاتِكم)؟
قيل : وجهُ دخولها فى ذلك بمعنى : ونكفِّزْ عنكم من سيئاتِكم ما نشاءُ تكفيرَه
منها دونَ جميعِها ؛ ليكونَ العبادُ على وَجَلٍ من اللَّهِ فلا يَتَّكِلوا على وعدِه ما وعَدَ
على الصدقاتِ التى يُخْفِيها المتصدِّقُ ، فيَخْترتُوا على حدودِه ومعاصِيه .
وقد قال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معنى ﴿مِّن﴾ الإسقاط فى هذا الموضِعِ.
وتأوَّل معنى ذلك : ونكفِّرْ عنكم سيئاتِكم .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
يغنى بذلك جلَّ ثناؤه : واللَّهُ بما تعملون فى صدقاتكم، من إخفائها وإعلانٍ
وإسرارٍ بها وجهارٍ، وفى غيرِ ذلك من أعمالِكم، ﴿ خَبِيرٌ ﴾ يغنى بذلك: ذو خبرةٍ
وعلم، [٥٥/٨ظ] لا يَخْفَى عليه شىءٌ مِن ذلك، فهو بجميعِه محيطٌ ، ولِكُلِّه محصٍ
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

١٩
سورة البقرة: الآيتان ٢٧١، ٢٧٢
على أهلِه، حتى يوفِّهم ثوابَ جميعِه ، وجزاءَ قليله وكثيرِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى
مَنْ يَشَآءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا
تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ
٧٢
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ليس عليك يا محمدُ هُدَى المشركين إلى الإسلامِ،
فتمنَعَهم الصدقةَ التطوُّعَ ، ولا تُعطِيَهم منها ؛ ليدخُلوا فى الإسلامِ حاجةً منهم إليها ،
ولكنَّ اللَّهَ هو يَهْدى مَن يشاءُ مِن خلقِه إلى الإسلامِ فيوفَّقُهم له ، فلا تمنَعْهم الصدقةً .
كما حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أُشْعثَ، عن جعفرٍ، عن
سعيدٍ (١)، قال: كان النبيُّ ◌َهِ لا يتصدَّقُ على المشركين، فنزلت: ﴿وَمَا
تُنِفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ الَّهِ﴾. فتَصَدَّقَ عليهم(١).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا أبو داودَ ، عن سفيانَ ، عن الأعمشِ، عن جعفرِ بنِ
إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانوا لا يرْضَخُون ) لقراباتِهم مِن
المشركين، فنزلت: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَنْهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾(٤).
حدَّثنا ابنُّ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ،
قال: كانوا يتَّقون أن يرضَخوا لقراباتِهم من المشركين حتى نزَلت: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ
هُدَنهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾.
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((شعبة)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٧/١ إلى المصنف وابن المنذر .
(٣) الرضخ : العطية القليلة . اللسان (رض خ).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٣٧/٢ (٢٨٥٢) من طريق أبي داود به ، وأخرجه النسائى فى الكبرى
(١١٠٥٢)، والطبرانى (١٢٤٥٣)، والحاكم ٢٨٥/٢، والبيهقى ١٩١/٤، من طريق سفيان به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٧/١ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والضياء .

٢٠
سورة البقرة : الآية ٢٧٢
٩٥/٣
/حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وأحمدُ بنُ إسحاقَ ، قالا: ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا
سفيانُ ، عن الأعمشِ، عن جعفرٍ بن إياسٍ ، عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ،
قال: كانوا لا يرضَخون لأَنْسِبائِهِم مِن المشركين، فنزلت: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَّةٌ﴾ الآية. فرخّص لهم(١).
حدَّثْنَا الْمُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن سفيانَ، عن
الأعمشِ ، عن جعفر بنٍ إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : كان أناسٌ
مِن الأنصارِ لهم أَنْسباءُ وقرابةٌ من قُريْظةَ والتَّضيرِ، وكانوا يتَّقون أن يتصدَّقوا عليهم،
ويُريدونهم أن يُسْلِموا، فَنزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَنْهُمْ﴾ الآية(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: وذُكِر لنا أنَّ رجالًا مِن
أصحابِ النبيِّ عَ لَّهِ قالوا: أنتصدَّقُ على مَن ليس مِن أهل دينِنا؟ [٥٦/٨و] فَأَنزَل اللَّهُ
عزَّ وجلَّ فى ذلك القرآنَ: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾ (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الرَّبِيعِ فى قولِه: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾.
قال : كان الرجلُ مِن المسلمين إذا كان بينَه وبينَ الرجلِ مِن المشركين قرابةٌ وهو
محتاجٌ ، فلا يتصدَّقُ عليه، يقولُ: ليس مِن أهلِ دينى. فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَيْسَ
عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾ . الآية(٢)
حدَّثنى (٢ موسى بنُ هارونَ" ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
(١) أخرجه البزار (٢١٩٣ - كشف)، والحاكم ١٥٦/٤ من طريق أبى أحمد الزبيرى به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٧/١ إلى المصنف.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٧/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤ - ٤) فى ص، م: ((محمد)).