Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
سمِعت عبدَ الصمدِ بنَ مَعْقِلٍ، عن وهبِ بنِ مُنَبِّهِ مثلَه(١).
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمونٍ ، عن قيسٍ
ابنِ سعدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبيدِ بنِ عميرٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿أَوْ كَلَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ
وَهِىَ خَاوِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قال: كان نبيًّا وكان اسمُه إِرْمِيًا (١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو حُذَيفةَ ، قال : ثنا شبلٌ ، عن قيسِ بنِ سعدٍ ، عن عبد
اللّهِ بنِ عبيدٍ ، مثلَه .
حدَّثْنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنى بكرُ بنُ مُضَرَ(٣)، قال:
يَقُولون ، واللَّهُ أعلمُ: إنه إِزْمِيًا(٤) .
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يُقَالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه عجَّب نبيَّه ◌ِله
ممن قال، إذ رأى قريةً خاويةً على عُروشِها: ﴿ أَّى يُحِى هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَاً ﴾ . مع
علمِه أنه ابتدَأُ خَلْقَها مِن غيرِ شىءٍ ، فلم يُقْنِعْه عِلمُه بقُدْرتِه على ابتدائِها ، حتى قال :
أنى يُحْيِبها اللَّهُ بعدَ موتِها؟ ولا بيانَ عندَنا مِن الوجهِ الذى يَصِحُ مِن قِبَلِه البيانُ عن(٥)
اسمٍ قائلِ ذلك، وجائزٌ أن يكونَ عُزَيْرًا، وجائزٌ أن يكونَ إِرْمِيًا ، ولا حاجةَ بنا إلى
معرفةِ اسمِه ، إذ لم يكنِ المقصودُ بالآيةِ تعريفَ الخَلْقِ اسمَ قائلِ ذلك ، وإنما المقصودُ
بها تعريفُ المنكِرين قدرةَ اللَّهِ على إحيائِه خلقَه بعدَ مماتِهم ، وإعادتِهِ إِيّاهم بعدَ
١
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٤٧/١ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٠/٢ (٢٦٤٣) من طريق قيس به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٣٣/١ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) بياض فى: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى س: ((وائل)).
(٤) ينظر البحر المحيط ٢/ ٢٩٠.
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((على)).

٥٨٢
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
فنائهم، وأنه الذى بيَدِه الحياةُ والموتُ، مِن قريشِ ومَن كان يُكَذِّبُ بذلك
ين [١٦/٨ظ] سائرِ العربِ، وتثبيتُ الحجةِ بذلك على مَن كان بینَ ظَهْرَانَئ مُهاجٍ
رسولِ اللَّهِ مَّمِ مِن يهودِ بنى إسرائيلَ، بإطلَاعِه نبيَّه محمدًا عَلِ على ما يُزِيلُ
شكّهم فى نبوّتِه ، ويَقْطَعُ عذرَهم فى رسالته ، إذ كانت هذه الأنباءُ التى أوحاها اللَّهُ
إلى نبيّه محمدٍ عَِّ فى كتابِهِ، مِن الأنباءِ التى لم يكنْ يَعْلَمُها محمدٌ مِّهِ وقومُه،
ولم یکنْ علمُ ذلك إلا عند أهلِ الکتابِ ، ولم یکنْ محمدٌ ټٹے و قومُه منهم ، بل
کان أمّا ، وقومُه أُمُّون ، فکان معلومًا بذلك - عند أهل الكتابِ مِن الیھودِ الذین
كانوا بينَ ظَهْرَانَىْ مُهاجَرِه - أن محمدًا عَِّ لم يَعْلَمْ ذلك إلا بوحي مِن اللَّهِ تعالى
ذكره إليه. ولو كان(١) المقصودُ بذلك الخبرَ عن اسم قائلِ ذلك، لكانتِ الدَّلالةُ
منصوبةً عليه نصبًا يَقْطَعُ العذرَ، ويُزِيلُ الشكَّ، ولكنَّ القصدَ كان إلى ذمِّ قِيلِه،
فأبان ذلك جلّ ثناؤه لخَلْقِهِ .
/ واختلف أهلُ التأويل فى القريةِ التى مرَّ عليها القائلُ: ﴿أَّ يُخْىِ هَذِهِ اللَّهُ
بَعْدَ مَوْتِهَاً﴾ . فقال بعضُهم: هى بيتُ المقدسِ .
٣٠/٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُّ سهلٍ بنِ عسكرٍ ومحمدُ بنُ عبدِ الملكِ ، قالا : ثنا إسماعيلُ
ابنُ عبدِ الكريم ، قال : ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ أنه سمِعِ وَهْبَ بنَ مُنَبِّهِ ، قال : لما
رأى إِرِمِيَا هَدَمَ بيتِ المقدسِ كالجبلِ العظيمِ، قال: ﴿أَّ يُحِ هَذِهِ اَللَّهُ بَعْدَ
(٣)
مَوْتِهَاً﴾(٢).
(١) بعده فى ص: ((يعلم).
(٢) الهدم، بفتح الدال: ما انهدم من البناء. اللسان (هـ د م).
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٥٨٠ .

٥٨٣
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا عبدُ الصمدِ بنُ
معقلٍ ، أنه سمِع وهبّ بنَ مُنبِّهِ، قال: هى بيتُ المقدسِ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلَمَةُ ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عمَّن لا يُتَّهمُ ، أنه
سمِع وهبّ بنَ مُنَبِّهِ يَقُولُ ذلك(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذكِر لنا أنه بيتُ
المقدس، أتَى عليه عُزَيْرٌ بعدَما خرَّبه بُخْتُنَصَّرَ البابِىُّ(١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال : أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ ،
قال: سمِعتُ الضحاكَ يَقُولُ فى قوله: ﴿أَوْ كَلَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى
عُرُوشِهَا﴾: إنه مَرَّ على الأرضِ المقدسةِ(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
◌ِكْرِمةَ فى قوله: ﴿أَوْ كَأَلَّذِى مَتَّ عَى قَرْيَةِ﴾. قال : القريةُ بيتُ المقدسِ ، مَرَّ بها
عُزَيْرٌ بعدَ إِذ خرَّبها بُخْتُنَصَّرَ(١).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿أَوْ كَلَِّى
مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قال: القريةُ بيتُ المقدسِ، مَرَّ عليها عُزَيْرٌ وقد خَرَّبَها
(٣)
بُخْتُنَصَّرَ(٣).
وقال آخرون: بل هى القريةُ التى كان اللَّهُ أهلَك فيها الذين خرجوا مِن دیارِهم
(١) تقدم تخريجه ص ٥٨٠.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٠/٢ (٢٦٤٤) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/١ إلى المصنف.

٥٨٤
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
وهم ألوفٌ حذَرَ الموتِ ، فقال لهم اللَّهُ : مُوتوا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، [١٧/٨ و] قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ . قال: قريةٌ كانت(١) نزل
بها الطاعونُ. ثم اقْتَصَّ قصتَهم التى ذكرناها فى موضعِها عنه، إلى أن بلَغ .
﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ﴾ [البقرة: ٢٤٣] : فى المكانِ الذى ذهَبوا يَبْتَغون فيه الحياةَ ،
فماتوا ، ثم أحياهم اللَّهُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. قال: ومَرَّ بها رجلٌ وهى عظائمٌ تلوحُ، فوقَف يَنْظُرُ،
فقال: ﴿أَّ يُحِىءَ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةً عَامٍ ثُمَّ بَعَنَّةٌ﴾ إلى قولِه:
﴿لَمْ يَتَسَنَّةٌ﴾ (٢).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك كالقولِ فى اسم القائلِ: ﴿أَنَّ يُحِىءِ هَذِهِ اللَّهُ
بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. سواءٌ لا يَخْتَلِفان .
/القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه : ﴿ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِھَا
٣١/٣
يَعْنِى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَهِىَ خَاوِيَةٌ﴾: وهى خاليةٌ مِن أهلِها وسكانِها ،
يقالُ مِن ذلك: خَوَت الدارُ تَخْوِى خَوَاءً وخُوِيًّا . وقد يُقالُ للقريةِ: خَوِيَت . والأولُ
أَعْرَبُ وأَفْصَحُ. وأما فى المرأةِ إذا كانت نُفَساءَ فإنه يقالُ: حَوِيت تَخْوَى خَوَّى .
مَنْقُوصًا، وقد يُقالُ فيها : خَوَتْ تَحْوِى. كما يُقالُ فى الدارِ ، وكذلك : خَوَى
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((كان)).
(٢) تقدم بتمامه فى ص ٤٢٠ .

٥٨٥
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
الجَوَفُ يَحْوِى خوى (١) شديدًا. ولو قيل فى الجوفِ ما قِيل فى الدارِ، وفى الدارِ ما
قِيل فى الجَوْفِ ، كان صوابًا، غيرَ أن الفصيحَ ما ذكَرتُ .
وأما العُروشُ، فإنها الأبنيةُ والبيوتُ، واحدُها عَرْشٌ، وجَمْعُ قليلِهِ أَعْرُشٌ،
وكلُّ بناءٍ فإنه عَرْشٌ، ويُقالُ: "عَرَش فلانٌ، إذا بنَى - يَعْرِشُ ويَعْرُشُ - عرشًا)،
ومنه قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] يعنِى :
يَيْنُون . ومنه قِيل : عَريشُ مكةً ، يعنى به خيامَها وأبنيتَها .
وبمثلِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ ، قال : قال ابنُ جريجٍ : قال
ابنُ عباسٍ: ﴿خَاوِيَةٌ﴾: خرابٌ. قال ابنُ جريج: بلَغنا أن عُزَيرًا خرَج، فوقَف على
بيتِ المقدسِ وقد خرَّبه بُخْتُنَصَّرَ، فوقَف فقال: أَبْعدَ ما كان لكُ مِن المقدسِ
والمُقاتِلةِ والمالِ ما كان! فحٍن (٤).
[٧/٨ ١ ظ] حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال: أخبرنا عبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ .
قال : هى خرابٌ(٥).
(١) فى م: (( خواء)).
(٢ - ٢) فى ص: ((عرش فلان إذا يعرش ويعرش عرشا))، وفى م: ((عرش فلان يعرش ويعرش وعرش
تعريشا)). وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((عرش فلان إذا تعرش وتعرش تعريشا)).
(٣) فى الأصل: ((فيك)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/١ إلى المصنف وابن المنذر دون قول ابن جريج.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٠/٢ (٢٦٤٥) من طريق جويبر، عن الضحاك، وينظر ما سيأتى
تخريجه فى ٥٩٠/١٦ .

٥٨٦
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
حُدِّثْتُ عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، قال: مَرَّ عليها
عُزَيْرٌ وقد خرَّبها بُخْتُنَصَّرَ(١).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّئِّ:
﴿ وَهِىَ خَاوِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ يقولُ: ساقِطٌ على سُقُفِها(٢).
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ أَّى يُخِىء هَذِهِ اَللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِنْتَةً
عَادٍ ﴾ .
ومعنى ذلك فیما ذُكِر(٢) ، أن قائله لما مر بیتِ المقدسِ، أو بالموضع الذى ذكر
اللَّهُ أنه مَرَّ به خرابًا بعدَ ما عهِده عامِرًا، قال: أنَّى يُخْبِى هذه اللَّهُ بَعْدَ خرابِها؟(٤).
فقال بعضُهم: كان قِيلُه ما قال مِن ذلك شَكَّا فى قدرةِ اللَّهِ على إحيائِه، فأراه اللَّهُ
قدرتَه على ذلك ، بضَرْبِه المَثَلَ له فى نفسِه ، ثم أراه الموضع الذى أُنگر قدرته على
عِمارتِه وإحيائه أحيا(٥) ما أراه(١) قبلَ خرابِه، وأعْمَرَ ما كان قبلَ خرابِهِ ، وذلك أن قائلَ
ذلك کان - فیما ذُکِر لنا - عهده عامًا بأهلِه وشگّانِه، ثم رآه خاویًا على ◌ُزُوشِه،
قد باد أهلُه، وشَتَّتَهم القتلُ والسّباءُ، فلم يَثْقَ منهم بذلك المكانِ أحدٌ ، وخَرِبت
منازلُهم ودُورُهم ، فلم يَئِقَ فيها إلا الأثرُ، فلما رآه كذلك بعدَ الحالِ التى عهِده عليها ،
(١) تقدم تخريجه فى ص ٥٨٣ .
(٢) أخرجه بن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠١/٢ عقب الأثر (٢٦٤٧) من طريق عمرو بن حماد به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٣/١ إلى المصنف .
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ذكرت)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((موتها)).
(٥) أحيا ما أراه: على التفضيل وليس على الفعلية، أى: كأحيا ما أراه. وقد عُطف عليه بعدُ: وأعمر ما كان
قبل خرابه .
(٦) فى م: ((رآه)).

٥٨٧
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
قال : على أىِّ وجهٍ يُحْيِى هذه اللَّهُ بعدَ خرابِها فيَعْمُرُها؟ استنكارًا - فيما قاله
بعضُ أهلِ التأويلِ - فأراه اللَّهُ كيفيةَ إِحيائِه ذلك، بمثَلِ (١) ضرّبه له فى نفسِه، وفيما
كان "مِن إداوَتِه٢) وطعامِه، ثم عرَّفه/ قدرته على ذلك وعلى غيرِهِ، (بإظهارٍ ٣٢/٣
إحيائِه" ما كان عجبًا عندَه فى قدرةِ اللَّهِ إحياؤه لرأي عينِه، حتى أبصَرَه ببصرِهِ ، فلمّا
رأَى ذلك، قال: ﴿ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.
و کان سبب قیله ذلك کالذی حدّثنی به ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنِ
إسحاقَ ، عمَّن لا يُتَّهمُ، عن وهْبٍ بنِ مُنَبِّهِ اليمانيّ أنه كان يَقُولُ: قال اللَّهُ لإِزْمِيَا
حينَ بعَثه نبيًّا إلى بنى إسرائيلَ: يا إِرْمِيًا، مِن قبلِ أن أُخْلُقَك اخْتَرْتُك، ومِن قبل أن
أُصَوِّرَك فى رَحِمْ أُمُّك قدَّسْتُك، ومِن قبلِ أن أُخْرِ جَك مِن بطنِها طَهَّرْتُك، ومِن قبلِ
أن تَبْلُغَ السعىّ نَكَّيْتُك(٤)، ومِن قبلٍ أن تَبْلُغَ الأَشُدَّ اختَرتُك(٥)، ولأمرٍ عظيمٍ
اجْتَبَيْتُك. فبعَث اللَّهُ تبارك وتعالى إِرْمِيًا [١٨/٨و] إلى ملِكِ بنى إسرائيلَ، يسدِّدُه
ويُرْشِدُه، ويأتيه بالخبرِ مِن اللَّهِ فيما بينَه وبينَه .
قال: ثم عَظُمت الأحداثُ فى بنى إسرائيلَ، وركِبوا المعاصىَ، واستحَلُّوا
المحارمَ، ونشوا ما كان اللَّهُ صنَع بهم، وما نجّهم مِن عدوٌّهم سَنْحاريبَ، فأوحَى اللّهُ
عزَّ وجلَّ إلى إرميا : أنِ اثْتِ قومَك مِن بنى إسرائيلَ، فَاقْصُصْ عليهم ما آمُرُك به،
وذَكّرهم نعمتى عليهم وعَرِّفْهم إحداثَهم .
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بما)).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((من أدواته))، وفى م: ((من شرابه))، وفى س: ((مرادا به)). والإداوة : إناء صغير من
جلد يتخذ للماء. اللسان (أد و).
(٣ - ٣) فى م: ((بإظهاره إحياء)).
(٤) فى م: ((نبأتك)). ونبيتك: جعلتك نبيا.
(٥) فى التاريخ: ((اختبرتك)).

٥٨٨
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
ثم ذكر ما أرسَل اللَّهُ به إِزْمِيا إلى قومِهِ مِن بنى إسرائيلَ، قال: ثم أوحَى اللَّهُ جلّ
ثناؤه إلى إِرْمِيَا: إنى مُهْلِكٌ بنى إسرائيلَ بيافِثَ . ويافتُ أهلُ بابلَ، وهم ( مِن ولدٍ )
یافِتَ بنِ نوحٍ . فلما سمع إِرْمِيًا وَخْیَ ربِّه، صاح وبگی وشَقّ ثيابه، ونبذ الوَّمادَ على
رأسِه ، فقال: ملعونٌ يومٌ وُلِدْتُ فيه ، ويومٌ لُقِّيتُ التوراةَ، ومِن شرٌ أيامى يومٌ ولِدتُ
فيه، فما أُبقِيتُ آخِرَ الأنبياءِ إلا لما هو شرٌّ علىَّ، لو أراد بى خيرًا ما جعَلنى آخرَ الأنبياءِ
مِن بنى إسرائيلَ ، فمِن أجلى تصيئُهم الشِّقوةُ والهلاكُ.
فلما سمِعَ اللَّهُ تَضَرُّعَ الخَضِرِ وبكاءَه وكيف يَقُولُ، ناداه : يا إِرْمِيَا، أَشَقَّ
عليك ما أَوْحَيثُ إليك؟ قال: نعم ياربِّ، أهلِكنى "قبلَ أن أرى) فى بنى إسرائيلَ
ما لا أُسَرُّ به . فقال اللَّهُ تبارك وتعالى: وعزَّتى العزيزةِ لا أَهلِكُ بيت المقدسِ وبنى
إسرائيلَ حتى يكونَ الأُمرُ مِن قِتَلِك فى ذلك. ففرِحِ عندَ ذلك إِزْمِيا لِمَا قال له ربُّه ،
وطابَت نفسُه، وقال: لا والذى بعَث موسى وأنبياءَه بالحقِّ، لا آمُرُ ربى بهلاكِ
بنى إسرائيلَ أبدًا. ثم أتَى مَلِكَ بنى إسرائيلَ، وأُخَبَرِه بما أوحَى اللَّهُ إليه، ففرح
واسْتَبْشَر، وقال: إن يعذِّبْنا ربنا فبذُنوبٍ كثيرةٍ قدَّمْناها لأنفسِنا، وإن عفا عنا
فبقدرته .
ثم إنهم لبثوا بعدَ هذا الوحي ثلاثَ سنين لم يَزْدادوا إلا معصيةً، وتماديًا (٢) فـ
الشرِّ، وذلك حينَ اقترَب هلاكُهم، فقلَّ الوحىُ حينَ(٤) لم يَكُونوا يَتَذَكَّرون
الآخرةَ، وأَمْسِك عنهم حينَ ألهَتْهم الدنيا وشأنُها ، فقال لهم ملِكُهم: يا بنى
(١ - ١) فى ق: ((ولد)).
(٢ - ٢) سقط من ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((تمادوا)).
(٤) فى م: ((حتى)).

٥٨٩
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
إسرائيلَ، انْتَهُوا عما أنتم عليه قبلَ أن يَمَسَّكم بأسُ اللَّهِ ، وقبلَ أن يُثْعَثَ عليكم ملوكٌ
لا رحمةَ لهم بكم ، فإن ربّكم قريبُ التوبةِ ، مبسوطُ اليدين بالخيرِ ، رحيمٌ بمن تاب
إليه . فأَبَوْا عليه أن يَنْزِعوا عن شىءٍ مما هم عليه .
وإن اللَّهَ عَزَّ وجلَّ أَلْقَى فى قلبٍ بُخْتِنَصَّرَ بنِ نَبُوزرادانَ (١) أن يسيرَ إلى بيتِ
المقدسِ ، ثم يَفْعَلَ فيه ما كان جدُّه سَنْحاريبُ أراد أن يَفْعَلَه، فخرَج فى ستِّمائةٍ
ألفٍ رايةٍ ، يُرِيدُ أهلَ بيتِ المقدسِ؛ فلما فصَل سائرًا، أتىَ مَلِكَ بنى إسرائيلَ الخبرُ
أن بُخْتَ نَصَّرَ قد أقبَل هو وجنودُه يُريدُكم، فأرسَل الملِكُ إلى إِرْمِيًا، فجاءه
فقال: يا إِرْمِيَا، أين ما زعَمتَ لنا أن ربَّنا أوحَى إليك ألا يُهلِكَ أهلَ بيتِ المقدسِ
حتى يَكُونَ منك الأمرُ فى ذلك؟ فقال إِرْمِيا للملِكِ: إن ربى لا يُخْلِفُ الميعادَ ،
وأنا به واثقٌ .
فلمّا اقترَب الأجلُ [١٨/٨ ظ] ودنا انقطاعُ مُلْكِهم، وعزَم اللَّهُ على هلاكِھم،
بعَث اللَّهُ مَلَكًا مِن عندِه، فقال: اذْهَبْ إلى إِرْمِيًا فاسْتَفْتِه، وأمَره / بالذى يَسْتَفْتِيه ٣٣/٣
فيه ، فأقبل الملَكُ إلى إِرْمِيًا، وقد تمثَّلَ له رجلًا مِن بنى إسرائيلَ، فقال له إرميا: مَن
أنت ؟ قال : أنا رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ ، أَسْتَفْتِيك فى بعضِ أمرِى . فأذن له ، فقال له
الملَكُ : يا نبيَّ اللَّهِ أَتَيْتُك أَسْتَفْتِيك فى أهلِ رَحِمى، وصَلتُ أرحامَهم بما أمَرنى اللَّهُ
به ، لم آتٍ إليهم إلا خُشْنًا، ولم آلُهم كرامةً ، فلا تَزِيدُهم كرامتى إياهم إلا إسْخاطًا
لى، فأفْتِى فيهم يا نبيَّ اللَّهِ. فقال له : أحسِنْ فيما بينك وبينَ اللَّهِ، وصِلْ ما أمَرك اللَّهُ
به أن تَصِلَ ، وأَبْشِرْ بخيرٍ .
(١) فى م: ((نعون بن زادان)). وورد ذكر لنبو زرادان هذا فى سفر إرميا الأصحاح ٥٢، لكن على أنه رئيس
الشرط زمن نبوخذ نصر ( بخت نصر) .

٥٩٠
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
فانصرف عنه المَلَكُ، فمكَثَ أيامًا ، ثم أقبَل إليه فى صورةِ ذلك الرجلِ الذى
كان(١) جاءه، فقعَد بينَ يدَيْه، فقال له إرميا: مَن أنت؟ قال: أنا الرجلُ الذى أَتَيُك
أستفتِيك(١) فى شأنٍ أهلى. فقال له نبىُ اللَّهِ عليه السلامُ: أَوَ مَا طَهُرَت لك أخلاقُهم
بعدُ ، ولم تَرَ منهم الذى تُحِبُّ؟ فقال: يا نبيَّ اللَّهِ ، والذى بعثَك بالحقِّ ما أعْلَمُ كرامةٌ
يأتيها أحدٌ مِن الناسِ إلى أهلِ رَحِمِه إلا وقد أتِّثُها إليهم ، وأفضلَ مِن ذلك . فقال
النبىُّ: ارْجِعْ إلى أهلِك، فأُحسِنْ إليهم، أسألُ اللَّهَ الذى يُصْلِحُ عبادَه الصالحين ، أن
يُصْلِحَ ذاتَ بينكم، وأن يَجْمَعَكم على مَرضاتِهِ ، ويُجَنِّكم سَخَطَه .
فقام الملَكُ مِن عندِهِ، فلبِث أيامًا ، وقد نزّل بُخْتُ نَصَّرَ وجنودُه حولَ بيتِ المقدسِ
بأكثرَ مِن الجرادِ، ففزع منهم بنو إسرائيلَ فَعًا شديدًا، وشَقَّ ذلك على ملِكِ بنى
إِسرائيلَ، فدعا إِرْمِيًّا، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ ، أين ما وعدَك اللَّهُ؟ فقال: إنى برِّى واثقٌ .
ثم إن الملَكَ أَقبَل إلى إرمِيًا وهو قاعدٌ على جدارٍ بيتِ المقدسِ يَضْحَكُ ويَسْتَبْشِرُ
بنصرِ ربِّه الذى وعدَه، فقعَد بين يديه، فقال له إرميا: مَن أنت ؟ قال: أنا الذى
كُنْتُ أَتَيْتُكَ فى شأنٍ أهلى مرتَين. فقال له النبيُّ: أو لم يأْنِ لهم أن يُفِيقُوا مِن الذى
هم فيه؟ فقال الملَكُ: يا نبيَّ اللَّهِ، كلُّ شىءٍ كان يُصِيبُنى منهم قبلَ اليومِ كُنْتُ
أصيِرُ عليه، وأَعْلَمُ ("أنّ ما بهم٢) فى ذلك سَخَطى ، فلما أتَيْتُهم اليومَ رَأَيْتُهم فى عمل
لا يُرْضِى اللَّهَ ، ولا يُحِبُّه اللَّهُ. فقال له النبيُ: على أىّ عملٍ رَائْتھم؟ قال : يا نبيَّ
اللَّهِ ، رَأَيْتُهم على عملٍ عظيم مِن سَخَطِ اللَّهِ ، فلو كانوا على مثلٍ ما كانوا عليه قبلَ
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س .
(٢ - ٢) فى ص: ((أنما لهم))، وفى م: ((أنما قصدهم))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أيمانهم))،
وفى التاريخ: ((أن مآلهم))، وفى نسخة منه كالمثبت ، والعرب تقول: ما بك إلا مساءتى. أى ما تريد
إلا مساءتى .
.

٥٩١
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
اليومٍ لم يَشْتَدَّ عليهم غضَبِى، وصبّرتُ لهم ورجَوتُهم، ولكنِّى غضِبتُ اليومَ للَّهِ
ولك، فَأَتَيْتُك لأُخْبِرَك خبرَهم، وإنى أسألُك باللّهِ الذى هو (١) بعثَك بالحقِّ إلا ما
دعَوتَ عليهم ربَّك أن يُهْلِكَهم . فقال إِزْمِيا: يا مَلِكَ السماواتِ والأرضِ، إن كانوا
على حقِّ وصوابٍ فأبْقِهم، وإن كانوا على سَخَطِك وعملٍ لا ترضاه فأهلِكْهم .
فلما خرَجتِ الكلمةُ مِن فى إِرْمِيا أرسَلَ اللَّهُ صاعقةٌ مِن السماءِ فى بيتِ المقدسِ،
فالتَهَب مكانُ القُربانِ ، وخُسِف بسبعةِ أبوابٍ مِن أبوابها. [١٩/٨و] فلما رأى ذلك
إِزْمِيا صاح وشَقَّ ثيابَه، ونبذ الرمادَ على رأسِه، فقال: يا مَلِكَ السماءِ، ويا أرحمَ
الراحمين، أين ميعادُك الذى وعَدتَنى؟ فنودِى: إرميا ، إنه لم يُصِبْهم الذى أصابَهم
إلا بِفُتْياك التى أَفْتِيتَ بها رسولَنا. فاسْتَيقَن النبىُ أنها فُتَياه التى أَقْتَى بها ثلاثَ مراتٍ،
وأنه رسولُ ربِّه، فطار إِرْمِيا حتى خالَط الوحوشَ.
ودخَل بُخْتُنَصَّرَ وجنوده بيت المقدس ، فوطئ الشام ، وقتل بنى إسرائيلَ حتى
أفناهم ، وخرّب بيت المقدس ، ثم أمر جنوده أن يَمْلأ کلّ رجل منھم تُرسَہ ترابًا ، ثم
يَقْذِفَه فى بيتِ المقدسِ ، فقذَفوا فيه الترابَ حتى ملَئوه ، ثم انصرَفَ راجعًا إلى أرضٍ
بابلَ، واحتمَل معه سبايا بنى إسرائيلَ، وأمرهم أن يَجْمَعُوا مَن كان فى بيتٍ
المقدسِ كلَّهم، (" فاجتمَع عندَه٢) كلُّ صغيرٍ وكبيرٍ مِن بنى إسرائيلَ، فاختار
منهم سبعين ألفَ صبىٌّ؛، فلما / خرَجت غنائمُ جندِه، وأراد أن يَقْسِمَهم ٣٤/٣
(١) سقط من: م.
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((واجتمع إليه عندهم)).
(٣ - ٣) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((سبعين صبى))، وفى م: ((تسعين ألف صبى)) وفى ت ١: ((تسعين
صبى))، وفى س: ((تسعين صبيا)). وأما رواية التاريخ فمرة ذكر أنه اختار منهم مائة ألف صبى ، ثم عاد فذكر
أنه ذهب بالسبعین الألف حتی أقدمهم بابل .

٥٩٢
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
فيهم، قالت له الملوكُ الذين كانوا معه: أيُّها الملِكُ، لك غنائمُنا كلُّها، واقْسِمْ
بيننا هؤلاء الصبيانَ الذين اخْتَرْتَهم مِن بنى إسرائيلَ. ففعَل، فأصاب كلُّ واحدٍ
منهم أربعةَ عِلْمةٍ، وكان مِن أولئك الغلمانِ: دانيالُ وحَنَائْيا ومِيشايل(١)
وعزَارْيَا. وجعَلهم بُخْتُ نَصَّرَ ثلاثَ فِرَقٍ، فَتُلُثًا أقرَّ بالشام، وثلثًا سبَى، وثُلُثًّا
قتَل، وذهَب بآنيةٍ(٢) بيتِ المقدسِ حتى أقدَمها بابلَ، وذهَب بالصبيانِ السبعين(١)
الألفَ حتى أقدَمهم بابلَ، فكانت هذه الوقعةَ الأُولى التى أنزَل(٤) اللَّهُ (° بينى
إسرائيلَ بإحداثِهم وظلمهم .
ولمّاً ولَّى يُخْتُنَصَّرَ عنهم راجعًا إلى بابلَ بمن معه مِن سبايا بنى إسرائيلَ،
أقبَل إِرْمِيَا على حمارٍ له، ومعه عصيرٌ مِن عنبٍ فى زُكْرَةٍ (٢)، وسَلَّةُ تينٍ، حتى
غَشِى(٨) إِيلياءً، فلما وقَف عليها، ورأى ما بها مِن الخرابِ دخَله شكٌّ، فقال:
أنّى يُحيى هذه اللَّهُ بعد موتها؟ فأماته اللَّهُ مائةَ عام وحمارَه، وعصيرُه وسلةُ
تينِه عندَه حيثُ أماته اللَّهُ وأمات(٩) حمارَه معه، وأعمَى اللَّهُ عنه العُيونَّ فلم يرَه
أحدٌ، ثم بعثه اللَّهُ تعالى فقال له: ﴿كَمْ لَبِثْتُ﴾؟ قال: ﴿ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ
(١) فى م: ((مسايل)).
(٢) فى م: ((بأسبية)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((التسعين))، وفى س: ((الستين)).
(٤) فى م: ((ذكر)).
(٥ - ٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((نبى اللَّه)) .
(٦) فى م: ((عنه)).
(٧) الزكرة : وعاء من أدم، أو زق صغير يجعل للشراب. التاج (ز ك ر).
(٨) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أتى)).
(٩) فى النسخ: ((مات)). والمثبت من التاريخ.

٥٩٣
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
يَوْمٍ﴾. قال: ﴿بَل لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ
يَتَسَنَّةٌ﴾ يقولُ: لم يَتَغَيَّرْ. ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةٌ لِلنَّاسِّ
وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنِشِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾. فنظَر إلى
حمارِهِ يَّصِلُ(١) بعضٌ إلى بعضٍ - وقد كان مات معه - بالعروقِ والعَصَبِ، ثم
كيف كسى ذلك منه اللحم حتى استوَى، ثم جرَى فيه الروحُ، فقام يَنْهَقُ،
ونظر إلى عصيرِه وتينِه، فإذا هو على هيئتِه حينَ وضَعه [١٩/٨ظ] لم يَتَغيرْ.
فلمّا عايَن مِن قدرةِ اللَّهِ ما عايَن، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ﴾. ثم عمَّر اللَّهُ إِرْمِيا بعدَ ذلك، فهو الذى يُرَى بفَلَواتِ الأرضِ
(٢)
والبُلْدانِ (٢) .
وحدَّثنى محمدُ بنُ عَشْكَرٍ وابنُ زَنْجُويَّهِ، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريم ،
قال : ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِهِ يقولُ: أُوحَى اللَّهُ إِلى إِزْمِيا
وهو بأرضٍ مصرَ: أن الْحَقْ بأرضٍ إيلياءَ؛ فإن هذه ليست لك بأرضٍ مُقامٍ . فركِب
حمارَه ، حتى إذا كان ببعضٍ الطريقِ، ومعه سَلّةٌ مِن عنبٍ وتينٍ ، وكان معه سِقاءٌ
جديدٌ ، فملأَه ماءً، فلما بدَا له شخصُ بيتِ المقدسِ وما حولَه مِن القرى والمساجدِ ،
ونظر إلى خرابٍ لا يُوصَفُ، فلما رأى هَدَمَ بيتِ المقدسِ كالجَبَلِ العظيم ، قال :
﴿أَنَّ يُحِى هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوتها ﴾ . وسار حتى تَبوَأُ منها منزِلًا ، فربط حماره بحبلٍ
جديدٍ ، وعلَّق سِقاءَه، وألقَى اللهُ عليه الشُباتَ، فلمّا نام نزَع اللَّهُ رُوحَه مائةَ عامٍ ،
فلما مرَّت مِن المائةِ سبعون عامًا ، أرسَل اللَّهُ مَلَكًا إلى ملِكٍ مِن ملوكِ فارسَ عظيمِ،
(١) فى ص: ((بابصل))، وفى ت١، ت٢: ((فاتصل))، وفى س: ((ما يصل)).
( تفسير الطبرى ٣٨/٤ )
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٤٨/١ - ٥٥٤ ٠

٥٩٤
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
يقال له: يُوشَكُ(١) . فقال له: إنّ اللَّهَ يَأْمُك أَن تنفِرَ بقومِك فتُعمَِّ بيتَ المقدسِ
وإيلياءَ وأرضَها، حتى تَعُودَ أعْمَرَ ما كانت ، فقال له الملِكُ: أَنْظِرْنى ثلاثةَ أيامٍ حتى
أتَأَهَّبَ لهذا العملِ ولما يُصْلِحُه مِن أداةِ العملِ. فَأَنْظَرَه ثلاثةَ أيامٍ ، فانتدَب ثلاثمائةٍ
قَهر مانَ(١) ، ودفَع إلى كلِّ قَهر مانَ ألفَ عاملٍ وما يُصْلِحُه مِن أداةِ العملِ ، فسار إليها
فَهارِمتُه ومعهم ثلاثمائةٍ ألفٍ عاملٍ ، فلما وقَعوا فى العملِ ردَّ اللَّهُ رُوحَ الحياةِ فى عينِ
إِرْمِيًا، " وآخِرُ جسدِهِ ميت٢ٌ)، فنظَر إلى إِيلياءً وما حولَها مِن المدينةِ() والمساجدِ ،
والأنهارُ والحُروثُ تُعْمَلُ وتُعَمَّرُ وتُجَدَّدُ، /حتى صارَت كما كانت، وبعدَ ثلاثين
سنةً تمامَ المائةِ ردَّ اللَّهُ إليه الرُّوحَ، فنظَر إلى طعامِه وشرابِهِ لم يَتَسَنَّة ، ونظَر إلى حمارِهِ
واقفًا كهيئتِه يومَ ربَطه لم يَطْعَمْ ولم يَشْرَبْ، ونظَر إلى الرُّمَّةِ(٥) فى عنقِ الحمارِ لم
تتغيَّرْ جديدةً ، وقد أتَى على ذلك ريحُ مائةٍ عامٍ ، وبردُ مائةٍ عامٍ ، وحرّ مائةٍ عامٍ ، لم
تَتَغَيرْ ، ولم تُنْتَقَصْ شيئًا، وقد نَحَل جسمُ إِرْمِيَا مِن البِلَى، فَأَنْبَت اللَّهُ له لحمًا جديدًا ،
ونشَر عظامَه وهو يَنْظُرُ، فقال له اللَّهُ: ﴿فَأَنْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّهُ
وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةٌ لِلنَّاسِّ وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ
نُنِشِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
(٦)
قَدِيرٌ﴾ (١).
٣٥/٣
(١) فى ص، م: ((يوسك))، وفى تفسير القرطبى ٢٩١/٣: ((كوشك)). وينظر عرائس المجالس ص ٣٠٧.
(٢) القهرمان فارسى، معناه الوكيل. الألفاظ الفارسية المعربة ص ١٣٠.
(٣ - ٣) فى م: ((وأخّر جسده ميتًا)).
(٤) فى م: ((القرى)).
(٥) الرمة: قطعة حبل يشد بها الأسير أو القاتل. التاج (رم م).
(٦) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٤٧/١ عن محمد بن سهل بن عسكر وحده به .

٥٩٥
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا عبدُ
الصّمدِ بنُ مَعْقِلٍ ، أنه سمع وهبَ بنَ مُنِّهِ يَقُولُ فى قولِ اللَّهِ: ﴿أَّ يُغْيء
هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَاً﴾: إنّ إِزْمِيا لما خُرِّب بَيتُ المقدسِ، وحُرِّق (١) الكتبُ، وقَف
فى ناحيةِ الجبلِ، فقال: ﴿أَّ يُحِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ [٢٠/٨ ] مَوْتِهَاً فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةً
عَامٍ﴾. ثم ردَّ اللَّهُ(١) مَن ردَّ مِن بنى إسرائيلَ على رأسٍ سبعين سنةٌ مِن حينَ أماته،
يَعْمُرُونها ثلاثين سنةً تمامَ المائةٍ؛ فلما ذهَبَتِ المائةُ ردَّ اللَّهُ إليه رُوحَه، وقد
عُمِّرت على حالِها الأَولَى، فجعَل يَنْظُرُ إلى العظامِ كيف تلتامُ(١) بعضُها إلى
بعضٍ، ثم نظر إلى العظامِ كيف تُكسَى عصبًا ولحمًا، فَلَمَّا تَبَيِّن له ذلك قال:
﴿ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. فقال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَانْظُرْ إِلَى
طَعَامِكَ وَشَرَائِكَ لَمْ يَتَسَنَّةٌ﴾(٤). قال: فكان طعامُه تينًا فى مِكْتَلِ(٥)، وقُلَّةً فيها
(٦)
ماءٌ).
حدَّثْنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىّ :
﴿أَوْ كَلَّذِى مَنَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: وذلك أنّ عُزَيْرًا مرَّ جائيًّا مِن
الشامِ على حمارٍ له، معه عصيرٌ وعنبٌ وتينٌ، فلما مرَّ بالقريةِ فرآها، وقَف عليها
(١) فى م: ((حرقت)).
(٢) بعده فى الأصل: (( إليه)).
(٣) التام يلتام بالتسهيل وأصله الهمز التأم يلتئم، يعنى: اتصل واجتمع. اللسان (ل أم).
(٤) فى الأصل: ((يتسن)). وياثبات الهاء ووصلا ووقفا قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر،
وبحذف الهاء فى الوصل قرأ حمزة والكسائى . السبعة لابن مجاهد ص ١٨٩. وسيأتى كلام المصنف على
هاتين القراءتين فى ص ٥٩٩، ٦٠٠.
(٥) المكتل: الزبيل الذى يحمل فيه التمر أو العنب إلى الجرين. اللسان (ك ت ل).
(٦) تفسير عبد الرزاق ٩٩/١، ١٠٠، ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ٢٨/٨.

٥٩٦
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
وقلَّب يدَه وقال: كيف يُحْيِى هذه اللَّهُ بعدَ موتِها؟ تكذيبًا(١) منه وشكًا، فأماته اللَّهُ
وأمات حمارَه، فهلَكا ومرّ عليهما مائَةُ سنةٍ، ثم إن اللَّهَ عزَّ وجلَّ أحيا عُزَيرًا فقال له :
ثُمَّ بَعَثَمُ قَالَ كَمْ لَبِئْتُ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًّا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ قيل له: ﴿بَل لَّبِتْتَ
مِأْثَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ مِن التينِ والعنبِ ﴿وَشَرَابِكَ﴾ مِن العصيرِ
وْ لَمْ يَتَسَنَّةٌ﴾ الآية(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ بَعَثَّمٌ قَالَ كَمْ لَبِثْتُّ قَالَ لَبِئْتُ يَوْمًا أَوْ
بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ﴾ .
يغْنى تعالى ذكرُه بقولِه : ﴿ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ : ثم أثارَه حيًّا مِن بعدِ مماتِه . وقد دلّلْنا
على معنى البعثِ فيما مضَى قبلُ(٢).
وأما معنى قوله: ﴿كَمْ لَبِئْتَّ﴾. فإن ((كم)) استفهامٌ فى كلامِ العربِ عن
مَبْلَغِ العددِ ، وهو فى هذا الموضعِ نَصْبٌ بـ﴿لَبِثْتٌ﴾. وتأويلُه : قال اللَّهُ له: كم
قدرُ الزمانِ الذى لِبِثْتَ ميتًا قبلَ أن أبعثَك من مماتِك حيًّا؟ قال المبعوثُ بعدَ مماتِه:
لبثتُ ميتًا إلى أن بَعَثْتَنِى حيًّا يومًا واحدًا أو بعضَ يومٍ .
وذكِر أن المبعوثَ، وهو إِرْمِيًا أو عُزَيْرٌ، أو مَن كان مّن أخبَرَ اللَّهُ عنه هذا الخبرَ،
(١) فى م: ((ليس تكذيبا)). وكذا أثبتها محقق تفسير ابن أبى حاتم عن نسخة الشيخ شاكر، وتقدم
أن المصنف حكى عن بعضهم أنه قال ذلك شكًا فى قدرة الله واستنكارا، فأراه الله كيفية إحيائه ذلك
بما ضربه له فى نفسه ، وهذا قول مردود ؛ لأنه لا يتصور أن يصدر شك عن نبي من الأنبياء فى مثل
هذا .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٥٠١، ٥٠٢ (٢٦٤٩، ٢٦٥٥، ٢٦٦٠) من طريق عمرو به .
(٣) ينظر ما تقدم فى ٦٩١/١ .

٥٩٧
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
إنما قال: ﴿ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾؛ لأنَّ اللَّهَ عزّ وجلّ كان قبَض رُوحَه أوّلَ
النهارِ، ثم ردَّ إليه رُوحَه آخِرَ النهارِ بعدَ المائةِ العامِ، فقيل له: ﴿كَمْ لَبِثْتَّ﴾؟
/ فقال: ﴿ لَبِثْتُ يَوْمًا﴾. وهو يَرَى أن الشمسَ قد غرَبت، فكان ذلك عندَه يومًا؛ ٣٦/٣
لأنَّه ذكِر أنه قُبِض رُوحُه أولَ النهارِ . وسُئِل عن مقدارٍ لُبثِه ميتًا آخِرَ [٢٠/٨ ظ] النهارِ،
وهو يَرَى أن الشمسَ قد غرَبت ، فقال: ﴿ لَبِثْتُ يَوْمًا﴾. ثم رأى بقيةً مِن الشمسِ
قد بَقِيت لم تَغْرِبْ ، فقال: ﴿ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾. بمعنى: بل بعضَ يومٍ. كما قال
تعالى ذكرُه: ﴿ وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [ الصافات: ١٤٧]. بمعنى:
بل يَزِيدُون. فكان قولُه: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ رُجوعًا منه عن قولِه: ﴿لَبِثْتُ
يَوْمًا ﴾ .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه :
﴿ ثُمَّ بَعَثَمْ قَالَ كُمْ لَبِثْتُ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًّا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾. قال: ذكِر لنا أنه مات
ضُحِّى، ثم يُعِثُ(١) قبلَ غَيْبوبةِ الشمسِ، فقال: ﴿ لَبِثْتُ يَوْمًا﴾، ثم التفَت فرأى بقيةً
مِن الشمسٍ، فقال: ﴿ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. فقال: ﴿بَل لَّثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ: ﴿أَّ يُخْىِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَاً﴾. قال: مَرَّ على قريةٍ خَربةٍ(٢) فتعجَّب،
(١) فى ص، م: (( بعثه)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٢/٢ (٢٦٥٧) من طريق سعيد بن بشير .
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
٠

٥٩٨
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
فقال: ﴿أَى يُحِىءَ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَاً﴾. فأماته اللَّهُ أوَّلَ النهارِ ، فلبِث مائةَ عامٍ ،
ثم بعثَه فى آخِرِ النهارِ، فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتَّ﴾؟ قال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ
يَوْمٍ﴾. قال: ﴿بَل لَّبِثْتَ مِاْتَةَ عَامٍ﴾
وحدِّثت عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، قال : قال الربيعُ : أماته
اللَّهُ مائةَ عامٍ، ثم بعثَه، فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتَّ﴾؟ قال: ﴿ لَبِثْتُ يَوْمًّا أَوْ بَعْضَ
يَوْمٍ﴾. " وذلك أنه بُعِث فيما ذكر لنا قبلَ غروبِ الشمسِ، فقال: ﴿لَبِثْتُ
يَوْمًا﴾. ثم التفت فرأى بقيةً من الشمسِ من ذلك اليوم، فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ
يَوْمٍ﴾. قال: ﴿بَلِ لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ جريج: لما
وقَف على بيتِ المقدس وقد خرَّبه بخْتُنَصَّرَ، قال: ﴿أَ يُحِىءِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ
مَوْتِهَاً﴾: كيفَ يعيدُها كما كانت؟ ﴿فَأَمَاتَهُ اللّهُ﴾ قال: ذكِر لنا أنه مات
ضُحِّى ، ويُعِث قبلَ غروبِ الشمسِ بعدَ مائةٍ عامٍ، فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتُّ﴾؟ قال :
﴿يَوْمًا﴾. فلما رأى الشمسَ، قال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿فَأَنْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّةٌ﴾ .
يغْنى تعالى ذكرُه بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَنْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ
يَتَسَنَّةْ﴾: لم تُغَيِّرْه السِّنونَ [٢١/٨و] التى أتّت عليه .
وكان طعامُه فيما ذكر بعضُهم سلةَ تينٍ وعنبٍ ، وشرابُه قلةَ ماءٍ .
(١) تفسير عبد الرزاق ١٠٦/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠١/٢، ٥٠٢ (٢٦٥٢، ٢٦٥٦) عن الحسن به.
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٢/٢ عقب الأثر (٢٦٥٦، ٢٦٥٧) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٤) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٢٩٢/٢ عن ابن جريج.

٥٩٩
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
وقال بعضُهم: بل كان طعامُه سَلَّةَ عنبٍ وسلةَ تينٍ ، وشرابُه زِقًّا مِن
عصير.
وقال آخرون: بل كان طعامُه سلةً تين، وشرابُه دَنَّ خمرٍ أو زُكرةً
خمر.
وقد ذكّرنا فيما مضى قولَ بعضِهم فى ذلك، ونَذْكُرُ ما فيه فيما يُسْتَقْبَلُ إن
شاء اللّهُ .
وفى قوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّةٌ﴾ وجهانٍ مِن القراءةِ: أحدُهما، (لم يَتَسَنَّ).
بحذفِ الهاءِ فى الوصلِ وإثباتِها فى الوقفِ (١)، ومَن قَرَأه كذلك فإنه يَجْعَلُ الهاءَ فى
◌ْ يَتَسَنَّةٌ﴾ زائدةً صِلةً، كقولِه: ﴿فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠]. وجعَل
((تَفعَّلْتُ))(١) منه: تَسَنَّيتُ تسنًِّا. واعتلَّ فى ذلك بأنّ السَّنَةَ تُجْمَعُ سنواتٍ،
فيكونُ تَفَغَّلْتُ على صحَّةٍ(٢)، ومن قال فى السّنةِ: سُنينةٌ. فجائزٌ على ذلك
وإن كان قليلاً، أن يَكُونَ ((تَسنَّئْتُ)) (٤) ((تَفَعَّلْتُ))؛ بُدِّلَتِ النونُ ياءَ لَّ كثُرت
النوناتُ، / كما قالُوا: تَظَنَّيتُ وأصلُه الظُّ .
٣٧/٣
وقد قال قومٌ: هو مأخوذٌ مِن قوله: ﴿مِّنْ حَلٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦، ٢٨،
٣٣]. وهو المتغيرُ. وذلك أيضًا إذا كان كذلك، فهو أيضًا مما بُدِّلَتْ نونُه ياءً وهى
قراءةُ عامةٍ قَرَأةِ الكوفةِ .
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٥٩٥ .
(٢) فى النسخ: ((فعلت)).
(٣) فى صٍ، ت١، ت٢، ت٣، س: ((سحه))، وفى م: ((نهجه)).
(٤) فى م: (( تسننت)).

٦٠٠
سورة البقرة : الآية ٢٥٩
والآخرُ منهما ، إثباتُ الهاءِ فى الوصلِ والوقفِ . ومَن قرَأَه كذلك فإنه يَجْعَلُ
الهاءَ فى ﴿ يَتَسَنَّهُ﴾ لامَ الفعلِ، ويَجْعَلُها مجزومةً بـ ((لم))، وَيَجْعَلُ ((فَعَّلْت)) منه:
تَسَنَّهْتُ. و ((يُفَعِّل)): أَتَسَنَّهُ تَسَنُّها. وقال فى تصغيرِ السَّنةِ: سُنَيهةٌ وسُنيَّةٌ: أسْنَيْتُ
عندَ القومِ، وأَسْتَهْت١ُ) عندَهم : إذا أَقَمتَ سنةً .
وهذه قراءةُ عامةٍ قرأةِ أهلِ المدينةِ والحجازِ .
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندى (١) إثباتُ الهاءِ فى الوصلِ والوقفِ ؛ لأنَّها
مُثْبتَةٌ فى مصحفِ المسلمين، ولإثباتها وجةٌ صحيح فى كلتا الحالتين؛ وذلك
أن يكونَ مِعنْى٢٢ قوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّةٌ﴾: لم تأتِ عليه السّنون فيَتَغَيَّرُ. على
لغةٍ مَن قال: أَسْتَهْتُ عندَكم أَسْنِهُ. إذا أقام سنةً، وكما قال (" شاعرٌ
٤)
الأنصار٤) :
ولَيْسَتْ بِسنَهْاءُ ولَا رُجَّبِيَّةٍ(٦)
ولكنْ عَرَايا(٢) فى السّنِينَ الجوائحِ"
فجعَل الهاءَ فى السنةِ أصلاً ، وهى اللغةُ الفُصحی، وغیرُ جائزٍ حذفُ حرفٍ
(١ - ١) فى م: ((ومنه: أسنهت عند القوم وتسنهت)).
(٢) بل القراءتان صحيحتان فقد قرأ بالأولى أربعة من القراء العشرة ، وقرأ بالثانية ستة منهم .
(٣ - ٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فى ذلك، ومعنى)).
(٤ - ٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الشاعر)).
وهو سويد بن الصامت الأنصارى، وقيل: أحيحة بن الجلاح، والبيت فى معانى القرآن للفراء ١/ ١٧٣،
وسمط الآلی ٣٦١/١ ، واللسان (رج ب ، ج وح، س ن هـ ، ع رى).
(٥) السنهاء: التى حملت عاما ولم تحمل آخر. اللسان (س ن هـ).
(٦) رَجَّبَ النخلةَ، إذا كانت كريمة عليه وكانت كثيرة الحمل، طويلة، وخيف عليها أن تقع: بنى تحتها
رجبة ؛ دكانا أو بناء من حجارة أو نحوها . اللسان (رج ب ).
(٧) العرايا: جمع عَرِيّة، وأعراه النخلة: وهب له ثمرة عامها. والعرية: النخلة المُغْراة . اللسان (ع رى).
(٨) الجوائح: جمع جائحة، وهى الشدة والنازلة العظيمة التى تجتاح المال. اللسان (ج وح).