Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١
سورة البقرة الآية : ٢٣٨
قولِه: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: كانوا يَتَكَلَّمون فى الصلاةِ ، يَجِىءُ خادمُ
الرجلِ إليه وهو فى الصلاةِ فيُكَلِّمُه بحاجتِه، فتُهُوا عن الكلامِ ().
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ ، عن عنبسةَ، عن الزبيرِ بنِ عدىٌّ،
عن كُلْثوم بنِ المُصْطَلِقِ، عن عبدِ الله بن مسعودٍ (١)، قال: إن النبيّ ێّ كان عَوَّدنى
أن يَرُدَّ علىَّ السلامَ فى الصلاةِ، فَأَتَيْتُه ذاتَ يومٍ فسَلَّمْتُ فلم يَؤُدَّ علىَّ، وقال: ((إِنَّ
اللَّهَ يُحدِثُ فى أمرِه ما يشاءُ، وإِنَّه قد أحْدَثَ لكم فى الصلاةِ ألا يَتَكَلَّمَ أَحَدٌ إلَّا بِذِكْر
اللَّهِ ، وما يَنْبَغِى مِن تَسْبِيحٍ وتَمْجِيدٍ، وَقُومُوا للَّه قائِتِينَ))(٣).
/ حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَقُومُواْ ٥٧١/٢
لِلّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: إذا قُمْتم فى الصلاةِ فاسْكُتُوا، لا تُكَلِّمُوا أحدًا حتى تَفْرُغوا
منها . قال : والقانتُ: المُصَلِّى الذى لا يَتَكلَّمُ(٤).
وقال آخرون : القنوتُ فى هذه الآيةِ الرُّكُودُ (٥) فى الصلاةِ والخشوعُ فيها .
وقالوا(١) : تأويلُ الآيةِ: وقوموا للَّهِ فى صلاتِكم خاشِعين، خافِضِى الأجنحةِ، غيرَ
عايِثِين ولا لاعبين .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى سَلْمُ بنُ جُنادَةَ ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ :
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٦/١ إلى المصنف وابن المنذر، وأخرجه الطبرانى فى الكبير (١١٧٧٦)
من طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن عكرمة ، عن ابن عباس قوله .
(٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢: ((أتانى عائدا و)).
(٣) أخرجه النسائي (١٢١٩)، وابن عبد البر فى التمهيد ٣٥٥/١ من طريق الزبير بن عدى به.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٦/١ إلى المصنف.
(٥) فى م، ت ٢: ((الركوع)). والركود: السكون والثبات. ينظر التاج (رك د).
(٦) بعده فى م، ت ١، ت ٢: ((فى)) .
٣٨٢
سورة البقرة الآية : ٢٣٨
وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدِتِينَ﴾. قال: فمِن القنوتِ طولُ الركوع وغَضُّ البصرِ، وخَفْضُ
الجَنَاحِ، والخشوعُ مِن رهبةِ اللَّهِ، كان العلماءُ إذا قام أحدُهم يُصلَّى، يهابُ الرحمنَ
أن يُلْتَفِتَ، أو أن يُقَلِّبَ الحصَى، أو يَعْبَثَ بشىءٍ، أو يُحَدِّثَ نفسَه بشىءٍ من أمرٍ
الدنيا إلا ناسيًا(١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا جَرِيرٌ، عن ليثٍ ، عن مجاهدٍ نحوَه ، إلا أنه قال:
فيمِن القنوتِ الركودُ والخشوعُ (٢).
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال: ثنا حگّامٌ، عن عَنْبُسَةَ، عن لیث ، عن مجاهدٍ :
﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدِنِتِينَ﴾. قال: مِن القنوتِ الخشوعُ وخَفضُ الجَنَاحِ مِن رهبةِ اللَّهِ،
وكان الفقهاءُ مِن أصحابٍ محمدٍ عَ لِ إذا قام أحدُهم إلى الصلاةِ لم يَلْتَفِتْ، ولم
يُقلِّبِ الحصى، ولم يُحَدِّثْ نفسَه بشىءٍ مِن أمرِ الدنيا إلا ناسيًا، حتى يَنْصَرِفَ.
◌ُدِّثتُ عن عمار بن الحسنِ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفر ، عن أبيه ، عن ليث ، عن
مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدِينَ﴾. قال: إنَّ مِن القنوتِ الركود(١) . ثم ذَكَر
(٤)
نحوه(١.
حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال : ثنا ابنُّ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قوله :
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٤٩/٢ (٢٣٨١) من طريق ابن إدريس به ، وأخرجه سعيد بن منصور
فى سننه (٤٠٦ - تفسير) - ومن طريقه البيهقى فى الشعب (٣١٥٢) - والطحاوى فى شرح معانى الآثار
١/ ١٧١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٤٩/٢ (٢٣٨١) من طريق الليث به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٠٦/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه محمد بن نصر فى تعظيم قدر الصلاة ١٨٨/١ (١٣٨) من طريق جرير به.
(٣) فى ت ٢: ((الركوع)).
(٤) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (١٠٧٧)، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨٢، والأصبهانى فى الترغيب ٧٦٥/٢
(١٨٦٧) من طريق أبى جعفر به .
٣٨٣
سورة البقرة الآية : ٢٣٨
﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدْنِتِينَ﴾. قال: القنوتُ الرُّكودُ. يعنى القيامَ فى الصلاةِ والانْتِصابَ له .
وقال آخرون : بل القنوتُ فى هذا الموضع الدعاءُ. قالوا : تأويلُ الآية : وقوموا
للّهِ راغیین فی صلایکم .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ ، وثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى
عَدِىِّ وعبدُ الوَهَّابِ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، جميعًا عن عوفٍ ، عن أبى رجاءٍ ، قال :
صَلَّتُ مع ابنِ عباسِ الغَداةَ فى مسجدِ البصرةِ ، فقَنَت بنا قبلَ الركوع، وقال : هذه
الصلاةُ الوسطى التى قال اللَّهُ: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدِينَ﴾(١).
قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ
قَلِنِينَ﴾. قولُ مَن قال: تأويلُه: مُطيعينَ. وذلك أن أصلَ القنوتِ الطاعةُ . وقد
تكونُ الطاعةُ للَّهِ فى الصلاةِ بالسكوتِ عما نهاهُ(١) اللَّهُ مِن الكلام فيها؛ ولذلك وَجَّه
مَن وَبَّه تأويلَ القنوتِ فى هذا الموضع إلى السكوتِ فى الصلاةِ - أحدِ المعانى التى
فَرْضَها اللَّهُ على عبادِه فيها - إلا عن قراءةٍ قرآنٍ ، أو ذِكْرٍ له بما هو أهْلُه .
ومما يَدُلُّ على أنهم قالوا ذلك كما وَصَفْنا، قولُ النَّخَعيِّ ومجاهدِ الذى حدّثنا
به أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازِىُّ(٢)، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ/، عن سفيانَ، عن ٥٧٢/٢
منصورٍ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ، قالا: كانوا يَتَكَّلَّمون فى الصلاةِ، يَأْمُرُ الرجلُ (٤)
أخاه بالحاجةِ ، فَتَزَلتْ: ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. قال: فَقَطَعوا الكلامَ. والقنوتُ
(١) تقدم تخريجه ص ٣٦٧، ٣٦٨.
(٢) فى م: «نھی)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عن الأهوازى)).
(٤) فى م، ت ١: ((أحدهم)).
٣٨٤
سورة البقرة الآيتان : ٢٣٨، ٢٣٩
السكوتُ، والقنوتُ الطاعةُ (١).
فَجَعَل إبراهيمُ ومجاهدٌ القنوتَ سكوتًا فى طاعةِ اللَّهِ ، على ما قُلْنا فى ذلك مِن
التأويلِ. وقد تكونُ الطاعةُ للَّهِ فيها بالخشوع وخفضِ الجَنَاحِ، وإطالةِ القيامِ ،
وبالدعاءِ؛ لأن كُلَّا(٢) غيرُ خارجٍ مِن أحدٍ مَعْنَيَينْ؛ مِن أن يكونَ مما أُمِرِ به المُصَلِّى، أو
مما نُدِب إليه. والعبدُ بكلِّ ذلك اللَّهِ(٣) مطيع، وهو لربِّه فيه قانِتٌ. والقنوتُ أَصْلُه
الطاعةُ للَّهِ، ثم يُشْتَعْمَلُ فى كلِّ ما أطاع اللَّهَ به العبدُ.
فتأويلُ الآيةِ إذن : حافِظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوُسْطَى، وقُوموا للَّهِ فيها
مُطيعين ، بتَوْكِ بعضِكم ٢) فيها كلامَ بعضٍ وغيرِ ذلك مِن معانى الكلام ، سوى قراءةٍ
القرآنِ فيها ، أو ذِكرِ اللَّهِ بالذى هو أهلُه، أودُعائِه فيها، غيرَ عاصِين للَّهِ فيها بتَضِْيعِ
محُدودِها ، والتفريطِ فى الواجبِ للَّهِ عليكم فيها، وفى غيرِها من فرائضِ اللَّهِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا
يعنى تعالى ذِكرُه بذلك: وقُوموا للَّهِ فى صلاتِكم مُطيعِين له - لما قد بيَنَّاهُ من
معناه - فإنْ خِفتُمْ مِن عدوٌ لكم أيها الناسُ، تَخشوْنَهم على أنفسكم فى حالٍ
التقائِكم معهم، أن تُصَلُّوا قيامًا على أرجلِكم بالأرض قانتينَ للَّهِ، فصَلُّوا رجالًا مُشاةً
على أرجلِكم، وأنتم فى حربِكم وقتالِكم وجهادِ عدوّكم، أو رُكْبانًا على ظُهورِ
دَوابِّكم، فإن ذلك يَجزيكُم حينئذٍ مِن القيامِ منكم(٥) قانتينَ.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٦/١ إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر من قول
مجاهد وحده ، وهو عند عبد الرزاق فى مصنفه (٣٥٧٤) عن سفيان ، عن منصور، عن مجاهد .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((كل)).
(٣) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بعضهم).
(٥) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أو)).
٣٨٥
سورة البقرة الآية : ٢٣٩
ولما قلنا مِن أن معنَى ذلك كذلك، جازَ نصبُ ((الرجالِ)) بالمعنى المحذوفِ،
وذلك أن العربَ تفعَلُ ذلك فى الجزاءِ خاصةً ؛ لأن ثانيَه شبيهٌ بالمعطوفِ على أوَّلِهِ،
ويُبَيِّنُ ذلك أنهم يقولون: إنْ خيرًا فخيرًا، وإنْ شؤًّا فشًّا. بمعنى: إن تفعَلْ خيرًا
تُصِبْ خيرًا، وإن تفعَلْ شرًّا تُصِبْ شرًّا. فيَعْطِفون(١) الجوابَ على الأولِ لانجزامِ
الثانى بجزعِ الأولِ، فكذلك قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًا أَوْ رُكْبَانً﴾، بمعنى: إِنْ
خِفْتُم أن تُصلُّوا قيامًا بالأرضِ، فصلُّوا رِجالًا .
والرِّجالُ جمعُ رَاجلٍ ورَجُلٍ . وأما أهلُ الحجازِ فإنهم يقولون لواحدِ الرِّجالِ :
رَجُلٌ. مَسموعٌ منهم: مَشَى فلانٌ إلى بيتِ اللَّهِ حافيًّا رَجُلًا. وقد سُمِعَ من بعضٍ
أحياءِ العربِ فى واحدِهم: رَجْلانُ، كما قال بعضُ بنى عُقَيْلِ(١) :
علىَّ إِذَا أَبْصَرْتُ لَيْلَى بِخَلْوَةٍ أَنَ ازْدَارَ(٢) بَيْتَ اللَّهِ رَجْلانَ حافِيا
/فمَن قال: رَجْلان. للذكَرِ، قال للأنثى: رَجْلَى. وجاز فى جمعِ المذكرِ ٥٧٣/٢
والمؤنَّثِ فيه أن يُقالَ: أتى القومُ رُجالَى وَرَجالى. مثلُ كُسالَى وَسَلَی.
وقد حُكِىَ عن بعضِهم أنه كان يقرأُ ذلك: (فإنْ خِفْتُمْ فَرْجَالًا )(٤) مشدّدةً.
وعن بعضِهم أنه كان يقرأَ: (فَرِجَالاً)(٥). وكلتا (*) القراءتَينِ غيرُ جائزةٍ القراءةُ بها
عندنا ؛ لخلافِها (٢) القراءةَ الموروثةَ المستفيضةَ() فى أمصارِ المسلمين.
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فيعطون)).
(٢) البيت لمجنون ليلى قيس بن الملوح، وهو فى ديوانه ص ٣٠١.
(٣) فى ص: ((ازوار)). وازدار، افتعل من الزيارة .
(٤) وبها قرأ ابن محيصن وعكرمة وأبو مجلز. البحر المحيط ٢/ ٢٤٣.
(٥) رويت هذه القراءة عن عكرمة . المصدر السابق .
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢: (( كلا)).
(٧) فى م: ((بخلاف))، وفى ت ٢: ((لخلاف)).
(٨) فى ص، ت ١، ت ٢: ((مستفيضة)).
( تفسير الطبرى ٢٥/٤ )
٣٨٦
سورة البقرة الآية : ٢٣٩
وأما الركبانُ ، فجمعُ راكبٍ ، يقالُ: هو راكبٌ ، وهم رُكبانٌ وَرَكْبٌ وَرَكْبَةٌ
ورُكَّابٌ وَأَذْكُبٌ وَأُرْكوبٌ . يقالُ : جاءنا أُزْكوبٌ مِن الناسِ وأراكيبُ .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشيٌ ، قال: أخبرنا مُغيرةُ ، عن إبراهيمَ ،
قال: سألتُه عن قولِه: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: عندَ المطاردةِ يُصلِّى حيثُ كانَ
وجْهُه؛ راكبًا أو رَاجِلًا، ويجعَلُ السجودَ أخفضَ من الركوع، ويُصلَّى ركعتينْ،
(١)
يُومئُ إيماءً(١).
حدَّثنا ابنُ بشّارٍ ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ ، عن إبراهيمَ
فى قوله: ﴿ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: صلاةُ الضِّرابِ ركعتَينِ، يُومئُ إيماءً .
حدَّثنى أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، عن سفيانَ، عن مغيرةً ، عن
إبراهيمَ قولَه: ﴿ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: يُصلِّى ركعتينْ حيثُ كان وجْهُه،
يُومىُ إِيماءً(٢) .
حدَّثنا أحمدُ بنُ إِسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا إسرائيلُ، عن سالم،
عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ: ﴿فَرَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: إذا طَرَدَتِ الخيلُ فَأَوْمِئْ إيماءً".
حدَّثنا أحمدُ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا سفيانُ، عن مالك، عن سعيدٍ ،
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٥١٣) ، (٤١٠ - تفسير) عن هشيم به .
(٢) تفسير سفيان ص ٧٠، ومن طريقه عبد الرزاق فى مصنفه ٥١٤/٢ (٤٢٦٠). والدولابى فى الكنى
١٥٣/٢، ٠١٥٤
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٦٦/٢، وابن حزم فى المحلى ٥٣/٥ من طريق سالم به بنحوه.
٣٨٧
سورة البقرة الآية : ٢٣٩
قال : يُومئُ إيماءً .
حدَّثنا أحمدُ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن يونسَ، عن الحسنِ :
﴿ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: إذا كان عندَ القتالِ صلَّى راكبًا أو ماشيًا حيثُ كان
وجْهُه، يومئُ إيماءً(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيح،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ : أصحاب محمدٍ مظلته
فى القتالِ على الخيلِ، فإذا وقَع الخوفُ، فلْيُصَلِّ الرجلُ على كلِّ جهةٍ ؛ قائمًا أو
راكبًا، أو كما قَدَرَ على أن يومئَ [٣١٣/١ط] برأسِه أو يتكلّم بلسانِه(٢) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن
مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: أو راكبًا. لأصحابٍ محمدٍ عَظِلقه. وقال أيضًا: أو
راكبًا، أو ما قدَرَ أَنْ يُومئَ برأْسِه. وسائرُ الحديثِ مثلُه .
حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضّحاكِ
فى قولِه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: إذا التّقَوْا عندَ القتالِ وطَلَبوا، أو
طُلِبوا، أو طلَبهم سَبُعٌ، فصلاتُهم تكبيرتانِ إيماءً أىَّ جهةٍ كانت .
/ حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا جُوَيْرٌ، ٥٧٤/٢
عن الضخَّاكِ فى قولِه: ﴿ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: ذلك عندَ القتالِ، يُصَلِّى حيثُ
كان وجهُه؛ راكبًا أو راجلًا، إذا كان يُطْلَبُ، أو يَطْلُه سَبْعٌ، فَلْيُصَلِّ ركعةٌ يُومِئُ
إيماءً، فإن لم يَسْتَطِعْ فَلْيُكَبِّرْ تكبيرتَين(٣).
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٥١٤)، (٤١١ - تفسير) عن هشيم به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٨/١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٥١٥)، (٤١٢ - تفسير) عن هشيم به، وأخرجه ابن المبارك =
٣٨٨
سورة البقرة الآية : ٢٣٩
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال : ثنا أبِى، عن الفضلِ بنِ دَلْهَم ، عن الحسنِ :
فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: ركعةً وأنت تَمْشِى، وأنت يُوضِعُ بك
بعيرُك وَيَرْكُضُ بك فرسُك ، على أىِّ جهةٍ كان(٢) .
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمْرٌو ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ
فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾: أَمَّا((رِجالًا))، فعلَى أرجلِكم إذا قائلْتُم، يُصَلِّى الرجلُ يُومِيُ
برأسِه أينما توجّه، و"الراكبُ على دائَتِه يُومِئُ برأسِه أينما توجّه(٤).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ
فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَاناً﴾ الآية: أحلَّ اللَّهُ لك إذا كنتَ خائفًا عندَ القتالِ أن تُصَلِّيَ وأنت
راكبٌ ، وأنت تَشْعَى، تُومِئُ برأسِك مِن حيثُ كان وجهُك، إن قدَرتَ على
ركعتينْ، وإلا فواحدةً(٥) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال : أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ
طاوسٍ، عن أبيه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَاناً﴾. قال: ذاك عندَ المُسايَقَةِ(٦).
حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن مَعْمَرٍ، عن
الزُّهْرِىِّ فى قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: إذا طلَب الأعداءُ فقد
= فى الجهاد (٢٥١)، وعبد الرزاق فى مصنفه (٤٢٦٣)، وابن أبى شيبة ٢ / ٤٦١)، وابن أبى حاتم فى تفسيره
١٠٥٢/٣ (٥٨٩٣) من طريق جويبر به بنحوه .
(١) أی : یسرع. التاج ( و ض ع).
(٢) أخرجه ابن المبارك فى الجهاد (٢٤٩) عن الفضل بن دلهم به .
(٣) سقط من: ص، ت ٢.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥٠/٢ عقب الأثر (٢٣٨٢) من طريق عمرو بن حماد به .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٨/١ إلى عبد بن حميد.
(٦) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٤٢٦٥) ومن طريقه ابن حزم فى المحلى ٥٢/٥.
٣٨٩
سورة البقرة الآية : ٢٣٩
حَلَّ لهم أن يُصَلُّوا قِبَلَ أيِّ جهةٍ كانوا؛ رجالاً أو رُكبانًا، يُومِئون إيماءً ركعتين. وقال
قتادَةُ : تُجْزِئُ ركعةٌ(١).
حُدِّثتُ عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه :
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: كانوا إذا خَشُوا العدوَّ صَلَّوْا ركعتَيْ،
راكبًا كان أو راجلً(٢).
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرَةً، عن إبراهيمَ فى قوله: ﴿ فَإِنْ
خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَاناً﴾. قال: يُصَلِّى الرجلُ فى القتالِ المكتوبةَ على دائَتِه وعلى
راحلتِه حيثُ كان وجْهُه، يُومِئُ إيماءٍ عندَ كلِّ ركوع وسجودٍ ، ولكنَّ السجودَ
أخفضُ مِن الركوع. "قال: هذا٢) حينَ تَأْخُذُ السيوفُ بعضُها بعضًا، هذا فى
(٤)
المطاردةٍ(٤).
حدَّثنا ابنُ بشّارٍ ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ ، قال : ثنى أبى، قال: كان قتادةُ
يقولُ : إن استطاعَ ركعتينْ وإلا فواحدةً ، يُومِئُ إيماءً، إن شاءراكبًا أو راجلًا ، قال
اللَّهُ تعالى ذكره: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾(٥).
حدَّثنا ابنُ بشّارٍ ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال : ثنى أبى، عن قتادةَ، عن
الحسنِ، قال فى الخائفِ الذى يَطْلُبُه العدوُ، قال: إن استطاعَ أن يُصَلِّىَ ركعتين،
(١) أخرجه ابن المبارك فى الجهاد (٢٥٤)، وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٤٢٥٩) - ومن طريقه ابن المنذر
فى الأوسط ٢٨/٥ (٢٣٤٢) - عن معمر دون ذكر قول قتادة .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥٠/٢ عقب الأثر (٢٣٨٥) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٣ - ٣) فى م، ت ١: ((فهذا)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٦٠/٢ عن جرير به، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٥١٧)، (٤٠٩ -
تفسير) عن أبى الأحوص، عن مغيرة به، وينظر تفسير مجاهد ص ٢٣٩.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٤٢٦٢) عن معمر، عن قتادة .
٣٩٠
سورة البقرة الآية : ٢٣٩
وإلا صلَّى ركعةٌ (١).
حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ ، عن يونسَ ، عن
الحسنِ، قال : ركعةٌ(١).
/ حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سألتُ الحكمَ
وحمَّادًا وقتادَةً عن صلاةِ المُسايَفةِ، فقالوا: ركعةٌ (١).
٥٧٥/٢
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى(٤) ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا شعبةُ، قال : سألتُ
الحكمَ وحمادًا وقتادةَ عن صلاةِ المسايفَةِ، فقالُوا : يُومِئُ إيماءً حيثُ كان وجْهُه .
حدَّثنا ابنُ المُنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: °ثنا شعبةُ)، عن حمادٍ
والحكَم وقتادةَ ، أنهم سُئِلوا عن الصلاةِ عندَ المسايفةِ ، فقالوا : ركعةً حيثُ وجْهُكَ .
حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن أَشْعَثَ بنِ سَوَّارٍ ، قال : سألتُ
ابنَ سِيرِينَ عن صلاةِ المنهزِمِ ، فقال: كيف استطاعَ (١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بنِ يزيدَ ، عن أبى
نَضْرَةَ، عن جابرِ بنِ غُرابٍ (٢)، قال: كنَّا نُقَاتِلُ القومَ وعلينا هَرِمُ بنُ حَّانَ ، فحضرتِ
(١) أخرجه ابن المبارك فى الجهاد (٢٤٨)، وابن أبى شيبة ٤٦٠/٢ من طرق عن الحسن.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٤٢٦١)، وابن أبى شيبة ٢ / ٤٦١، وابن حزم فى المحلى ٥٢/٥ من طريق
الثوری به .
(٣) أخرجه ابن حزم فى المحلى ٥٣/٥ من طريق عبد الرحمن بن مهدى به. وأخرجه ابن المبارك فى الجهاد
(٢٥٠)، وابن أبى شيبة ٤٦٠/٢ من طريق شعبة به وليس عند ابن أبى شيبة ذكر قتادة .
(٤) فى م: (( بشار)).
(٥ - ٥) سقط من النسخ.
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٦١/٢ من طريق أشعث به بنحوه .
(٧) فى النسخ: ((عرب)). والمثبت من مصدرى التخريج، وينظر المؤتلف والمختلف للدار قطنى ٤/ ١٧٦٩.
٣٩١
سورة البقرة الآية : ٢٣٩
الصلاةُ، فقالوا: الصلاةَ الصلاةَ. فقال هَرِمٌ: يَسْجُدُ الرجلُ حيثُ كان وجْهُه
سجدةً. قال: ونحن مُستقبلو المشرقٍ (١).
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَةً، عن الجُرَيْرِىِّ، عن أبى نَضْرَةَ ، قال: كان
هَرِمُ بنُ حَيَّنَ على جيشٍ ، فحضَروا العدوَّ، فقال: يَسْجُدُ كلَّ رجلٍ منكم تحتَ
مُنَّتِه(١) حيثُ كان وجهُه، سجدةً أو ما اسْتَيْسَر. فقلتُ لأُبِى نَضْرَةَ: ما : ما استيسَرَ؟
قال : يُومِئُ.
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أبو مَسْلَمةَ، عن
أبى نَضْرَة، قال: ثنى جابرُ بنُ غُرابٍ(٢) ، قال: كنَّا معَ هَرِمٍ بِنِ حَّانَ نُقَاتِلُ العدوّ
مستقبلى المشرقِ ، فحضَرتِ الصلاةُ، فقالوا : الصلاةَ. فقال: يَسْجُدُ الرجلُ تحتَ
جُنَّتِهُ(١) سجدةً .
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن عبدِ الملكِ
ابنِ أبى سليمانَ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال:
تُصَلِّى حيثُ توجّهتَ؛ راكبًا وماشيًا، وحيثُ توجّهتْ بك دابَتُك، تُومئُ إيماء
للمكتوبةِ(٤).
حدَّثنى سعيدُ بنُ عَمَرٍو السَّكُونِيُ، قال: ثنا بَقِيَّةُ(٥) بنُ الوليدِ، قال: ثنا
(١) فى ت ١، ت ٢: ((الشرق)).
والأثر أخرجه ابن أبى شيبة ٢/ ٤٦٠، وابن حزم ٥/ ٥٣، من طريق سعيد بن يزيد به نحوه.
(٢) فى م: ((جيبه)). وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((جنبه))، وغير منقوطة فى ص. والمثبت من المحلى ٥/ ٥٣.
والجنَّة : ما واراك من السلاح واستترت به منه. اللسان (ج ن ن).
(٣) فى النسخ: ((عرب)).
(٤) أخرجه ابن المبارك فى الجهاد (٢٥٧) من طريق خالد بن أبى نوف، عن عطاء بنحوه.
(٥) فى م: ((هبة)).
٣٩٢
سورة البقرة الآية : ٢٣٩
المسْعُودىُّ، قال: ثنى يزيدُ الفقيرُ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: صلاةُ الخوفِ
۔۔(١)
ركعةٌ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا موسى بنُ محمدٍ
الأنصارىُّ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ فى هذه الآيةِ ، قال: إذا كان خائفًا صلَّى على
أىِّ حالٍ كان .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال مالكٌ، وسألتُه(١) عن قولٍ
اللَّهِ : ﴿ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال: راكبًا وماشيًا، لو كانت إنّما عنَى بها الناسَ ، لم
يَأْتِ إلا رِجَالاً، وانقطعتِ الآيةُ(٢)، إنما هى رجالٌ مُشاةً. وقرَأ ): ﴿يَأْتُوَفَ رِجَالًا
وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ ﴾ [الحج: ٢٧]. قال: يَأْتُون مشاةً وركبانًا .
/قال أبو جعفر: والخوفُ الذى للمصلِّى أن يُصَلِّىَ مِن أَجْلِه المكتوبةَ ماشيًا
راجلًا وراكبًا جائلاً(9): الخوفُ على المُهْجَةِ(٢) عند السَّلَّةِ(٧) والمسايفةِ فى قتالِ مَن أُمِر
بقتالِهِ مِن عدوٍّ للمسلمين، أو محاربٍ، أو طلَبٍ سَبْعٍ، أو جملٍ صائلٍ، أو سيلٍ
سائلٍ، فخاف الغرَقَ فيه. وكلُّ ما الأغلبُ مِن شأنِه هلاكُ المرءِ منه إن صلَّى
صلاةَ الأُمنِ، فإنه إذا كان ذلك كذلك، فله أن يُصلِّىَ صلاةَ شدَّةِ الخوفِ حيثُ
٥٧٦/٢
(١) أخرجه ابن المبارك فى الجهاد (٢٥٢)، والطيالسى (١٨٩٨)، وابن أبى شيبة ٢/ ٤٦٣، والبيهقى
٢٥٧/٣، ٢٦٣ من طريق المسعودى، بنحوه .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((سألت)).
(٣) فى النسخ: ((الألف)). وما أثبتناه هو الصواب.
(٤) فى ص، ت ٢: ((ومن إنا ترك))، وفى م: ((عن))، وفى ت ١: ((ومن إلى ترك)). والمثبت كما عند
الشيخ شاكر.
(٥) فى ص: ((حائلًا))، والجائل والحائل كلاهما بمعنى، وهو الزائل عن مكانه. اللسان (ج ول).
(٦) فى م، ص: ((المهمة))، وفى ت ٢: ((المسلة)). والمهجة: الروح. اللسان (م هـ ج).
(٧) فى م: ((السلمة))، وفى ت ٢: ((المسلة)). والسَّلَّة: استلال السيوف عند القتال. اللسان (س ل ل).
٣٩٣
سورة البقرة الآية : ٢٣٩
كان(١) وجهُه، يُومِئُ إيماءً؛ لعمومِ كتابِ اللّهِ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ ولم
يَخُصَّ الخوفَ على ذلك على نوعٍ مِن الأنواع، بعد أن يكونَ الخوفُ صفتُه ما
ذکَرتُ .
وإنما قلنا : إن الخوفَ الذى يُجَوِّزُ للمصلِّى أن يُصَلِّىَ كذلك هو الذى الأغلبُ
منه الهلاكُ بإقامةِ الصلاةِ بحدودِها ، وذلك حالَ شدَّةِ الخوفِ؛ لأن محمدَ بنَ
محميدٍ وسفيانَ بنَ وكيع حدّثانى، قالا : ثنا جريرٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ نافع، عن أبيه،
عن ابنِ عمرَ، قال: قال النبىُّ عَّه فى صلاةِ الخوفِ: ((يَقُومُ الأميرُ وطائفةٌ مِن الناسِ
معَه، فَيَسْجُدون سجدةً واحدةً، ثم تكونُ طائفةٌ مِنهم بينَهم وبينَ العدوِّ ، ثم
يَنْصَرِفُ الذين سجَدوا سجدةً معَ أميرِهم، ثم يكونون مكانَ الذين لم يُصَلُّوا ،
ويَتَقَدَّمُ الذين لم يُصَلُّوا فِيُصَلُّون معَ أميرِهم سجدةً واحدةً، ثم يَنْصَرِفُ أميرُهم وقد
قضَى صلاتَه، ويُصَلِّى بصلاتِهِ(١) كلُّ واحدٍ مِنَ الطائفتَيْنِ سجدةً لنفسِه ، وإن كان
خوفٌ أشدُّ مِن ذلك فرِجالًا أو رُكبانًا))(٣).
حدَّثنى سعيدُ بنُ يحيى الأُمَوُّ، قال: ثنى أبى، قال: ثنا ابنُ جريجٍ، عن
موسى بنِ عُقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ، قال: إذا اخْتَلَطوا (4) - يعنى فى القتالِ -
فإِنّما هو الذِّكرُ. وأشار بالرأسِ، قال ابنُ عُمرَ: قال النبيُّ عَلَه: (( وإن كانوا أكثرَ من
ذلك فيُصَلُّون قيامًا ورُكبانًا))(٥) .
(١) بعده فى ص، ت ١، ت ٣: ((من)).
(٢) فى م: ((بعد صلاته)).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٢٥٨) من طريق جرير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به ، وأخرجه مالك فى الموطأ
١٨٤/١ - ومن طريقه البخارى (٤٥٣٥) - من طريق نافع به .
(٤) فى النسخ: ((اختلفوا)) والمثبت من مصدر التخريج.
(٥) أخرجه البخارى (٩٤٣) عن سعيد بن يحيى به، وأخرجه أحمد ٤٧١/١٠ (٦٤٣١)، ومسلم (١٨٣٩
٣٠٦) من طريق موسى بن عقبة به .
٣٩٤
سورة البقرة الآية : ٢٣٩
ففصَل النبيُّ عَلَّهِ بِينَ حكم صلاةِ الخوفِ فى غيرِ حالِ المسايفةِ والمطاردةِ ،
وبينَ حكم صلاةِ الخوفِ فى حالٍ شدَّةِ الخوفِ والمسايفةِ ، على ما روَيْنا عن ابنٍ
عُمرَ، فكان معلومًا بذلك أن قولَه تعالى ذكره: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ .
إنما عنَى به الخوفَ الذى وصَفْنا صفته .
وبنحوِ الذى روَى ابنُ عُمرَ عن النبيِّ ◌َ لِّ، رُوِى عنِ ابنِ عُمرَ أنه كان يقولُ.
حدَّثنى يعقوبُ ، قال : ثنا ابنُ عُلَيَّةً، عن أيوبَ ، عن نافع، عن ابنٍ مُمرَ أنه قال
فى صلاةِ الخوفِ: يُصَلِّى بطائفةٍ مِن القومِ ركعةٌ ، وطائفةٌ تَخْرُسُ، ثم يَنْطَلِقُ هؤلاءٍ
الذين صلَّى بهم ركعةً حتى يقوموا مَقامَ أصحابِهم، ثم يَجِىُ أولئك، فيُصَلِّى بهم
ركعةٌ ، ثم يُسلِّمُ، وتقومُ كلُّ طائفةٍ فتُصَلِّى ركعةً. قال : فإن كان خوفٌ أشدُّ مِن
ذلك فرجالاً أو ركبانًا (١).
وأمَّا عددُ الركَعاتِ فى تلك الحالِ مِن الصلاةِ، فإنى أُحِبُّ ألا يَقْصُرَ(٣) من
عددِها فى حالِ الأمنِ ، وإن قصَر عن ذلك فصلَّى ركعةٌ، رأيتُها مُجزئةً؛ لأن بشرَ بنَ
مُعاذٍ حدَّثنى، قال: ثنا أبو عَوَانَ، عن بُكيرٍ (٢) بنِ الأخنسِ، عن مجاهدٍ ، عن ابنٍ
عباسٍ ، قال: فَرَض اللّهُ الصلاةَ على لسانِ نبيِّكم ◌ِّهِ فى الحضَرِ أربعًا، وفى السفر
ركعتين، وفى الخوفِ ركعةٌ(٤).
/القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَآ أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ
٥٧٧/٢
(١) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٤٢٥٨) عن ابن جريج عن نافع به .
(٢) فى م، ت ١: ((يقتصر)).
(٣) فى النسخ: ((بكر)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣٥/٤.
(٤) أخرجه أحمد ٢٨/٤، ١٤٤ (٢١٢٤، ٢٢٩٣)، ومسلم (٥/٦٨٧)، وأبو داود (١٢٤٨)، والنسائى
(٤٥٤)، وابن ماجه (١٠٦٨)، وابن حبان ١١٩/٧ (٢٨٦٨)، والبيهقى ١٣٥/٣ من طريق أبى عوانة به.
٣٩٥
سورة البقرة الآية : ٢٣٩
٣٩
تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ
وتأويلُ ذلك: فإذا أُمِنْتُم ، أيُّها المؤمنون مِن عدوّ كم أن يَقْدِرَ على قتلِكم فى
حالٍ اشتغالِكم بصلاتِكم التى فرضها عليكم ، ومِن غيرِه ممن كنتم تَخَافونَه على
أنفسِكم فى حالٍ صلاتِكم، فاطْمَأَنتُم، فاذْكُرُوا اللهَ ، فى صلاتِكم وفى غيرِها ،
بالشُّكرِ له والحمدِ والثناءِ عليه ، على ما أنْعَم به عليكم مِن التوفيقِ لإصابةِ الحقِّ الذى
ضلَّ عنه أعداؤُكم مِن أهلِ الكفرِ باللّهِ، كما ذكركم بتعليمِه إِيَّاكم مِن أحكامِه،
وحلالِه وحرامِه، وأخبارِ مَن قبلَكم مِن الأمم السالفةِ، والأنباءِ الحادثةِ بعدَكم فى
عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ ، التى جهِلها غيرُ كم ، وبصَّركم مِن ذلك وغيرِهِ ؛ إنعامًا
منه عليكم بذلك، فعلّمكم منه ما لم تكونوا مِن قبلٍ تعليمِه إيَّاكم ، تَعْلَمون .
وكان مجاهدٌ يقولُ فى قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾. ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ ،
قال : ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ليثِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾. قال :
خرَجتُم مِن دارِ السفرِ إلى دارِ الإقامةِ(١).
وبمثلٍ الذى قلنا مِن ذلك قال [٣١٤/١ظ] ابنُ زيدٍ .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَإِذَا
أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ﴾. قال: فإذا أُمِنْتُم فصلُّوا الصلاةَ كما افتَرَض اللّهُ عليكم،
إذا جاء الخوفُ كانت لهم رخصةً(٣) .
وقولُه هلهنا: ﴿فَأَذْكُرُواْ(٤) اللَّهَ﴾. قال: الصلاةُ، ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ
(١) فى ت ٢: ((السالفة)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥١/٢ (٢٣٨٧) من طريق وكيع به، عن سفيان ، عن رجل، عن مجاهد.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٩/١ إلى المصنف.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢: ((اذكروا)).
٣٩٦
سورة البقرة الآيتان : ٢٣٩، ٢٤٠
تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ
وهذا القولُ الذى ذكَرناه عن مجاهدٍ قولٌ غيرُه أَوْلَى بالصوابِ منه ؛ لإجماعِ
الجميعِ على أن الخوفَ متى زال فواجبٌ على المصلِّى المكتوبةَ - وإن كان فى سفرٍ -
أداؤها بركوعِها وسجودِها وحدودِها، وقائمًا بالأرضِ غيرَ ماشٍ ولا راكبٍ،
كالذى يجِبُّ عليه مِن ذلك إذا كان مقيمًا فى مصرِه وبلدِه ، إلا ما أبِيحَ له مِن القصرِ
فيها فى سفرٍه، ولم يَجْرِ فى هذه الآيةِ للسفرِ ذِكرٌّ فيَتَوَجَّهَ قولُه: ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ
كَمَا عَلَّمَكُم ◌َا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴾ إليه. وإنما جرَى ذِكرُ الصلاةِ فى حالٍ
الأمنِ وحالٍ شدَّةِ الخوفٍ ، فعرّف اللّهُ سبحانه وتعالى عبادَه صفةَ الواجبِ عليهم مِن
الصلاةِ فيهما ، ثم قال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ فزالَ الخوفُ ، فأقيموا صلاتكم وذِ كرِی
فيها وفى غيرِها ، مثلَ الذى أوجبتُه عليكم قبلَ حدوثِ حالِ الخوفِ .
وبعدُ(١)، فلو (١) كان جرَى للسفرِ ذِكرٌ، ثم أرادَ اللّهُ تعالى ذِكرُه تعريفَ خلقِه
صفةَ الواجبِ عليهم مِن الصلاةِ بعدَ مُقامِهم لقالَ: فإذا أَقَمْتم فاذْكُرُوا اللّهَ كما
علَّمكم ما لم تكونوا تَعْلَمون. ولم يَقُلْ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ . وفى قولِه تعالى ذكرُه :
◌ٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ ﴾. الدَّلالةُ الواضِحةُ على صحةِ قولٍ مَن وجَّه تأويلَ ذلك إلى الذى
قلنا فيه ، ("وخلافٍ" قولٍ مُجاهدٍ .
القولُ" فى تأويل قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً
لِأَزْوَجِهِم مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ/ إِخْرَاجْ﴾ .
٥٧٨/٢
(١) فى م: ((بعده)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((فإن)).
(٣ - ٣) فى م: ((وإلى خلاف)).
* من هنا يبدأ الجزء الأول من المخطوط س .
٣٩٧
سورة البقرة الآية : ٢٣٩
يعنى تعالى ذِكرُه بذلك: والذين يُتَوَّفون منكم أيُّها الرجالُ، ﴿وَيَذَرُونَ
أَزْوَجًا﴾ يعنى زوجاتٍ كُنَّ له نساءً فى حياتِه ، بنكاح لا مِلْكِ يمين. ثم صُرِف الخبرُ
عن ذكرٍ مَن ابْتَدأ الخبرُ بذكرِه، نظيرَ الذى مضَى مِن ذلك فى قوله: ﴿وَالَّذِينَ
يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ إلى الخبرِ عن ذكرٍ أزواجهم . وقد ذكرنا وجهَ
ذلك، ودلَّلْنا على صحةِ القول فيه فى نظيرِه الذى قد تقدَّم قبلَه، فأغْنَى ذلك عن
إعادته فى هذا الموضعِ (١).
ثم قال تعالى ذكرُه: ﴿ وَصِيَّةً لِّأَزْوَجِهِمِ﴾ فَاخْتَلَفت القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك ؛
فقرَأ بعضُهم: ﴿ وَصِيَّةً لِّأَزْوَجِهِمْ﴾ بنصبِ ((الوصيةِ))، بمعنى: فَلْيُوصوا وصيةٌ
لأزواجهم، أو: عليهمْ وصيةً لأزواجِهم(٢) .
وقرَأْ آخرون: (وصيةٌ لأزواجهم) برفعِ ((الوصيةِ)) (١).
ثم اخْتَلف أهلُ العربيةِ فى وجهِ رفع ((الوصيةِ))؛ فقال بعضُهم: رُفعِت بمعنى :
كُتِبتْ عليهم الوصيةُ. واعتلَّ فى ذلك بأنها كذلك فى قراءةِ عبدِ اللهِ(٤) .
فتأويلُ الكلام على ما قاله هذا القائلُ: والذين يُتَوَقَّوْن منكم ويَذَرُون أزواجًا ،
كُتِب عليهم وصيةٌ لأزواجِهم. ثم تُرِك ذِكرُ ((كُتِبَ))، ورُفِعت ((الوصيةُ)) بذلك
المعنی، وإن کان متروكًا ذِ کژه .
وقال آخَرون منهم: بل ((الوصيةُ)) مرفوعةٌ بقولِه: ﴿لِأَزْوَجِهِمْ﴾ فتأوَّل(٥) :
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٢٤٧.
(٢) كذا وردت هذه العبارة، والظاهر أن فيها سقطا تقديره: ((عليهم أن يوصوا وصية)). أو: (( كتب الله
عليهم وصية)). أو أن يكون مكانها شاهدا لقراءة من قرأ بالرفع .
(٣) قرأ بالنصب أبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص. وقرأ الباقون بالرفع. ينظر حجة القراءات ص ١٣٨.
(٤) معانى القرآن للفراء ١ / ١٥٦، والبحر المحيط ٢٤٥/٢.
(٥) فى ص: ((فتأويل)).
٣٩٨
سورة البقرة الآية : ٢٣٩
الأزواجِهِم وصيّةٌ .
والقولُ الأولُ أوْلَى بالصوابِ فى ذلك، وهو أن تكونَ الوصيةُ - إذا رُفِعت -
مرفوعةً بمعنى : كُتِب عليكم وصيةٌ لأزواجِكم . لأن العربَ تُضْمِرُ النكراتِ مرافعَها
قبلَها إِذا أَضْمَرت ، فإذا أظهَرَت بدأَت به قبلَها فتقولُ: جاءنى رجلٌ اليومَ . وإذا قالوا :
رجلٌ جاءنى اليومَ . لم يكادُوا أن يقولوه إلّ والرجلُ حاضرٌ يُشِيرون إليه بـ((هذا))، أو
غائبٌ قد علِمِ المخبَرُ عنه خبرَه، أو بحذفٍ ((هذا)) وإضمارِه، وإن حذَفوه لمعرفةِ السامعِ
بمعنى المتكلِّم، كما قال اللّهُ تعالى ذكرُه: ﴿سُورَةُ أَنْزَلْنَهَا ﴾ [ النور: ١]. و﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [التوبة: ١]. فكذلك ذلك فى قولهِ: (وَصِيَّةٌ لأُزْوَاجِهِمْ).
وأولى القراءتينِ بالصوابِ فى ذلك عندنا قراءةُ مَن قَرَأْهُ رفعًا ؛ لدَلالةِ ظاهرٍ
القرآنِ على أن مُقَامَ المتوفَّى عنها زوجُها فى بيتِ زوجِها المتوفَّى حولًا كاملًا، كان
حقًّا لها قبلَ نزولِ قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. وقبلَ نزُولِ آيَةِ الميراثِ، ولِتظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ
عَ لَه بنحوِ الذى ذَلَّ عليه الظاهرُ مِن ذلك، أوضَى لهنَّ أزواجهنَّ بذلك قبلَ وفاتِهنَّ
أو لم يُوصوا لهنَّ به .
فإن قال قائلٌ: وما الدَّلالةُ على ذلك؟ قيل: لمَّ قال اللّهُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَالَّذِينَ
يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةٌ لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ وكان الموصِى لا شكَّ إنما
يُوصِى فى حياتِه بما يَأْمُرُ (١) بإِنْفاذِهِ بعدَ وفاتِه، وكان مُحالًا أن يُوصِىَ بعدَ وفاتِه،
٥٧٩/٢ وكان تعالى ذِكرُه إنما جعَل لامرأةِ الميتِ سكنَ الحولِ بعدَ وفاتِه، / "عُلِم أنه" حقٍّ
(١) القراءتان كلتاهما صواب مقروء بهما .
(٢) فى م: (( يؤمر)).
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت٢، س: ((علما به)).
٣٩٩
سورة البقرة الآية : ٢٣٩
لها وجَب لها (١) فى مالِه بغيرِ وصيةٍ منه لها، إذْ(١) كان الميتُ مُستحيلًا أن يكونَ منه
وصيةٌ بعدَ وفاتِه .
ولو كان معنَى الكلام على ما تأوَّله مَن قال: فلْيُوصٍ وصيةً . لكان التنزيلُ:
والذين يَحْضُرُهم الوفاةُ، ويَذَرونَ أزواجًا وصيةً لأزواجِهم، كما قال: ﴿كُتِبَ
عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ ﴾ [البقرة: ١٨٠].
وبعدُ ، فلو كان ذلك واجبًا لهنَّ بوصيةٍ مِن أزواجهنَّ المتوفَّينَ، لم يكن ذلكَ
حقًّا لهنَّ إذا لم يُوصِ أزواجهنَّ لهنَّ به (٣) قبلَ وفاتِهم، ولكان (٤قد كان لورثتِهم"
إخراجهنَّ قبلَ الحوْلِ، وقد قال اللّهُ تعالى ذكرُه: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ ولكن الأمرَ فى
ذلك بخلافٍ ما ظنَّه فى تأويلِه قارُه: ﴿ وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ بمعنى: أن الله تعالى
كان أمَر أزواجهنَّ بالوصيةِ لهنَّ، وإنما تأويلُ ذلك: والذين يُتَوقّون منكم ويَذَرون
أزواجًا كتَب اللّهُ لأزواجِهم عليكُم وصيةً منه لهنَّ أَيُّها المؤمنون، ألا تُخْرِ جُوهنَّ مِن
منازلٍ أزواجِهِنَّ حوْلًا. كما قال تعالى ذكرُه فى سورةِ ((النساءِ)): ﴿غَيْرَ مُضَارٍ
وَصِيَّةً مِّنَ اُللَّهُ ﴾ [النساء: ١٢]. ثم ترَكَ ذكرَ ((كتب اللّهُ)) اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ
عليه، ورُفِعت الوصيةُ بالمعنى الذى قلنا قبلُ .
فإن قال قائلٌ: فهل يجوزُ نصبُ الوصيةِ على الحالِ، بمعنى: مُوصِين لهنَّ
وصيةً ؟
(١) سقط من : م.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((إن)).
(٣) سقط من : م.
(٤ - ٤) فى م: ((لورثتهم))، وفى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لورثتهم قد كان))، والمثبت هو الصواب.
(٥ - ٥) مكانه بياض فى النسخ، والمثبت كما أثبته الشيخ شاكر.
٤٠٠
سورة البقرة الآية : ٢٤٠
قيل : لا ؛ لأن ذلك إنما كانَ يكونُ جائزًا لو تقدَّم الوصيةَ مِن الكلام ما يَصْلُحُ
أن تكونَ الوصيةُ خارجةً منه، فأمَّا ولم يَتَقَدَّمْه ما يَحْسُنُ أن تكونَ منصوبةٌ بخروجها
منه ، فغيرُ جائزِ نصبُها بذلك المعنَى .
ذكرُ بعضِ مَن قال: إنّ سُكنَى حولٍ كاملٍ كان حقًّا لأزواجِ المتوفَّين بعدَ
موتِهم على ما قُلنا ، أوصَى بذلك أزواجُهنَّ لهنَّ أو لم يُوصُوا لهنَّ به ، وأن
ذلك نُسِخ بما ذكَرنا مِن الأربعةِ الأشهرِ والعشرِ والميراثِ
حدَّثنى المُنَّى، قال : ثنا الحجَاجُ بنُ مِنهالٍ، قال: ثنا هَمَّامُ بنُ يحيى، قال :
سألتُ قتادةً عن قولِه: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَقَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً
لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَدعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾. فقال: كانت المرأةُ إذا تُوِّى عنها
زوجُها، كان لها الشُّكّنَى والنفقةُ حَوْلاً فى مالِ زوجِها ما لم تَخْرُجْ، ثم نسخ ذلك
بعدُ فى سورةِ ((النساءِ))، فجعَل لها فريضةٌ معلومةً ؛ الثُّمُنَ إن كان له ولدٌ، والرُّبُعَ إن
لم يكن له ولدٌ، وعِدَّتَها أربعة أشهر وعشرًا، فقال تعالى ذكره: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ
مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. فنسَختْ هذه الآيةُ
ما كان قبلَها مِن أمرِ الحوْلِ(١).
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ
فى قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى
اُلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ الآية. قال: كان هذا مِن قبل أن تَنْزِلَ آيَةُ الميراثِ ، فكانت
المرأةُ إذا تُوفِّى عنها زوجها ، كان لها الشُكّنَى والنفقةُ حولًا إن شاءَت ، فنسَخ ذلك
(١) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٢١٥ من طريق همام به، وهو فى تفسير عبد الرزاق ٩٦/١ -
ومن طريقه النحاس فى ناسخه ص ٢٤٠ - عن معمر، عن قتادة .