Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
الخبرَ عن عددِ الأيام والسنينَ ، وإنما تَعْنِى بذلك الإخبارَ عن الوقتِ الذى كان فيه
المُخْبَرُ عنه، فجاز أن يَنْطِقَ بالْحَوْلَيْ واليومَينْ على ما وَصَفْتُ قبلُ(١)؛ لأن معنى الكلام
فى ذلك: فعلْتُه إذ ذاك، وفى ذلك الوقتِ . فكذلك قولُه: ﴿وَاُلْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ
أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾. لمّا كان الرَّضاُ فى الحَوَلَيْ وليسا بالحَوْلَيْ - فكان
الكلامُ، لو أُطلِقٍ فى ذلك بغيرِ تبيين(٢) الحَوَلَيْ بالكمالِ، وقيل: ﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ
أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾. محتمِلاً أن يكونَ مَعْنِيًّا به حولٌ وبعضُ آخَرَ - نَفَى اللَّبْسَ عن
سامِعيه بقولِه: ﴿ كَامِلَيْنٍ﴾. أن يكونَ مرادًا به حولٌ وبعضُ آخَرَ، وأَبِين بقولِه :
كَامِلَيْنِ﴾. عن وقتِ تمامٍ حدِّ الرَّضاع، وأنه تمامُ الحَوَلَيْنْ بانقضائِهما دونَ
انقضاءِ أحدِهما وبعضِ الآخرِ .
ثم اختلف أهلُ التأويل فى الذى دَلَّتْ عليه هذه الآيةُ مِن مبلغ غايةٍ رَضاعٍ
المولودِين، أهو حدٌّ لكلِّ مولودٍ، أو هو حدٌّ لبعضٍ دونَ بعضٍ ؟ فقال بعضُهم: هو
حدٌّ لبعضٍ دونَ بعضٍ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثُنَّى ، قال : ثنا عبدُ الوهابِ ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةً،
عن ابنِ عباسٍ فى التى تَضَعُ لستةِ أشهرٍ أنها تُرضِعُ حَولَيْ كاملَيْ، وإذا وَضَعَت
السبعةٍ(٢) أشهرٍ أَرْضَعَتْ ثلاثةً وعشرين لتمام ثلاثين شهرًا، وإذا وضعَت لتسعةِ أشهرٍ
أَرضعَت واحدًا وعشرين شهرًاً" .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قيل)).
(٢) فى النسخ: ((تضمين)). والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٣) فى ص: (( لستة)).
(٤) أخرجه الطحاوى فى المشكل ٢٩١/٧، ٢٩٢ عقب (٢٨٦٠)، وابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى
تفسير ابن كثير ٢٦٤/٧، والحاكم ٢٨٠/٢، والبيهقى ٤٤٢/٧، ٤٦٢، من طريق داود بن أبى هند به .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٨/١ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر .
٢٠٢
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
حدَّثنا ابنُ المُثُنَّى، قال: حدَّثنى [٢٩١/١ظ] عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ ، عن
عكرمةً بمثله، ولم يرفعه إلى ابنِ عباسٍ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
الزُّهْرِىِّ، (عن أبى عُبيدٍ) ، قال: رُفِع إلى عثمانَ امرأةٌ ولَدتْ لستةِ أشهرٍ ، فقال : إنها
رُفِعَتْ " إلىَّ امرأةٌ)، لا أَراها إلا قد جاءتْ بِشَرٌ - أو نحوَ هذا - وَلَدتْ لستةِ أشهرٍ !
فقال ابنُ عباسٍ : إذا أَثَمَّتِ الرَّضاعَ كان الحملُ لستة أشهرٍ. قال: وتلا ابنُ عباس:
وَحَمْلُهُ وَفِصَلُ ثَلَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. فإذا أتمّتِ الرَّضاعَ كان الحملُ
لستةٍ أَشهرٍ. فخلَّى عثمانُ سبيلَها (٣) .
وقال آخرون : بل ذلك حدُّ رَضاع كلِّ مولودٍ اختلف والداه فى رَضاعِه ، فأراد
أحدُهما البلوغَ إليه ، والآخَرُ التقصيرَ عنه .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المنُنَى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾: فجعَل اللَّهُ سبحانَه
الرَّضاعَ حَولَيْ كاملَيْ لمن أراد أن يُتِمَّ الرَّضاعةَ. ثم قال: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ
مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ إن أرادا أن يَفْطِماه قبلَ الحَوَلَيْ وبعدَه(٤).
/حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبرنا ابنُّ المبارَكِ، عن ابنِ جُريجٍ،
٤٩٢/٢
(١ - ١) سقط من: ت ١، ت ٢، ت٣، وفى ص، م: ((عن أبى عبيدة)). والمثبت من مصنف عبد الرزاق،
وينظر تهذيب الكمال ٢٨٨/١٠.
(٢ - ٢) سقط من النسخ، والمثبت من مصدرى التخريج.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٣٤٤٦)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٠/٦ إلى عبد بن حميد.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٨/١ إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم مقتصرا على آخره، وأخرجه
كذلك ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٣٤/٢ (٢٢٩٩) من طريق عبد الله بن صالح به .
٢٠٣
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿ وَاُلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾ قال: إن أرادتْ
أُمُّه أن تُقَصِّرَ عن حَولَيْ كان عليها حقًّا أَن تَبْلُغَه ، لا أن تَزِيدَ عليه إلا أن تشاءَ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهرانُ ، وحدَّثنى علىُ بنُ سهلِ ، قال : ثنا زيدُ بنُ
أبى الزَّرْقاءِ، جميعًا عن الثورىِّ فى قوله: ﴿وَأَلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ
لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾: والتمامُ الحَوْلانِ. قال: فإذا أراد(١) الأَبُ أن يَفْطِمَه قبلَ
الحَوْلَيْ ولم تَرْضَ المرأةُ فليس له ذلك، وإذا قالتِ المرأةُ: أنا أَفْطِمُه قبلَ الحَوْلَين . وقال
الأَبُ : لا . فليس لها أن تَفْطِمَه حتى يَرْضَى الأَبُ حتى يَجتمِعًا، فإن اجتمعا قبلَ
الحولَيْ فَطَمَاه، وإذا اختلَفا لم يَفْطِماه قبلَ الحَوْلَيْ. وذلك قولُه: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن
تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ ﴾
وقال آخرون: بل دلَّ اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلِيْنِ
كَامِلَيْنٍ﴾. على ألا رَضاعَ بعدَ الحَوْلَيْ، فإن الرَّضاعَ إنما هو ما كان فى الحَوَلَيْ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المُنَّى ، قال : ثنا آدمُ ، قال: أخبَرَنا ابنُ أبي ذئبٍ ، قال: ثنا الزهرىُّ ، عن
ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ أنهما قالا: إن اللَّه تعالى ذكرُه يقولُ: ﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ
أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾. ولا نَرَى رَضاعًا بعدَ الحَوَلَيْنْ يُحَرِّمُ شيئًا) .
(١) فى ص: ((يشاء)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢٩/٢ (٢٢٧٠) من طريق ابن المبارك به ، وأخرجه عبد الرزاق
(١٢١٧٣) عن ابن جريج به .
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢٩/٢ من طريق حسين بن حفص ، عن سفيان مقتصرا على قوله :
والتمام الحولان .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢٩/٢ (٢٢٦٦) من طريق ابن أبى ذئب به .
٢٠٤
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا ابنُ المبارَكِ، عن يونسَ بنِ يزيدَ، عن الزهرىِّ ، قال :
كان ابنُ عمرَ وابنُ عباسٍ يقولان: لا رَضاعَ بعدَ الْحَوْلَيْ(١).
حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا حَفْصٌ، عن الشَّيبانىٌّ، عن(٢) أبى الضُّحَى، عن
أبى عبدِ الرحمنِ ، عن عبدِ اللهِ ، قال: ما كان مِن رَضاع بعدَ سنتَيْ أو فى الحَوْلَيْ بعدَ
الْفِطامِ ، فلا رَضاعَ(٣) .
حدَّثنا ابنُ بَشّارٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ ، قالا: ثنا سفيانُ ، عن
الأعمشِ، عن إبراهيمَ ، عن عَلْقمةَ، أنه رأى امرأةً تُرضِعُ بعدَ حَوْلَيْ ، فقال : لا
(٤)
تُرْضِعِيهُ(٤) .
حدَّثنا ابنُ بَشّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن الشَّيبانىّ، قال:
سَمِعْتُ الشعبىَّ يقولُ: ما كان مِن وَجُورٍ (٢) أو سَعوطٍ (١) أو رَضاع فى الحَوْلين فإنه
يُحرِّمُ، وما كان بعد الحَوْلَيْنَ لم يُحرِّمْ شيئًاً".
حدَّثنا ابنُّ المُنْتَّى ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ ، عن
إبراهيمَ أنه كان يُحدِّثُ عن عبدِ اللَّهِ أنه قال: لا رَضاعَ بعد فِصالٍ أو بعد حَوْلَيْ(٨).
(١) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٩٠٠) عن معمر، عن الزهرى به، وعنده عن ابن عمر أو ابن عباس.
(٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢: ((ابن)). وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٥٢٠.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٩٠/٤ عن حفص به .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٩١/٤ عن عبد الرحمن بن مهدى وأبى أسامة به .
(٥) الوجور : الدواء يبلغ فى الفم. اللسان ( وج ر).
(٦) السعوط : الدواء يصب فى الأنف . اللسان (س ع ط ).
(٧) أخرجه ابن حزم ١٩٩/١١ من طريق عبد الرحمن بن مهدى به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه
(٩٧٣)، وابن أبى شيبة ٢٩١/٤ من طريق الشيبانى به .
(٨) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٧٤)، والبيهقى ٤٦٢/٧، وابن حزم ١١ / ١٩٩، من طريق المغيرة
به .
٢٠٥
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا حسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن
عبدِ الأعلى ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: ليس يُحرِّمُ مِن الرَّضاع بعد
التمامِ ، إنما يُحرِّمُ ما أَنْبتَ اللحمَ وأَنشأ العَظْمَ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَهٌ، عن
عمرٍو بنٍ دينارٍ ، أن ابنَ عباسٍ قال: لا رَضاعَ بعد فِصالِ السنتَيْ(١).
/حدَّثنا هلالُ بنُ العَلاءِ الرَّقِّى، قال: ثنا أبى، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ، عن زيدٍ، عن ٤٩٣/٢
عمرٍو بنِ مُؤَّةَ، عن أبى الضُّحَى، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: ﴿ وَالْوَلِدَتُ
يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾. قال: لا رَضاعَ إلا فى هذين الحولين(١).
وقال آخرون: بل كان قولُه: ﴿وَاُلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ .
دلالةٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عبادَه على أن فرضًا على والداتِ المولودِين أن يُرْضِعْنَهم
حولين كاملين، ثم خفّف تعالى ذكرُه ذلك بقوله: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةُ ﴾ .
فجعَل الخِيارَ فى ذلك إلى الآباء والأمهاتِ، إذا أرادوا الإتمامَ أْمَلوا حولين، وإن أرادوا
قبلَ ذلك فَظْمَ المولودِ كان ذلك إليهم على النظرِ منهم للمولودٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ قولَه: ﴿وَاُلْوَلِدَاتُ
يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾: ثم أَنْزَل اللَّهُ الْيُسْرَ والتَّخْفيفَ بعدَ ذلك، فقال
تعالى ذكره: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُبِمَّ الرَّضَاعَةُ﴾(٣).
(١) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٣٩٠١)، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٩٨٠)، والطحاوى فى
المشكل ٢٩٥/٧، والبيهقى ٤٦٢/٧ من طريق عمرو بن دينار به بنحوه .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٨/١ إلى المصنف.
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٢٩، عقب الأثر (٢٢٦٩) معلقًا .
٢٠٦
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
حُدِّثْتُ عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع فى قوله :
﴿وَأَلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾. يعنى: المطلقاتُ يُوْضِعْن أولادهن
حولين كاملين، ثم أَنْزَل الرُّخْصةَ والتَّخْفِيفَ بعدَ ذلك، فقال: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِّ
الرَّضَاعَةُ﴾(١).
ذكرُ مَن قال: إن الوالداتِ [٢٩٢/١و]
اللَّوَاتى ذكَرَهن اللّهُ تعالى فى هذا الموضعِ
البائناتُ مِن أَزْواجِهن. على ما وصَفْنا قبلُ
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن الشُّدئِّ، قال :
﴿وَأْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ ﴾ إلى ﴿إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَانَيْتُمُ
بِالْغُرُوفِّ﴾: أما ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ ﴾. فالرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه
وله منها ولدٌ ، وأنها تُرْضِعُ له ولدَه بما يُرْضِعُ له غيرُها (١).
حدَّثنى المُنُنَّى ، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ المبارَكِ ، عن مجوَئِيرٍ،
عن الضََّّاكِ فى قولِه: ﴿ وَاُلْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾. قال: إذا
طلَّق الرجلُ امرأته وهى تُرْضِعُ له ولدًا(٣) .
حدَّثْنَا المُنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرِ، عن مجُوَثِيرٍ، عن الضَّحَّاكِ
بنحوه .
وأوْلَى الأقْوالِ بالصوابِ فى قوله: ﴿ وَأُلْوَزِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢٩/٢ (٢٢٦٩) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٢٨، عقب الأثر (٢٢٦٣) من طريق عمرو به .
(٣) سيأتى بتمامه فى ص ٢١١ .
٢٠٧
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُثِمَّ الرَّضَاعَةُ﴾. القولُ الذى رواه علىُ بنُ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ،
ووافَقَه على القولِ به عطاءٌ والثورىُّ ، والقولُ الذى رُوِى عن عبدِ الله بن مسعودٍ وابنٍ
عباسٍ وابنِ عمرَ، وهو أنه دلالةٌ على الغايةِ التى يُنْتَهَى إليها فى رَضاعِ المولودِ إذا
اخْتَلَف والداه ، وألا رَضاعَ بعدَ الحولين يُحَرِّمُ شيئًا ، وأنه مَعْنىٌ به كلُّ مولودٍ لستةٍ
أشهرٍ كان ولادُه أو لسبعةٍ أو لتسعةٍ .
فأما قولُنا : إنه دلالةٌ على الغايةِ التى يُنْتَهَى إليها فى الرضاع عندَ اختلافٍ
الوالدين فيه ؛ فلأن اللَّهَ تعالى ذِكْرُه لَّا حدَّ فى ذلك حدًّا كان غيرَ جائزٍ أَن يَكونَ ما
وراءَ حدِّه موافقًا فى الحكم ما دونَه ؛ لأن ذلك / لو كان كذلك لم يَكَنْ للحدِّ معنًى ٤٩٤/٢
معقولٌ. وإذ كان ذلك كذلك، فلا شكَّ أن الذى هو دونَ الحولين مِن الأجَلِ لَّ كان
وقتَ رَضاعٍ كان ما وراءَه غيرَ وقتٍ له ، وأنه وقتٌ لتَوْكِ الرَّضاع، وأن تمامَ الرَّضاع لمّا
كان تَمامَ الحولين، وكان التمائمُ مِن الأشياءِ لا معنى للزيادةِ " فيه - كان لا معنى
للزيادةِ فى الرضاعِ على الحولين، وأن ما دونَ الحولين مِن الرضاع لمّا كان مُحَرِّمًا ،
كان ما وراءَه غيرَ مُحَرِّمٍ .
وإنما قلْنا: هو دلالةٌ على أنه مَعْنٌ به كلُّ مولودٍ لأىِّ وقتٍ كان وِلادُه ؛ لستةٍ
أشهرٍ، أو سبعةٍ، أو تسعةٍ ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه عمَّ بقولِه: ﴿ وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ
أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ ﴾. ولم يَخْصُصْ به بعضَ المولودِين دونَ بعضٍ .
وقد دلّلْنا على فسادِ القولِ بالخصوصِ بغيرِ بيانِ اللَّهِ تعالى ذكرُه ذلك فى
كتابِهِ، أو على لسانِ رسولِه ◌ِ له فى كتابِنا ((كتابِ البَيانِ عن أصولٍ الأحكام)) بما
أغْنَى عن إعادتِهِ فى هذا الموضعِ .
(١) فى م: ((إلى الزيادة)).
٢٠٨
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
فإن قال لنا قائلٌ: فإن اللَّهَ تعالى ذكرُه قد بيَّن ذلك بقولِه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ
ثَثُونَ شَهْرًّا﴾. فجعَل ذلك حدًّا للمَعْنَيَيْنْ كليهما، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ حملٌ
ورَضائعٌ أكثرَ مِن الحدِّ الذى حدَّه اللَّهُ تعالى ذكرُه، فما نقَص مِن مدةِ الحملِ عن
تسعة أشهرٍ، فهو مَزيدٌ فى مدةِ الرضاع، وما زِيدَ فى مدةِ الحملِ نَقَص مِن مدةٍ
الرَّضاع، وغيرُ جائزٍ أَن يُجاهِزَ بهما كليهما مدةَ ثلاثين شهرًا، كما حدَّه اللَّهُ تعالى
ذ کرُه ؟
قيل له : فقد يَجِبُ أن يَكونَ مدةُ الحمل - على هذه المَقَالَةِ - إن بلَغَت حولين
كاملين، ألا يُرْضَعَ المولودُ إِلا ستةَ أشهرٍ ، وإن بلَغَت أُربِعَ سنينَ أن يَبْطُلَ الرَّضاحُ فلا
يُوضِعَ؛ لأن الحملَ قد اسْتَغْرَق الثلاثين شهرًا، وجاوَز غايتَه، أو يَزْعُمُ قائلُ هذه المقالةِ
أن مدةَ الحملِ لن تُّجاوِزَ تسعة أشهرٍ، فَيَخْرُجَ مِن قولِ جميع الحُجَّةِ، ويُكابِرَ الموجودَ
والمُشاهَدَ ، وكفَى بهما حُجَّةٌ على خطأ دَعْواه إن ادَّعَى ذلك. فإلى أىِّ الأمرين لجَأ
قائلُ هذه المقالةِ وضَّحُ(١) لذَوِى الفَهْمِ فسادُ قولِه.
فإن قال لنا قائلٌ: فما معنى قولِه - إن كان الأمرُ على ما وصَفْتَ -: ﴿وَحَمْلُهُ
وَفِصَلُ تَثُونَ شَهْرًا﴾. وقد ذكَرْتَ آنِفًا أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ ما جاوَزِ حدَّ اللَّهِ
تعالى ذكرُه نظيرَ ما دونَ حدِّه فى الحكم، وقد قلتَ: إن الحملَ والفِصالَ قد
يُجاوزان ثلاثين شهرًا ؟
قيل : إن اللَّهَ تعالى ذكرُه لم يَجْعَلْ قولَه: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَلُمُ تَثُونَ شَهْرًا﴾.
حدًّا تعَبَّد عبادَه بألا يُجاوزُوِهِ كما جعَل قوله: ﴿وَاُلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ
كَامِلَيْنٌّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَّ الرَّضَاعَةٌ ﴾. حَدًّا لرَضاعِ المولودِ الثابتِ(٢) الرضاعِ، وتَعَّد
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: (( صح).
(٢) فى م: ((التام)).
٢٠٩
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
العبادَ بحمل والديه عليه عندَ اخْتِلافِهما فيه، وإرادةِ أحدِهما الضِّرارَ به ، وذلك أن
الأمرَ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه إِنما يَكونُ فيما يَكونُ للعِبادِ السبيلُ إلى طاعتِه بفعلِه(١)
والمعصيةِ بتركِه، فأما ما لم يَكُنْ لهم إلى فعلِه ، ولا إلى تركِه سبيلٌ ، فذلك مما لا
يَجوزُ الأمرُ به ولا النهى عنه ولا التعبّدُ به .
فإذا كان ذلك كذلك، وكان الحملُ مما لا سبيلَ للنساءِ إلى تقصيرِ
مدتِه، ولا إلى إطالتِها فيَضَعْنَه متى شِئْنَ، ويَتْرُكْن وَضْعَه إذا شِئْنَ، كان
معلومًا أن قوله: ﴿ وَحَمْلُ وَفِصَلُهُ تَلَثُونَ شَهْرًا﴾ إنما هو خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن
أن مِن خَلْقِه مَن حمَلَتْه أمُّه وولَدَتْه وفصَلَتْه فى ثلاثين شهرًا ، لا أمرٌ بألا يُتجاوَزَ فى
مدةِ حملِه وفِصالِه ثلاثون شهرًا؛ لما وصَفْنا، وكذلك قال / ربُّنا تعالى ذكره فى ٤٩٥/٢
كتابِهِ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنِسَنَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَنًّا(٢) حَمَلَتْهُ أُمُهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرُّهًّاً وَحَمْلُهُ
وَفِصَلُ [٢٩٢/١] ثَثُونَ شَهْرًا﴾ .
فإِن ظنَّ ذو غَباءٍ أن الله تعالى ذكرُه إذ وصَف أن مِن خلْقِهِ مَن حمَلَتْه أمُّه
ووضَعَتْه وفصَلَتْه فى ثلاثين شهرًا ، فوجب أن يَكونَ جميعُ خلقِه ذلك صفتُهم ، وأن
ذلك دلالةٌ على أن حملَ كلِّ عبادِه وفِصالَه ثلاثون شهرًا ، فقد يَجِبُ أن يَكونَ كلُّ
عبادِهِ صفتُهم أن يَقُولوا إذا بلغوا أَشُدَّهم، وبلغوا أربعين سنةٌ: ﴿ رَبِّ أَوَزِعْنِىّ أَنْ
أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَّتِىَ أَنْعَمْتَ عَلَّ وَعَلَى وَالِدَىَ وَأَنَّ أَعْمَلَ صَلِحًا نَرْضَلُهُ ﴾. على ما
وصَف اللَّهُ به الذى وُصِف فى هذه الآيةِ . وفى وُجودِنا مَن يَسْتَحْكِمُ كفره باللّهِ ،
وكُفْرَانُه نِعَمَ ربِّه عليه، وجُزّتُه على والدَيْه بالقتلِ والشَّتْمِ وضُروبِ المكارِهِ عندَ
(١) فى ت ٢: ((بفضله)).
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((حسنا)). وهما قراءتان سيذكرهما المصنف عند تفسير هذه الآية من
( تفسير الطبرى ١٤/٤ )
سورة الأحقاف .
٢١٠
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
استكمالِهِ الأربعين مِن سِنِيه، وبُلوغِه أَشُدَّه، ما يُعْلِمُ أنه لم يَعْنِ اللَّهُ بهذه الآيةِ
صفةَ جميعِ عبادِه، بل يُعْلِمُ أنه إنما وصَف بها بعضًا منهم دونَ بعضٍ، وذلك
ما لا يُتْكِرُه ولا يَدْفَعُه أحدٌ؛ لأن مَن يُولَّدُ مِن الناسِ لتسعة أشهرٍ أكثرُ مَمَّن يُولَّدُ
لأربع سنين ولسنتين، كما أن مَن يُولَدُ لتسعة أشهرٍ أكثرُ مَمَّن يُولَدُ لستةِ أشهرٍ،
ولسبعةٍ .
واختَلَفَتِ القَرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَه عامَّةُ أهلِ المدينةِ والعراقِ والشامٍ :
﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُثِّ الرَّضَاعَةٌ﴾. بالياءِ فى ﴿يُثِّ﴾، ونصبٍ ﴿الرّضَاعَةٌ﴾. بمعنى:
لمن أراد مِن الآباء والأمهاتِ أن يُمَّ رَضاعَ ولدِه.
وقرّأه بعضُ أهلِ الحجازِ: (لَمَنْ أَرَادَ أَنْ تَتِمَّ الرَّضَاعَةُ). بالتاءِ فى ((تتم)) ، ورفعٍ
(١)
((الرضاعة)) بصفتها
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا قراءةُ مَن قَرَأ بالياءِ فى ﴿ يُتِمَّ ﴾ ونصبٍ
الرَّضَاعَةٌ﴾؛ لأن الله تعالى ذكرُه قال: ﴿ وَالْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَ﴾ فكذلك
هن يُتْمِعْنَها إذا أرَدْنَ هن والمولودُ له إتمامَها، وأنها القراءةُ التى جاء بها النقلُ
المُسْتَفِيضُ الذى ثبَت به الحُجَّةُ دونَ القراءةِ الأخرى .
وقد حُكِى فى الرضاعةِ سَماعًا مِن العربِ كسرُ الراءِ التى فيها، وإن تَكُنْ
صَحيحةٌ فهى نَظيرةُ الوَكالةِ والوكالةٍ ، والدَّلالةِ والدِّلالةِ(١) ، ومهَرْتُ الشىءَ مَهارَةٌ
ومِهارةً ، فيَجوزُ حينئذِ الرَّضاُ والرِّضائعُ، كما قيل: الحَصادُ والحِصادُ . وأما القراءةُ
(١) وهى قراءة مجاهد والحسن وحميد بن قيس وابن محيصن وأبى رجاء، وهى من القراءات الشاذة . ينظر
البحر المحيط ٢١٣/٢.
(٢) بعده فى ص: ((والدلالة)).
٢١١
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
فبالفتح لا غيرُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَعَلَى اْمَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
بِالمعْرُوفِ﴾ .
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ﴾: وعلى آباءِ الصِّبْيانِ للمَرَاضِعِ
رِزْقُهُنَّ﴾. يعنى: رزقُ والدتِهن. ويعنى بالرزقِ ما يَقُوتُهن مِن طعامٍ ، وما لا بدَّ
لهن مِن غِذاءٍ ومَطْعَم. ﴿ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾. ويعنى بالكِسوةِ المُلْبَسَ.
ويعنى بقولِه : ﴿ بِالْعْرُوفِ﴾: بما يَجِبُ لمثلِها على مثلِه، إذ كان اللَّهُ تعالى
ذكرُه قد علِم تَفاؤتَ أحوالِ خلقِه بالغنى والفقرِ ، وأن منهم الموسِعَ والمُقْتِرَ وبينَ
ذلك، فأمَر كلَّا أن يُنْفِقَ على مَن لَزِمَتْه نفقتُه مِن زوجتِه وولدِه على قَدْرِ مَيْسَرتِه،
كما قال تعالى ذكره: ﴿ لِنَفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ
ءَائَنْهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلََّ مَآ ءَاتَنَهَا﴾ [ الطلاق: ٧] .
وكما حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا سُوَيِّدٌ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ المبارَكِ، عن مجوَئِيرٍ ،
عن الضَّحَّاكِ فى قوله: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمّ
الرَّضَاعَةٌ وَعَلَى الْمُؤَلُودِ / لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾. قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأته
وهى تُرْضِعُ له ولدًا، فتَراضَيا على أن تُرْضِعَ حولَيْ كاملَيْ، فعلى الوالدِ رزقُ
المُرْضِعُ(١) والكِشوةُ بالمعروفِ، على قدرِ الَسَرةِ، لا يُكَلِّفُ(١) نفسًا إلا
(٣)
وُسعَها(٢).
٤٩٦/٢
(١) فى ص: ((الموضوع)).
(٢) فى م: ((نكلف)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤١٨/١ بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٨/١ إلى المصنف مقتصرا
على قوله : على قدر الميسرة .
٢١٢
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
حدَّثنى علىُّ بنُ سهلِ الرَّمْلِىُّ، قال: ثنا زيدٌ(١)، وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا
مِهْرانُ، جميعًا(٢) عن سُفيانَ قولَه: ﴿ وَالْوَِّدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ
أَرَادَ أَنْ يُثِّ الرَّضَاعَةَ﴾: والتَّمامُ الحولان، ﴿ وَعَلَى الْوَلُودِ لَهُ﴾، على الأَبِ طعامُها
وكِشوتُها بالمعروفِ(٣) .
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿وَعَلَى
المؤَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَّكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: على الأبِ(٤).
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿("لَا تُكَلَّفُ نَفْسُْ إِلَّا وُسْعَهَاْ
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: لا تُحَمَّلُ نفسٌ مِن الأمورِ إلا ما لا يَضِيقُ عليها ولا
يَتَعَذَّرُ عليها وُجودُه إذا أرادَت . وإنما عنَى اللّهُ تعالى ذكرُه بذلك: لا يُوجِبُ اللّهُ على
الرجالِ مِن نفقةِ مَن أَرْضَعَ أولادَهم مِن نسائهم البائناتِ منهم إلا ما أطاقوه ، ووجَدوا
إليه السبيلَ، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فَيُنِفِقْ مِمَّآ ءَائَنَهُ اللَّهُ﴾ .
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثنى علىّ، قال: ثنازيدٌ، جميعًا
عن سفيانَ: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسَعَهَا﴾. إلا ما أطاقَت(٦).
(١) فى ص: ((يزيد)).
(٢) سقط من: م.
(٣) تقدم تخريج أوله فى ص ٢٠٣ .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢٩/٢ عقب الأثر (٢٢٧١) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٥ - ٥) فى ص: (( لا يكلف الله نفسا)).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٧٧/٢ (٣٠٨١) من طريق مهران به ، بنحوه. وذكره فى ٤٣٠/٢
عقب الأثر (٢٢٧٦) معلقًا .
٢١٣
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
والوُسْعُ الفُعْلُ، مِن قولِ القائلِ: وسِعَنى هذا الأمرُ، فهو يَسَعُنى سَعَةً .
ويقالُ : هذا الذى أعْطَيْتُك وُسْعى. أى: ما يَتَّسِعُ لى أن أَعْطِيَك فلا يَضِيقُ علىَّ
إعطاؤُ كَه. و: أعْطَيْتُك مِن جُهْدى. إذا أَعْطَيْتَه ما يُجْهِدُك، فيَضِيقُ عليك
إعطاؤه .
فمعنى قوله: ﴿ لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا﴾. هو ما وصَفْتُ مِن أنها لا تُكَلَّفُ
إلا ما يَتَّسِعُ لها بَذْلُ ما كُلِّفَت بَذْلَه ، فلا يَضِيقُ عليها ولا يَجْهَدُها ، لا ما ظنَّه جَهَلةُ
أهلِ القدَرِ مِن أن معناه لا تُكَلَّفُ نفسٌ إلا ما قد أُعْطِيَت عليه القدرةَ مِن الطاعاتِ .
لأن ذلك لو كان كما زعَمَت، [٢٩٣/١و٢ لكان قولُه تعالى ذكره: ﴿أُنْظُرْ كَيْفَ
ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: ٤٨، الفرقان: ٩] - إذ كان
دالًّا على أنهم غيرُ مُسْتَطِيعى السبيلِ إلى ما كُلّفوه - واجبًا أن يَكونَ القومُ فى حالٍ
واحدةٍ قد أُعْطُوا الاسْتِطاعةَ على ما مُنِعوها عليه، وذلك مِن قائلِه ، إن قاله ، إحالةٌ فى
كلامِه، ودغْوَى باطلٍ لا يُخِيلُ بُطولُه. وإذا كان بيًّا فسادُ هذا القولِ ، فمعلومٌ أن
الذى أُخْبَر تعالى ذكرُه أنه كلَّف النفوسَ مِن وُسْعِها غيرُ الذى أخْبَر أنه كلَّفَها مما لا
تَسْتَطِيعُ إليه السبيلَ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿لَا تُضَارَ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ
بِوَلَدِهِْ﴾ .
اخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأه عامَّةُ قَرأَةِ أَهلِ الحجازِ والكوفةِ والشامِ :
﴿لَا تُضَارَ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾. بفتحِ الراءِ(١)، بتأْويلٍ: لا تُضَارَوْ(٢). على وجهِ
(١) وهى قراءة نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ١٣٦.
(٢) فى ص: ((تضارن)).
٢١٤
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
النهي ، وموضعُه - إذا قُرِئُ(١) كذلك - جَزْمٌ، غيرَ أنه محُرِّكُ(١)، إذ تُرِك التضعيفُ
بأخفِّ الحركاتِ وهو الفتح، ولو محرّك إلى الكسرِ كان جائزًا، إنْباعًا لحركةٍ لام (١)
الفعلِ حركةً عينِه، وإن شئتَ فلأنَّ الجزمَ إذا حُرِّكَ حُرِّك إلى الكسرِ(٢).
٤٩٧/٢
وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ الحجازِ وبعضُ أهلِ البصرةِ: / (لَا تُضَارُ(٥) والدةٌ
بولَدِها) رفعٌ(٢) . ومَن قرأَه كذلك لم تَحْمِلْ قراءتُه معنى النهى، ولكنها تكونُ
الخبرَ، عطفًا بقوله: ﴿لَا تُضَآرَ﴾ على قولِه: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وقد زعم بعضُ نحوِّى البصرةِ أن معنى مَن رفَع : ( لا تُضارُّ والدةٌ بولدِها) هكذا
فى الحكم، أنه لا تُضارُّ والدةٌ بولدِها. أى: ما يَنْبَغِى أن تُضارّ. فلما حُذِفَت ((يَنْبَغِى))،
وصار ((تُضارُ)) فى موضعِه صار على لفظِه. واستَشْهد لذلك بقولِ الشاعرِ ":
عَلَى الحَكَمِ المَأْتِىِّ يومًا إذا قضَى قَضِيَّتَه ألا يَجُورَ وَيَقْصِدُ(٤)
فرعَم أنه رفَع ((يَقْصِدُ )) بمعنى (( يَنْبَغِى)). والمحكىُّ عن العربِ سَماعًا غيرُ الذى
قال، وذلك أنه رُوِى عنهم سَماعًا: فَتَصْنَعَ ماذا . إذا أرادوا أن يقولوا: فتُرِيدُ أن
تَصْنَعَ ماذا. فيَنْصِبونه بنِيَّةِ ((أن))، وإذا لم يَنْؤُوا ((أن)) ولم يُريدُوها، قالوا: فتُرِيدُ
(١) فى ص: (( قوی )).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((حول)).
(٣) فى ص: ((لأن)).
(٤) ينظر تعليق الشيخ شاكر على هذا الموضع من كلام المصنف، وينظر ما سيأتى فى ص ٢١٨، ٢١٩.
(٥) فى م: ((تضارر)). وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو. حجة القراءات ص ١٣٦.
(٦) فى النسخ: ((فعل)). والمثبت هو الصواب.
(٧) فى م: ((بالخبر)). ويعنى بقوله تكون الخبر، أى تكون على معناه .
(٨) البيت فى شرح المفصل ٧/ ٣٨، واللسان (ق صد)، وخزانة الأدب ٨/ ٥٥٥، ٥٥٧، ٥٥٨ وقد نسب
فيها إلى أبى اللحام التغلبى، ونسبه فى الكتاب ٥٦/٣ إلى عبد الرحمن بن أم الحكم.
(٩) يقصد: يعدل، من القصد وهو العدل. التاج (ق ص د).
٢١٥
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
ماذا. فيَرْفَعون ((تُرِيدُ))؛ لأنه لا جالِبَ لـ ((أن)) قبلَه، كما كان له جالبٌ قبلَ
((تَصْنَع)). فلو كان معنى قوله: (لا تُضارُ). إذا قُرِئ رفعًا بمعنى: يَنْتَغى ألا تُضارَّ،
أو ما يَنْبَغِى أَن تُضارَّ. ثم حُذِف ((يَنْتَغِى)) و((أن))، وأَقِيم ((تُضارُّ)) مُقَامَ ((يَنْبَغِى)) ،
لكان الواجبُ أن يَقْرَأَ - إذا قُرِئ بذلك المعنى - نصبًا لا رفعًا، ليُعْلَمَ بنصبِهِ المتروكُ
قبلَه المعنىُّ المرادُ ، كما فُعِل بقَوْلِهم (١) : فَتَصْنَعَ ماذا . ولكن معنى ذلك ما قلنا إذا رُفِع
على العطفِ على ﴿لَا تُكَلَّفُ﴾: ليست تُكَلَّفُ نفسٌ إلا وُسْعَها، وليست تُضارّ
والدةٌ بولدِها . يعنى بذلك أنه ليس ذلك فى دينِ اللّهِ وحُكْمِه وأخلاقِ المسلمين .
وأولى القراءتينْ بالصوابِ فى ذلك قراءةُ مَن قرَأ بالنصبِ (١)؛ لأَنَّه نهىٌ مِن اللّهِ
تعالى ذكرُه كلَّ واحدٍ مِن أبوَي المولودِ عن مُضارَّةٍ صاحبِه له، حرامٌ عليهما ذلك
بإجماع المسلمين، فلو كان ذلك خبرًا لكان حرام عليهما ضِرارهما به كذلك .
وبما قلْنا(٣) من أن ذلك بمعنى النهى ، تأوّله أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيح ،
عن مُجاهِدٍ : ﴿لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾: لا تَأْتَى أَن تُرْضِعَه لِيَشُقَّ ذلك على
أبيه، ولا يُضَارُّ الوالدُ بولدِهِ، فَيَمْنَعَ أَمَّه أن تُرْضِعَه لِيَحْزُنَها (٤).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةً، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثله .
(١) فى م: ((بقوله)).
(٢) والقراءتان متواترتان وكلتاهما صواب .
(٣) بعده فى م: ((فى ذلك)).
(٤) فى ص: ((فيحزنها))، والأثر فى تفسير مجاهد ص ٢٣٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٣٠/٢ (٢٢٧٧).
٢١٦
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قَتَادةَ قولَه :
﴿لَا تُضَارَ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهٍِ﴾. قال: نهَى اللّهُ تعالى عن
الضِّرارِ، وقدَّم فيه، فنهَى اللّهُ أَن يُضَارَّ الوالدُ فيَنْتَزِعَ الولَدَ مِن أمِّه إذا كانت راضيةً بما
كان مُسْتَوْضِعًا به غيرَها، ونُهِيَتِ الوالدةُ أن تَقْذِفَ الولدَ إلى أبيه ضِرارًا .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمٌ، عن
قَتَادةَ فى قولِه: ﴿لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾: تَرْمِى به إلى ١ أبيه ضِرارًا، ﴿وَلَا
مَوْلُودٌ لَُّ بِوَلَدِهِةٍ﴾ يقولُ: ولا الوالدُ(٢) فيَنْتَزِعُه منها ضِرارًا إذا رَضِيَت مِن أجْرِ الرَّضاع
ما رضِى به غيرُها ، فهى أحقُّ به إذا رضِيَت بذلك(٣).
٤٩٨/٢
/حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن يونُسَ ، عن الحسنِ:
﴿لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ قال: ذلك إذا طلَّقها، فليس له أن يُضارَّها ، فيَنْتَزِعَ
الولدَ منها إذا رضِيَت منه بمثلِ ما يَرْضَى به غيرُها ، وليس لها أن تُضَارَّه فتُكَلِّفَه ما لا
يُطِيقُ إذا كان إنسانًا مسكينًا فَتَقْذِفَ إليه ولدَه (٤).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن لجوَثِيرٍ، عن
الضَّحاكِ: ﴿لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾: لا تُضارَّ أمّ بولدِها، ولا أبّ بولدِه،
يقولُ: لا تُضارّ أمّ بولدِها فتَقْذِفَه ("إليه إذاْ) كان الأبُ حيًّا، أو إلى عَصَبتِه إذا(١) كان
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((على)).
(٢) فى م: ((الولد)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ٩٤/١، وأخرجه فى مصنفه (١٢١٧٧).
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٦٧/٣.
(٥ - ٥) فى ص، ت ١، ت ٢: ((إذ)).
(٦) فى ص، ت١، ت٢: ((إذ)).
٢١٧
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
الأَبُ(١) ميًّا، ولا يُضَارَّ الأبُ المرأةَ إذا أَحَبَّت أن تُرضِعَ ولدَها ولا يَنْتَزِعْهُ(١).
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا [٢٩٣/١ظ] أسْباطُ ، عن السدىِّ:
﴿لَا تُضَارَ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾. يقولُ: لا يَنْزِعُ الرجلُ ولدَه مِن امرأتِه فيُعْطِيَه غيرَها
بمثل الأجرِ الذى تَقْبَلُه هى به، ولا تُضَارُ(١) والدةٌ بولدِها فتَطْرَحَ الأمُّ إليه ولدَه تقولُ:
لا أَلِيه. ساعةَ تَضَعُه. ولكن عليها مِن الحقِّ أَن تُرْضِعَه حتى يَطْلُبَ مُرْضِعًا(٤).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا عبدُ اللّهِ بنُ صالح، قال: ثنى الليثُ ، قال: ثنى عُقَيْلٌ ،
عن ابنِ شِهابٍ، وسُئِل عن قولِ اللّهِ تعالى ذكرُه: ﴿ وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ
كَامِلَيْنٍ﴾ إلى ﴿لَا تُضَارَ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ،﴾ . قال ابنُ شِهابٍ :
والوالداتُ أحقُّ برَضاع أولادِهن ما قبِلْنَ(٥) رَضاعَهن بما يُعْطَى غيرُهن مِن الأجرِ،
وليس للوالدةِ أن تُضارَّ بولدِها، فتأَتَى رَضاعَه مُضارَّةً، وهى تُعْطَى عليه ما يُعْطَى
غيرُها ، وليس للمولودِ له أن يَنْزِعَ ولدَه مِن والدّتِهِ مُضارًّا لها، وهى تَقْبَلُ مِن الأجرِ ما
يُغْطاه غيرُها (٦).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ ، وحَدَّثنى علىٍّ، قال: ثنا زيدٌ ، جميعًا عن
سفيانَ فى قولِه: ﴿لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾: لا تَرْمِ بولدِها إلى الأُبِ إذا فارَقَها ،
(١) سقط من: ص، ت١، ت٢.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤١٨/١ عن الضحاك بنحوه .
(٣) فى ص: (( يضار)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٣١/٢ (٢٢٧٩) من طريق عمرو به، دون شطره الثانى .
(٥) فى ص، ت ١، ت٢: ((قبل)) .
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٣٢/٢ (٢٢٨٤) شطره الثانى من طريق الليث به ، وعلقه البخارى
عقب (٥٣٦٠) عن يونس عنه، ووصله ابن وهب فى جامعه - كما فى تغليق التعليق ٤٨٠/٤، ٤٨١،
وذكره ابن أبى حاتم شطره الأول فى تفسيره ٤٣٠/٢ عقب (٢٢٧٧) معلقًا .
٢١٨
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
تُضَارُّه بذلك، ﴿ وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ،﴾: ولا يَنْزِعُ الأَبُ منها ولدَها، يُضَارُّها
بذلك(١).
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿لَا تُضَآرَّ
وَلِيدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودُ لَّهُ بِوَلَدِهِةٍ﴾ . قال: لا يَنْتَزِعُه منها وهى تحبُّ أن تُرْضِعَه
فیُضائها ، ولا تَطْرُه علیه وهو لا يَجِدُ مَن تُوضِعُه، ولا يَجِدُ ما يَشْتَرْضِعُه به(١) .
حدَّثنا عمرُو بنُ علىّ الباهلىُّ ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنى ابنُ جُرَيْجٍ، عن
عَطاءٍ فى قولِه: ﴿لَا تُضَارَ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾. قال: لا تَدَعَنَّه - ورَضاعُه مِن
شأنِها - مُضارَّةً لأبيه، ولا يَمْنَعُها الذى عندَه مُضارَّةً لها(٢) .
وقال بعضُهم: الوالدةُ التى نهَى الرجلَ عن مُضارَّتِها ظِئْرُ الصبىِّ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هارونُ النحوىُّ، قال : ثنا
الزبيرُ بنُّ الخِرِّيتِ ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾. قال :
هى الظُّْرُ.
فمعنى الكلام : لا يُضارِرْ والدُ مولودٍ والدته بمولودِه منها، ولا والدةُ مولودٍ
٤٩٩/٢ والدَه بمولودِها منه. ثم ترَك ذكّرَ الفاعلِ فى ((يُضارَّ))، فقيل: /لا تُضارَرْ والدةٌ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٢١٧٨) عن سفيان الثورى بنحوه .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤١٨/١ عن ابن زيد .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٢١٧٦) عن ابن جريج به .
(٤) الظئر : هى العاطفة على ولد غيرها، المرضعة له. التاج (ظ أر).
(٥) فى النسخ: ((الحارث)). وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٣٠١.
٢١٩
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
بولدِها، ولا مولودٌ له بوَلَدِهِ. كما يقالُ إذا نُهِی عن إكرامِ رجلٍ بعينه فیما لم يُسَمَّ
فاعلُه، ولم يُقْصَدْ بالنهي عن إكرامِه قصْدُ شخصٍ بعينِه (١) - : لا يُكْرَمُ عمرٌو، ولا
يُجْلَسُ إلى أخيه. ثم تُرِك التَّضْعيفُ فقيل: لا يُضارّ. فَحُرِّكَتِ الراءُ الثانيةُ التى
كانت مجزومةٌ - لو أَظْهِر التضعيفُ - بحركةِ الراءِ الأولى .
وقد زعم بعضُ أهلِ العربيةِ أنها إنما حُرِّكَت إلى الفتح فى هذا الموضع؛ لأنه
أخفُّ (٢) الحركاتِ. وليس للذى(٢) قال مِن ذلك معنًى؛ لأن ذلك إنما كان جائزًا أن
يكونَ كذلك لو كان معنَى الكلامِ: لا تُضارِرُ(٤) والدةٌ بولدِها. وكان المنهىُ(٥) عن
الضِّرارِ هى الوالدةَ. على أَنَّ معنى الكلام لو كان كذلك لكان الكسرُ فى
((تضار)) أفصحَ مِن الفتح، والقراءةُ به كانت أصوبَ مِن القراءةِ بالفتح، كما
أن: مُدَّ بالثوبِ، أفصحُ مِن: مُدَّ به. وفى إجماع القرأةِ على قراءةٍ ﴿لَا
تُضَآرَّ﴾ بالفتح دون الكسرِ دليلٌ واضحٌ على إغفالٍ مَن حكَيْتُ قولَه مِن أهلِ
العربية فى ذلك .
فإن كان قائلُ ذلك قاله تَوَهُّمًا منه أن معنى ذلك: لا تضارِرْ() والدةٌ . وأن
((الوالدةَ)) مرفوعةٌ بفعلِها ، وأن الراءَ الأولى حظُّها الكسرُ، فقد أَغْفَل تأويلَ الكلام،
وخالَف قولَ جميعِ مَن حكَيْنا قولَه مِن أهلِ التأويلِ، وذلك أن اللّه تعالى ذكرُه تقَدَّم
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢.
(٢) فى النسخ: ((أحد)). وينظر الكتاب ١٦٧/٤، ١٨٨، ٣٨٢، ٣٨٣.
(٣) فى م: (( الذى)).
(٤) فى ص، م، ت ٢: ((تضارن)، وفى ت ١: ((تضار))، والصواب ما أثبتناه ، فقد التبس على الناسخ فى
الراء الثانية فرسمها نونًا فصارت: ((تضارن)) بدلا من: ((تضارر)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢: (( النهى)).
(٦) فى م، ت ١، ت ٢: ((تضار)).
٢٢٠
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
إلى كلِّ أحدٍ مِن أبوَيِ المولودِ بالنهي عن ضِرارِ صاحبهِ بمولودِهما ، لا أنه نَهَى كلَّ
واحدٍ منهما عن أن يُضارَّ المولودَ، وكيف يجوزُ أن يَنْهاه عن مُضارَّةِ الصبىِّ،
والصبىُّ - فى حالٍ ماهو رَضيعٌ - غيرُ جائزٍ أن يكونَ منه ضِرارٌ لأحدٍ ، فلو كان
ذلك معناه، لكان التَّنْزِيلُ: لا تُضَؤُ(١) والدةٌ بولدِها .
وقد زعَم آخَرون مِن أهلِ العربيةِ(١) أن الكسرَ فى ﴿ تُضَآرَ ﴾ جائزٌ. والكسرُ
فى ذلك عندى فى هذا الموضع غيرُ جائزٍ؛ لأنه إذا كُسِر تغَيَّر معناه عن معنى : لا
تضارَرُ(١)، الذى هو فى مذهبٍ مالم يُسَمَّ فاعلُه، إلى معنى: لا تضارِرٌْ . الذى هو
فی مذهبٍ ما قد شُمِّی فاعلُه .
فإذ كان اللّهُ تعالى ذكرُه قد نهى كلَّ واحدٍ مِن أَبوَيِ المولودِ عن مضارَّةِ صاحبِهِ
بسببٍ ولدِهما، فحقٌّ على إمام المسلمين - إذا أراد الرجلُ نَزْعَ ولدِهِ مِن أمّه بعدَ
بَيْنونتِها منه، وهى تَحْضُنُه وتَكْفُلُه وتُوضِعُه، بما يَحْضُنُه به غيرُها ويَكْفُلُه به ويُرْضِعُه
مِن الأَجْرةِ - أَن يَأْخُذَ الوالدَ بتسليم ولدِها، ما دام مُخْتَاجًا الصبىُّ إليها فى ذلك ،
بالأجرةِ التى يُعْطاها غيرُها . وحقٌّ عليه إذا كان الصبىُ لا يَقْبَلُ ثَدْىَ غيرِ والدّتِه،
أو(٥) كان المولودُ له لا يَجِدُ مَن يُرْضِعُ ولدَه، وإن كان يَقْبَلُ ثَدْىَ غيرٍ أمِّه، أو كان
مُعْدِمًا لا يَجِدُ ما يَسْتَأْجِرُ به مُرْضِعًا، ولا يَجِدُ من(١) يَبَرَّعُ عليه برَضاع مولودِه، أن
يَأْخُذَ والدته البائنةَ مِن والدِهِ بِرَضَاعِه وحَضانِه؛ لأن اللّه تعالى ذكرُه إِنْ(٧) حِرَّم على
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((تضار).
(٢) هو الفراء فى معانى القرآن ١٤٩/١.
(٣) فى ص، م: ((تضار)).
(٤) فى النسخ: ((تضار)). والصواب ما أثبتناه .
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢: ((إذ)).
(٦) فى النسخ: ((ما)). والمثبت هو الصواب.
(٧) سقط من : م.