Indexed OCR Text
Pages 701-720
٧٠١ سورة البقرة : الآية ٢٢٠ شرابٍ ولا غيرِ ذلك، فاشتدَّ ذلك عليهم، فأنزَل اللَّهُ الرخصةَ فقال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْيَتَّ قُلْ إِصْلَاٌ لَّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. يقولُ: مخالطتُهم فى ركوبِ الدائَّةِ، وشُربِ اللبنِ، وخدمةِ الخادمِ . يقولُ للولىّ الذى يَلِى أمرَهم: فلا بأسَ عليه أن يَرْكَبَ الدائَّةَ، أو يَشْرَبَ اللبنَ، أو يَخْدُمَه الخادمُ. وقال آخرون فى ذلك بما حدَّثنى عَمرُو بنُ علىٍّ ، قال: ثنا عمرانُ بنُ عُيَيْنَةَ ، قال : ثنا عطاءُ بنُ السائبِ ، / عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ٣٧١/٢ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ◌ُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ الآية. قال: كان يكونُ فى حِجْرِ الرجلِ اليتيمُ، فَيَعْزِلُ طعامه وشرابَه وآنيتَه، فشقَّ ذلك على المسلمين، فَأَنزَل اللهُ: ﴿وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ اُلْمُصْلِّحّ﴾ فأحلّ (١) خلطَهم (١). حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياتٍ، قال: ثنا أشعثُ، عن الشَّعْبِيّ، قال: لمَّ نزلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَبَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾. قال: فاجْتَنب الناسُ الأيتامَ ، فجعَل الرجلُ يَعْزِلُ طعامَه مِن طعامِه ، ومالَه مِن مالِه ، وشرابَه مِن شرابِه. قال: فاشتدَّ ذلك على الناسٍ، فنزَلت: ﴿وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحّ﴾ قال الشَّعْبُّ: فَمَن خالَط يتيمًا فَلْيَتَوَسَّعْ عليه، ومَن خالَطَه لِيَأْكُلَ مِن مالِهِ ٥ (٢) فلا يَفْعَلْ(٢). حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ ، قال : ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ ، عن (١) أخرجه النسائى (٣٦٧٢)، وفى الكبرى (٦٤٩٧)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٥/٢، ٨٧٨/٣ (٢٠٨١، ٤٨٧٩) من طريق عمران به . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٧٨/٣ عقب الأثر (٤٨٧٩) معلقًا. ٧٠٢ سورة البقرة : الآية ٢٢٠ ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ اَلْيَتَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ﴾: وذلك أن اللهَ لَّ أَنْزَل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَىّ ◌ُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ كرِه المسلمون أن يَضُمُّوا اليتامى، وتحرّجوا أن يُخالِطوهم فى شىءٍ، فسألوا رسولَ اللهِ عََّهِ، فَأَنْزَل اللهُ: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ ر ے فَإِخْوَانُكُم حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنٍ مُرَيْجٍ ، قال : سألتُ عطاءَ بنَ أبى رَبَّاح عن قوله: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَّ قُلْ إِصْلَاٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال: لمَّ نزلت سورةُ((النساءِ)) عزَل الناسُ طعامَهم فلم يُخالِطوهم. قال: ثم جاءوا إلى النبيِّ مَّمِ فقالوا: إنَّا يَشُقُّ علينا أن نَعْزِلَ طعامَ اليتامى وهم يأْكُلون معَنا. فنزَلت: ﴿وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾(١). قال ابنُ مجرَيْج: وقال مجاهدٌ : عزَلوا طعامَهم عن طعامِهم، وألبانَهم عن ألبانِهم، وأُدْعَهم عن أُدْمِهم، فشقَّ ذلك عليهم، فنزلت: ﴿ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال : مخالطةُ اليتيمِ فى المراعِى والأُدْمِ . قال ابنُ جُرَيْجٍ : وقال ابنُ عباسٍ : الألبانِ وخدمةِ الخادمِ وركوبِ الدائَّةِ . قال ابنُ جُرَيْجٍ : وفى المساكنٍ. قال: والمساكنُ يومئذٍ عزيزةٌ . حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال: ثنا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشْقَرُ، قال : أخبَرَنا أبو كُدَيْنَةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لِمَّ نزَلت: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ و: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ◌ُظُلْمًا﴾. قال : اجْتَنَب الناسُ مالَ اليتيم وطعامَه، حتى كان يَفْسُدُ إن كان لحمًا أو (١) أخرجه النسائى (٣٦٧١)، وفى الكبرى (٦٤٩٦) من طريق أبى كدينة به . ٧٠٣ سورة البقرة : الآية ٢٢٠ غيرَه، فشقَّ ذلك على الناس، فشكُوا ذلك إلى رسولِ اللهِ عََّه، فأنزلَ اللهُ: (١) ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَىّ قُلْ إِصْلَاٌ لَُّمْ خَيْرٌ﴾ حدَّثنا محمدُ بنُ عَمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيحِ ، عن قيسٍ بنِ سعدٍ ، / "أو عيسى، عن قيسٍ بن سعد١ٍ - شكَّ أبو عاصم - عن مجاهدٍ: ﴿وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال: مخالطةُ اليتيم فى الرعي (٣) والأدم(٣) . ٣٧٢/٢ وقال آخرون : بل كان اتِّقَاءُ مالِ اليتيم واجتنابُه مِن أخلاقِ العربِ ، فاسْتَفْتَوْا فى ءُ ذلك لمشقَّتِه عليهم، [٢٥٨/١ظ] فَأَقْتُوا بما بيَّنه اللهُ فى كتابِه . ذکرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَنَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَ﴾. قال: كانت العربُ يُشَدِّدون فى اليتيم حتى لا يَأْكُلوا معَه فى قَصْعَةٍ واحدةٍ ، ولا يَرْكَبوا له بعيرًا، ولا يَشْتَخْدِموا له خادمًا، فجاءوا إلى النبيِّ عََّمِ فسألوه عنه، فقال: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَّمْ خَيْرٌ﴾ يُصْلِحُ له مالَه وأمرَه له خيرٌ، وإِن يُخَالِطُه فيَأْكُلْ مِعَه ويُطْعِمْهِ ، ويَرْكَبْ راحلتَه ويَحْمِلْه ، ويَسْتَخْدِمْ خادمَه ويَخْدُمْه، فهو أجودُ: ﴿ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ اُلْمُصْلِحْ﴾. حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى، عن (١) أخرجه النسائى (٣٦٧١)، وفى الكبرى (٦٤٩٦) من طريق أبى كدينة به . (٢ - ٢) سقط من: ت ١، ت ٢. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٥/٢ (٢٠٨٤) من طريق ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد . ٧٠٤ سورة البقرة : الآية ٢٢٠ مى أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَّىَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ﴾ إلى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: وإن الناسَ كانوا إذا كان فى حِجْرِ أحدِهم اليتيمُ جعَل طعامَه على ناحيةٍ ، ولبنَه على ناحيةٍ ، مخافةً الوِزرِ ، وإنه أصاب المؤمنين الجَهْدُ ، فلم يكنْ عندَهم ما يَجْعَلون خَدَمًا لليتامى، فقال اللهُ: ﴿قُلْ إِصْلَاحُ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. حُدِّثْتُ عن الحسينِ (١) بنِ الفرج، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ ، قال : أخبَرَنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضَّّاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمَّىَّ﴾: كانوا فى الجاهليةِ يُعَظِّمون(١) شأنَ اليتيم، فلا يَمَشُون مِن أموالهم شيئًا، ولا يَوْكَبون لهم دائَّةً ، ولا يَطْعَمون لهم طعامًا، فأصابهم فى الإسلامِ جَهْدٌ شديدٌ، حتى احتاجوا إلى أموالِ اليتامى، فسألوا نبيَّ اللهِ عَ لَّهِ عن شأنِ اليتامى، وعن مُخالطتِهم، فأَنْزَل اللهُ: ﴿وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ يعنى بالمخالطةِ ركوبَ الدابَّةِ، وخدمةً الخادمِ ، وشربَ اللبنِ . فتأويلُ الآيةِ إذن : ويَسْألُك يا محمدُ أصحابُك عن مالِ اليتامى، وخَلْطِهم أموالَهم به فى النفقةِ والْمُطَاعَمةِ والمُشَارَبةِ والمُسَاكنةِ والخِدمةِ ، فقل لهم: تَفَضُّلُكم عليهم - بإصلاحِكم أموالَهم مِن غيرِ مَرْزِئَةٍ(١٢) شىءٍ مِن أموالهم، وغيرِ أخْذِ ◌ِوَضٍ مِن أموالهم على إصلاحِکم ذلك لهم - خیرٌ لکم عندَ اللهِ ، وأعظمُ لکم أجرًا ؛ لما لكم فى ذلك مِن الأجرِ والثوابٍ ، وخيرٌ لهم فى أموالهم فى عاجلٍ دنياهم ؛ لما فى ذلك مِن توفُّرِ أموالهم عليهم، وإن تُخالِطوهم فتُشاركوهم بأموالكم أموالَهم فى (١) فى النسخ: ((الحسن)). وتقدم مرارًا . (٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يطعمون)). (٣) فى ت ١، ت٢، ت ٣: ((مرزبة)). والمرزئة: النقصان. يقال: رزأ الشىء. أى نقصه. التاج (رزأ). ٧٠٥ سورة البقرة : الآية ٢٢٠ نفقاتِكم ومطاعمِكم ومشاربِكم ومساكِنكِم، فتَضُُّوا مِن أموالِهِم ◌ِوَضًا مِن قيامِكم بأمورهم وأسبابِهم وإصلاح أموالهم، فهم إخوانُكم، والإخوانُ يُعِينُ بعضُهم بعضًا، ويَكْنُفُ بعضُهم بعضًا؛ فذو المالِ يُعِينُ ذا الفاقَةِ، وذو القُوَّةِ فى الجسمِ يُعِينُ ذا الضعفِ . يقولُ تعالى ذكره: فأنتم أيُّها المؤمنون وأيتامُكم كذلك إن خالَطْتُموهم بأموالِكم، فخَلَطُم طعامَكم بطعامِهم،/ وشرابَكم بشرابِهم وسائرَ أموالِكم بأموالهم، فأصَبتُم مِن أموالهم فضلَ مَرْفِقٍ بما كان منكم(١) مِن قيامِكم بأموالهم ووَلائِهم ، ومعاناةِ أسبابِهِم على النظرِ منكم (١) لهم نظرَ الأَخِ الشفيقِ(٢) لأخيهِ العاملِ فيما بينَه وبينَه بما أَوْ جَب اللهُ عليه وألزمَه ، فذلك لكم حلالٌ؛ لأنكم إخوانٌ بعضُكم لبعضٍ . ٣٧٣/٢ كما حدَّثنی يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِن تُخَالِطُوُهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قال: قد يُخالِطُ الرجلُ أخاه . حدَّثنى أحمدُ بنُ حازم ، قال: ثنا أبو نُعَيْم ، قال : ثنا سفيانُ ، عن أبى مسكينِ، عن إبراهيمَ، قال: إنى لأَكْرَهُ أن يكونَ مالُ اليتيمِ كالعُرَّةِ(٣). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيع، عن هشامِ الدَّسْتُوَائِىّ ، عن حمَّادٍ، عن إبراهيمَ ، عن عائشةَ، قالت: إنى لأْرَهُ أن يكونَ مالُ اليتيم عندى عُرَّةً حتى أَخْلِطَ طعامه بطعامی وشرابَه بشرابی ) . (١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((منهم)). (٢) فى ت ١: ((الشقيق)). (٣) العرة: القذرة وعذرة الناس. النهاية ٢٠٥/٣. (٤) أخرجه وكيع - كما فى تفسير ابن كثير ٣٧٥/١ - وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٦/١ إلى عبد بن حميد. ( تفسير الطبرى ٤٥/٣ ) ٧٠٦ سورة البقرة : الآية ٢٢٠ فإِن قال لنا قائلٌ: وكيفَ قال: ﴿ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فرفَع الإخوانَ، وقال فى موضعٍ آخرَ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]؟ قيل: لافتراقٍ(١) معنييهما، وذلك أن أيتامَ المؤمنين إخوانُ المؤمنين، خالَطَهم المؤمنون بأموالهم أو لم يُخالِطوهم. فمعنى الكلام: وإن تُخالِطوهم فهم إخوانُكم، و ((الإخوانُ)) مرفوعون(٢) بالمعنى المتروكِ ذكرُه وهو ((هم)) لدلالةِ الكلامِ عليه، وأنه لم يُرِدْ بالإخوانِ الخبرَ عنهم أنهم كانوا إخوانًا مِن أجلٍ مخالطةٍ ولاتِهم إيَّهم، ولو كان ذلك المرادَ لكانت القراءةُ نصبًا، وكان معناه حينئذٍ : وإن تُخالِطوهم فخالطوا إخوانَكم. ولكنه قُرِئ رفعًا لِمَا وصَفتُ مِن أنهم إخوانٌ للمؤمنين الذين يَلُونهم ، خالَطوهم أو لم يُخالِطوهم . وأمَّا قولُه: ﴿فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ فنُصِب لأنهما حالانِ للفعلِ غيرُ ذاتِتَّين، ولا يَصْلُحُ معَهما ((هو))، وذلك أنك لو أَظْهَرت ((هو)) معَهما لاسْتَحال الكلامُ . ألا تَرَى أنه لو قال قائلٌ: إن خفتَ مِن عدوّك أن تُصَلِّىَ قائمًا ، فهو راجِلٌ أو راكبٌ . لبطَل المعنى المرادُ بالكلامِ. وذلك أن تأويلَ الكلامِ: فإن خِفتُم أن تُصَلُّوا قيامًا مِن عدوًّكم، فصلُّوا رِجالا أو رُكبانًا، ولذلك نصبه إجراءً على ما قبلَه مِن الكلام، كما تقولُ فى نحوِهِ مِن الكلامِ: إن لبستَ ثيابًا فالبياضَ. فتنصِبُه لأنك تُرِيدُ : إن لبِستَ ثيابًا فَالْبَسِ البياضَ. ولستَ تُرِيدُ الخبرَ عن أن جميعَ ما يُلْبَسُ مِن الثيابِ فهو البياضُ، ولو أرَدْتَ الخبرَ عن ذلك لقلتَ : إن لبِستَ ثيابًا فالبياضُ. رفعًا، إذ كان مَخْرَجُ الكلامِ على وجهِ الخبرِ منك [٢٥٩/١ و] عن اللابس أن كلَّ ما (١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لا فراق)). (٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((مرفوعًا)). (٣) كذا بالنسخ، وهى غير منقوطة فى ت ٢. وقد جعلها الشيخ شاكر ٣٥٦/٤: ((دائمين)). وقال : وهو تصحیف فاحش لا معنى له . ٧٠٧ سورة البقرة : الآية ٢٢٠ يَلْبَسُ مِن الثيابِ فبياضٌ؛ لأنك تُرِيدُ حينئذٍ : إن لبِستَ ثيابًا فهى بياضٌ . فإن قال: فهل يجوزُ النصبُ فى قولِه: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾؟ قيل: جائزٌ فى العربية . فأمَّا فى القراءةِ فإنما منَعْناه لإجماع القرأةِ على رفعِه . وأمَّا فى العربيةِ فإنما أَجَزْناه؛ لأنه يَحْسُنُ معَه تكريرُ ما يُحْمَلُ فى الذى قبلَه مِن الفعلِ فيهما : وإن تخالطوهم فإخوانكم تُخالِطون. فيكونُ ذلك جائزًا فى كلامِ العربِ . "القولُ فى تأويلٍ قولِه عزّ ذكرُه: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحّ﴾ . يعنى تعالى ذكرُه بذلك: إن ربّكم وإن أذن لكم فى مخالطتِكم اليتامى على ما أذِن لكم به، فاتقوا اللهَ / فى أنفسكم أن تُخالِطوهم وأنتم تُرِيدون أكْلَ أموالهم بالباطلِ، وتجعلون مخالطتكم إيَّاهم ذريعةٌ لكم إلى إفسادٍ أموالِهم، وأكلِها بغيرِ حقِّها، فتَشْتَوْجِبوا بذلك منه العقوبةَ التى لا قِبَلَ لكم بها، فإنه يَعْلَمُ مَن خالطَ منكم يتيمَه فشارَكَه فی مَطْعَمِه ومَشْرَبِهِ ومَسْكُنِه وخَدمِه ورُعَاتِه فى حالٍ مُخالطتِهِ إِيَّاه، ما الذى يَقْصِدُ بُمُخالطتِهِ إِيَّه؛ إفسادَ مالِه وأكلَه بالباطلِ ، أم إصلاحَه وتثميرَه؛ لأنه لا يَخْفَى) عليه منه شىءٌ، وَيَعْلَمُ أَيَّكم المُرِيدُ إصلاحَ مالِهِ مِن المُرِيدِ إفسادَه . ٣٧٢/٢ كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِّ﴾. قال: اللهُ يَعْلَمُ حينَ تَخْلِطُ مالَك بمالِهِ أَتُرِيدُ أن تُصْلِحَ مالَه أو تُفْسِدَه فتَأْكُلَه بغيرِ حقٍّ (٢) . (٥) من هنا يبدأ الجزء الرابع من نسخة دار الكتب المصرية، وأشير إليها بـ((ص)). : (١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٣: ((لأنها))، وفى ت٢: ((لأنه)). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٦/١ إلى المصنف. ٧٠٨ سورة البقرة : الآية ٢٢٠ حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ) ، قال: ثنا أشعتُ، عن الشَّغبىّ: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِّ﴾. قال الشعبىُّ: فَمَن خالَط يتيمًا فَلْيَتَوَسَّعْ عليه، ومَن خالَطه لِيَأْكُلَ مالَه فلا يَفْعَلْ. القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ . يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولو شاء اللهُ لحرَّم ما أحلَّه لكم مِن مخالطةِ أيتامِكم بأموالِكم أموالَهم ، فجهَدَ كُم ذلك وشقَّ عليكم ، ولم تَقْدِروا على القيامِ باللازم لكم مِن حقِّ اللهِ تعالى ، والواجبٍ علیکم فى ذلك من فرضِه، ولكنه رّص لكم فيه، وسهَّله عليكم؛ رحمةً منه بكم ورأفةً . واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِه: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾ ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى به محمدُ بنُ عَمرو ، قال : ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ ، عن قيسٍ ابنِ سعدٍ - أو عيسى ، عن قيسٍ بنِ سعدٍ - عن مجاهدٍ - شكّ أبو عاصم - فی قولٍ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾: لحرَّم عليكم المَرْعَى والأدمَ(٢). قال أبو جعفر : يعنى بذلك مجاهدٌ رعىَ مواشى والى اليتيم مع مواشى اليتيمِ، والأكلَ مِن إِدامِه؛ لأنه كان يتَأوَّلُ فى قوله: ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أنه خُلْطَةُ الولىِّ اليتيمَ بالرعمي والأُذْمِ . حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنى معاويةُ ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾. يقولُ: ولو شاء اللهُ لأحرَجَكم، فضيَّق عليكم، ولكنَّه وسَّع ويسَّر، فقال: ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌ (١ - ١) سقط من النسخ، والمثبت مما تقدم فى ص ٧٠١ . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٧/٢ (٢٠٩٢) من طريق ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد . ٧٠٩ سورة البقرة : الآية ٢٢٠ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾. يقولُ: لجهَد كم، فلم تقوموا بحقِّ ولم تُؤَدُّوا فريضةٌ (١) . حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ نحوَه ، إلا أنه قال : فلم تَعْمَلوا بحقٍّ(٢). حدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمْرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السُّدِّىِّ: ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمَّ﴾: لشدَّد عليكم . حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ قال: لشقَّ عليكم فى الأمرِ؛ ذلك العَنَتُّ . ٣٧٥/٢ / حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن الحكم، عن مِقْسَمِ ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾. قال: ولو شاء اللهُ لجعَل ما أصَبتم مِن أموال اليتامى موبِقًا(٤) . وهذه الأقوالُ التى ذكرناها عمَّن ذُكِرت عنه، وإن اخْتَلفت ألفاظُ قائليها فيها ، فإنها مُتَقارباتُ المعانى؛ لأن مَن حرم عليه شىءٌ فقد ضُيِّق عليه فى ذلك الشىءٍ، ومَن ضُيِّق عليه فى شىءٍ فقد أُخْرِجَ فيه، ومَن أُخْرِج فى شىءٍ أو ضُيِّق عليه فيه فقد مجهد. وكلَّ ذلك عائدٌ إلى المعنى الذى وصَفتُ مِن أن (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٦/٢ (٢٠٩٠) من طريق أبى صالح به . (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٦/١ إلى عبد بن حميد. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٧/٢ (٢٠٩٣) من طريق ابن أبى جعفر به. ولفظه: فلم تقوموا بحق. (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٦/٢ (٢٠٩١) من طريق جرير به . ٧١٠ سورة البقرة : الآية ٢٢٠ معناه الشدَّةُ والمشقّةُ؛ ولذلك قيل: عَنِتَ فلانٌ(١)، إذا شقَّ عليه وجهَده، فهو يَعْنَتُ عَنَتًا. كما قال تعالى ذكرُه: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ﴾ [ التوبة: ١٢٨]. يعنى : ما شقَّ عليكم وآذاكم وجهَد كم، ومنه قوله تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ اُلْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. فهذا إذا عنت العانتُ ، فإن صيّره غیرُه كذلك قيل : أَعْنَته فلانٌ فى كذا ، إذا جهَده وألْزَمه أمرًا جهَده القيامُ به، يُغْنِتُه إعناتًا . فكذلك قولُه: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾. معناه: لأُوْجَب لكم العَنَتَ بتحرِيمِه عليكم ما يجْهدُ كم ويُخْرِجُكم، ممَّا لا تُطِيقون القيامَ باجتنابِهِ وأداءِ الواجبِ له عليكم فيه . وقال آخرون : معنى ذلك : لأَوْتَقكم وأهلككم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامِ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، عن الحكم، عن مقْسَمِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قرَأ علينا: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ قال ابنُ عباسٍ : ولو شاء اللهُ لجعَل ما أصبتم مِن أموالِ اليتامى مُوبِقًا . حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن فُضَيْلٍ وجريرٍ ، عن منصورٍ ، وحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكم، عن مِقْسَمٍ، عن ابنٍ عباسٍ: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾. قال: لجعَل ما أصَبتم مُوبِقًا . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٢٠ يعنى تعالى [٢٥٩/١ظ] ذكرُه بذلك: إن اللهَ عزيزٌ فى سلطانِه، لا يَمْنَعُه مانعٌ ممَّا أحلّ بكم مِن عقوبةٍ ، لو أُعنَتكم بما يَجْهَدُ كم القيامُ به مِن فرائضِه ، فقصَّرْتُم فى القيام (١) فى م: ((فلانًا)) . (٢) أى الأمر. وينظر معانى القرآن للفراء ١٤٣/١. ٧١١٠ سورة البقرة : الآيتان ٢٢٠، ٢٢١ به ، ولا يَقْدِرُ دافعٌ أن يَدْفَعَه عن ذلك ولا عن غيرِه ممّا يَفْعَلُه بكم وبغيرِ کم مِن ذلك ، لو فعله، ولکنه بفضلٍ رحمته منَّ علیکم بتركِ تکلیفه إيَّ کم ذلك ، وهو حكيم فى ذلك - لو فعَله بكم - وفى غيرِهِ مِن أحكامِه وتدبيرِهِ ، لا يَدْخُلُ أفعالَه خَلَلٌ ولا نقصٌ ولا وَهْىٌّ ولا عيْبٌ ؛ لأنه فعلُ ذى الحكمةِ الذى لا يَجْهَلُ عواقبَ الأمورِ ، فِيَدْخُلُ تدبيرَه مَذَقَّةُ عاقبةٍ ، كما يَدْخُلُ ذلك أفعالَ الخلقِ لجهلِهِم بعواقبِ الأمورِ ، لسوءِ اختيارِهم فيها ابتداءً . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: / ﴿ وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ٣٧٦/٢ اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى هذه الآيةِ ، هل نزَلت مُرادًا بها كلُّ مشركةٍ ، أم مرادًا بحكمِها بعضُ المشركاتِ دونَ بعضٍ ؟ وهل نُسِخ منها بعدَ وجوبِ الحكم بها شىءٌ أم لا؟ فقال بعضُهم: نزَلت مُرادًا بها تحريمُ نكاحِ كلِّ مشركةٍ على كلِّ مسلمٍ مِن أىِّ(١) أجناسِ الشركِ؛ كانت عابدةَ وَثَنٍ، أو كانت يهوديَّةُ أَو نصرانيَّةً أو مجوسيّةً ، أو مِن غيرِهم مِن أصنافِ الشركِ، ثم نُسِخ تحريمُ نكاح أهلِ الكتابِ بقولِه : يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ اُلْطَيِّبَتُ﴾ إِلى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ ◌َّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٤، ٥]. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى علىُ بنُ داودَ (١) ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ (١ - ١) فى م: ((هو لكنه)). (٢) فى م: ((أن)) . (٣) فى النسخ: (( واقد))، وتقدم مرارًا . ٧١٢ سورة البقرة : الآية ٢٢١ صالح، عن علىٍّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾: ثم اسْتَثنى نساءَ أهلِ الكتابِ فقال: ﴿ وَالْحُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْاُلْكِنَبَ﴾ حِلِّ لكم ﴿ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾(١). حدّثنا محمدُ بنُ حمیدٍ ، قال : ثنا یحیی بنُ واضح، عن الحسینِ بنِ واقدٍ ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالاً): ﴿ وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَّى يُؤْمِنَّ﴾: فنسَخَ مِن ذلك نساءَ أهلِ الكتابِ ، أحلَّهنَّ للمسلمين(١) . حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن مُجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿ وَلَا تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ﴾. قال : نساءُ أهلِ مكةً ومَن سواهنَّ مِن المشركين، ثم أَحَلَّ منهنَّ نساءَ أهلِ الكتابِ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنٍ جريج، عن مجاهدٍ مثله . حُدِّثْتُ عن عَّارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه : وَلَا تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ﴾. إلى قولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَرُونَ﴾. قال: حرَّم اللهُ المشركاتِ فى هذه الآيةِ، ثم أَنْزَل فى سورةِ ((المائدةِ))، فاسْتَثنى نساء أهلِ الكتابِ، فقال: ﴿ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَاَ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٧/٢ (٢٠٩٥)، والنحاس فى الناسخ والمنسوخ ص ١٩٤، والبيهقى ١٧١/٧ من طريق أبى صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٦/١ إلى ابن المنذر. (٢) فى ص، ت ١، ت ٣: ((قال)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٧/٢ عقب الأثر (٢٠٩٥) معلقًا . (٤) تفسير مجاهد ص ٢٣٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٧/٢ (٢٠٩٨)، والبيهقى ٧/ ١٧١، وعزاه السیوطی فی الدر المنثور ٢٥٦/١ إلى آدم وعبد بن حميد . ٧١٣ سورة البقرة : الآية ٢٢١ (١) ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ءُ وقال آخرون: بل أَنْزِلت هذه الآيةُ مُرادًا بحكمِها مشركاتُ العربِ، لم يُنْسَخْ منها شىءٌ ولم يُسْتَثْنَ، وإنما هى آيةٌ عامٌ(٢) ظاهرُها، خاصّ تأويلُها . / ذكرُ مَن قال ذلك ٣٧٧/٢ حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه : ﴿ وَلَا نَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ . يعنى: مشركاتِ العربِ اللاتى ليس لهنَّ غْر ٣) كتابٌ يَقْرَأْنَه٣) . حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. قال : المشركاتُ مَن ليس مِن أهلِ الكتابِ ، وقد تزوَّج حذيفةُ يهوديةً أو نصرانيةً(٤). حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةً فى قولِه : ﴿ وَلَا تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ﴾ . يعنى: مشركاتِ العربِ اللاتى ليس لهنَّ كتابٌ يَقْرَأْنَه(٥) . حدّثنا أبو گُرْبِ ، قال : ثنا و کیٹٌ ، عن سفيان ، عن حمَّادٍ ، عن سعیدِ بنِ ◌ُبَيْرِ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٧/٢ عقب الأثر (٢٠٩٥) من طريق عبد الله بن أبى جعفر به. (٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عامة)). (٣ - ٣) فى ص: ((فيهن كتاب يقرأ به)). والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٨/٢ (٢١٠١) من طريق عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٦/١ إلى عبد بن حميد. (٤) تفسير عبد الرزاق ١ / ٨٩، وأخرجه فى مصنفه (١٢٦٦٧)، ومن طريقه النحاس فى ناسخه ص ١٩٦. (٥) فى ص، ت ١، ت ٣: ((يقرونه)). ٧١٤ سورة البقرة : الآية ٢٢١ قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ يُؤْمِنَّ﴾. قال: مشركاتُ أهل الأوثانِ(١). وقال آخرون : بل أُنْزِلت هذه الآيةُ مُرادًا بها كلُّ مشركةٍ مِن أَىِّ أصنافٍ الشركِ كانت، غيرُ مخصوصٍ منها مشركةٌ دونَ مشركةٍ ، وَثَنَّةً كانت أو مجوسيَّةٌ أو كتابيَّةً ، ولا نُسِخ منها شىءٌ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثْنَا عُبَيْدُ(١) بنُ آدمَ بنِ أبى إياسِ العَسْقَلانيُ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا عبدُ الحميدِ بنُّ بَهْرامَ الفَزَارىُّ، قال: ثنا شَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍٍ يقولُ: نهَى رسولُ اللهِ عَمِ عن أصنافِ النساءِ إلّ ما كان مِن المؤمناتِ المهاجراتِ ، وحرَّم كلِّ ذاتٍ دينٍ غيرِ الإسلامِ، وقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَن يَكْفُرْ ◌ِلْإِيَنِ فَقَدْ خَبِطَ عَمَلُ﴾ [المائدة: ٥]. وقد نكَح طلحةُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ يهوديَّةً ، ونكَح حذيفةُ بنُ اليمانِ نصرانيةٌ ، فغضِب عمرُ بنُ الخطابِ رضِى اللهُ عنه غَضَبًا شديدًا، حتى همَّ بأن يَشْطُوَ عليهما، فقالا: نحن نُطَلِّقُ يا أميرَ المؤمنين ولا تَغْضَبْ. فقال: لئن حلَّ طلاقُهنَّ، لقد حلَّ نِكَاحهنَّ، ولكن أنْتَزِعُهنَّ منكم صَغَرَةً (٣) قِماءُ(١). وأَوْلَى هذه الأقوالِ بتأويل الآيةِ ماقاله قتادةُ مِن أن الله تعالى ذكرُه عنَى بقولِه : ﴿ وَلَا نَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ﴾ مَن لم يكنْ مِن أهلِ الكتابِ مِن المشركاتِ، (١) أخرجه وكيع - كما فى الدر المنثور ٢٥٦/١ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٧/٢ (٢٠٩٦)، والنحاس فى الناسخ والمنسوخ ص ١٩٦، والبيهقى ٧/ ١٧١. (٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عبد)). وينظر الجرح والتعديل ٥/ ٤٠٢. (٣) قماء: جمع قمىء، وهو الذليل والحقير الصغير. والأثر ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٧٦/١ عن المصنف ، وقال : غريب جدا . ٧١٥ سورة البقرة : الآية ٢٢١ وأن الآيةَ عاتٌ ظاهرُها ، خاصٍّ باطنُها ، لم يُنْسَخْ منها شىءٌ، وأن نساءً أهلِ الكتابِ غيرُ داخلاتٍ فيها ، وذلك أن الله تعالى ذكرُه أحلّ بقولِه: ﴿ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ للمؤمنين مِن نكاح مُخْصَناتِهِنَّ، مثلَ الذى أباح لهم مِن نساءِ [٢٦٠/١ و] المؤمناتِ . وقد بيًّّا فى غيرِ هذا الموضع مِن كتابِنا هذا ، وفى كتابِنا (( كتابِ اللطيفِ مِن البيانِ )) أن كلَّ آيتينِ أو خبّرينٍ كان أحدُهما نافيًا حكمَ الآخرِ فى فِطرةِ العقلِ، فغيرُ جائزٍ أن يُقْضَى على أحدِهما بأنه ناسخٌ حكمَ الآخرِ إلّا بحُجَّةٍ مِن خبرٍ قاطع للعُذْرِ مجيثُه، وذلك غيرُ موجودٍ أن(٢) قوله: ﴿ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِنَبَ﴾ ناسخٌ ما كان قد وجَب تحريُهُ مِن النساءِ بقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى / يُؤْمِنَّ﴾ . فإن لم يكنْ ذلك موجودًا كذلك، فقولُ القائل : هذه ناسخةُ هذه. دعوى لا برهانَ له عليها ، والمُدَّعِى دعوى لا برهانَ له عليها مُتَحَكِّم ، والتحكُّمُ لا يَعْجِزُ عنه أحدٌ . ٣٧٨/٢ وأمَّا القولُ الذى رُوِى عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ ، عن ابنِ عباسٍ، عن عمرَ رضى اللهُ عنه مِن تفريقِه بينَ طلحةً وحذيفةً وامرأتيهما اللتين كانتا كتابيتين - فقولٌ لا معنَى له؛ لخلافِه ما الأمةُ مجتمعةٌ على تحليلِه بكتابِ اللهِ تعالى ذكرُه وخبرِ رسولِهِ عَ لَّه . وقد ژُوی عن عمر بن الخطاب رضى اللهُ عنه مِن القولِ خلافُ ذلك پاسنادٍ هو أصحُ منه، وهو ما حدَّثنى به موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْرُوقىُ ، قال : ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال : ثنا سفيانُ بنُ سعیدٍ ، عن یزیدَ بنِ أبی زیادٍ ، عن زيدِ بنِ وهبٍ ، قال : (١) ينظر ما تقدم فى ٤٥٧/٢، ٤٥٨. (٢) فى م: ((بأن)). ٧١٦ سورة البقرة : الآية ٢٢١ قال عمر: المسلمُ يَتَزوَّنج النصرانيةَ، ولا يَتَزَوَّجُ النصرانىُّ المسلمةَ (١). وإنما كرِه عمرُ لطلحةَ وحذيفةَ، رحمهُ اللهِ عليهم، نكاحَ اليهوديَّةِ والنصرانيّةِ ، حَذَرًا مِن أن يَقْتَدِىَ بهما الناسُ فى ذلك فيَزْهَدوا فى المسلماتِ ، أو لغيرِ ذلك من المعانى ، فأمرهما بتخليتهما . كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال : ثنا الصَّلْتُ بنُّ بَهْرامَ ، عن شقيقٍ ، قال : تزوّجَ حذيفةُ يهوديةً ، فكتب إليه عمرُ: خلِّ سبيلَها . فكتب إليه : أَتَزْعُمُ أنها حرامٌ فأُخَلِّىَ سبيلَها؟ فقال: لا أَزْعُمُ أنها حرامٌ ، ولكن أخافُ أن تَعَاطَوا المُؤْمِساتِ(٢) منهنَّ. وقد حدَّثنا تميمُ بنُ المُنْتَصِرِ، قال : أخبرنا إسحاقُ الأزرقُ، عن شَرِيكٍ ، عن أشعثَ بنِ سَوَّارٍ ، عن الحسنِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، قال: قال رسولُ اللهِ يَ اتٍ : ((نَتَزَوَّجُ نِساءَ أهلِ الكتابِ ولا يَتَزَوَّجُون نساءَنا))(٣). فهذا الخبرُ، وإن كان فى إسنادِه ما فيه، فالقولُ به؛ لإجماع الجميعِ على صحة القولِ به - أُولى مِن خبرِ عبدِ الحميدِ بنِ بَهْرَامَ، عن شهرِ بنِ حَوْشَبٍ . فمعنى الكلام إذن : ولا تَنْكِحوا أيُّها المؤمنون مشر كاتٍ غيرِ أهلِ الكتابِ حتى يُؤْمِنَّ، فيُصَدِّقْنَ باللهِ ورسولِه وما أُنْزِل عليه . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَأَمَّةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ﴾ . (١) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٠٠٥٨)، والبيهقى ١٧٢/٧ من طريق سفيان به. (٢) فى ص: ((المؤمنات)). والأثر أخرجه ابن أبى شيبة ١٥٨/٤ عن ابن إدريس به، وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٢٦٧٠)، وسعيد بن منصور في سننه (٧١٦)، والبيهقى ١٧٢/٧ من طريق الصلت به . (٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٧٦/١ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٦١/٢ إلى المصنف. ٧١٧ سورة البقرة : الآية ٢٢١ يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَلَأَمَّةٌ مُّؤْمِنَةٌ ﴾ : باللهِ وبرسولِه وبما جاء به مِن عندِ اللهِ ، خيرٌ عندَ اللهِ وأفضلُ مِن حُرَّةٍ مشركةٍ كافرةٍ وإن شرف نسبُها وكرم أصلُها . يقولُ : ولا تَتَغوا المناكحَ فى ذواتِ الشرفِ مِن أهلِ الشركِ باللهِ ، فإن الإماءَ المسلماتِ عندَ اللهِ خيرٌ مَنْكَحًا منهنَّ. وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت فى رجلِ نكَح أمةٌ ، فَعُذِل فى ذلك، وعُرِضت عليه حُرَّةٌ مشركةٌ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حِمَّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السّدِّىِّ: ﴿ وَلَا تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾. قال: نزَلت فى عبدِ اللهِ بنِ رَوَاحةَ، وكانت له أمَّةٌ سوداءُ، وأنه غضِب عليها فلطَمها، ثم فزِع، فأَتَّى النبيَّ عَلَّهِر / فأخبرَه بخبرها، فقال له النبيُّ ٣٧٩/٢ عَمِ: (( ما هى يا عبدَ اللهِ؟)). قال: يا رسولَ اللهِ، هى تصوُ وتُصَلِّى وتُحْسِنُ الوُضوءَ، وَتَشْهَدُ أن لا إلهَ إلَّ اللهُ، وأنك رسولُ اللهِ. فقال: ((هذه مؤمنةٌ)). فقال عبدُ اللهِ : فوالذي بعثك بالحقِّ، لأَعْتِقَنَّها ولأَتَزَوَّجَنَّها، ففعَل، فطعَن عليه ناسٌ من المسلمين، فقالوا: تزوَّج أمَةً ! وكانوا يُرِيدون أن يَنْكِحوا إلى المشركين ويُنْكِحوهم، رغبةٌ فى أحسابِهم، فأنْزَل اللهُ فيهم: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةُ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾، ﴿ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌ مِّن ◌ُشْرِكٍ﴾(١). (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٨/٢ (٢١٠٢) من طريق عمرو بن حماد به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٧/١ إلى ابن المنذر . ٧١٨ سورة البقرة : الآية ٢٢١ حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى الحجّاجُ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ فى قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ . قال: المشركاتِ لشَرَفِهنَّ حتى يُؤْمِنَّ . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ يعنى تعالى ذكرُه بذلك: وإن أُعْجَبتكم المشركةُ مِن غيرِ أهلِ الكتابِ فى الجمالِ والحسَبِ والمالِ، فلا تَنْكِحوها، فإن الأَمَةَ المؤمنةَ خيرٌ عندَ اللهِ مِنها . وإنما وُضِعت ((لو)) موضعَ ((إن))؛ لتقاربِ مخرجيْهما ومعنيئهما، ولذلك تُجابُ كلُّ واحدةٍ منهما بجوابٍ صاحبتِها، على ما قد بيًَّّا فيما مضَى قبلُ(١). القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنُ خَيْرٌ مِّنِ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك أن الله قد حرَّم على المؤمناتِ أن يَنْكِحْنَ مشركًا ، كائنًا مَن كان المشركُ، ومن أىّ أصنافِ الشركِ كان ، فلا تُنْكِحوهنَّ أيُّها المؤمنون منهم، فإن ذلك حرام عليكم، ولأنْ تُزَوِّجُوهنَّ مِن عبدٍ مؤمنٍ مصدِّقٍ باللهِ وبرسولِه، وبما جاء به مِن عندِ اللهِ، خيرٌ لكم مِن أن تُزَوِّجوهنَّ مِن حُرّ مشركٍ ولو شرف نسبُه وكرُم أصلُه ، وإنْ أُعجَبَكم حسَبُه ونسَبُه . وكان أبو جعفر محمدُ بنُ علىِّ يقولُ : هذا القولُ مِن اللهِ تعالى ذكرُه دلالةٌ على أن أولياءَ المرأةِ أحقُّ بتزويجِها من المرأةِ . (١) ينظر ما تقدم فى ٢/ ٣٧٢. ٧١٩ سورة البقرة : الآية ٢٢١ حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ أبو هشامِ الرفاعىُّ ، قال: أخبرنا حَفْصُ بنُ غِياتٍ ، عن شيخٍ لم يُسَمِّه ، قال أبو جعفرٍ: النكاح بوليٍّ فى كتابٍ [٢٦٠/١ظ] اللهِ. ثم قرأ: ج ﴿ وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ برفعِ التَاءِ . حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ والزُّهْرِىِّ فى قوله: ﴿ وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾. قال: لا يَحِلُّ لك أن تُنْكِحَ يهوديًّا أو نصرانيًا ولا مشركًا من غيرِ أهلٍ دينِك(٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنا حجَّاجْ، قال: قال ابنُ مجرَيْجٍ : ﴿وَلَا تُنْكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ لشَرَفِهِم ﴿ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ . حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ: ﴿وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ قال : حرَّم المسلماتِ على رجالِهم. يعنى رجالَ المشركين. ٣٨٠/٢ / القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿أُوْلَكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهُِ وَيُبَيْنُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَُّونَ ٢٢١ يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أُوْلَئِكَ﴾: هؤلاء الذين حرَّمتُ عليكم أيُّها المؤمنون مُناكحتَهم مِن رجالِ أهلِ الشركِ ونسائِهم، يَدْعونكم إلى النارِ . يعنى: يدعونكم إلى العملِ بما يُدْخِلُكم النارَ، وذلك هو العملُ الذى هم به عاملون مِن الكفرِ باللهِ ورسولِه . يقولُ: ولا تَقْبَلوا منهم ما يقولون، ولا تَسْتَنْصِحوهم، ولا (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٩/٢ (٢١٠٥) من طريق حفص به . (٢) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٢٦٧٨)، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٩/٢ (٢١٠٤) عن الحسن بن یحیی به . ٧٢٠ سورة البقرة: الآيتان ٢٢٢،٢٢١ تَنْكِحُوهم، ولا تُنْكِحوا إليهم، فإنهم لا يَأَلُونكم خَبالا ، ولكن اقْتُلوا مِن اللهِ ما أمَركم به، فاعْمَلوا به، وانْتَهوا عمَّا نهاكم عنه، فإنه يَدْعوكم إلى الجنةِ، يعنى بذلك: يَدْعوكم إلى العملِ بما يُدْخِلُكم الجنةَ ويُوجِبُ لكم النجاةَ إِن عمِلتم به مِن النارِ، وإِلى ما يَمْحو خطايَاكم ( وذنوبَكم فيَعْفو عنها، ويَسْتُرُها عليكم. وأمَّا قولُه: ﴿بِإِذْنِهٌِ﴾. فإنه يعنى أنه يَدْعوكم إلى ذلك بإعلامِه إِيَّكم سبيلَه وطريقَه الذى به الوصولُ إلى الجنةِ والمغفرة. ثم قال تعالى ذكرُه: ﴿ وَيُبَيِّنُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَُّونَ﴾. يقولُ: ويُوَضِّحُ حجَجَه وأدلَّتَه فى كتابِه الذى أَنْزَله على لسانِ رسولِه لعبادِه لِيَتَذَكّروا فيَعْتَبِروا، ويَمِيزوا بين الأمريْنِ اللذين أحدُهما ؛ دعاءٌ إلى النارِ والخلودِ فيها، والآخرُ ؛ دعاء إلى الجنةِ وغفرانِ الذنوبِ، فيختاروا خيرَهما لهم، ولم يَجْهَلِ التمييزَ بين هاتين إلّا غبى الرأي، مدخولُ العقلِ . القولُ فى تأويل قولهِ تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾: ويَسْأَلُك يا محمدُ أصحابُك عن الحيضِ (١) . وقيل: ﴿اَلْمَحِيضِ﴾. لأن ما كان مِن الفعلِ ماضيه بفتحٍ عينِ الفعلِ وكسرِها فى الاستقبالِ - مثلُ قولِ القائلِ : ضرَب يَضْرِبُ ، وحبس يَحْبِسُ، ونزَل يَنْزِلُ - فإن العربَ تَبنى مصدرَه على المَفْعَل ، والاسمَ على المَفْعِل؛ مثلَ الْمَضْرَبِ والمَضْرِبِ ، مِن: ضرَبت ، ونزَلت منزَلاً ومنزِلاً . ومسموعٌ فى ذواتٍ الياءِ والألفِ: الْمَعِيشُ والمعاشُ، والمَعِيبُ والَعَابُ، كما قال رُؤْبَةُ فى المعيشِ (١): (١ - ١) فى م: ((أو ذنوبكم)). (٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((المحيض)). (٣) ديوانه ص ٧٨، ٧٩، ورواية البيت الثانى : وجهد أعوام برين ريشى.