Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١
سورة البقرة : الآية ٢٠٨
آمَنوا بالدخولِ فى العملِ بشرائع الإسلامِ كلّها، وقد يَدْخُلُ فى الذين آمنوا
المُصَدِّقون بمحمدٍ عَظِلّهِ وبما جاء به، والمصدِّقون بمَن قبلَه مِن الأنبياءِ والرسلِ وما
جاءوا به ، وقد دعا اللَّهُ كلا [٨٦/٥و] الفريقينِ إلى العملِ بشرائع الإسلامِ وحدودِه،
والمحافظةِ على فرائضِه التى فرضها، ونهاهم عن تضييعِ شىءٍ من ذلك، فالآيةُ
عامةٌ(١) لكلِّ مَن شمِله اسمُ الإِيمانِ ، فلا وجهَ لخصوصٍ بعضٍ بها دونَ بعضٍ .
وبمثلِ التأويلِ الذى قلنا فى ذلك كان مجاهدٌ يقولُ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿أَدْخُلُواْ فِ السِّلْمِ كَافَّةُ﴾. قال: ادْخُلوا فى
الإسلام كافَّةً ، ادْخُلوا فى الأعمالِ كافَّةً(١) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿كَانَّةٌ﴾.
يعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿كَانَّةٌ﴾: عامَّةً جميعًا .
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ،
عن قتادةَ قولَه: ﴿فِىِ السِّلْمِ كَافَّةٌ﴾. قال: جميعًا(٣).
حدَّثْنا موسى بنُ هارون، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ: ﴿فِ اُلْسِلْمِ كَافَّةٌ﴾. قال: جميعًا().
(١) فى الأصل، ت١، ت٢، ت٣: ((عام)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٠/١ (١٩٤٨) من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبى نجيح به
بلفظ: ((فى أنواع البر كلها)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٢.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٠/٢ عقب الأثر (١٩٥٠) من طريق عمرو به.
٠
٦٠٢
سورة البقرة : الآية ٢٠٨
وحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فِى
السِّلْمِ كَافَةٌ﴾. قال: جميعًا(١). وعن أبيه، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجَرَّاحِ، عن النَّضْرِ، عن مجاهدٍ :
ادخلوا فى الإسلام ﴿كَانَّةٌ﴾: جميعًا.
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجَّاجْ، قال : قال ابنُ مجرَئِجٍ :
قال ابنُ عباسٍ: ﴿كَافَّةً﴾: جميعًا(٢) .
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿كَافَّةٌ﴾ :
:
جميعًا. وقَرَأ: ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ كَاَفَّةٌ﴾ :
جميعًا .
٣٢٦/٢
/ حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ يقولُ : أخبرنا
عُبَيْدُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضَّّاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿أَدْخُلُواْ فِىِ السِّلْيِ
كَافَّةٌ﴾ . قال : جميعًا(٣).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ
◌ُبِينٌ
ءُ
(٢٠٨
يعنى جل ثناؤه بذلك: اعمَلُوا أيُّها المؤمنون بشرائع الإسلام كلُّها ، وادْخُلوا
فى التصديقِ به قولاً وعملاً، ودَعُوا طريقَ الشيطانِ وآثارَه أن تَتَّبِعوها ، فإنه لكم عدوٌ
مُبِينٌ لكم عداوتَه .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٠/٢ عقب الأثر (١٩٥٠) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/١ إلى المصنف.
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٠/٢ عقب الأثر (١٩٥٠) معلقًا .
٦٠٣
سورة البقرة : الآيتان ٢٠٨، ٢٠٩
وطريقُ الشيطانِ الذى نهاهم أن يَتَّبعوه هو ما خالَف حكمَ الإسلامِ وشرائعَه ،
ومنه تسبيتُ السبتِ وسائرُ سُنَنِ أهلِ المِلَلِ التى تُخَالِفُ ملَّةَ الإسلامِ، [٨٦/٥ط] وقد
بيَّنْتُ معنى الخطواتِ بالأدلَّةِ الشاهدةِ على صحَّتِه فيما مضى، فكرِهْتُ إعادته فی
هذا المَوضِعِ().
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ فَإِن زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَّيْنَتُ
٢٠٩
فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ
يعنى جلَّ ثناؤه بذلك: فإن أخْطَأتم الحَقَّ، فضَلَلْتُم عنه، وخالَفتم الإسلامَ
وشرائعه، مِن بعدِ ما جاءتكم حُجَجى وبيِّناتُ هداىَ، واتَّضَحت لكم صحةُ أمرٍ
الإسلام بالأدلةِ التى قطَعت عذرَ كم أيُّها المؤمنون ، فاعْلَموا أن اللَّهَ ذو عزَّةٍ ، لا يمنعُه
مِن الانتقامِ منكم مانعٌ ، ولا يَدْفَعُه عن عُقويتكم على مخالفتِكم أمرَه ومعصیتکم إِيَّه
دافعٌ، حكيمٌ فيما يفعلُ بكم مِن عقوبةٍ ، على معصيتِكم إيَّه بعدَ إقامةِ الحُجَّةِ
عليكم ، وفى غيرِهِ مِن أمورِه .
وقد قال عددٌ مِن أهلِ التأويلِ: إن البيّناتِ هى محمدٌ عَظَه والقرآنُ . وذلك
قريبٌ مِن الذى قلنا فى تأويلِ ذلك؛ لأن محمدًا عَّهِ والقرآنَ مِن حُجَج اللَّهِ على
الذين خُوطِبوا ( بهذه الآية٢)، غيرَ أن الذى قلناه فى تأويلِ ذلك أَوْلَى بالحقِّ؛ لأن اللَّهَ
قد احتجَّ على مَن خالَف الإسلامَ مِن أحبارِ أهلِ الكتابِ، بما عهِد إليهم فى التوراةِ
والإنجيلِ، وتقدَّمَ إليهم على ألسُنِ أنبيائهم بالوَصاةِ به، فذلك وغيرُه مِن حجَج اللّهِ
عليهم مع ما لزِمهم مِن الحُجَّةِ بمحمدٍ عَ لَه وبالقرآنِ ، فلذلك اخترنا ما اختَرنا مِن
(١) ينظر ما تقدم فى ٣٦ - ٣٨.
(٢ - ٢) فى م: (( بهاتين الآيتين)).
٦٠٤
سورة البقرة : الآية ٢٠٩
التأويل فى ذلك .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ أقوالِ القائلين فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَإِن زَلَلْتُمْ﴾
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّىِّ فى قولِهِ: ﴿فَإِنِ زَلَلْتُمْ﴾. يقولُ: فإن ضلَلتُمْ(١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنِ زَلَلْتُمْ﴾. قال: والزللُ الشركُ(٢).
ذكرُ أقوالِ القائلين فى تأويلٍ [٨٧/٥,] قولِه: ﴿مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ
اُلْبَيِّنَتُ﴾ .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمَّدٍ، قال: ثنا أسباطُ ،
عن السُّدِّىِّ: ﴿مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَنْكُمُ الْبَيِّنَتُ﴾. يقولُ: مِن بعدٍ ما جاءكم
محمدٌ ێِ .
٣٢٧/٢
/ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنٍ مُرَيْجٍ:
﴿فَإِنِ زَلَلْتُم مِّنُ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيْنَتُ﴾. قال: الإسلامُ والقرآنُ(١).
حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿فَأَعْلَمُواْ
أَنَّ اللَّهَ عَزِيزُ ءَاتَيْنَهُمْ﴾. يقول: عزيزٌ فى نِقْمتِه، حكيمٌ فى أمرِه (٤).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧١/٢ (١٩٥٥) من طريق عمرو به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧١/٢ (١٩٥٤) عن محمد بن سعد به نحوه .
(٣) أخرجه أبو عبيد فی فضائله ص ٢٤، ٢٥ من طريق حجاج به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧١/٢ عقب الأثر (١٩٥٦) من طريق ابن أبى جعفر به.
٦٠٥
سورة البقرة : الآية ٢١٠
القولُ فى تأويل قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِىِ ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ
وَأُلْمَلَبِكَةُ ﴾ .
يعنى جل ثناؤُه بذلك: هل يَنْظُرُ المكذِّبون بمحمدٍ عِ لٍ وما جاء به، إلّا أن
يأتيَهم اللَّهُ فى ظُلَلٍ من الغمامِ والملائكةُ .
ثم اخْتَلَفت القَرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأ بعضُهم: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ
اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَبِكَةُ ﴾ بالرفع؛ عطفًا بالملائكةِ على اسم اللَّهِ ، على
معنى: هل ينظرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ والملائكةُ فى ظُلَلِ مِن الغمامِ .
حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ، عن أبى عُبَيْدِ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ، قال : ثنا
عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ الرازىُّ، عن أبيه، عن الربيع بنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ ،
قال: فى قراءةٍ أَتَىِّ بنِ كعبٍ : (هل ينظُرون إلَّا أن يأتيهم اللهُ والمَلَائِكَةُ فِى
ظُلَلٍ من الغمامِ ). قال: يأتى الملائكةُ فى ظُلَلٍ مِن الغمامِ، ويأتى اللَّهُ فيما
(٣)
شاءٌ) .
وقد حُدِّثْتُ هذا الحديثَ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبى
جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلََّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ
اُلْغَمَاءِ وَالْمَلَبِكَةُ﴾ الآية. وقال أبو جعفرِ الرازىُّ: وهى فى بعضِ القراءةِ: (هل
ينظرون إلا أن يأتيَهم اللَّهُ والملائكةُ فى ظُلَلِ مِن الغمامِ). كقوله: ﴿وَيَوْمَ
(١) بالرفع قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائى ويعقوب وخلف ، وبالخفض قرأ
أبو جعفر. ينظر النشر ٢ / ١٧١.
(٢) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ذكر من قال ذلك)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٣/٢ (١٩٦٣)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٩٤٣) من طريق
أبى جعفر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٢/١ إلى ابن المنذر.
٦٠٦
سورة البقرة : الآية ٢١٠
تَشَقَّقُ السَّمَاءُ [٨٧/٥ظ] بِالْغَمَِ وَنُزِلَ المَلَبِكَةُ تَغْزِيلًا﴾ [ الفرقان: ٢٥].
وقرَأ ذلك آخَرون: (هل ينظُرون إلا أن يأتيَهم اللَّهُ فى ظللٍ من الغمامِ
والملائكةِ ) بالخفضِ ؛ عطفًا بالملائكةِ على الظَّللِ، بمعنى: هل ينظرون إلّا أن يأتيَهم
اللَّهُ فى ظلَلٍ مِن الغمامِ وفى الملائكةِ .
وكذلك اختلفت القَرأةُ فى قراءةِ ﴿ظُلَلٍ﴾؛ فقرَأَها بعضُهم: ﴿فِ ظُلَلِ﴾ .
وبعضُهم : (فى ظلالٍ)(١).
فمَن قرَأَها: ﴿فِ ظُلَلٍ﴾. فإنه وجهها إلى أنها جمعُ(٢) ظُلَّةٍ، وَالظُّلَّةُ تُجْمَعُ
ظُلَل وظلال، كما تُجْمَعُ "الحلةُ محلل)، (٤ والجُلّة ◌ِلالُ
وأمَّا الذى قرَأَها: (فى ظِلالٍ). فإنه جعَلها جمعَ ظُلَّةٍ، كما ذكَوْنا مِن
جمعِهم "الجُلة جِلالًاً).
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قارتُه كذلك وجهه إلى أن ذلك جمعُ ظِلِّ؛ لأن الظُّلَّةَ
والظّلَ قد يُجْمعانٍ جميعًا : ظِلال .
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى
ظُلَلٍ مِنَ الْغَهَامِ ﴾. لخبرِ رُوِى عن رسولِ اللَّهِ عَظِلّه أنه قال: ((إن مِن الغمامِ طاقاتٍ
يأتى اللَّهُ فيها محفوفًا))(١). / فدَلَّ بقوله: ((طاقاتٍ)). على أنها ظُلَلٌ لا ظِلالٌ؛ لأن
٣٢٨/٢
(١) هذه قراءة قتادة، وهى شاذة. ينظر المحتسب ١/ ١٢٢.
(٢) فى الأصل: (( جميع)).
(٣ - ٣) فى م: ((الخلة خلل وخلال)). وفى ت٢: ((الخلة خلل)).
(٤ - ٤) فى م: ((الجلة جلل وجلال)).
(٥ - ٥) فى م: ((الخلة خلال)).
(٦) أخرجه الديلمى فى مسند الفردوس (٧٩٧) من حديث ابن عباس .
٦٠٧
سورة البقرة : الآية ٢١٠
واحدَ الظُّلَلِ (١) ظُلَّةٌ، وهى الطاقُ، واتِباعًا لخطِّ المصحفِ، وكذلك الواجبُ فى
كلِّ ما اتَّفَقت معانيه واخْتَلَفت فى قراءتِه القَرأةُ ، ولم يكنْ على إحدى القراءتين دلالةٌ
تَنفَصِلُ بها مِن الأخرى غيرَ اختلافِ خطِّ المصحفِ ، فالذى ينبغى أن تُؤْثَرَ قراءتُه
منها(٢) ما وافقَ رسمَ المصحفِ .
وأمَّا الذى هو أَوْلَى القراءتينِ فى: ﴿وَالْمَلَبِّكَةُ﴾ "بالصواب،ِ فالرفع٣ُ)،
عطفًا بها على اسم اللهِ ، على معنى : هل ينظرون إلَّا أن يأتيهم اللّهُ فى ظُلَلٍ من
الغمام ، وإلّا أن تأتيهم الملائكةُ. على ما رُوِى عن أَتَىِّ بنِ كعبٍ ؛ لأن الله جل ثناؤه
قد أخبَر فى غيرِ موضع مِن كتابِهِ أن الملائكةَ تأتيهم ، فقال جل ثناؤُه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ
وَاَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]. وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَبِكَةُ أَوْ
يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فإِن أَشْكَل على امرئَ قولُ اللَّهِ
جل ثناؤه: ﴿ وَالْمَلَكُ صَفَّا صَفًّا﴾. فظنَّ أنه مخالفٌ معناه معنى قوله: ﴿هَلْ
يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلِ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَبِكَةُ﴾. إذ كان قولُه:
وَالْمَلَئِكَةُ﴾ فى هذه الآيةِ بلفظِ جمع، وفى الأُخرى بلفظِ الواحدِ ، فإن ذلك
خطأٌ مِن الظَّنِّ(٤)، وذلك أن الملَكَ فى قولِه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ [٥٨٨/٥] وَاَلْمَلَكُ ﴾ بمعنى
الجميعِ ومعنى الملائكة، والعربُ تَذْكُرُ الواحدَ بمعنى الجميع، فتقولُ: فلانٌ كثيرٌ
الدرهم والدينارِ. يُرادُ به الدراهم والدنانيرُ. و: هَلَك البعيرُ والشاةُ . بمعنى جماعةٍ
الإبلِ والشاءِ. فكذلك قولُه: ﴿ وَالْمَلَكُ ﴾ بمعنى الملائكةِ.
(١) فى ت١، ت٢، ت٣: ((الظل)).
(٢) سقط من: م.
(٣ - ٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((فالصواب بالرفع)).
(٤) فى م: ((الظان)).
٦٠٨
سورة البقرة : الآية ٢١٠
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى قولِه: ﴿ فِ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ﴾ . وهل هو مِن صلةٍ
فعلِ اللَّهِ جل ثناؤه، أوْ مِن صلةٍ فعلِ الملائكةِ، ومَن الذى يَأْتى فيها؟ فقال بعضُهم:
هو مِن صلةٍ فعلِ اللَّهِ ، ومعناه: هل يَنْظُرون إِلَّا أن يأتيهم اللَّهُ فى ظُلَلِ من الغمامِ وأن
يأتيَهم الملائكةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابنٍ أبی
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ
اُلْغَمَامِ﴾. قال: هو غيرُ السَّحابِ، لم يكنْ إلّا لبنى إسرائيلَ فى تِيهِهم حينَ
تاهوا ، وهو الذى يأتى اللَّهُ فيه يومَ القيامةِ(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿هَلَ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ . قال :
يأتيهم اللَّهُ وتأتيهم الملائكةُ عندَ الموتِ (٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال :
قال عكرمةُ فى قولِه: ﴿هَلْ يَظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ .
قال : طاقاتٌ مِن الغمامِ، والملائكةُ حولَه. قال ابنُ مجرَيْج: وقال غيرُه: والملائكةُ
بالموتِ (٣).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٢/٢ (١٩٦١) من طريق ابن أبى نجيح به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٤١/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٨٢/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٣/٢ (١٩٦٥) عن الحسن بن يحيى به.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٣/٢ (١٩٦٤) من طريق حجاج به .
٦٠٩
سورة البقرة : الآية ٢١٠
وقولُ عكرمةَ هذا وإن كان موافقًا قولَ مَن قال: إن قوله: ﴿فِ ظُلَلٍ مِّنَ
الْغَمَاءِ ﴾. مِن صلةِ فعلِ الربِّ تبارك وتعالى الذى قد تقدَّم ذكْرُناه ، فإنه له مخالفٌ
فى صفةِ الملائكةِ، وذلك أن الواجبَ مِن القراءةِ على تأويلٍ قولٍ عكرمةَ هذا فى
الملائكةِ الخفضُ؛ لأنه تأوَّلَ الآيةَ: هل يَنْظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ فى ظُلَلٍ مِن الغمامِ
وفى الملائكةِ . لأنه زعَم أن اللَّهَ تعالى يأتى فى ظُلَلِ مِن الغمامِ / والملائكةُ حولَه . هذا
إن كان وجَّهَ قولَه: والملائكةُ حولَه. إلى أنهم حولَ [٨٨/٥ظ] الغمامِ، وجعَل الهاءَ فى
((حولَه)) مِن ذكرِ الغمام. وإن كان وجَّه قولَه: والملائكةُ حولَه . إلى أنهم حولَ الربّ
تبارك وتعالى، وجعَل الهاءَ فى قولِهُ(١) مِن ذكرِ الربِّ عز وجل، فقولُه نظيرُ قولٍ
الآخرين الذين قد ذكَّرْنا قولَهم ، غيرُ مخالفِهم فى ذلك .
وقال آخرون: بل قولُه: ﴿فِ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ﴾. من صلةٍ فعلٍ الملائكةِ،
وإنما تأتى الملائكةُ فيها ، فأمَّا الربُّ تعالى ذكره فإنه يأتى فيما شاء .
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيع فى
قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَبِكَةُ﴾ الآية.
قال : ذلك يومَ القيامةِ ، تأتيهم الملائكةُ فى ظُلَلٍ من الغمام . قال : الملائكةُ يجيئون
فى ظللٍ مِن الغمامِ ، والربُّ تبارك وتعالى يجىءُ فيما شاء.
وأولى التأويلين بالصوابٍ فى ذلك تأويلُ مَن وجّه قولَه: ﴿فِى ظُلَلٍ مِّنَ
اُلْغَمَامِ﴾. إلى أنه مِن صلةٍ فعلِ الربِّ، وأن معناه: هل يَنْظُرون إلّا أن يأتيهم اللَّهُ
فى ظُللٍ مِن الغمامِ وتأتيهم الملائكةُ ؛ لِما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُمَيْدِ الرازىُّ ، قال : ثنا
(١) فى م: ((حوله)).
( تفسير الطبرى ٣٩/٣ )
٦١٠
سورة البقرة : الآية ٢١٠
إبراهيمُ بنُ المختارِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن زَمْعَةَ بنِ صالحٍ، عن سلمةَ بنِ وَهْرَامَ ، عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن النبىَّ عَ ◌ِّ قال: ((إن مِن الغَمامِ طاقاتٍ يأتى اللَّهُ فيها
محفوفًا)). وذلك قولُه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِىِ ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ
وَالْمَلَّبِكَةُ وَقُضِىَ الْأَمْرَّ﴾(١).
وأمَّا معنى قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ فإنه : ما يَنْظُرون. وقد بيَنَّا ذلك بعِلَلِه فيما
مضَى مِن كتابنا هذا قبلُ .
ثم اخْتُلِف فى صفةِ إتيانِ الربِّ تبارك وتعالى الذى ذكره فى قوله: ﴿هَلْ
يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾. فقال بعضُهم: لا صفةً لذلك غيرُ الذى وصَف به
نفسَه عز وجل مِن المجىءِ والإتيانِ والنزولِ، وغيرُ جائزٍ تكلِّفُ القولِ فى ذلك
الأحدٍ إلَّ بخبرٍ مِن اللَّهِ جل جلاله، أو مِن رسولٍ مُرسلٍ. فأمَّا [٨٩/٥ و] القولُ
فى صفاتِ اللَّهِ وأسمائِهِ، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ مِن جهةِ الاستخراج إلّ بما ذكَونا .
وقال آخرون : إتيانُه جلَّ ذكرُه نظيرُ ما يُعْرَفُ مِن مجىءٍ الجائى مِن موضعٍ إلى
موضعٍ، وانتقاله مِن مکانٍ إلى مكانٍ .
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ . يعنى به :
هل يَنْظُرونَ إِلَّا أن يأتيهم أمرُ اللَّهِ، كما يقالُ: قد خشِينا أن تأتينا بنو أميَّةَ . يُرادُ به:
◌ُكْمُهم .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : هل يَنْظُرون إلا أن يأتيهم ثوابُه وحسابُه
وعذابُه، كما قال عز وجل: ﴿بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]. وكما يقالُ:
قطَع الوالى اللِّصَّ أو ضرَبه . وإنما قطعه أعوانُه.
(١) تقدم تخريجه فى ص ٦٠٦.
٦١١
سورة البقرة : الآية ٢١٠
وقد بيًَّّا معنى ((الغمام)) فيما مضَى مِن كتابِنا هذا قبلُ، فأغْنَى ذلك عن
تكريره؛ لأن معناه هلهنا هو معناه هنالك(١) .
/ فمعنى الكلام إِذن: هل ينتظِرُ التاركون الدخولَ فى السّلْم كافَّةً، ٣٣٠/٢
والمُتَِّعون خُطواتِ الشيطانِ ، إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ فى ظللٍ من الغمامِ، فَيَقْضِىَ فى
أمرِهم ما هو قاضٍ .
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدِ المُحاربىُّ، عن
إسماعيلَ بنِ رافع المَدَنىِّ ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن
محمدِ بنِ كعبِ القُرَظىِّ، عن أبى هريرةَ ، قال: قال رسولُ اللَّهِ عَظِلّهِ: ((تُوقَفون
مَوْقِفًا واحدًا يومَ القيامةِ مقدارَ سبعين عامًا ، لا يُنْظَرُ إليكم ، وَلا يُقْضَى بينكم، قد
خُصِر عليكم ، فَتَبْكون حتى يَنْقَطِعَ الدمعُ، ثم تدمَعون دمًا ، وتبكون حتى يبلُغَ
ذلك منكم الأذقانَ ، أو يُلْجِمَكم فَتَضِجُون(٢)، ثم تقولون: مَن يَشْفَعُ لنا إلى ربِّنا
فيَقْضِىَ بيننا؟ فيقولون: مَن أحقُّ بذلك مِن أبيكم آدمَ ؛ جبَل اللَّهُ تربته(٣)، وخلقه
بيدِه، ونفَخ فيه مِن رُوحِه، وكلَّمه قِبَلًا. فيؤْتَى آدمُ ، فَيُطْلَبُ ذلك إليه ، فيَأْتِى، ثم
يَسْتَقْرِئون الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا، كلَّما جاءوا نبيًّا أتَى)). قال رسولُ اللَّهِ وَلِ: ((حتى
يأتونى ، فإذا جاءونى خرَجتُ حتى آتِىَ الفَخْصَ)). قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللَّهِ،
وما الفَحْصُ؟ قال: ((قُدَّامُ العرشِ، فَأَخِرَّ ساجدًا، فلا أزالُ ساجدًا حتى يبعثَ اللَّهُ
إِلَّ مَلَكًا ، فيأْخُذَ بِعَضُدِى فِيَرْفَعَنِى، ثم يقولُ اللَّهُ لى: يا(٤) محمدُ . فأقولُ : نعم -
(١) ينظر ما تقدم فى ٦٩٨/١ وما بعدها .
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((تصيحون))، وهى رواية الطبرانى.
(٣) جبل التربة: خلقها. اللسان (ج ب ل).
(٤) سقط من: الأصل .
٦١٢
سورة البقرة : الآية ٢١٠
وهو أعلمُ - فيقولُ: ما شأنُك؟ فأقولُ: يا ربِّ، وعَدتَنى الشفاعةَ، فشَفِّغْنِى(١) فى
خلقِك فاقضٍ بينهم . فيقولُ : قد شفَّعْتُك، أنا آتيكم فأقْضِى بينَكم)) . قال رسولُ
اللَّهِ مَه: ((فَأَنْصَرِفُ حتى أَقِفَ معَ الناسِ، فبينما(٢) نحنُ وُقُوفٌ سمِعْنا حشًا مِن
السماءِ شديدًا، فَهَالَنَا، فنزَل أهلُ السماءِ الدنيا بمِثْلَئْ مَن فى الأرضِ مِن الجنِّ
والإنسِ، حتى إذا دَنَوْا مِن الأرضِ أَشْرَقتِ الأرضُ بنورِهم(٢)، وأخَذوا مصافَّهم،
فقلنا [٨٩/٥ظ] لهم: أفيكم ربُّنا؟ قالوا: لا ، وهو آتٍ. ثم نزلَ أهلُ السماءِ الثانيةِ
بمِثْلَىْ مَن نزَل مِن الملائكةِ، وبمِثْلَئْ مَن فيها مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوا مِن
الأَرْضِ أَشْرَقت الأرضُ بنورِهم(٣)، وأخَذوا مَصافَّهم، فقلنا لهم: أفيكم ربنا؟
قالُوا : لا ، وهو آتٍ. ثم نزَل أهلُ السماءِ الثالثةِ بِمِثْلَىْ مَن نزَل مِن الملائكةِ، وبمِثْلَئْ مَن
فى الأرضِ مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوْا مِن الأَرْضِ أَشْرَقت الأرضُ بنورِهم،
وأخَذوا مَصافَّهم، وقلنا لهم: أَفيكم ربّنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ. ثم نزَل أهلُ
السماواتِ على قدرٍ ) ذلك مِن التضعيفِ ، حتى نزَل الجبّارُ فى ظُلّلٍ مِن الغمامِ
والملائكةُ ولهم زَجَلٌ مِن تسبيحِهم، يقولون: سبحانَ ذى المُلْكِ والملكوتِ،
سبحانَ ربِّ العرشِ ذى الجبروتِ ، سبحان الحىّ الذى لا يموتُ، سبحانَ الذى يُمِيتُ
الخلائقَ ولا يموتُ، سُبُوحٍ قُدُّوسٌ ، ربُّ الملائكةِ والرُّوحِ، قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، سبحانَ
ربِّنا الأعلى ، سبحانَ ذى السلطانِ والعظمةِ ، سبحانَه أبدًا أبدًا. فيَنْزِلُ ربنا تبارك
٣٣١/٢ وتعالى يَحْمِلُ عرشَه يومئذٍ ثمانيةٌ، / وهم اليومَ أربعةٌ؛ أقدامُهم على تُخُومِ الأرضِ
(١) فى الأصل، ت ٣: ((تشفعنى).
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((فينا)).
(٣) فى الأصل: ((لنورهم)). وفى الطبرانى: ((بنور ربهم)).
(٤) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((عدد)).
(٥) فى الأصل: ((ذی)) .
٦١٣
سورة البقرة : الآية ٢١٠
السفلَى، والسماواتُ إلى حُجَزِهم، والعرشُ على مناكبِهم، فوضَع اللَّهُ تبارَك
وتعالى عرشَه حيثُ شاء مِن الأرضِ ، ثم يُنادِى مُنادٍ نداءً يُشْمِعُ الخلائقَ ، فيقولُ : يا
معشرَ الجنِّ والإنسِ، إنى قد أَنْصَتُّ منذُ يومٍ خلَقتُكم إلى يومِكم هذا، أسمَعُ
كلامَكم، وأَبْصِرُ أعمالكم، فَأَنْصِتوا إلىّ، فإنما هى صُحُفُكم وأعمالُكم تُقْرَأْ
عليكم، فمَن وجَد خيرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَد غيرَ ذلك فلا يَلُومَنَّ(١) إِلَّ نفسَه.
فِيَقْضِى اللَّهُ تبارَك وتعالى بينَ خلقِه الجنِّ والإنسِ والبهائم، فإنه لَيُقِيدُ(٢) يومئذٍ
للجمَّاءِ مِن ذَاتِ القَوْنِ ))(٣).
وهذا الخبرُ يَدُلُّ على خطأً قولٍ قتادةَ فى تأويلِه قولَه: ﴿ وَالْمَلَبِّكَةُ﴾. أنه
معنىٌّ به: و (١)الملائكةُ تأتيهم عندَ الموتِ؛ لأنه مَِّ ذكر أنهم يأتونهم بعدَ قيامِ الساعةِ
فى موقفِ الحسابِ حينَ تَشَقَّقُ السماءُ .
وبمثلِ ذلك رُوِى الخبرُ عن جماعةٍ مِن الصحابة والتابعين ، كرِهنا إطالةً الكتابِ
بذكرهم وذكرٍ ما قالوا فى ذلك .
(١) فى الأصل: ((يلوم)).
(٢) فى م: ((ليقتص)).
(٣) إسناده ضعيف ، لضعف إسماعيل بن رافع، والحديث أخرجه ابن أبى الدنيا فى الأهوال (٥٥)، وإسحاق
ابن راهويه - كما فى المطالب العالية ٥٥٥/٧ (٣٣٠٩)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٢٨/٩ - ٢٩٣١
(١٦٦٢١)، (١٦٦٢٧ - ١٦٦٢٩)، وأبو يعلى - كما فى البداية والنهاية ٣١٠/١٩ - والطبرانى فى
الأحاديث الطوال (٣٦)، وأبو موسى المدينى - كما فى البداية والنهاية - والبيهقى فى البعث والنشور
(٦٦٩)، وأبو الشيخ فى العظمة (٣٨٨، ٣٨٩) من طرق عن إسماعيل بن رافع به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٣٩/٥ إلى عبد بن حميد وعلى بن سعيد فى كتاب الطاعة والعصيان وأبى الحسن القطان فى
المطولات وابن المنذر. وقد اختلف فيه كثيرًا على إسماعيل بن رافع. ينظر الكامل ٢٧٨/١، والفتح
٣٦٨/١١، والبداية والنهاية ٣١٠/١٩ - ٣٢٣.
(٤) سقط من: م، ت ١، ت٢، ت ٣.
٦١٤
سورة البقرة : الآية ٢١٠
ويُوَضِّحُ أيضًا صحَّةَ ما اخترْنا مِن القراءةِ فى قولِه: ﴿ وَالْمَئِكَةُ﴾ بالرفعِ
على معنى : وتأتيهم الملائكةُ .
ويُنِىُّ(٢) عن خطأً قراءةٍ مَن قرأ ذلك بالخفضِ؛ لأنه أخْبَر ◌ٍَّ أن الملائكةَ تأتى
أهلَ القيامةِ فى موقفهم حينَ تَفَطَّرُ السماءُ قبلَ أن يأتيهم ربُّهم فى ظُلَلِ مِن الغمام ، إلَّا
أن يكونَ قارئُ ذلك ذهَب إلى أنه تعالى ذكرُه عنَى بقولِه ذلك: إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ فى
ظُلَلٍ مِن الغمامِ . وفى الملائكةِ الذين يأتون أهلَ الموقفِ [٩٠/٥ و] حينَ يأتيهم اللَّهُ فى
ظُلَلٍ مِن الغمامِ . فيكونُ ذلك وجهًا مِن التأويلِ وإن كان بعيدًا مِن قولِ أهلِ العلمِ
ودلالةِ الكتابِ وآثارِ رسولِ اللَّهِ مَّهِ الثابتةِ.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُجَعُ الْأُمُورُ
يعنى جل ثناؤه بذلك : وفُصِل القضاءُ بالعدلِ بينَ الخلقِ ، على ما قد ذكَرْنا قبلُ
عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ ◌َِّ مِن أخذِ الحقِّ لكلِّ مظلومٍ مِن كلِّ ظالمٍ، حتَّى
القصاصِ للجمَّاءِ مِن القرناءِ مِن البهائمِ.
وأمَّا قولُه: ﴿ وَ إِلَى اللَّهِ تُجَعُ اَلْأُمُورُ﴾. فإنه يعنى: وإلى اللَّهِ يئولُ القضاءُ بينَ
خلقِه يومَ القيامةِ والحكمُ بينهم فى أمورِهم التى جرَت بينهم فى الدنيا ؛ مِن ظلمٍ
بعضِهم بعضًا ، واعتداءِ المعتدِى منهم حدودَ اللَّهِ ، وخلافٍ أمرِهِ ، وإحسانِ المحسنِ
منهم، وطاعتِه إِيَّاه فيما أَمَره (" ونهاه) ، فيفصلُ بينَ المتظالمين، ويُجازِى أهلَ
الإحسانِ بالإحسانِ، وأَهلَ الإساءةِ بما رأى، أو(٤) يتَفَضَّلُ على مَن لم يكنْ منهم
(١ - ١) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((فى قراءة)).
(٢) فی م: (( یبین)) .
(٣ - ٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣: (( به).
(٤) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((من).
٦١٥
سورة البقرة : الآيتان ٢١٠، ٢١١
كافرًا به فيعفو. ولذلك قال جل ثناؤه: ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرَجَعُ اَلْأُمُورُ﴾. وإن كانت
أمورُ الدنيا كلُّها والآخرةِ مِن عندِهِ مَبْدَؤُها وإليه مصيرها ، إذ كان خلقُه فى الدنيا
يتظالمون ، ويَلَى النظرَ بينهم أحيانًا فى الدنيا بعضُ خلقِه، والحكمَ بينهم بعضُ
عبيدِه، فيَجورُ بعضٌ، ويَعْدِلُ بعضٌ، ويُصِيبٌ واحدٌ، ويُخْطِئُ آخرُ، ويُمْكِنُ (١)
تنفيذُ الحكم على بعضٍ، ويَتَعذَّرُ ذلك على بعضٍ لمَنَعَةِ جانبِهِ وَغَلَبْتِه بالقوةِ .
فَأَعْلَم عبادَه تعالى ذكرُه أن مرجعَ ذلك كلِّه إليه فى موقفِ القيامةِ ، فيُنْصِفُ
كُلَّ من كلِّ، ويُجَازِى / حقَّ الجزاءِ كلَّ، حيثُ لا ظُلمَ ولا مُمْتَنَعَ مِن نفوذٍ حكمِه ٣٣٢/٢
عليه ، وحيثُ يَشْتوِى الضعيفُ والقوىُّ، والفقيرُ والغنىُّ، ويَضْمحِلُّ الظلمُ، ويَنْزِلُ
سلطانُ العدلِ .
وإنما أدْخَل جل وعز الألفَ واللامَ فى ((الأمورِ)) ؛ لأنه جل ثناؤُهُ عنَى بها جميعَ
الأمورِ، ولم يَعْنِ بها بعضًا دونَ بعضٍ، فكان ذلك بمعنى قولِ القائلِ: يُعْجِبُنى
العسلُ. و: البغلُ أقوى مِن الحمارِ. فيُدْخِلُ فيه الألف واللامَ ؛ لأنه لم يَقْصِدْ به قَصْدَ
بعضِ دونَ بعضٍ، وإنما يُرادُ به العمومُ والجمعُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿سَلْ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ كُمْ ءَاتَيْنَهُم مِّنْ ءَايَةٍ بِنَةٍ﴾ .
[٩٠/٥ظ] يعنى جل ثناؤه بذلك: سل يا محمدُ بنى إسرائيلَ الذين لا يَنْظِرون
بالإنابةِ إلى طاعتِى والتوبةِ إلىَّ بالإقرارِ بنبوتِك وتصديقك فيما جئتَهم به مِن عندِی ،
إلا أن آتيَهم فى ظُللٍ مِن الغمامِ وملائكتِى، فأفْصِلَ القضاءَ بينَك وبينَ مَن آمَن بك
وصدَّقك بما أَنزَلتُ إليك مِن كُتبِى، وفرضْتُ عليك وعليهم مِن شرائعٍ دينِى،
(١) فى م: ((فيحكم)).
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((و).
٦١٦
سورة البقرة : الآية ٢١١
وبينَهم - كم جِئتُهم به مِن قبلِك مِن آيةٍ وعلامةٍ على ما فرَضتُ عليهم مِن فرائضِى ،
وأمرتُهم به مِن طاعتِی، وتابعتُ علیهم مِن حُجچی على أيدى أنبیائی ورسلی مِن
قبلِك ، مؤيِّدةً(١) لهم على صدقِهم ، بيِّةً أنها مِن عندِى، واضحةً أنها مِن أُدلِى على
صدقِ نُذْرِى ورسلى فيما افترضتُ عليهم مِن تصديقهم وتصديقك، فكفروا
حُجْجِى، وكذَّبوا رسلى، وغَيَّروا نِعَمِى قبلَهم، وبدَّلوا عهدِى ووصيتى إليهم.
وأما الآيةُ فقد بيَّنتُ تأويلَها فيما مضَى مِن كتابِنا بما فيه الكفايةُ(٢)، وهی هلهنا
ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى
تَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿سَلْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ كَمْ ءَاتَّيْنَهُم مِّنْ ءَايَقِ بَيِّنَةٍ﴾:
ما ذكَّر اللَّهُ فى القرآنِ وما لم يذكُرْ، وهم يهودُ(٣).
حُدِّثتُ عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيع قوله: ﴿ سَلْ
بَنِيّ إِسْرَءِيَ كَمْ ءَاتَيْنَهُم مِّنْ ءَايَةِمٍ بَيِّنَةٍ﴾. يقولُ: آتاهم اللهُ آياتٍ بیناتٍ ؛ عصا
موسى، ويدَه، وأقْطَعَهم البحرَ، وأغرَق عدوَّهم وهم ينظُرون، وظلّلَ عليهم
الغَمامَ، وأَنزَل عليهم المَنَّ والسَّلْوَى(٤) .
وذلك مِن آياتِ اللَّهِ التى آتَى بنى إسرائيلَ فى آياتٍ كثيرةٍ غيرِها ، خالَفوا معها
أمرَ اللَّهِ، وقتلوا أنبياءَه ورسلَه، وبدَّلوا عهدَه ووصيته إليهم، قال اللَّهُ: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ
(١) فى م: ((مريدة)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٥٩٤/١ وما بعدها .
(٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((اليهود)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٣/٢، ٣٧٤ (١٩٦٨، ١٩٧٠) من طريق ابن أبى نجيح به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٢/١ إلى عبد بن حميد.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٤/١ عقب الأثر (١٩٦٩) من طريق ابن أبى جعفر به، وأخرجه فى
(١٩٦٩) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية .
٦١٧
سورة البقرة : الآية ٢١١
نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتَّهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَابِ
وإنما سلَّى (١) اللَّهُ نبيَّه محمدًا عَ لَه بهذه الآيةِ(٢) ، فأمَره بالصبرِ على مَن كذَّبه
واسْتَكْبَر على ربِّه، وأخبره أن ذلك فِعلُ مَن قبلَه مِن سُلَّافِ الأمم قبلَهم بأنبيائِهم ، مع
مُظاهرتِه عليهم الحُجَجَ ، وأن مَن هو بينَ أظهُرِهم مِن اليهودِ إنما هم مِن بقايا مَن جَرَت
عاداتُهم مِن(٢) قصَّ عليه قصصَهم مِن بنى إسرائيلَ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتَّهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
اُلْمِقَابِ
٢١١
يعنى جل ثناؤُه بالنعمةِ ) : الإسلامَ وما فرَض مِن شرائع دينه ، ويعنى بقولِه :
﴿ وَمَن يُبَدِّلْ [٥٩١٥] نِعْمَةَ اللَّهِ﴾: / ومَن يُغيِّرْ ما عهِد اللَّهُ فى نعمتِه التى هى ٣٣٣/٥
الإسلامُ مِن العملِ به (١) والدخولِ فيه فيَكْفر به ، فإنه معاقبته بما أوعَد على الكفرِ به مِن
العقوبةِ ، واللَّهُ شديدٌ عقابُه، أليم عذابُه.
فتأويلُ الآيةِ إذن: يا أيها الذين آمنوا بالتوراةِ فصدَّقوا بها ، ادْخُلوا فى الإسلامِ
جميعًا ودَعُوا الكفرَ، وما دعاكم إليه الشيطانُ مِن ضَلالِتِه ، وقد جاءتكم البيناتُ مِن
عندِى بمحمدٍ، وما أظْهَرتُ على يديه لكم من الحجج والعِبَرِ ، ولا تُبدِّلوا عهدِی
إليكم فيه ، وفيما جاءكم به مِن عندِى فى كتابِكم بأنه نبيِّى ورسولی، فإنه مَن يبدِّلْ
ذلك منكم فيُغيِّرُه ، فإنى له مُعاقبٌ بالأليم من العقُويةِ .
(١) فى م: ((ينبئ)).
(٢) فى م: ((الآيات)) .
(٣) فى الأصل: ((ثم)) .
(٤) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((بالنعم)).
(٥) فى م: ((عاهد)).
(٦) سقط من: م.
٦١٨
سورة البقرة : الآيتان ٢١٢،٢١١
وبمثلِ الذى قُلنا فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ ﴾.
(١) ؟
قال(١) أهلُ التأويلِ .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجِيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَءَتَّهُ﴾ . قال:
يَكْفِرْ بها(٢).
حدثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجْ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ مِثلَه .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السُّدئِّ: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾. قال: يقولُ: مَن يُبَدِّلْها كُفرًا(٣).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع:
﴿ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾. يقولُ: ومَن يَكْفُرْ نعمتَه مِن بعدِ ما جاءته(٤).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ
ءَامَنُواُ وَالَّذِيِنَ أَثَّقَوْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ .
يعنى جل ثناؤه بذلك: زُيِّنَ للذين كفروا حبُّ الحياةِ "العاجلةِ فى الدارِ الدنيا)،
(١) بعده فى م: ((جماعة من)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٣١. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٢/١ إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٤/٢ عقب الأثر (١٩٧١) من طريق عمرو به.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٤/٢ عقب الأثر (١٩٧١) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٥ - ٥) فى م: ((الدنيا العاجلة فى الذنب)).
٦١٩
سورة البقرة : الآية ٢١٢
فهم يَبْتغون فيها المُكاثرةَ والمُفاخرةَ، ويَطْلُبُون فيها الرياساتِ والمُباهاةَ،
ويَسْتكبِرون عن اتِّبَاعِك يا محمدُ والإِقْرارِ بما جثْتَهم (١) به مِن عندِى؛ تَعظّمًا منهم
على مَن صدَّقك واتَّبعك، ويَسْخرون ممن يَتَّبِعُك مِن أهلِ الإيمانِ والتصديقِ بك ،
فى تركِهم المُكاثرةَ [٩١/٥ظ] والمُفاخرةَ بالدنيا وزينتها مِن الرِّياشِ والأموالِ وطلبٍ
الرياساتِ ، وإقبالِهم على طلبِهم ما عندِى برفضِ الدنيا وتَرْكِ زينتِها . والذين عَمِلوا
لى وأقْبَلوا على طاعتِى، ورفضوا لذَّاتِ الدنيا وشهواتِها، اتِّاعًا لك وطلبًا لما عندِى،
واتِّقاءً منهم لى بأداءِ فرائضِى وَجَتُّبٍ معاصىَّ - فوقَ الذين كفروا يومَ القيامةِ،
بإدخالِى المتقين الجنةَ ، وإدخالِى الذين كفروا النارَ.
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك مِن التأويلِ قال جماعةٌ ("من أهلِ التأويلِ) .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج قولَه :
زُيِّنَ لِلَّذِنَ كَفَرُواْ / الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾. قال: الكفارُ يَتغون الدنيا ويَطْلَبونها، ٣٣٤/٢
﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فى طلبِهِم الآخرةَ. قال ابنُ جريج: و(٢) لا أحسبُه إلا
عن عِكرمةَ، قال: قالوا: لو كان محمدٌ نبيًّا كما يقولُ، لاتَّبَعه أشرافُنا وساداتُنا ،
واللَّهِ ما اتَّبِعَه إلا أهلُ الحاجةِ مِثلُ ابنِ مسعودٍ" .
(١) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((جئت).
(٢ - ٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((منهم).
(٣) سقط من: م، ت١، ت٢، ت ٣.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٤/٢، ٣٧٥ (١٩٧٣، ١٩٧٥) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج،
وليس فيه التصريح بذكر عكرمة بل قال: وقال آخرون، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٢/١ إلى ابن
المنذر .
٦٢٠
سورة البقرة : الآيتان ٢١٣،٢١٢
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبَرنا مَعْمرٌ ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَالَّذِينَ أَتَّقَوْاْ فَوْقَهُمْ﴾. قال: فوقَهم فى الجنةِ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٢١٢
يعنى جلَّ ثناؤه بذلك: واللَّهُ يُعطِى الذين اتقوا يومَ القيامةِ مِن نعمِه وكراماتِه
وجزيلٍ عطاياه، بغيرِ محاسبةٍ منه له(٢) على ما منَّ به عليه (٣) مِن كرامته.
فإن قال لنا قائلٌ: وما فى قوله: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ من المَدْحِ؟
قيل : المعنى الذى فيه مِن المدح ، الخبرُ عن أنه غيرُ خائفٍ نَفادَ خَزائنه ، فیحتاجَ
إلى حسابٍ ما يَخرجُ منها ، إذ كان الحسابُ مِن المُعْطِى إنما يكونُ لِيَعْلمَ قَدْرَ العطاءِ
الذی یخْرجُ مِن مِلْكِه إلی غیرِهِ، لئلا يَتجاوزَ فی عطاياه إلى ما يُجْحِفُ به، فرَبُّنا
تعالى ذكرُه غيرُ خائفٍ نَفادَ خزائنِه، ولا انتقاصَ شىءٍ مِن مِلكِه بعطائِه ما يُعطِى
عبادَه، فيحتاج إلى حسابٍ ما يُعطِى، وإحصاءِ ما يُبقِى، فذلك المعنى الذى فى
قولِه: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ( من المدحٍ).
القولُ فى تأويل قوله: [٩٢/٥و] ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اُللَّهُ النَّبِيْنَ
مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أُخْتَلَفُواْ
فِهِ ﴾ .
اختلفَ أهلُ التأويل فى معنى الأمةِ فى هذا الموضعِ، وفى الناسِ الذين وصَفهم
(١) تفسير عبد الرزاق ٨٢/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٥/٢ (١٩٧٦) عن الحسن به.
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((لهم)).
(٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((عليهم)).
(٤ - ٤) سقط من: م، ت١، ت٢، ت ٣.