Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
سورة البقرة : الآية ١٨٩
قال: ذُكرَ لنا أنهم سألوا النبىَ عَمٍ: لم خُلقتِ الأهلةُ؟ فأنزل اللَّهُ: ﴿يَسَْلُونَكَ
عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيْثُ لِلنَّاسِ وَالْحَيُّ﴾. جعلَها اللَّهُ مواقيتَ لصومِ المسلِمِين
وإفطارِهم، ولحجّهم ومناسِكِهم، ولعدَّةِ نسائهم ، وحَلِّ ديونهم(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمَرٌ ، عن
قتادةً فى قولِه: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾. قال: هى مواقيتُ لهم فى حجّهم
وصؤمهم وفطرِهم ونُسکِھم" .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُريجٍ،
قال: قال الناسُ: لِمَ جِعِلت هذه الأهلةُ؟ فنزلت: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِّ قُلْ هِىَ
مَوَاقِيْتُ لِلنَّاسِ﴾؛ لصومِهم وإفطارِهم، وحجّهم ومناسِكِهم. قال : قال ابنُ
عباسٍ : ووقتٍ حجهم، وعِدَّةِ نسائهم ، وحَلِّ دیونهم(١)
٠
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ:
يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيْثُ لِلنَّاسِ﴾ : فهى مواقيتُ للطلاقِ والحيضِ
.(٧)
والحجّ().
وحدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: ثنا الفضلُ بنُ خالدٍ ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ
سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيْثُ لِلنَّاسِ ﴾ يغْنى:
(١ - ١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قالوا للنبى)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢٢/١ عقب الأثر (١٧٠٨) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((للناس)).
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٢.
(٥ - ٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((خلقت)).
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((دينهم) .
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢٢/١ عقب الأثر (١٧٠٨) من طريق عمرو به.

٢٨٢
سورة البقرة : الآية ١٨٩
حَلِّ دَيْنِهم، ووقتَ حجِّهم، وعِدَّةَ نسائِهم(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنى أبى ، قال: حدَّثنی عمِّى، قال : حدَّثنی
١٨٦/٢ أبى، عن أبيه، / عن ابنِ عباسٍ، قال: سأل الناسُ رسولَ اللَّهِ عَلَهِّ عن الأهلةِ،
فنزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾: يعلَمون بها
حَلَّ دَيْنِهم ، وعِدَّةَ نسائهم ، ووقتَ حجّهم ١ ..
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، عن شَريك ، عن جابرٍ، عن عبد
اللَّهِ بِنِ تُجٍَ(٢)، عن علىِّ أنه سُئلَ عن قولِه: ﴿ مَوَاقِيْثُ لِلنَّاسِ﴾ . قال : هى مواقيتُ
الشهرِ هكذا وهكذا وهكذا - وقبَض إبهامَه - فإذا رأيتمُوه فصوموا، وإذا رأيتموه
فَأَفْطِرُوا ، فإِنْ غُمَّ عليكم فأتِمُّوا ثلاثِين(٤).
فتأويلُ الآيةِ - إذا كان الأمر على ما ذكرناه عمَّن ذكّرنا عنه قولَه فى ذلك -:
يسألُونك يا محمدُ عن الأهلةِ ومحاقِهاً) وسِرَارِها وتمامِها واستوائِها وتغيرِ أحوالِها
بزيادةٍ ونقصانٍ ومُحاقٍ واسْتِسرارٍ ، وما المعنى الذى خالفَ بينَه وبينَ الشمسِ التى
هى دائمةٌ أبدًا على حالٍ واحدةٍ لا تتغيرُ بزيادةٍ ولا نقصانٍ ؟ فقلْ يا محمدُ : خَالفَ
بينَ ذلك ربُّكم عزَّ وجلَّ لتصييرِه الأهلةَ - التى سألتم عن أمرِها ومخالفةِ ما بينَها
وبينَ غيرِها فيما خالف بينها وبينَه - مواقيتَ لكم ولغيرِکم من. بنى آدمَ فى
معايشِهم، [٤/٥ظ] تُوَقُّتون (١) بزيادتها ونقصانِها ومحاقِها واسْتسرارِها وإهلالِكم
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢٢/١ فى تفسيره عقب الأثر (١٧٠٨) معلقا .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢٢/١ (١٧٠٧) عن محمد بن سعد به .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يحيى))، وينظر تهذيب الكمال ٢١٩/١٦.
(٤) عبد الله بن نجى لم يسمع من على ؛ بينه وبين على أبوه .
(٥) المحاق والمحاق: آخر الشهر إذا امَّحق الهلال فلم ير. اللسان (م ح ق).
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ترقبون)).

٢٨٣
سورة البقرة : الآية ١٨٩
إِيَّاها، أوقاتَ حَلِّ ديونِكم ، وانقضاءٍ مدةٍ إجارةٍ من استأجَرْ تُمُوه ( مِن أَجَرائِكم)،
وتَصرُّمِ عِدةِ نسائِكم ، ووقتَ صومِكم وإفطارِ كم، فجعَلَها مواقيتَ للناسِ .
وأمّا قولُه: ﴿وَاَلْحَجّ﴾ فإنه يعنى: وللحجّ. يقولُ: وجعَلها أيضًا ميقاتًا
حجّکم تعرِفون بها وقت مناسکِکم وحجّکم .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ
اَلْبِرَّ مَنِ اُثَّقَىَأْ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهِأَ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ
(١٨٩
قيل: نزَلتْ هذه الآيةُ فى قومٍ كانوا لا يدخُلون إذا أخْرَمُوا بُيُوتَهم من قِبل
أبوابها .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةً، عن أبى
إسحاقَ ، قال : سمِعتُ البراءَ يقولُ: كانت الأنصارُ إذا حَجُوا فرجَعوا ، لم يدْخُلوا
البيوتَ إلَّا من ظُهورِها. قال: فجاءَ رجلٌ من الأنصارِ فدخل من بابه ، فقيل له فى
ذلك، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾(١).
حدَّثنى سفيانُ بنُ وكيع، قال: حدَّثنى أبى، عن إسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ ،
عن البراءِ ، قال: كانوا فى الجاهليةِ إذا أحرَموا أتَوا البيوتَ من ظهورِها ، ولم يأتُّوا من
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) أخرجه مسلم (٣٠٢٦) من طريق محمد بن جعفر به . وأخرجه البخارى (١٨٠٣)، وابن أبى حاتم
٣٢٣/١ (١٧٠٩) من طريق شعبة به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/١ إلى عبد بن حميد وابن
المنذر. وينظر مسند الطيالسى (٧٥٢).

٢٨٤
سورة البقرة : الآية ١٨٩
أبوابِها، فنزلت: ﴿ وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ﴾ الآية(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ ، قال: سمعتُ
داودَ، عن قيسٍ بنِ جُبَيْرٍ (١) أنّ الناسَ كانوا إذا أخْرَمُوا لم يدخلوا حائطًا من بابِه ولا دارًا
من بابِها أو بيتًا، فدخَل رسولُ اللَّهِ وَه وأصحابُه دارًا، وكان رجلٌ من الأنصارِ يقالُ
١٨٧/٢ له : رفاعةُ بنُ تابوتٍ. فجاء فتسوَّرَ الحائطَ، ثمَّ / دخَل على رسولِ اللَّهِ صَغِ، فلمَّا
خرَج من بابِ الدارِ - أو قال : بابِ البيتِ - خرَج معه رِفاعةُ . قال: فقال رسولُ اللَّهِ
عََّمِ: (( ما حَمَّلك على ذلك))؟ قال: يا رسولَ اللَّهِ، رأيتُك خرَجتَ منه فخرجتُ
منه. فقال رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ: ((إِنِّى رَجُلٌ أَخْمَسُ(٢)). فقال: إن تكنْ رجلًا أخْمسَ،
فإِنّ دِينَنا واحدٌ . فأنزل اللَّهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوْ اَلْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ
اَلْبِرَّ مَنِ أَتَّقَأُ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَأَ﴾(٤)
(١) أخرجه البخارى (٤٥١٢)، وابن حبان (٣٩٤٧) من طريق إسرائيل به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٠٤/١ إلى وكيع.
(٢) كذا فى النسخ، وأسد الغابة ٢٤٤/٢، وقال ابن الأثير عن أبى موسى : كذا قال : قيس بن جبير
، بالجيم . قال: ولا أدرى هو قيس بن حبتر أم غيره. والصواب: حبتر. ينظر الإكمال ٢٣/٢،
وتهذيب الكمال ١٧/٢٤ .
(٣) ينظر معنى الخمس فى ص ٥١١ وما بعدها .
(٤) أخرجه ابن بشكوال فى المبهمات - كما فى التعليق على المستفاد للعراقى ٦٣٤/١ - من طريق محمد بن
عبد الأعلى به . وأخرجه عبد بن حميد - كما فى الفتح ٦٢١/٣ - من طريق داود به . وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٠٤/١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر .
واختلف فى من نزلت فيه هذه الآية ، فقيل: قطبة بن عامر. أخرجه ابن خزيمة، وابن أبى حاتم، والحاكم عن
جابر. وذكره الحافظ والخلاف فى إسناده، وذكر رواية قيس بن حبتر، وقال : هذا مرسل، والذى قبله - يعنى
حديث جابر - أقوى إسنادًا ، فيجوز أن يحمل على التعدد فى القصة ، إلا أن فى هذا المرسل نظرا من وجه آخر؛
لأن رفاعة بن تابوت معدود فى المنافقين، وهو الذى هبت الريح العظيمة لموته، كما وقع مبهما فى صحيح مسلم،
ومفسرا فى غيره من حديث جابر، فإن لم يحمل على أنهما رجلان توافق اسمهما واسم أبويهما ، وإلا فكونه =

٢٨٥
سورة البقرة : الآية ١٨٩
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، [١٥/٥] قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابنٍ
أبى تَجَيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ ◌ِأَن تَأْتُواْ الْبُيُونَ مِن
◌ُهُورِهَا﴾. يقولُ: ليس البرّ بأن تأتُّوا البيوتَ من كَوّاتٍ(١) فى ظهورِ البيوتِ،
وأبوابٍ فى جُنُوبِها ، تجعَلُها أهلُ الجاهليةِ ، فتُهوا أن يَدْخُلوا منها، وأمروا أنْ يدخُلوا من
(٢)
أبوابِها(٢) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ ، عن إبراهيمَ ، قال : كان ناسٌ من
أهلِ الحجازِ إذا أخْرَمُوا لم يدخلوا من أبوابٍ بيوتهم ودخَلوا من ظُهورِها ، فنزلت :
﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ أَثَّقَىُ﴾ الآية(١) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَلَيْسَ
أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىَأُ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ
أَبْوَبِهَا﴾. قال: كان المشركون إذا أخْرمَ الرجُلُ منهم نَقَب كَوَّةً فى ظهرٍ بيتِه
فجعَل سُلَّمًا، فجعل يدخُلُ منها. قال: فجاء رسولُ اللَّهِ عَ لَّمِ ذاتَ يومٍ ومعه رجلٌ
من المشركين. قال: فأتى البابَ ليدخُلَ(٤) منه. قال: فانطلق الرجلُ ليدخلَ من
الكَوَّةِ. قال: فقال رسولُ اللَّهِ عِلّهِ: ((ما شأنُكَ؟)) قال: فقال: إنى أُخْمسُ. فقال
= قطبة ابن عامر أولى ، ويؤيده أن فى مرسل الزهرى عند الطبرى - سيأتى - : فدخل رجل من الأنصار من بنى
سلمة، وقطبة من بنى سلمة بخلاف رفاعة. وينظر البداية والنهاية ١٤/٥، ١٨٦/٦، والإصابة ٤٨٨/٢ .
(١) الكَوَّة: الخرق فى الحائط، والثقب فى البيت ونحوه. اللسان (ك وى).
(٢) انظر تفسير ابن كثير ٣٢٧/١.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سنه (٢٨٣ - تفسير) عن هشيم، عن مغيرة به، مطولا .
(٤) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( فدخل)).

٢٨٦
سورة البقرة : الآية ١٨٩
رسولُ اللَّهِ: ((وأنا أحْمَسُ)) (١) ..
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
الزهرىِّ، قال: كان ناسٌ من الأنصارِ إذا أهلُّوا بالعمرةِ لم يَخُلْ بينهم وبينَ السماءِ
شىءٌ، يتحرَّجُون من ذلك. وكان الرجلُ يخرُجُ مُهِلَّا بالعُمرةِ ، فتبدُو له الحاجةُ بعدَ
ما يخرجُ من بيته ، فيرجِعُ ولا يدخُلُ من بابِ الحجرةِ من أجلِ سقفِ البابِ أن يحولَ
بينَه وبين السماءِ، فيفتحُ الجدارَ من ورائِه، ثم يقومُ فى حجرتِه فيأمرُ بحاجَتِهِ ،
فتُخرَجُ إليه من بيتِه ، حتى بلغَنا أنَّ رسولَ اللَّهِ يَِّ أهلَّ زمنَ الحديثِيةِ بالعُمرةِ ، فدخَل
حجرةٌ ، فدخَل رجلٌ على أثَرِه من الأنصارِ من بنى سَلِمةً، فقال له النبيُّ عَِّ: (( إِنِّى
أَحْمَسُ)) - قال الزهرىُّ: وكانت الحُمْسُ لا يبالون ذلك - فقال الأنصارىُّ: وأنا
أَحْمسُ. يقولُ: وأنا على دينِك. فأنزل اللَّهُ: ﴿ وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن
◌ُهُورِهَا﴾(٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ وَلَيْسَ
أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ﴾ الآية كلّها. قال قتادةُ: كان هذا الحىُّ من الأنصارِ فى
الجاهليةِ إذا أهلَّ أحدُهم بحج أو عمرةٍ لا يدخُلُ دارًا من بابِها إلّا أن [٥/٥ظ] يتسوَّرَ
١٨٨/٢ حائطًا تسؤُرًا، وأسلَمُوا وهم كذلك، فأنزل اللَّهُ فى ذلك / ما تسمعون، ونهاهُم عن
صنيعِهم ذلك، وأخبرَهم أنه ليس من البرِّ صنيعُهم ذلك، وأمَرَهُم أن يأْتُوا البيوتَ مِن
(٣)
أبوابِها(٢) .
حدَّثنَى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
(١) ذكره الحافظ فى الفتح ٦٢٢/٣ عن مجاهد، وعزاه إلى المصنف.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٢، ٧٣.
(٣) عزاه الحافظ فى الفتح ٦٢١/٣ إلى عبد بن حميد.
١

٢٨٧
سورة البقرة : الآية ١٨٩
الشُّدِّىِّ قولَه: ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾: فإِنَّ ناسًا من
العرب كانوا إذا حَجُوا لم يدخلوا بيوتَهم من أبوابِها، كانوا يَنْقُبُونَ فى أدبارِها ، فلما
حجّ رسولُ اللَّهِ عَظِلّهِ حجةَ الوداعِ ، أقبلَ يَمِشِى ومعه رجلٌ من أولئك وهو مسلمٌ،
فلما بلَغ رسولُ اللَّهِ عَّ ◌َهِ بابَ البيتِ، احتبسَ الرجلُ خلْفَه وأتَى أَنْ يَدخُلَ، قال :
يا رسولَ اللهِ ، إنى أحْمسُ. يقولُ: إنى مُحرِمٌ - وكان أولئك الذين يفعلون ذلك
يُسمَّون الحُمسَ - قال رسولُ اللَّهِ وَمِ: ((وأنا أيْضًا أحْمَسُ، فادْخُلْ)). فدخَل
الرجلُ ، فأنزل اللَّهُ: ﴿ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهِأَ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى ، قال: ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُظُهُورِهَا
وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىَأُ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَا﴾: وإن رجالًا من أهلِ المدينةِ
كانوا إذا خاف أحدُهم من عَدوِّه شيئًا أحرَم فأمِنَ ، فإذا أخْرَمَ لم يَلِجْ من بابٍ بيتِهِ ،
واتخذَ نَقْبًا من ظهرٍ بيتِه، فلمَّا قدِم رسولُ اللَّهِ مِّ ◌َهِ المدينةَ، كان بها رجلٌ محرمٌ
كذلك. وإنَّ أهلَ المدينةِ كانوا يُسمُّون البستانَ الحُشَّ. وإنّ رسولَ اللَّهِ عَهِ دَخَل
بستانًا ، فدخَله من بابِهِ ، ودخَل معه ذلك المحرِمُ ، فناداه رجلٌ من ورائِه : يا فلانُ ،
إنك محرمٌ وقد دخلْتَ (" مع الناس". فقال: أنا أحمسُ. ("وقال: يا رسولَ اللَّهِ،
إنْ كنتَ محرمًا فأنا محرمٌ ، وإنْ كنتَ أخْمسَ فأنا أحْمسُ. فأنزل اللّهُ: ﴿ وَلَيْسَ أَلْبِرُّ
بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. فأحلِّ اللَّهُ للمؤمنين أن يدخُلوا من
(٤)
أبوابِها (٤) .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٤/١ إلى المصنف.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣ - ٣) فىم، ت ٣: ((فقال))، وفى ت ١: ((قال)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢٣/١ (١٧١١) عن محمد بن سعد به .

٢٨٨
سورة البقرة : الآية ١٨٩
حدثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الربيعِ قوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ أَنَّقَرَأُ
وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهِأَ﴾. قال: كان أهلُ المدينةِ وغيرُهم إذا أحرَمُوا لم
يْخُلوا البيوتَ إلّ من ظُهورِهَا، وذلك أن يَتَسَوَّرُوها، فكان إذا أحرَم أحدُهم لا
يدخُلُ البيتَ إلَّا أن يتَسوَّرَه من قِبلِ ظهرٍه، وأنّ النبيَّ ◌َِّ دخَل ذاتَ يومٍ بينًا لبعضٍ
الأنصارِ، فدخَل رجلٌ على أثَرِهِ مَّنْ قد أَحْرَمَ ، فأنكروا ذلك عليه ، وقالوا : هذا رجلٌ
فاجرٌ. فقال النبىُّ عَلَه [٥٦/٥]: ((لِمَ دَخَلْتَ مِنَ البابِ وَقَدْ أُخْرَمْتَ؟)) قال : رأيتُكَ يا
رسولَ اللَّهِ دخلتَ فدخلتُ على أَثَرِكَ. فقال النبىُّ عَلَه: ((إِنِّى أَحْمَسُ)) - وقريشٌ
يومَئذٍ تُدعَى الْحُمْسَ - فلمَّا أن قال ذلك النبىُ عَ لَّهِ، قال الأنصارىُّ: إنّ دِينى
دِينُك. فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾ الآية(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ
١٨٩/٢ نجريج: قلتُ لعطاءٍ: قولُه: / ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوْ اَلْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾ .
قال: كان أهلُ الجاهليةِ يأتونَ البيوتَ من ظهورِها ويَرؤنه بِرًّا، فقال: ((البرُّ))، ثم
نعَت ((البرَّ))، وأَمرَ أنْ يأَتُّوا البيوتَ من أبوابِها. قال ابنُ مُريج: وأخبرنى عبدُ اللَّهِ بنُ
كَثِيرٍ أنه سمِعَ مجاهدًا يقولُ : كانت هذه الآيةُ فى الأنصارِ يأْتُونَ البيوتَ من ظهورِها
تبژَّرُون بذلك .
فتأويلُ الآيةِ إذن : وليس البرُّ أَيُّها الناسُ بأن تأتُوا البيوتَ فى حالٍ إحرامِكم من
ظُهورِها ، ولكن البرّ من اتقى اللهَ عز وجلٌ فخافَه، وتجنَّبَ مَحارمَه فأطاعَهُ بأداءِ
فرائضِه التى أمرَه بها . فأما إتيانُ البيوتِ من ظهورِها فلا برّ للَّهِ فيه ، فأتوهَا من حيثُ
(١) عزاه الحافظ فى الفتح ٦٢١/٣ إلى المصنف.

٢٨٩
سورة البقرة : الآيتان ١٨٩، ١٩٠
شئتُم مِن أبوابِها وغيرِ أبوابِها، ما لم تعتقِدوا تحريمَ إتيانِها من أبوابِها فى حالٍ من
الأحوالِ ، فإنّ ذلك غيرُ جائزٍ لكم اعتقادُه؛ لأَنَّه مما لم أُحرِّمْه عليكم .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَأَثَقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
(١٨٩
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: واتقُوا اللَّهَ أيّها الناسُ، فاحذَرُوه وارهَبُوه ، بطاعتِه فيما
أمر کم به من فرائضِه ، واجتنابٍ ما نها كم عنه ؛ لتفلِحُوا فتُنْجِحُوا فی طلباتِکم لديه ،
وتُدرِكُوا به البقاءَ فى جِنانِهِ ، والخلودَ فى نَعيمِه .
وقد بينًا معنى (( الفلاح)) فيما مضَى قَبلُ بما يدلُّ عليه(١).
٠
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَقَتِلُواْ فِىِ سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَّكُمْ وَلَا تَفْتَدُوَأَّ
١٩٠
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ هذه الآيةِ ؛ فقال بعضُهم: هذه الآيةُ هى أوّلُ آيَةٍ
نزَلتْ فى أمْرِ المسلمين بقتالِ المشركين . وقالوا : أُمِر فيها المسلمون بقتالٍ مَن قاتَلَهم
من المشركينَ، والكَفِّ عَّن كفَّ عنهم منهم(٢)، ثم نُسِخَتْ بعدُ بـ (( براءةَ)).
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ وابنُ أبى
جعفرٍ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ فى قوله: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ
وَلَا تَفْتَدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ﴾ . قال: هذه أوّلُ آيَةٍ نَزَلتْ فى
القتالِ بالمدينةِ ، فلمَّا نزَلتْ كان رسولُ اللَّهِ مَامِ [٦/٥ظ] يقاتِلُ من قاتله(١) ، ويكفُّ
(١) ينظر ما مضى فى ٢٥٦/١، ٢٥٧.
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((يقاتله)).
( تفسير الطبرى ١٩/٣ )

٢٩٠
سورة البقرة : الآية ١٩٠
عمَّن كفَّ عنه، حتى نزَلتْ ((براءةُ)). قال: ولم يَذْكُرْ عبدُ الرحمنِ المدينةَ(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ
فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: قد نُسِخَ هذا. وقرأ قولَ اللَّهِ:
﴿ وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةٌ كَمَا يُقَدِلُونَكُمْ كَافَّةٌ ﴾ [التوبة: ٣٦]. وهذه
الناسخةُ. وقرأ: ﴿ بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ﴾. حتى بلَغ: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ
(٢)
فَأَقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ إلى ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١-٥].
وقال آخرون: بل ذاك أمرٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه المسلمين بقتالِ الكفارِ لم يُنْسَخْ،
وإنما الاعتداءُ الذى نهاهُم اللَّهُ عنه، هو نهيُه عن قتلِ النساءِ والذَّرَارِىِّ. قالوا: والنهىُ
عن قتلِهم ثابتٌ حكمُه اليومَ. قالوا: ولا شىءَ نُسِخَ من حكم هذه الآيةِ .
١٩٠/٢
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن صَدقةَ الدمشقىّ ، عن یحیی بنِ
يحيى الغسانيّ ، قال : كتبتُ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أسألُه عن قوله: ﴿ وَقَتِلُوا فِى
سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ﴾. قال:
فَكتَب إِلىَّ أَنَّ ذلك فى النساءِ والذُّرِّيةِ، (٣ومن٣) لمْ يَنْصِبْ لك الحربَ منهم".
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ١٤٣/٢، والبغوى فى تفسيره ١٤٣/١ معلقا عن الربيع. وعزاه السيوطى فى
الإتقان ١/ ٩٩، والأوائل ص ٩٤ إلى المصنف عن أبى العالية . وأخرجه آدم بن أبى إياس فى تفسيره - كما فى
الدر المنثور ٢٠٥/١ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢٥/١ (١٧١٩) - عن أبى جعفر، عن الربيع،
عن أبى العالية .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٢٧/١ عن ابن زيد .
(٣ - ٣) فى الأصل، والدر المنثور ٢٠٥/١: ((من)).
(٤) أخرجه وكيع - كما فى الدر المنثور ٢٠٥/١ - وعنه ابن أبى شيبة ٣٨٥/١٢. وينظر الاستذكار
١٤/ ٦٣، وسيرة عمر لابن الجوزى ص ٩٦.

٢٩١
سورة البقرة : الآية ١٩٠
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسَى ، عن ابنٍ أُبی
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿ وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ الَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَّكُمْ﴾:
لأصحابِ محمدٍ عَّهِ أُمِرُوا بقتالِ الكفارِ(١).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنى علىُ بنُ داودَ ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن علىّ ، عن
ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَقَتِلُواْ فِىِ سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُوَنَّكُمْ وَلَا تَعْتَدُوْ إِنَّ اللَّهَ لَا
يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ﴾. يقولُ: لا تقتُلُوا النساءَ والصبيانَ والشيخَ الكبيرَ، ولا مَنْ
أُلْقَى إليكم السَّلَمَ وكفَّ يدَه ، فإنْ فعلتُم(٢) فقد اعتديثُم(١).
حدَّثنى ابنُ البرقيّ ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبى سلمةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ ،
قال : كتَب عُمرُ بنُ عبدِ العزيز إلى عدىٍّ بنِ أرطاةَ : إِنِّى وَجَدتُ آيَةً فى كتابِ اللَّهِ :
وَقَتِلُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَفْتَدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
اُلْمُعْتَدِينَ﴾. أى: لا تقاتِلْ من لا يُقاتلُ(٤). يعنى النساء والصبيانَ والرهبانَ.
وأوْلَى هذين القولين بالصوابِ القولُ الذى قاله عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ؛ لأن دَعوَى
المدَّعِى نَسْخَ آيةٍ مُخْتملٍ أن تكونَ غيرَ منسوخةٍ ، بغيرِ دَلالةٍ على صحَّةِ دْواه -
تَحَكِّم، والتحَكِّمُ لَا يَعْجِزُ عنه أحدٌ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢٥/١ (١٧٢٠) من طريق ورقاء، عن ابن أبى نجيح به .
(٢) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((هذا)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢٥/١ (١٧٢١) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٠٥/١ إلى ابن المنذر.
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يقاتلك)).

٢٩٢
سورة البقرة : الآيتان ١٩٠، ١٩١
وقد دلَّلنَا على معنى ((النسخ))، والمعنى الذى من قِبَلِه ثبتت صحةُ النَّسخ، بما
قد أغنَى عن إعادَتِه فى هذا الموضعِ .
فتأويلُ الآيةِ - إذا كان الأمر على ما وصَفْنا -: وقاتلُوا أيُّها المؤمنون فى
سبيلِ اللَّهِ. وسَبيلُه: طريقُه الذى أوضحَه، ودينُه الذى شرَعَه لعبادِه، يقولُ
لهم [٥٧/٥] جلَّ ثناؤُه: وقاتلوا فى طاعتِى، وعلى ما شرَعتُ لكم من دينى، وادْعُوا
إليه مَن وَلَّى عنه واستكبرَ، بالأيدِى والألسنِ، حتى يُنِيبُوا إلى طاعتِى، أو يُعطوكم
الجزيةَ صَغارًا إنْ كانوا أهلَ كتابٍ . وأمرهم جلَّ ثناؤُه بقتالٍ مَن كان فيه قتالٌ من
مُقاتِلةِ أهلِ الكفرِ ، دونَ مَن لم يكنْ فيه قِتالٌ، من نسائِهم وذَراريِّهم ، فإنهم أموالٌ
وخَوَلٌ لهم ، إذا غُلبَ المقاتلون منهم فقُهِرُوا. فذلك معنى قوله: ﴿ وَقَتِلُوا فِى
سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ﴾ "لا أنه" أباح الكفَّ عمَّنْ كفَّ فلم يقاتلْ مِن مشركِی
أهل الأوثانِ، أو ( ١) الكافِينَ عن قتالِ المسلمينَ مِن كفارِ أهلِ الكتابِ على غيرِ ()
إعطاءِ الجزيةِ صَغارًا .
فمعنى قوله: ﴿ وَلَا تَعْتَدُوَأْ﴾: ولا تقتلوا وليدًا ولا امرأةٌ ، ولا مَن أعطاكُم
الجزيةَ مِن أهلِ الكتابين والمجوسِ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ ﴾ ، الذين
يتجاوزون حدودَه ، فيَسْتحلَّون ما حرَّمه عليهم من قَتلِ هؤلاءِ الذين حرَّمَ قتلَهم ، من
نساءِ المشركين وذَرارِيِّهم .
/القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَفِفْئُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾
١٩١/٢
(١) ينظر ما تقدم فى ٣٨٨/٢ وما بعدها .
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لأنه)).
(٣) فى م: (( و)).
(٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٢٩٣
سورة البقرة : الآية ١٩١
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: واقتُلوا أيُّها المؤمنون الذين يقاتلونكم من المشركين
حيث أصبتم مَقاتلَهم(١)، وأمكنكم قتلُهم، وذلك هو معنى قوله: ﴿حَيْثُ تَفِقْتُهُمْ﴾ .
ومعنى الثَّقافةِ(٢) بالأمرِ: الحِذْقُ به والبصرُ، يقالُ: إنَّه لِتَقِفٌ لَقِفٌ . إذا كان
جَيِّدَ الحذرِ فى القتالِ، بصيرًا بمواضِعٍ (٢) القَتلِ.
وأمّا التَّثقيفُ فمعنًى غيرُ هذا، وهو التقويمُ .
فمعنى ﴿ وَأَقْتُوُهُمْ حَيْثُ تَفِفْئُوهُمْ﴾: اقتلوهم فى أىِّ مكانٍ تَمَكَّثُم من قتلِهم،
وأبصرُتُم مَقاتلَهم .
وأما قولُه: ﴿وَأَخْرجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ فإنه يعنى بذلك المهاجرين الذين
أَخرِجُوا من ديارِهم ومنازِلهم بمكّةً، فقال لهم جلَّ ثناؤه: وأُخرِجُوا هؤلاء الذين
يقاتلونكم وقد أخرجوكم من دياركم، مِن مساكنهم وديارهم كما أخرَجوكم
منها .
القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿ وَالْغِلْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِّ
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾: والشركُ باللَّهِ أشدُّ مِن
القتلِ .
وقد بيَّنتُ فيما مضى أن أصلَ الفتنةِ الابتلاءُ والاختبارُ.
فتأويلُ الكلامِ : وابتلاءُ المؤمنِ فى دينِه حتى يرجعَ عنه فیصیرَ مشركًا باللّهِ مِن
(١) فى الأصل، ت ١، ت ٣: ((مقاتلتهم)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الثقفة)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بمواقع)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ٣٥٦/٢، ٣٥٧.

٢٩٤
سورة البقرة : الآية ١٩١
بعدٍ إسلامِه، أشدُّ عليه وأضرُّ من أن يُقتلَ مقيمًا على دينه، مُتمسّكًا بِلَّتِهِ(١) محقًّا
فيه .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عَمٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ
أبى نَجيح، عن مُجاهدٍ فى قولِه: ﴿ وَاَلْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلَّ ﴾. قال: ارتدادُ المؤمنِ إِلى
الوَثْنِ أشدُّ عليه من ("أنْ يُقْتلَ(٢).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: حدَّثنا يَزِيدُ ، قال: [٧/٥ظ] ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه :
وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. يقولُ: الشِّرْكُ أشدُّ من القتلِ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن
(٣)
قتادةَ مثلَه(٣) .
حدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ ، قال : حدَّثَنَا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه، عن الربيع:
وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. يقول: الشركُ أشدُّ من القتلِ(٤) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن
الضحاكِ: ﴿ وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. قال: الشركُ(٥).
(١) فى م: ((علیه)).
(٢ - ٢) فى م: ((القتل)).
والأثر فى تفسير مجاهد ص ٢٢٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/١ إلى عبد بن حميد .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٧٣/١.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢٦/١ عقب الأثر (١٧٢٦) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢٦/١ عقب الأثر (١٧٢٦) معلقًا .

٢٩٥
سورة البقرة : الآية ١٩١
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ جريج :
أخبرنى عبدُ اللَّهِ بنُ كَثِيرٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. قال :
الفتنةُ الشركُ .
/حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعتُ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ ١٩٢/٢
سليمانَ ، عن الضحاكِ: ﴿ وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ اٌلْقَتْلِ ﴾. قال: الشركُ أشدُّ من القتلِ.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَالْفِئْنَةُ
أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. قال: فتنةُ الكفرِ () .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَا نُقَدِلُهُمْ عِندَ الْمُسْجِدِ اْحَرَامِ حَتَّى يُقَتِلُوكُمْ فِيَةٍ فَإن
١٩١
قَلُوَّكُمْ فَأَقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَآءُ الْكَفِينَ
والقرأةُ مختلفةٌ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامّةُ قرأةٍ أهلِ المدينةِ ومكةً: ﴿ وَلَا
نُقَدِلُهُمْ عِندَ اٌلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَّى يُقَدِلُوَكُمْ فِيَّةٍ فَإِن قَلُوَكُمْ فَأَقْتُلُوهُمْ﴾(١). بمعنى: ولا
تَبْدءوا أيُّها المؤمنون المشركينَ بالقتالِ عندَ المسجدِ الحرامِ حتى يَبدَءوكم به، فإن
بَدءوكم به هنالِك عندَ المسجدِ الحرامِ فى الحَرَمِ فاقتلوهم ، فإن اللَّهَ عزَّ وجلَّ جعَل
ثوابَ الكافرينَ على كفرِهم وأعمالِهِم السيئةِ القتلَ فى الدنيا ، والخزىَ الطويلَ فى
الآخرةِ .
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا
نُقَئِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَّى يُقَدِلُوكُمْ فِيَةٍ ﴾: كانوا لا يُقاتِلون فيه حتى يُبْدَءُوا
بالقتالِ ، ثم نسَخَ بعدُ ذلكَ، فقال: ﴿ وَقَائِلُوهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ حتى لا يكونَ
(١) ينظر التبيان ١٤٦/٢.
(٢) وهى قراءة ابن كثير ونافع وعاصم وأبى عمرو وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص ١٧٩.

٢٩٦
سورة البقرة : الآية ١٩١
شركٌ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾: أن يُقالَ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ. عليها قاتَل نبىُّ اللَّهِ، وإليها
دَعَا(١)
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاج بنُ المنهالِ، قال: ثنا همام، عن قتادةَ: ﴿ وَلَا
نُقَِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ حَّى يُقَدِلُوكُمْ فِيَّةٍ فَإِن قَلُوكُمْ فَأَقْتُلُوهُمْ﴾: فأمَرِ اللَّهُ جلَّ
ثناؤُه نبيَّه ألا يقاتلَهم عندَ المسجدِ الحرامِ ، إلا أن يُدَءُوا فيه بقتالٍ، ثم نَسَخ اللَّهُ ذلك
بقولِه: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ اُلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فأمَرِ اللَّهُ
نبيّه إذا انقضَى الأجلُ أن يُقاتِلَهُم فى الحِلِّ والحرم ، وعند البيتِ ، حتى يَشهدوا أن لا
إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وأن محمدًا رسولُ اللَّهِ(٢).
حدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الربيعِ فى قوله: ﴿ وَلَا نُقَئِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَّى يُقَلِّلُوَكُمْ فِيَّةِ ﴾ : فكانوا لا
يقاتِلونَهم فيه، ثم نسَخَ ذلك بَعدُ، فقال: ﴿ وَقَائِلُوُهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ (١).
وقال [١٨/٥] بعضُهم : هذه آيةٌ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبِى نَجيح، عن
(١) أخرجه النحاس فى ناسخه ص ١١١ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/١ إلى ابن
أبى شيبة وعبد بن حميد وأبى داود فى ناسخه وابن أبى حاتم. وهو عند ابن أبى حاتم ٣٢٧/١، ٣٢٨ عقب
الأثر (١٧٣٤، ١٧٣٥، ١٧٣٨) معلقا مفرقا ببعضه .
(٢) أخرجه ابن الجوزى فى ناسخه ص ١٨٢ من طريق شيبان عن قتادة ، نحوه . وأخرجه أيضا من طريق همام
عن قتادة بزيادة: ثم قال: ﴿قل قتال فيه كبير﴾، ثم نُسخت الآيتان فى براءة، فقال: ﴿اقتلوا المشركين
حيث وجدتموهم﴾. وأخرجه ابن أبى شيبة ١٤/ ٣٥٢، ٣٥٣ من طريق سعيد عن قتادة، نحوه. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/١ إلى عبد بن حميد وأبى داود .
(٣) ذكره ابن الجوزى فى ناسخه ص ١٨٢ معلقا .

٢٩٧
سورة البقرة : الآية ١٩١
مجاهدٍ: ﴿ فَإِن قَتَلُكُمْ﴾: فى الحرم، ﴿ فَأَقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَآءُ الْكَفِينَ ﴾ لا تقاتِلْ
أحدًا فيه أبدًا، فمن عدَا عليكَ فَقاتَلكَ فقاتِلْه كما يُقاتِلُك (١).
وقرَأَ ذلك عُظْمُ قَرأةِ الكوفيِّينَ : (ولَا تَقْتُلُوهم عِنْدَ المسْجِدِ الحرامِ حتى
يَقْتُلُوكُمْ فِيه فإنْ قَتَلُوكم(٢) فاقْتُلُوهم)(٢) . بمعنى: ولا تبدءوهُم بقتلٍ حتى يبدءوكم
به .
١٩٣/٢
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبى حمادٍ(٤)، عن
حمزةَ الزياتِ ، قال: قلتُ للأعمشِ : أرأيتَ قراءَتَك: ( وَلَا تَقْتُلُوهم عِنْدَ المسْجِدِ
فإِنِ انْتَهَوْا
الحَرَامِ حَتَّى يَقْتُلوكم فيه فإن قَتَلُوكم فاقْتُلُوهم كَذلِكَ جَزَاءُ الكَافِينَ ـ
فإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) إذا قتَلوهم كيف يقتُلونَهم؟ قال: إنَّ العربَ إذا قُتل منهم
رجلٌ (٥) قالوا: قُتِلنا. وإذا ضُرب منهم رجلٌ قالوا: ضُرِبِنَا(٦) .
وأوْلَى هاتين القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرأ: ﴿ وَلَا نُقَدِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ
اْحَرَامِ حَتَّى يُقَتِلُوكُمْ فِيَةٍ فَإِن قَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ﴾؛ لأن الله جل ثناؤه لم يأمر نبيّه وأصحابه
فى حالٍ - إذا قاتلَهم المشركون - بالاستسلام لهم حتى يَقْتُلوا منهم قتيلاً ، بعدَ ما أُذِن له
ولهم بقتالِهِم ، فتكونَ القراءةُ بالإذنِ بقتلِهم بعدَ أنْ يَقتلوا منهم ، أولى من القراءةِ بما
(١) ذكره النحاس فى ناسخه ص ١٠٩ عن ابن أبى نجيح به .
(٢) فى م: ((قاتلوكم)).
(٣) وهى قراءة حمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ١٧٩.
(٤) بعده فى م: ((عن أبى حماد)).
(٥) سقط من: الأصل، ت ٢، ت ٣.
(٦) ذكره النحاس فى ناسخه ص ١١٣ معلقا، مختصرا. وينظر البحر المحيط ٦٧/٢.

٢٩٨
سورة البقرة : الآيتان ١٩١، ١٩٢
اختَرنا . وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه قد كان جلَّ ثناؤه أذِن لهم بقتالهم ، إذا
كان ابتداءُ القتالِ من المشركين قبلَ أن يَقتلُوا منهم قتيلاً، وبعدَ أنْ يقتلوا (١).
وقد نسخ اللَّهُ هذه الآيةَ بقولِه: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقَّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ . وقولِه :
فَأَقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُّمُوهُمْ﴾ ونحو ذلك من الآياتِ .
وقد ذكّرنا قولَ بعضٍ من قال : هى منسوخةٌ . وسنذكُرُّ قولَ من حضَرَنا ذکرُه
ممّن لم نذكُرْه .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : ثنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ :
﴿ وَلَا تُقَئِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ حَّى يُقَتِلُوكُمْ فِيَةٍ ﴾. قال: نسخها قولُه:
فَأَقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا
نُقَلِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ حَّى يُقَتِلُوكُمْ فِيهِ ﴾ . قال : حتى يبدءو کم، كان هذا قد
حُرِّم ، فأحلَّ اللَّهُ جلَّ ثناؤه ذلك له ، فلم يزَلْ ثابتًا حتى أمَره اللَّهُ تبارك وتعالى بقتالِهم
( (٣)
بعدُ) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَإِ اَنَهَوْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ نَّحِيمٌ
(١٩٢)
[٨/٥ظ] يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: فإن انتهى الكافرون الذين يقاتلونكم عن
قتالِكم وكُفرِهم باللّهِ ، فتركوا ذلك وتابوا، فإن اللَّهَ غفورٌ لذنوبٍ مَن آمَن منهم
وتابَ من شِرْكِه، وأنابَ إلى اللَّهِ مِن معاصِيه التى سلَفتْ منه، وآتامِه(٤) التى
(١) بعده فى م: (( منهم قتيلا)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ٧٣/١.
(٣) ينظر نواسخ القرآن لابن الجوزى ص ١٨٢.
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أيامه)).

٢٩٩
سورة البقرة : الآيتان ١٩٢، ١٩٣
مَضتْ، رحيمٌ به فى آخرتِه بتفَضُّلِهِ (١) عليه، وإعطائِه ما يُعْطِى أَهلَ طاعتِهِ مِن الثوابِ
بإنابته إلى محبته من مَعصيتِه .
كما حدَّثنا المثنى ، قال: ثنا أبو محُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبى نجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿ فَإِنِ أَوْ﴾: فإن تابوا، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).
١٩٤/٢
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَله: وقاتِلُوا المشركين الذين يقاتلونكم ﴿حَّ
لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. يعنى: حتى لا يكونَ شركٌ باللّهِ، وحتى لا يُعبدَ دونَه أحدٌ،
وتَضْمحِلَّ عبادةُ الأوثانِ والآلهةِ والأندادِ ، وتكونَ العبادةُ والطاعةُ للَّهِ وحدَه دونَ
غيرِهِ من الأصنامِ والأوثانِ .
كما قال قتادةُ فيما حدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال : ثنا
سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ ﴾: حتى لا يكونَ شركٌ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحتِى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿حَّ لَا تَكُونَ فِثْنَةٌ﴾: حتى لا يكونَ شِركٌ(٣) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى، عن ابن أبى
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾. قال: الشركُ، ﴿وَيَكُونَ
الدِّينُ لِثِّوِّ﴾(٤).
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بفضله)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢٧/١ (١٧٣١) من طريق أبي حذيفة .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٧٣/١.
(٤) تفسير مجاهد ص ٢٢٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٥/١ إلى عبد بن حميد.

٣٠٠
سورة البقرة : الآية ١٩٣
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ:
وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِثْنَةٌ﴾. قال: أما الفتنةُ فالشِّركُ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنی عمِّى ، قال : ثنی
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. يقولُ: قاتلوا
حتى لا يكونَ شِرٌ(٢).
حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع :
﴿وَقَائِلُهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾. أى: شِركٌ(٣).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال : ابنُ زيدٍ فى قولِه:
﴿ وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِثْنَةٌ﴾. قال: حتى لا يكونَ كفرٌ. وقرَأ: ﴿نُقَئِلُونَهُمْ أَوْ
يُسْلِمُونَ﴾ [ الفتح: ١٦].
حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: حدَّثنى [٥٩/٥]
معاويةُ، عن ابنٍ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾ . قال:
*(٥)
شرق (٥).
وأما ((الدِّينُ)) الذى ذكره اللَّهُ فى هذا الموضع، فهو العبادةُ والطاعةُ للَّهِ فى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢٧/١ عقب الأثر (١٧٣٤) من طريق عمرو به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢٧/١ (١٧٣٤) من طريق الضحاك، عن ابن عباس.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢٧/١ عقب الأثر (١٧٣٤) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٤) ينظر التبيان ١٤٦/٢.
(٥) أخرجه البيهقى فى الدلائل ٥٨٢/٢ من طريق عبد الله بن صالح به .