Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١
سورة البقرة : الآية ١٨٤
بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقد مضى بيانُ ذلك هنالك بما أغنَى عن إعادتِه (١).
وأما قولُه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فإن قراءةَ كافَّةٍ
المسلمين ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ وعلى ذلك خطوطُ مصاحفِهم، وهى القراءةُ
التى لا يجوزُ لأحدٍ من أهلِ الإسلامِ خلافُها ؛ لنقلٍ جميعهم تصويبَ ذلك قرنًا عن
قرنٍ ، وكان ابنُ عباسٍ يقرؤُها فيما رُوِى عنه : ( وعَلى الذين يُطَوَّقونه) .
ثم اختلف قرأةُ ذلك: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ فى معناه ؛ فقال : بعضُهم :
كان ذلك فى أوَّلِ ما فُرِض الصومُ، وكان مَن أطاقه من المقيمين صامَه إن شاءَ، وإن
شاءَ أَفطرَه واقْتَدَى، فأطعمَ لكلِّ يومٍ أفطرَه مسكينًا حتى نُسِخ ذلك .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ ، قال: حدثنا يونسُ بنُ بكيرٍ ، قال : حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ
عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ، عن عَمرِو بنِ مُرةَ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى ليلى، عن مُعاذٍ بنِ
جبلٍ، قال: [١٣٢/٤ ظ] إن رسولَ اللّهِ ◌َ له قدِم المدينةَ، فصامَ يومَ عاشوراءَ وثلاثةَ أيامٍ
من كلِّ شهرٍ، ثم إِنَّ اللّهَ فَرَض شهرَ رمضانَ، فأنزلَ اللّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ
طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاءَ صامَ، ومن شاءَ أَفطَر وأطعَم مسكينًا ، ثم إن اللّهَ
أُوْجَبَ / الصيامَ على الصحيح المقيم، وثبَت الإطعامُ للكبيرِ الذى لا يستطيعُ
الصومَ ، فأَنزَل اللّهُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى
سَفَرٍ﴾ إلى آخرِ الآيةِ(٢) .
١٣٣/٢
(١) سيذكر المصنف الأسانيد بذلك فى ص ١٧٢ وما بعدها .
(٢) تقدم تخريجه فى ص ١٥٨.
( تفسير الطبرى ١١/٣ )
١٦٢
سورة البقرة : الآية ١٨٤
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةً، عن عمرو
ابنِ مُرَّةَ، قال: حدثنا أصحابنا أن رسولَ اللّهِ مَ له لما قدِمَ عليهم أمَرَهم بصيامٍ ثلاثةِ
أيام من كلِّ شهرٍ تطوعًا غيرَ فريضةٍ . قال: ثم نزَل صيامُ رمضانَ . قال: وكانوا قومًا
لم يتعوَّدُوا الصيامَ . قال: وكان يشتدُّ عليهم الصومُ. قال: فكان مَن لم يَصُمْ أُطعم
مِسكينًا، ثم نزلت هذه الآيةُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ وَمَن كَانَ
مَرِ يضَّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنَّامٍ أُخَرُّ﴾ فكانت الرخصةُ للمريضِ
والمسافرِ، وأَمِرنا بالصيامِ " .
قال محمدُ بنُ المثنَّى : قولُه : قال عَمْرٌو : حدثنا أصحابُنا . يريدُ ابنَ أبى ليلى،
كأن ابنَ أبى ليلى القائلُ : حدثنا أصحابنا .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدثنا أبو داودَ ، قال: حدثنا شعبةُ ، قال : سمِعتُ
عمرَو بنَ مُرَّةَ ، قال : سمِعتُ ابنَ أبى ليلى . فذكر نحوه .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةً فى
قوله: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: كان من شاءَ صامَ ،
ومن شاءَ أفطرَ وأطعمَ نصفَ صاع مسكينًا ، فنسَخها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ﴾ إلى قوله :
﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾ (٢).
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ بنحوِهِ، وزادَ فيه
قال : فنَسخْها هذه الآيةُ، وصارت الآيةُ الأولى للشيخ الذى لا يستطيعُ الصومَ،
يتصدَّقُ مكانَ كلِّ يومٍ على مسكينٍ نصفَ صاعٍ .
(١) تقدم تخريجه فى ص ١٥٩.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٧٥٧٨)، وأبو عبيد فى ناسخه ص ٤٩ من طريق منصور به مختصرًا .
١
١٦٣
سورة البقرة : الآية ١٨٤
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدثنا يحيى بنُ واضح أبو تُمَيْلَةَ ، قال : ثنا الحسينُ،
عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: فكان مَن شاءَ [١٣٣/٤ و] منهم أن يصومَ صامَ، ومن شاء
منهم أن يفتدِىَ بطعام مسكينٍ افتدى وتمَّ له صومُه، ثم قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ
الشَّهرَ فَلْيَصُمّةٌ﴾. ثم استثنَى من ذلك فقال: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى
سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرِّ﴾
حدَّثنا أبو هشام الرفاعىُّ، قال: حدثنا ابنُّ إدريسَ ، قال: سألتُ الأعمشَ عن
قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فحدثنا عن إبراهيمَ ، عن
علقمةَ، قال: نَسخَتْها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾(١).
حدَّثنا محمدُ(١) بنُ المثنى، قال: حدثنا عبدُ الوهاب، قال: حدثنا عبيدُ(٣) اللّهِ،
عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ، قال: نسختْ هذه الآيةَ، يَعْنى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ التى بعدها: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمّْةٌ وَمَن
كَانَ مَرِيضَّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرُّ﴾(٤).
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ الأعمشَ، عن إبراهيمَ ،
عن علقمةً فى قوله: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال :
نَسختْها ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾ .
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ١٩، وابن الجوزى فى ناسخه ص ١٧٢ من طريق ابن إدريس به .
(٢) فى م، ت ١: ((عمر))، وفى ت ٢، ت ٣: ((عمرو)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عبد) .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ١٩/٣ - ومن طريقه البيهقى ٢٠٠/٤ - عن عبد الوهاب الثقفى به .
وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٧٠ - تفسير)، والبخارى (٤٥٠٦) من طريق عبيد اللَّه به،
مختصرًا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٨/١ إلى وكيع وابن المنذر.
١٦٤
سورة البقرة : الآية ١٨٤
١٣٤/٢
/ حدثنا الوليدُ بنُ شجاع أبو همامٍ ، قال: حدثنا علىٍّ بنُ مُسهِرٍ ، عن عاصم ،
عن الشعبىِّ، قال: نزّلتْ هذه الآيةُ: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ
مِسْكِينٌ﴾ كان الرجلُ يُفطِرُ فيتصدَّقُ عن كلِّ يومٍ على مسكينٍ طعامًا، ثم نزَلتْ
هذه الآيةُ: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنَّامٍ أُخَرُّ﴾ فلم تَنْزِلِ الرخصةُ إلَّا للمريضِ والمسافِرِ (١).
حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: حدثنا علىٍّ بنُ مُسهِرٍ ، عن عاصم، عن الشعبىِّ ،
قال: نزَلتْ هذه الآيةُ للناس عامةً: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ
مِسْكِينٍ﴾. وكان الرجلُ يُفْطِرُ ويتصدَّقُ بطعامِه على مسكينٍ، ثم نزلتْ هذه
الآيةُ: ﴿ وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّاءٍ أُخَرَّ﴾ قال: فلم
تَنْزِلِ الرخصةُ إلَّا للمريضِ والمسافرِ.
حدَّثنا هنادٌ، قال : حدثنا وكيعٌ، عن ابنٍ أبى ليلى ، قال : دخلتُ على عطاءٍ
وهو يأكُلُ فى شهرِ رمضانَ فقال : إنى شيخٌ كبيرٌ، إن الصومَ نزَل، فكان مَن شاءَ
صامَ ، ومَن شاءَ أَفطَر وأطعَم مسكينًا، حتى نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ
الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرُّ﴾
فوجَب الصومُ على [١٣٣/٤ظ] كلِّ أحدٍ إلا مريضٍ أو مسافرٍ أو شيخٍ كبيرٍ مثلى
(٢)
يَفْتدِى(٢).
حدَّثنى المثنى ، قال: حدثنا أبو صالح، قال : حدثنى الليثُ ، قال : أخبرنى
يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: قال اللّهُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ
(١) أخرجه ابن الجوزى فى ناسخه ص ١٧٣ من طريق ابن شبرمة ، عن الشعبى نحوه، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٧٨/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٨/١ إلى عبد بن حميد ووكيع.
١٦٥
سورة البقرة : الآية ١٨٤
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. قال ابنُ شهابٍ: كتَب اللّهُ الصيامَ
علينا ، فكان من شاءَ افتدَى ممن يُطيقُ الصيامَ من صحيحٍ أو مريضٍ أو مسافرٍ، ولم
يكنْ عليه غيرُ ذلك، فلما أوجَب اللَّهُ على من شهِد الشهرَ الصيامَ، فمن كان
صحيحًا يُطيقُهُ وضَع عنه الفديةَ، وكان مَن كان على سفرٍ أو كان مريضًا فعدةٌ من
أيامٍ أخرَ. قال : وبقيت الفديةُ التى كانت تُقبلُ قبلَ ذلك للكبيرِ الذى لا يُطيقُ
الصيامَ، والذى يَعرِضُ له العطشُ أو العِلَّةُ التى لا يستطيعُ معها الصيامَ.
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : حدثنی ابی ، قال : حدثنی عمی ، قال : حدثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: جعَل اللّهُ فى الصومِ الأولِ فديةٌ طعامَ
مِسكينٍ (١) ، فمن شاءَ مِن مُسافرٍ أو مقيم أن يُطعِمَ مسكينًا ويُفْطِرَ، كان ذلك رخصةً
له، فأنزل اللهُ فى الصومِ الآخرِ: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ ولم يذكرِ اللّهُ فى الصومِ
الآخرِ فديةٌ طعامَ مسكينٍ(٢) ، فتُسِخَتْ الفديةُ، وثبت فى الصومِ الآخرِ، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ
بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وهو الإفطارُ فى السفرِ، وجعْلُه عدةٌ من
أيامٍ أُخَ().
حدَّثنى أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وهبٍ ، قال : أخبرنى عمى عبدُ اللهِ بنُ
وهبٍ، قال: أخبرنى عَمرُو بنُ الحارثِ، ("عن بُكَيرٍ) بنِ عبدِ اللهِ، عن يزيدَ مولی
سَلَمَةَ بنِ الأكوعِ، عن سلمةَ بنِ الأكوع أنه قال: كنا فى عهدِ رسولِ اللّهِ مَ لَه مَن شاءَ
صامَ، ومن شاءَ أفطَر وافتدى بطعامٍ مسكينٍ (٥)، حتى أُنزلتِ الآيةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ
(١) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٥٠، ٥١ عن أبى صالح به مختصرًا.
(٢) فى الأصل: ((مساكين)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٤/١ (١٦٢٣) عن محمد بن سعد به .
(٤ - ٤) فى م: ((قال بكر)). وينظر تهذيب الكمال ٢٤٢/٤.
(٥) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣.
١٦٦
سورة البقرة : الآية ١٨٤
مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَةٌ﴾(١).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن عاصم الأحولِ،
عن الشعبىِّ فى قوله: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: كانت
للناسِ كلِّهم ، فلمَّا نزلتْ: ﴿فَمَن / شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْةٌ ﴾ أمِروا بالصوم
والقضاءِ، فقال: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضَّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرُّ﴾(٢).
١٣٥/٢
حدَّثنا هنادٌ، قال: [١٣٤/٤ و] حدثنا علىُّ بنُ مُسهِرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ
فى قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: نسَخَتْها الآيةُ
التى بعدها: ﴿ وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمَّ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
حدَّثنا هنادٌ ، قال : حدثنا و کیڤ، عن محمد بنِ سُليم ، عن ابنِ سیرینَ ، عن
عَبيدةَ: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال: نَسخَتْها الآيةُ
التى تَليها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنَكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ﴾(٤).
حُدِّثتُ عن الحسينِ ) بنِ الفرج ، قال : سمِعتُ الفضلَ بنَ خالدٍ ، قال : حدثنا
عُبِيدُ بنُ سليمانَ ، عن الضخَّاكِ قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية: فُرِض
الصومُ مِن العَنَمةِ إلى مِثلِها مِن القابلةِ ، فإذا صلَّى الرجلُ العَتَمةَ حرَّمَ عليه الطعامُ
والجماعُ إلى مثلها من القابلَةِ ، ثم نزَل الصومُ الآخِرُ بإحلالِ الطّعامِ والجماع بالليلِ
(١) أخرجه ابن خزيمة (١٩٠٣) عن أحمد بن عبد الرحمن به. وأخرجه مسلم (١١٤٥) من طريق ابن وهب
به. وأخرجه البخارى (٤٥٠٧)، ومسلم (١١٤٥)، وأبو داود (٢٣١٥)، والترمذى (٧٩٨)، والنسائى
(٢٣١٥) من طريق عمرو بن الحارث به .
(٢) تقدم تخريجه فى ص ١٦٤.
(٣) فى م، ت ٢، ت ٣: ((سليمان))، وفى ت ١: ((سلمان)). وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٢٩٢.
(٤) أخرجه ابن الجوزى فى ناسخه ص ١٧٢، ١٧٣ من طريق وكيع به .
(٥) فى م، ت ٢، ت ٣: ((الحسن)).
١٦٧
سورة البقرة : الآية ١٨٤
كلِّه، وهو قولُه: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ
أَيِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِّ﴾. وأحَلَّ الجِماعَ أيضًا فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ
الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾. وكان فى الصومِ الأُولِ الفديةُ ، فمن شاءَ مِن مسافرٍ أو مقيم
أن يُطعِمَ مسكينًا ويُفطِرَ ، فَعَل ذلك، ولم يذكرِ اللهُ فى الصومِ الآخِرِ الفديةَ، وقال :
فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾. فنسَخ هذا الصومُ الآخِرُ الفديةً .
وقال آخرون: بل كان قولُه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ
مِسْكِينٍ﴾ حُكمًا خاصًّا للشيخ الكبيرِ والعجوزِ اللَّذَيْنِ يُطيقان الصومَ ، كان مرخّصًا
لهما أن يَفْدِيا صومَهما بإطعام مسكينٍ ويُفْطِرًا، ثم نُسِخ ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ
مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ ﴾ . فلزِمهما من الصومِ مثلُ الذى لزِم الشابَّ، إلّا أن يَعْجِزًا عن
الصومِ فيكونَ ذلك الحكمُ الذى كان لهما قبلَ النسخ ثابتًا لهما حينئذٍ بحالِهِ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدثنا سعيدٌ، عن
قتادةَ ، عن عَزْرَةً ١ ، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان الشيخ الكبيرُ
والعجوزُ الكبيرةُ وهما يُطيقان الصومَ رُخِّص لهما أن يُفطرًا إن شاءًا ويُطعِما لكلِّ يوم
مسكينًا، ثم نسخ ذلك بعدَ ذلك: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمّةٌ وَمَن كَانَ
مَيِ يضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنَّامٍ أُخَرْ﴾. وثبت للشيخ الكبيرِ والعجوزِ
الكبيرةِ إِذا كانا لا يطيقان الصومَ، وللحُبْلَى والمُرْضِع [١٣٤/٤ ظ] إذا خافتً(٢).
(١) فى النسخ: ((عروة))، والصواب ما أثبت، كما سيأتى فى الأثر الثانى عن الأصل. وينظر تهذيب الكمال
٢٠ / ٥١.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٣١٨)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٧/١ (١٦٣٥)، والبيهقى ٢٣٠/٤ من طريق
سعيد به ، وأخرجه البخارى (٤٥٠٥) من طريق، عطاء، عن ابن عباس بمعناه. وعزاه السيوطى فى الدر =
١٦٨
سورة البقرة : الآية ١٨٤
حدَّثنى المثنى ، قال : حدثنا سُويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن سعيدٍ ، عن
قتادةَ، عن عَزْرَةً، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾
قال : الشيخُ الكبيرُ والعجوزُ الكبيرةُ. ثم ذكر مثلَ حديثٍ بشرٍ، عن یزیدَ .
حدّثنا محمدُ بنُ بشار، قال : حدثنا معاذُ بنُ هشام، قال : حدثنى أبى ، عن
١٣٦/٢ قتادةَ، عن عكرمةَ، قال: / كان الشيخُ والعجوزُ لهما الرخصةُ أن يُفْطِرا ويُطعِما
بقوله: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال: فكانت لهم
الرخصةُ، ثم نُسِخت بهذه (١) الآيةِ: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾. فنسِخت
الرخصةُ عن الشيخ والعجوزِ إذا كانا يطيقان الصومَ، وبقِيت الحاملُ والمُرْضِعُ أنْ
تُفْطِرًا وتُطْعِمًا (٣) .
حدَّثنى المثنى، قال : حدثنا حجاج بنُ المنهالِ ، قال: حدثنا همَّامُ بنُ يحيى،
قال: سمِعتُ قتادةَ يقولُ فى قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ
مِسْكِينٌ﴾. قال: كان فيها رخصةٌ للشيخ الكبيرِ والعجوزِ الكبيرةِ ، وهما يُطِيقانِ
الصومَ، أن يُطعِما مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا ويُفْطِرًا، ثم نُسِخ ذلك فى الآيةِ التى بعدَها
فقال: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ إلى قوله: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ نسَختْها هذه
الآيةُ. فكان أهلُ العلم يرَون ويَرجُون الرُّخصةَ ثبتتُ للشيخ الكبيرِ والعجوزِ
الكبيرة ، إذا لم يُطيقا الصومَ أن يُفْطِرًا ويُطعِما عن كلِّ يوم مسكينًا، وللحُبلَى إذا
= المنثور ١٧٧/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وينظر ما سيأتى فى ص ١٧١.
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عروة)).
(٢) فى الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((هذه)) .
(٣) ذكره ابن الجوزى فى ناسخه ص ١٧٦ معلقا عن قتادة به مختصرًا .
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( تثبت).
١٦٩
سورة البقرة : الآية ١٨٤
خشِيتْ على ما فى بطنِها ، وللمُرضعِ إذا ما خشِيتْ على ولدِها (١).
حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ ، قال : حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع
فى قوله: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: فكان الشيخُ
والعجوزُ يُطِيقانٍ صومَ رمضانَ ، فأحلَّ اللَّهُ لهما أن يُفْطِراه إِنْ أرادا ذلك، وعليهما
الفديةُ لكلِّ يوم " يُفطران فيه٢؛ طعامُ مسكينٍ، فأنزل اللَّهُ جلَّ ثناؤه بعدَ ذلك فقال :
{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾. إلى قولِه: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنيَّامٍ
أُخَرُّ ﴾ .
وقال آخرون ممن قرَأ ذلك: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: لم يُنسخْ ذلك ولا
شىءٌ منه ، وهو حُكُمٌ مُثبَتٌ من لَدُنْ نزَلتْ هذه الآيةُ إلى قيام الساعةِ. وقالوا: إنما تأويلُ
ذلك: " وعلى الذين كانوا يُطيقونه فى حالٍ شبابِهِم وحداثَتِهم، وفى حالٍ
٣)
صحتهم وقوتهم ، إذا مرِضوا أو (١) كَبِروا فعجَزوا من الكِبَرِ عن الصومِ - فديةٌ طعامُ
مسكينٍ، لا أن القومَ كان رُخِّص لهم فى الإفطارِ وهم [١٣٥/٤و] على الصوم قادرون إذا
افْتَدَوا .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال : ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال: أما ﴿ الَّذِينَ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٦٩، ومصنفه (٧٥٨٤)، عن معمر، عن قتادة .
(٢ - ٢) فى م: ((يفطرانه)).
(٣ - ٣) فى م: ((على الذين يطيقونه وفى حال شبابهم))، فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وعلى الذين يطيقونه فى
حال شبابهم)) .
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( و)).
١٧٠
سورة البقرة : الآية ١٨٤
يُطِيقُونَهُ﴾ فالرجلُ كان يُطيقُه وقد صام قبلَ ذلك، ثم يَعْرِضُ له الوَجَعُ أو العَطَشُ أو
المرضُ الطويلُ، أو المرأةُ المرضِعُ لا تستطيعُ أن تصومَ ، فإن أولئك عليهم مكانَ كلِّ
يومٍ إطعامُ مسكينٍ، فإِنْ أطعم مسكينيْنُ(١) فهو خيرٌ له، ومَن تكلّف الصيامَ فصامه
فهو خيرٌ له .
حدَّثنا هنادٌ، قال: حدَّثنا عبدةُ، عن سعيدِ بنِ أبى عروبةَ، عن قتادةً، عن
عَزْرَةً ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : إذا خافت الحاملُ على نفسِها
والمرضِعُ على ولدِها فى رمضانَ، قال: تُفْطِران وتُطْعِمان مكانَ كلِّ يوم مسكيناً ، ولا
تقضيان صومًا(٢) .
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدةُ، ( عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عَزْرةً" ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ ، أنه رأى أمّ ولدٍ له حاملًاً أو مُرضِعًا، فقال: أنتِ بمنزلةِ الذى لا
يُطيقُه ، عليك أن تُطْعِمى مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا ولا قضاءً عليك .
حدَّثنا هنادٌ ، قال : ثنا عبدةُ، عن سعيدٍ ، عن عليّ بنِ ثابتٍ ، عن نافع ، عن
٥)
ابنِ عمرَ مثلُ قولِ ابنِ عباسٍ فى الحاملِ والمرضِعِ .
(١) فى م: ((مسكينا))، وفى ت ١، ت ٣: ((مسكين)). وينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٩٥، وتفسير
ابن كثير ١/ ٣٠٨.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عروة)).
(٣) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٨١، والدارقطنى ٢٠٦/٢ من طريق سعيد به. وأخرجه عبد الرزاق فى
مصنفه (٧٥٦٧)، والدارقطنى ٢٠٧/٢ من طريق قتادة به . وينظر ما تقدم فى ص ١٦٧.
(٤ - ٤) سقط من : م.
(٥ - ٥) فى م: ((نافع عن على بن ثابت)).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٧/١ (١٦٣٦) من طريق سعيد به. وأخرجه الدار قطنى ٢٠٧/٢ من
طريقين عن نافع به نحوه. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٩/١ إلى عبد بن حميد.
١٧١
سورة البقرة : الآية ١٨٤
/ حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، ١٣٧/٢
قال: ذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ قال لأُمِّ ولدٍ له حُبْلَى أو مُرضِع: أنتِ بمنزلةِ الذين لا
يُطِيقونه ، عليك الفداءُ ولا صومَ عليك. هذا إذا خافت على نفسِها .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدثنى أبى ، قال: حدثنى عمى ، قال : حدثنى أبى،
عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: هو
الشيخُ الكبيرُ كان يُطِيقُ صومَ شهرِ رمضانَ وهو شابٌّ ، فكبِر وهو لا يَسْتَطِيعُ صومَه ،
فَلْيَتَصَدَّقْ على مسكينٍ واحدٍ لكلِّ يومٍ أَفْطَرَه، حينَ يُفْطِرُ وحين يَتَسَخَّرُ(١).
حدَّثنَا هَنَّادٌ ، قال : حدثنا عَبيدةُ(١) ، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ
نحوَه ، غيرَ أنه لم يَقُلْ: حين يُفْطِرُ وحين يَتَسَخَّرُ .
حدَّثْنَا هَنَّدٌ، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن عبد الرحمنِ بنِ حَرْمَلَةً، عن
سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ أنه قال [١٣٥/٤ ] فى قولِ اللّهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدِّيَةٌ
طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: هو الكبيرُ الذى كان يصومُ فكبِر وعجَز عنه، وهى الحاملُ
التى ليس عليها الصيامُ، فعلى كلِّ واحدٍ منهما طعامُ مسكين؛ مُدٌّ مِن حِنْطَةٍ لكلِّ
يومٍ حتى يَنْقَضِىَ رمضانُ(٢) .
وقرّأ ذلك آخَرون: ( وعلى الذين يُطَوَّقُونِه (٤) فديةٌ طعامُ مسكينٍ ) وقالوا : إنه
(١) أخرجه ابن الجوزى فى ناسخه ص ١٧٥ من طريق محمد بن سعد به .
(٢) فى م، ت ٢، ت ٣: ((عبدة)). وينظر تهذيب الكمال ٢٥٧/١٩.
(٣) أخرجه سفيان فى تفسيره ص ٥٦، وسعيد بن منصور فى سننه (٢٦٣ - تفسير)، وابن حزم فى المحلى
٤٠٢/٦، والبيهقى ٤ /٢٧١، ٢٧٢، وابن الجوزى فى ناسخه ص ١٧٦، ١٧٧ من طرق عن عبد الرحمن
ابن حرملة به ، وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٧٥٨٥) من طريق آخر عن سعيد .
(٤) وهى قراءة ابن عباس بخلاف ، وعائشة، وسعيد بن المسيب ، وطاوس بخلاف، وسعيد بن جبير،=
١٧٢
سورة البقرة : الآية ١٨٤
الشيخُ الكبيرُ والمرأةُ العجوزُ اللذان قد كبِرا عن الصوم، فهما يُكَلَّفانِ الصومَ ولا
يُطِيقانِهِ ، فلهما أن يُفْطِرا ويُطْعِما مكانَ كلِّ يومٍ أَقْطَراه مسكينًا . وقالوا : الآيةُ ثابتةُ
الحكم منذُ أُنْزِلت لم تُنْسَخْ. وأَتْكَروا قولَ مَن قال: إنها منسوخةٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ،
عن ابنِ عباس أنه كان يَقْرَؤُها : ( يُطَوَّقُونَه)(١) .
حدَّثنا هنَّدٌ ، قال: حدثنا علىُ بنُ مُشْهِرٍ، عن عاصم، عن عِكرِمةً، عن ابنٍ
عباس أنه كان يَقْرَأُ : ( وعلى الذين يُطَوَّقُونَه فِدْيَّةٌ طعامُ مسكينٍ). قال: فكان
يقولُ : هى للناسِ اليومَ قائمةٌ .
حدّثنا هنَّادٌ ، قال : حدثنا و کیٹٌ، عن سفيان ، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ ، عن
ابنِ عباسٍ أنه كان يقرؤها: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه فديةٌ طَعامُ مسكينٍ). هو الشيخُ
الكبيرُ يُفطِرُ ويُطعِمُ " .
حدَّثْنَا هَنَّادٌ، قال: ثنا قَبِيصَةُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ ،
عن ابنِ عباس أنه كان يَقْرأَ : (وعلى الذين يُطَوَّقُونه) ويقولُ: هو الشيخُ
= ومجاهد بخلاف، وعكرمة، وأيوب السختياني، وعطاء، وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة :
( يَطّوّقونه )، وعنهم أيضا: (يَطَِّّقونه )، وعن ابن عباس أيضا: (يُطَيِّقونه). المحتسب ١/ ١١٨، وينظر
تفسير القرطبى ٢٨٦/٢، ٢٨٧، والبحر المحيط ٢/ ٣٥، وستأتى الآثار بعد ذلك ليس فيها إشارة إلى ضبط
هذه القراءات فضبطنا المشهور وتركنا الباقى بلا ضبط .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٧٥٧٥) عن ابن جريج به .
(٢ - ٢) فى م، ت ٢، ت ٣: ((قال: وكان يقول: هى للناس اليوم قائمة)).
والأثر فى تفسير سفيان ص ٥٦، ومن طريقه أبو عبيد فى ناسخه ص ٥٣، وفى فضائل القرآن ص ١٦٣،
وعبد الرزاق فى مصنفه (٧٥٧٤) والدارقطنى ٢٠٧/٢، وابن الجوزى فى ناسخه ص ١٧٦.
١٧٣
سورة البقرة : الآية ١٨٤
الكبيرُ " يُفْطِرُ ويُطْعِمُ عنه.
(٢ حدثنا محمدُ بن بَشَّارِ، قال: حدثنا عبدُ الوهابِ ، قال : حدثنا أيوبُ ، عن
عِكْرِمَةَ أنه قال فى هذه الآيةِ : ( وعلى الذين يُطَوَّقُونه ) - وكذلك كان يَقْرَؤُها - : إنها
ليست منسوخةً، كُلِّف الشيخُ الكبيرُ أن يُفْطِرَ ويُطْعِمَ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا) .
/حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدثنا شعبةُ، عن أبى ١٣٨/٢
بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قرأ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه)(١)
حدَّثنا هنادٌ ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن عمرانَ بنِ مُديرٍ، عن عكرمةً ، قال :
اُلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: يصومُونَه، ولكن (الذين يُطَوَّقُونه) يعجزون عنه (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزَّاقِ ، قال : أخبرنا ابنُ مجريجٍ،
قال : حدثنى محمدُ بنُ عبادٍ بنِ جعفرٍ ، عن أبى عَمٍو مولى عائشةً ، أن عائشةً
كانت تَقْرَأُ : ( يُطَّوَّقُونَه)(٥) .
حدَّثنا الحسنُ ، قال : أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال : أخبرنا ابنُ جُريج ، عن عطاءٍ أنه
كان [١٣٦/٤و] يَقْرَؤُها: ( يُطَوّقُونَه). قال ابنُ مُريج: وكان مجاهدٌ يَقْرَؤُها
(١ - ١) سقط من: الأصل.
(٢ - ٢) سقط من : الأصل .
والأثر أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٥١، ٥٢ عن عبد الوهاب، عن خالد الحذاء، عن عكرمة ، وأخرجه
عبد الرزاق فى مصنفه (٧٥٧٣) عن معمر ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس .
(٣) أخرجه ابن أبى داود فى المصاحف ص ٨٩ عن ابن بشار به ، وأخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٥٢ من
طريق آخر عن سعيد .
(٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه ( ٢٦٥، ٢٦٦ - تفسير) من طريق عمران به ، نحوه ، وأخرجه أبو عبيد
فى فضائل القرآن ص ١٦٣ من طريق أيوب، عن عكرمة به . وينظر ما سيأتى فى ص ١٧٧.
(٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٠، وأخرجه مصنفه (٧٥٧٦)، وأخرجه البيهقى ٢٧٢/٤ من طريق ابن جريج به .
١٧٤
سورة البقرة : الآية ١٨٤
(١)
كذلك(١).
حدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ ، قال: حدثنا بشرُ بنُ المفضلِ ، قال: ثنا خالدٌ ، عن
عكرمةَ ( وعلى الذين يطيقُونَه) قال: قال ابنُ عباسٍ : هو الشيخُ الكبيرُ.
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسَى السُّدِّىُّ، قال : أخبرنا شريكٌ، عن سالم، عن سعيدِ
ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ( وَعلى الّذين يُطَوَّقُونَه). قال: يتجشّمونه، يَتكلّفُونَهُ(١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ ، قال: حدثنا ابنُ إدريسَ، عن مسلم الملائىّ، عن مجاهدٍ ،
عن ابنِ عباسٍ فى قوله : ( وعلى الذين يَطيقونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ ). قال : الشيخُ
الكبيرُ الذى لا يُطِيقُ فَيُفْطِرُ ويُطعِمُ كلَّ يومٍ مسكينً(٣) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابنِ
أبى نجيح ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِ اللّهِ (وعلى الذين يَطيقونه)
قال: يُكلَّفونه ، ( فديةٌ طعامُ مسكينٍ) واحدٍ ، قال: فهذه ليست بمنسوخةٍ) لا
يرخّصُ فيها إلا للكبيرِ الذى لا يُطيقُ الصيامَ، أو مريضٍ يعلمُ أنه لَا يُشْفَى. هذا عن
مجاهدٍ) .
حدَّثنى المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفةَ ، قال : حدثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ،
عن عَمرِو بنِ دينارٍ ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباس أنه قال: (الذين يَطيقُونه ) يتكلَّفونه
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٠.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٨/١ إلى المصنف وابن الأنبارى .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٨/١ (١٦٤١) من طريق مسلم به بنحوه .
(٤ - ٤) فى م: ((آية منسوخة)).
(٥ - ٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
والأثر أخرجه الدار قطنى ٢٠٥/٢ من طريق شبل، عن ابن أبى نجيح به، وهو فى تفسیر مجاهد ص ٢٢٠،
ومن طريقه البيهقى ٢٧١/٤ عن عطاء - وحده - عن ابن عباس، وسيأتى باقى هذا الأثر فى ص ١٨٣.
١٧٥
سورة البقرة : الآية ١٨٤
( فديةٌ طعامُ مسكينٍ) واحدٍ ، ولم يُرَخَّصْ هذا إلا للشيخ الكبيرِ (١) الذى لا يُطِيقُ
(٣)
الصومَ، أو المريضِ الذى يعلمُ أنه لا يُشْفَى ). هذا عن مجاهدٍ".
حدَّثنى المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفةَ ، قال : حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحِ،
عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباس أنه كان يقولُ : ليستْ بمنسوخةٍ .
حدَّثنى المثنى ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنى معاويةُ، عن علىٍّ بنِ أبى
طلحةَ ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه : ( وعلى الذين يَطِيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ ) يقولُ :
من لم يُطقِ الصومَ إلّا على جَهدٍ فله أن يُفطِرَ ويُطعِمَ كلَّ يوم مسكينًا، والحاملُ
(٤)
والمرضعُ والشيخُ الكبيرُ والذى به سقمٌ دائمٌ .
حدَّثنا هنادٌ ، قال : حدثنا عَبيدةُ ، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ فى
قولِ اللّهِ تعالى ذِكرُّه: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ ) قال: هو الشيخُ
الكبيرُ (أو المرأةُ الذى كان يصومُ فى شبابِه، فلما كَبِر ضعُف (١) عن الصومِ قبلَ أن
يموتَ، فهو يُطعِمُ كلَّ يوم مسكينًا. قال هنادٌ: قال عَبيدةُ: فقلتُ (١) لمنصورٍ : الذى
يُطعَمُ كلَّ يومٍ نصفُ صاعٍ؟ قال : نعم.
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) أخرجه الطبرانى (١١٣٨٨)، والدارقطنى ٢٠٥/٢، والحاكم ٤٤٠/١ من طريق ابن أبى نجيح به،
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٥٧٧)، والبخارى (٤٥٠٥)، والنسائى (٢٣١٦)، والدار قطنى ٢٠٥/٢،
والبيهقى ٢٧١/٤، وابن الجوزى فى ناسخه ص ١٧٥ من طرق عن عمرو ، وسيأتى باقى هذا الأثر فى
ص ١٨٤.
(٣) كذا فى النسخ، وليس فى هذا الإسناد ذكر لمجاهد .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٨/١ إلى المصنف.
(٥ - ٥) فى م: ((والمرء)).
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عجز).
(٧) فى م: ((قيل)) .
١٧٦
سورة البقرة : الآية ١٨٤
١٣٩/٢
/ [١٣٦/٤ ط] حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن عثمانَ بنِ الأُسودِ ،
قال : سألتُ مجاهدًا عن امرأةٍ لى وافقَ تاسِعُها شهرَ رمضانَ ، ووافق حرًّا شديدًا ،
فأمرنى أن تُفْطِرَ وتُطعِمَ . قال: وقال مجاهدٌ: وتلك الرخصةُ أيضًا فى المسافرِ
والمريضِ، فإن اللّهَ يقولُ: ( وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعام مسكينٍ)(١).
حدَّثنا هنادٌ ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن عاصم، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ ، قال :
الحاملُ والمرضعُ والشيخُ الكبيرُ الذى لا يَسْتَطِيعُ الصومَ يُفْطِرون فى رمضانَ ، وَيُطْعِمون
عن كلِّ يومٍ مسكينًا. ثم قرأ: (وعَلَى الَّذِينَ يُطوَّقُونَهُ(٢) فِذْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ)(٣).
حدَّثنا علىُ بنُ سعيدٍ " الكِندىُّ، قال : حدثنا حفصٌ، عن حجاج ، عن أبى إسحاقَ ،
عن الحارثِ، عن علىٍّ فى قوله: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعام مسكينٍ) قال :
الشيخُ الكبيرُ الذى لا يستطيعُ الصومَ يُفْطِرُ ويُطْعِمُ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا(٥) .
حدَّثنی المثنی ، قال : حدثنا الحجاج، قال : ثنا حمادٌ ، عن عمرو بنِ دینارٍ ، عن
عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ ) قال: هم
الذين يتكلّفونَه(١) ولا يُطيقونه، الشيخُ والشيخةُ(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حمادٌ، عن الحجاج، عن أبى
(١) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص٧٩ من طريق عثمان به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٩/١ إلى عبد
ابن حميد .
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يطيقونه)).
(٣) تقدم تخريجه فى ص ١٧٠.
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((سعد)). ينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٥٠.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر ١٧٨/١ إلى المصنف، وينظر المحلى ٤٠٢/٦.
(٦) فى الأصل: (( یستكلفونه)).
(٧) أخرجه ابن الجوزى فى ناسخه ص١٧٦ من طريق حماد بن سلمة به .
١٧٧
سورة البقرة : الآية ١٨٤
إسحاقَ ، عن الحارثِ ، عن علىٍّ ، قال: هو الشيخُ والشيخةُ .
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حمادٌ، عن عمرانَ بنِ
محُديرٍ، عن عكرمةَ أنه كان يَقْرَؤُها : ( وعلى الذين يطيقُونه ) فأفطر(١).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سُويدُ بنُ نَصْرٍ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن
عاصمٍ، عمن حدَّثه، عن ابنِ عباسٍ ، قال: هى مثبتةٌ للكبيرِ والمرضعِ والحاملِ وعلى
الذين يُطِيقُون الصيامَ .
حدَّثنا المثنى ، قال : ثنا سويدٌ ، قال : أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن ابنٍ نجريجٍ، قال :
قلتُ لعطاءٍ : ما قولُه: ( وعلى الذين يطيقُونه)؟ قال: بلَغنا أن الكبيرَ إذا لم يَسْتَطِع
الصومَ يَفتدِى من كلّ يومٍ بمسكينٍ . قلت : الكبيرُ الذى لا يَسْتَطِيعُ الصومَ ، أو الذى
لا يَسْتَطِيعُه إلا بالجَهْدِ؟ قال: بل الكبيرُ الذى لا يَسْتَطِيعُه بجهدٍ ولا بشىءٍ، فأما من
استطاع بجهدٍ فليصُمْه ولا عذر له فى تزكِه(٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : حدثنا الحسينُ ، قال : حدثنى حجاجٌ ، عن ابن جريجٍ ،
قال: أخبرنى عبيدُ(٢) اللَّهِ بنُ أبى يزيدَ: (وعلى الذين يطيقُونه) الآية. كأنه يعنى
الشيخَ الكبيرَ .
قال ابنُ مجريجٍ : وأخبرنى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه أنه كان يقولُ: نزلت فى الكبيرِ
الذی لا یستطیئُ صیامَ رمضانَ ، فیفتدِی من کل یوم بطعام مسکینٍ . قلتُ له : کمْ
(١) فى م: ((فأفطروا)) .
والأثر أخرجه ابن أبى داود فى المصاحف ص٨٩ من طريق الحجاج به، وتقدم فى ص ١٧٣ من طريق آخر
عن عمران بنحوه.
(٢) تقدم أوله فى ص ١٧١.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( عبد).
( تفسير الطبرى ١٢/٣ )
١٧٨
سورة البقرة : الآية ١٨٤
(١)
طعامُه؟ قال : لا أدرى ، غيرَ أنه قال: طعامُ يومٍ .
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُّ المباركِ، [١٣٧/٤ و] عن
الحسنِ بنِ يحيى ، عن الضحاكِ فى قوله: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ قال : الشيخُ
الكبير الذى لا يُطِيقُ الصومَ يُفطِرُ ويُطعِمُ عن(١) كلِّ يومٍ مسكينًا .
قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى هذه الأقوالِ بتأويل الآيةِ قولُ مَن قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ
١٤٠/٢ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ / منسوخٌ بقولِ اللّهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ
مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾؛ لأن الهاءَ التى فى قوله: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ من
ذكرِ ((الصيامٍ)). ومعناه: وعلى الذين يُطِيقونَ الصيامَ فديةٌ طعامُ مسكينٍ. فإذا كان
ذلك كذلك، وكان الجميعُ من أهلِ الإسلامِ مُجمعينَ على أن مَن كان مُطِيقًا من
الرجالِ الأُصحَّاءِ المقيمينَ غيرِ المسافرينَ صومَ شهرِ رمضانَ، فغيرُ جائٍ له الإفطارُ
فيه والاقتداءُ منه بطعام مسكينٍ ، كان معلومًا أن الآيةَ منسوخةٌ ، هذا مع ما يُؤيدُ هذا
القولَ من الأخبارِ التى ذكرناها آنفًا عن معاذٍ بنٍ جبلٍ وابنِ عمرَ وسلَمةَ بنِ الأكوعِ،
من أنهم كانوا بعدَ نزولِ هذه الآيةِ على عهدِ رسولِ اللهِ عَ لَّمِ فى صوم شهرِ رمضانَ
بالخيارِ بينَ صومِه وسقوطِ الفديةِ عنهم ، وبينَ الإفطارِ والاقتداءِ من إفطارِه بإطعامٍ
مسكين لكلِّ يومٍ أفطَره ، وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزَلت: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ
الشَّهرَ فَلْيَصُمَّةٌ﴾ فَأُلْزِموا فرضَ صومِه، وبطَل الخيارُ والفديةُ.
فإن قال قائلٌ: وكيفَ تدَّعى إجماعًا من أهلِ الإسلامِ على أنَّ من أطاقَ صومَه
وهو بالصِّفةِ التى وصَفْتَ فغيرُ جائزٍ له إلَّ صومُه، وقد علمتَ قولَ مَن قال : للحاملِ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٧٥٧١) عن معمر ، عن ابن طاوس به .
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
١٧٩
سورة البقرة : الآية ١٨٤
والمرضع إذا خافتا على أولادِهما لهما الإفطارُ، وإن أطاقتا الصومَ بأبدانهما ، مع الخبرِ
الذی ژُوِی فی ذلك عن رسولِ اللهِ ے الذى حدثنا به منّادُ بنُ السّریِّ ، قال : حدثنا
قبيصةُ، عن سفيانَ، عن أيوبَ، عن أبى قِلابةَ، عن أنسٍ، قال : أتيتُ رسولَ
اللّهِ مٍَّ وهو يتغدَّى فقال: ((تعَالَ أُحَدِّثْكَ؛ إن اللّهَ وضَع عن المُسافِرِ والحاملِ
والْمُرْضِعِ الصومَ وشَطْرَ الصَّلاةِ))(١).
قيل: إنّا لم ندَّع إجماعًا فى الحاملِ والمرضعِ، وإنما ادَّعينَا فى الرجالِ الذين
وصفْنَا صِفَتَهم. فأما الحاملُ والمرضعُ فإنما علِمْنا أنهنَّ غيرُ مَعنياتٍ بقولِه: ﴿وَعَلَى
الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ إذ(٢) خَلَا الرجالُ أن يكونوا معنيِّينَ به؛ لأنهنَّ لو كنَّ مَعنياتٍ
بذلك دونَ غيرِهنَّ من الرجالِ لقيل: وعلى اللواتى يُطِقْنه فديةٌ طعامُ مسكينٍ ؛ لأن
ذلك كلامُ العربِ إذا أَفرِد الكلامُ بالخبرِ عنهن دونَ الرجالِ، فلمّا قيل: ﴿ وَعَلَى
الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ كان معلومًا أنَّ المعنىَّ به الرجالُ دونَ النساءِ، [١٣٧/٤ ظ] أو
الرجالُ والنساءُ، فلمَّا صحَّ بإجماع الجميع على أنَّ من أطاقَ من الرجالِ المقيمينَ
الأصِحّاءِ صومَ شهرِ رمضانَ فغيرُ مرخّصٍ له فى الإفطارِ والاقتداءِ، فخرَج الرجالُ
من أن يكونوا معنيّين بالآيةِ، وعُلِمَ أن النساءَ لم يُرَدْنَ بها؛ لما وصَفْنا من أن الخبرَ عن
النساءِ إذا انفرد الكلامُ بالخبرِ عنهن: وعلى اللواتى يُطِفْنَه . والتنزيلُ بغيرِ ذلك .
وأما الخبرُ الذى رُوى عنِ النبيِّ عَ لِّ، فإنه إن كان صحيحًا، فإنما معناه أنه
وُضِع عن الحاملِ والمرضعِ الصومُ ما دامتا عاجزتينِ عنه حتى تُطِيقًا فَتَقْضِيًا، كما
(١) أخرجه البخارى فى الكبير ٢/ ٢٩، والفسوى فى تاريخه ٢ / ٤٦٩، والخطيب فى المتفق والمفترق ١٢٨/١
من طريق قبيصة به، وأخرجه البخارى فى الكبير ٢٩/٢، والنسائى (٢٢٧٣)، وابن خزيمة (٢٠٤٣) من
طريق سفيان به. وأنس هو ابن مالك الكعبى، ليس يروى عن النبى عَّمٍ إلا هذا الحديث. وقال الفسوى:
اضطربت الرواية فى هذا الحديث . وينظر علل ابن أبى حاتم (٤٤٧)، والتحفة ٤٥٠/١ - ٤٥٢.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((و)).
١٨٠
سورة البقرة : الآية ١٨٤
وُضِع عن المسافرِ فى سفرِه حتى يقيمَ فيقضيَه، لا أنهمَا أَمِرَتَا بالفديةِ والإفطارِ بغيرِ
وجوبٍ قضاءٍ، ولو كان فى قولِ النبيِّ عَلَه: ((إِنَّ اللّهَ وضَع عن المُسافِرِ والمُرْضِع
والحامِلِ الصومَ )). دلالةٌ على أنه ◌َّهِ إنما عنَى أَنَّ اللّه تعالى ذكرُه وضَع عنهم بقوله:
﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ لوجَبَ ألا يكونَ على المسافرِ إذا
أفطرَ فى سفرٍه قضاءٌ، وألا يَلْزَمَه بإفطارِه ذلك إلا الفديةُ؛ لأن النبيَّ عَلَه قد جمَع
بينَ حكمِه وبينَ محُكمِ الحاملِ والمرضِعِ، وذلك قولٌ إن قاله قائلٌ خلافٌ لظاهرٍ
كتابِ اللّهِ ، ولِمَا أجمَع عليه جميعُ أهلِ الإسلامِ .
/ وقد زعم بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ أنّ معنى قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ
يُطِيقُونَهُ﴾: وعلى الذين يُطِيقونَ الطعامَ. وذلك تأويلٌ لتأويلِ أهلِ العلم مخالفٌ .
١٤١/٢
وأمّا قراءةُ مَن قرَأ ذلك : (وعلى الذين يُطَوَّقُونه). فقراءةٌ لمصاحفٍ أهلِ
الإِسلام خلافٌ (١)، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ من أهلِ الإسلامِ الاعتراضُ بالرأيِ على ما نقَله
المسلمونَ وراثةً عن نبيهم ◌َّمِ نقلًا ظاهرًا قاطعًا للعذرِ؛ لأن ما جاءت به الحجّةُ من
الدين هو الحقُّ الذى لا شكَّ فيه أنه من عندِ اللّهِ ، ولا يُعْتَرَضُ على ما قد ثبت وقامتْ
به حجةٌ أنه مِن عندِ اللّهِ بالآراءِ والظنونِ والأقوالِ الشاذَّةِ .
وأمّا معنى ((الفدية)) فإنه الجزاء ، من قولك : فدیتُ هذا بهذا . أی : جَزیتُه به ،
وأعطيتُه بدلًا منه .
ومعنى الكلام : وعلى الذين يُطيقونَ الصيامَ جزاءُ طَعام مسكينٍ منه ؛ لكلِّ يومٍ
أفطرَه من أيامٍ صيامِه الذى كُتِب عليه .
وأمّا قولُه: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فإن القرأةَ مختلفةٌ فى قراءتِه ؛ فبعضٌ
(١) سقط من: الأصل.
٢٠
1