Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
سورة البقرة : الآية ١٨١
يُبَدِّلُونَهٌُ﴾. قال: تُمْضَى (١) كما قال.
حدَّثنی سفيانُ بنُ وكيع ، قال : حدثنى أبى ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ ، عن الحسنِ :
﴿ فَمَنْ بَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾. قال: مَن بدَّل وصيّةً بعدَ ما سمِعها(٢).
حدَّثنى المنُتَّى ، قال : ثنا حجَّاجٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ إبراهيمَ ، عن الحسنِ فى هذه
الآية: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّهَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ؟). قال: هذا فى
الوصيةِ ، مَن بدَّلها مِن بعدِ ما سمِعها، فإِنما إثمُه على مَن بدَّل .
حدَّثنا ابنُ بشّارٍ وابنُ المُنَّى، قالَا: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدثنى أبى، عن
قتادةَ ، عن عطاءٍ وسالم بنِ عبدِ اللّهِ وسليمانَ بنِ يسارٍ، أنهم قالوا: تُمْضَى الوصيّةُ لمن
أوْصَى لَه به . إلى هلهنا انتهى حديثُ ابنِ المُثُّنَّى، وزادَ ابنُ بشّارٍ فى حديثه : قال
قتادةُ : وقال (٣ عبيدُ اللهِ بنُ عبيدِ اللهِ بنِ مَعمَرٍ: أعجبُ إلىَّ لو أوْصَى لذوِى القرابةِ،
وما يُغْجِئُنی أُنْ انْزِعَه ممن أوصى له به . قال قتادةُ : وأعجئه إلىّ لمن أوصى له به ، قال
اللّهُ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّهَا إِثْعُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ؟﴾ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: إن الله سميعٌ لوَصِيَّتِكم التى أمرتُكم أن تُوصوا لآ بائِكم
وأمهاتِكم [١٢٧/٤ ظ] وأقربائِكم حينَ تُوصُون لهم بها؛ أَتَعْدِلون فيها على ما أُذِنتُ
لكم مِن فعلِ ذلك بالمعروفِ ، أم تَحِيفون فتَمِيلونَ عن الحقِّ وَّجُورون عن القصدِ ،
عليمٌ بما تُخْفِيه صدورُكم مِن الميلِ إلى الحقِّ والعدلِ ، أم إلى الجَوْرِ والحَيْفِ.
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يمضى).
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٠/١ عقب الأثر (١٦٠٨) معلقا .
(٣ - ٣) فى م: ((عبد الله)). وتقدم الكلام عليه فى ص ١٢٦.

١٤٢
سورة البقرة : الآية ١٨٢
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ
(١٨٢)
فَلَآ إِثْمَ عَلَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ هذه الآيةِ ؛ فقال بعضُهم: تأويلُها : فمَن حضَر
مريضًا وهو يُوصِى عندَ إشرافِه على الموتِ ، فخاف أن يُخْطِئَ فى وصيَّتِه فيَفْعَلَ ما
ليس له ، أو أن يَعْمَدَ جورًا فيها، فيَأْمُرَ بما ليس له الأمرُ به، فلا حرجَ على مَن حضَره
فسمِع ذلك منه أن يُصْلِحَ بينَه وبينَ ورثتِهِ ، بأن يَأْمُرَه بالعدلِ فى وصيَتِّه ، وأَنْ يَنْهاهم
عن منعِه ممّا أَذِن اللّهُ له فيه وأباحه له .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾. قال : هذا
حينَ يُحْضَرُ الرجلُ وهو يموتُ، فإذا أُسْرَف أمَروه بالعدلِ، وإذا قصَّر قالوا : افْعَلْ
كذا، أعطِ فلانًا كذا (١).
حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ : ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾. قال: هذا حينَ يُحْضَرُ الرجلُ
وهو فى الموتِ ، فإذا أشرفَ على الموتِ أمَروه بالعدلِ ، وإذا قصَّر عن حقٍّ قالوا : افْعَلْ
كذا ، أعطِ فلانًا كذَا .
١٢٤/٢
/ وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمَن خاف - مِن أوصياءٍ ميتٍ، أو والى أمرٍ
المسلمين - مِن موص جنفًا فى وصيَتِه التى أَوْصَى بها الميتُ ، فأصْلَحَ بينَ ورثتِه وبينَ
(١) تفسير مجاهد ص ٢٢٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٥/١ إلى عبد بن حميد.

١٤٣
سورة البقرة : الآية ١٨٢
الموصَى لهم بما أوْصَى لهم به، فردَّ الوصيةَ إلى العدلِ والحقِّ ، فلا حرَج عليه(١) ولا إثمَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُنَّى ، قال : حدثنا أبو صالح كاتبُ الليثِ ، قال : حدثنى معاويةُ بنُ
صالحٍ، عن علىٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ
جَنَفًا﴾: يعنى إثمًا، يقولُ: إذا أخطأ الميتُ فى وصيّتِه ، أو حاف فيها ، فليس على
الأولياءِ حرٌ أن يُرُدُّوا خطأَه إلى الصوابِ(٢) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمَا﴾ . قال: هو الرجلُ يُوصِى
فِيَجْنَفُ (٢) فى وصيَتِه، فيَرُدُّها الوالى إلى الحقِّ والعدلِ (4).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع، عن سعيدٍ ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ فَمَنْ
خَافَ مِن ◌ُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾. وكان قتادةُ يقولُ: مَن أَوْصَى بجورِ أو جَنَفٍ (٥)
فى وصيَّتِه، فردَّها ولىُّ المتوفَّى إلى كتابِ اللّهِ وإلى العدلِ فذاكَ له، أو إمام من أئمةٍ
(٦)
المسلمين(٦).
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُّ سعدٍ وابنُ أبى جعفرٍ ،
عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ جَنَفًا أَوَ إِثْمًا﴾: [١٢٨/٤و] فمَن
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٣٠١، ٣٠٣ (١٦١١، ١٦١٩) من طريق أبى صالح به .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((يحيف)).
(٤) تفسير عبد الرزاق ٦٩/١.
(٥) فى م، ت ١: ((حيف)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٥/١ إلى عبد بن حميد.

١٤٤
سورة البقرة : الآية ١٨٢
أوْصَى بوصيَّةٍ بجوْرٍ فردَّه الوصىُّ إلى الحقِّ بعدَ موتِه ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهٍ﴾ . قال
عبدُ الرحمنِ فى حديثهِ: ﴿ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: ردَّه الوصئُ إلى الحقِّ بعدَ موتِه
فلا إثمَ علیه(١) .
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا قَبِيصةُ، عن سفيانَ، عن أبيه،
عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن قُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْهُمْ﴾. قال: ردَّه إلى
* (٢)
الحقِّ(٢).
حدّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا إسرائيل ، عن سعیدِ بنِ
مسروقٍ ، عن إبراهيمَ ، قال: سألتُه عن رجلٍ أوْصَى بأكثرَ مِن الثلثِ ، قال :
ازْدُدْها(١). ثم قرأ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن تُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ .
حدَّثنا عَمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ يزيدَ صاحبُ اللؤلؤِ، قال : ثنا أبو
جعفرٍ الرازىُّ، عن الربيع بنٍ أنسٍ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا
فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَ إِثْمَ عَلَيْءٍ﴾. قال: رَدَّه الوصىُّ إلى الحقِّ بعدَ موتِه فلا إثمَ على
الوصىِّ .
وقال بعضُهم: بل معنى ذلك: فمَن خاف من موصٍ جنَفًا أو إثمًا فى عطيتِه عندَ
حضورِ أجلِه بعضَ ورثتِه دونَ بعضٍ ، فلا إثمَ على مَن أَصْلَح بينَهم ، يعنى : بينَ الورثةِ .
ذکژُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجَّاجْ، عن ابنِ مجریجٍ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٣/١ (١٦٢٠) من طريق عبد الرحمن بن سعد به .
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٣/١ عقب الأثر (١٦١٩) معلقًا .
(٣) فى الأصل: ((أردها)).

١٤٥
سورة البقرة : الآية ١٨٢
قال: قلتُ لعطاءٍ: قولَه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمَا﴾. قال: ذاك
الرجلُ يَجْنَفُ (١) أو يَأْثَمُ عندَ موتِه، فيُعْطِى ورثته بعضَهم دونَ/ بعضٍ، يقولُ اللّهُ: فلا ١٢٥/٢
إِثمَ على المصلحِ بينَهم . فقلتُ لعطاءٍ : أله أن يُعْطِىَ وارثَه عندَ الموتِ ، إنما هى وصيةٌ ،
ولا وصيةَ لوارثٍ ؟ قال : ذلك فيما يَقْسِمُ بينَهم .
وقال آخرون: معنى ذلك : فمَن خاف مِن موصٍ جنفًا أو إثمًا فى وصيَّتِه لمن لا
يَرِثُّه بما يَرْجِعُ نفعُه على مَن يَرِثُهُ ، فَأَصْلَحِ بينَ ورثتِه فلا إثمَ عليه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجَّاجْ، قال: قال ابنُ
مجرَيْجٍ: أخبرَنى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه أنه كان يقولُ: جنفُه: ( تَوْلِيجُه، وتَوْلِيجُه(٢):
أن يُوصِىَ الرجلُ لبنى ابنِه ؛ ليكونَ المالُ إلى أبيهم، وتُوصِىّ المرأةُ لزوج ابنتها؛ ليكونَ
المالُ لابنتِها ، وذو الوارثِ الكثيرِ والمالُ قليلٌ، فيُوصِى بثلثِ مالِهِ كلِّه، فيُصْلِحُ بينَهم
الوصىُّ(٢) أو الأميرُ. قلتُ: أفى حياتِه أم بعدَ موتِه؟ قال: ما سمِعْنا أحدًا يقولُ إلا بعدَ
موتِه، وإنه ليُوعَظُ عندَ ذلك .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا ابنُ عُيَيْنَةً ، عن
ابنِ طاوسٍ، عن أبيه فى قوله: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾. قال: هو
الرجلُ يُوصِى لولدِ ابنِه (٤) .
(١) فى م، ت ١، ت ٣: ((يحيف)).
(٢ - ٢) فى م: ((وإثمه)).
(٣) فى م: ((الموصى إليه)).
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٩، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٥٧ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى
تفسيره ٣٠١/١ (١٦١٣) عن سفيان به .
( تفسير الطبرى ١٠/٣)

١٤٦
سورة البقرة : الآية ١٨٢
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فمَن خاف مِن موصٍ لآبائِه وأقربائِه جَنَفًا على
بعضِهم لبعضٍ ، فأصْلَح بينَ الآباءِ والأقرباءِ، فلا إثمَ عليه .
ذکرُ مَن قال ذلك
[١٢٨/٤ ظ] حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ:
﴿ فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَّ إِثْمَ عَلَيَّةٍ﴾: أما
جَنَّفًا﴾: فخَطأ فى وصيَّتِه؛ وأما ﴿ إِثْمًا﴾: فعمدًا؛ يعْمِدُ فى وصيتِه الظلمَ ،
فإن هذا أعظمُ لأَجرِه ألا يُنْفِذَها، ولكن يُصْلِحُ بينهم على ما يَرَى أنه الحقُّ، يَنْقُصُ
بعضًا ويَزِيدُ بعضًا. قال: ونزلت هذه الآيةُ فى الوالدين والأقربينَ(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولهِ: ﴿فَمَنْ
خَافَ مِن ◌ُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَّ إِثْمَ عَلَيْةٍ﴾. قال: الجنَفُ أن
يَجْنَفَ (١) لبعضِهم على بعضٍ فى الوصيةِ ، والإثمُ أن يكونَ قد أَثِم فى أثَّرَتِه (٢) بعضَهم
على بعضٍ، ﴿فَأَصْلَحَ بَيْهِمْ﴾ المُوْصَى إليه بينَ الوالدين وبينَ() الابنِ، والبنون هم
الأقربون ، فلا إثمَ عليه . فهذا الوصىُّ الذى أوصِى إليه بذلك ، وجعل إليه ، فرأى
هذا قد جنِف (١) لهذا على هذا، فأصْلَح بينَهم، فلا إثمَ عليه، فعجَز الموصِى أن يوصِىّ
كما أمره اللّهُ، وعجَز الموصَى إليه أن يُصْلِحَ، فانْتَزع اللّهُ ذلك منه (١) ففرَض الفرائضَ.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٢/١ عقب الأثر (١٦١٥، ١٦١٧) من طريق عمرو بن حماد به ببعضه .
(٢) فى م: ((يحيف)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أبويه)).
(٤) فى م: ((الأقربين)).
(٥) فى م: ((الموضَى)).
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أجنف)).
(٧) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((منهم).

١٤٧
سورة البقرة : الآية ١٨٢
وأولى الأقوالِ بتأويل هذه الآيةِ أن يكونَ تأويلُها : فمَن خاف مِن
موصٍ (١حضرته الوفاةُ) جنفًا أو إثمًا، وهو أن يَمِيلَ إلى غيرِ الحقِّ خطأً منه، أو يَتَعَمَّدَ
إثمًا فى وصيَتِه بأنْ يُوصِىَ لوالدَيْه وأقرببه الذين لا يَرِثُونه بأكثرَ مما يَجُوزُ له أن يُوصِىَ
لهم به مِن مالِه، وغيرِ ما أذِن اللّهُ له به مما جاوَز الثلثَ، أو بالثلثِ كلِّه، وفى المالِ
قِلَّةٌ، أو(١) فى / الورثةِ كثرةٌ، فلا بأسَ على مَن حضَره أن يُصْلِحَ بينَ الذين يُوصَی لهم ١٢٦/٢
وبينَ ورثةِ الميتِ وبينَ الميتِ ، بأن يَأْمُّرَ الميّتَ فى ذلك بالمعروفِ، ويُعَرِّفَه ما أباح اللّهُ
له فى ذلك ، فأذِن له فيه مِن الوصيةِ فى مالِه ، وينهاه أن يُجَاوِزَ فى وصيتِه المعروفَ
الذى قاله جلَّ ثناؤه فى كتابه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ
خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وذلك هو الإصلامح الذى قال جل
ثناؤه: ﴿ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَّ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ . وكذلك إن كان فى المالِ فضلٌ و كثرةٌ وفى
الورثةِ قلَّةٌ فأراد أن يَقْصِرَ فى وصيَّتِه لوالدَيْهِ وأقربيه عن ثلثِه ، فأصْلَح مَن حضَره بينَه
وبينَ ورثتِه ، وبينَ والديه وأقربيه الذين يُرِيدُ أن يُوصِىَّ لهم، بأن يَأْمُرَ المريضَ أن يَزِيدَ
فى وصيَّتِه لهم ، ويَبْلُغَ بها ما رخّص اللّهُ فيه مِن الثلثِ، فذلك أيضًا هو مِن الإصلاحِ
بينَهم بالمعروفِ .
وإنما اختَرْنا هذا القولَ؛ لأن اللّهَ جلَّ ثناؤه قال: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ
جَنَفًا [١٢٩/٤ و] أَوْ إِثْمًا﴾. يعنى بذلك: فمَن خاف مِن موصٍ أن يَجْنَفَ أو يَأْثَمَ ،
فخوفُ الجنفِ والإثمِ مِن المُوصِى إنما هو كائنٌ منه قبلَ وقوعِ الجنفِ والإثمِ ، فأمّا بعدَ
وجودِه منه فلا وجهَ للخوفِ منه بأن يَجْنَفَ أو يَأْثَمَ ، بل تلك حالُ مَن قد جنيف أو
أثِم ، ولو كان ذلك معناه لقيلَ: فَمَن تبيَّن مِن موصٍ جنفًا أو إِثْمًا ، أو أيْقَن أو علِم ،
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((و)).

١٤٨
سورة البقرة : الآية ١٨٢
ولم يَقُلْ : فمَن خاف منه جَنفًا .
فإن أشْكَل ما قلنا مِن ذلك على بعضٍ الناسٍ فقال: فما وجهُ الإصلاحِ حينئذٍ ،
والإصلاحُ إنما يكونُ بين المختلفين فى الشىءٍ؟
قيل: إن ذلك - وإن كان مِن معانى الإصلاحِ - فمِن الإصلاح بين فريقين(١)
فيما كان مخوفًا حدوثُ الاختلافِ بينَهم فيه بما يُؤْمَنُ معه حدوثُ الاختلاف ؛ لأن
الإصلاحَ إنما هو الفعلُ الذى يكونُ معَه صلاح ذاتِ البَيْنِ، فسواءٌ كان ذلك الفعلُ
الذى يكونُ معه صلاح ذاتِ البينِ قبلَ وقوعِ الاختلافِ أو بعدَ وقوعِه .
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾. ولم يَجْرِ للورثةِ ولا
للمختلفين أو المخوفِ اختلافُهم ذكرٌ؟
قيل: بل قد جرَى ذكرُ الذين أمَر جلَّ ثناؤه بالوصيّةِ لهم، وهم والدَا المُوصِى
وأقرَبُوه، والذين أُمِروا بالوصيّةِ فى قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَأَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ﴾. ثم قال جلَّ ذكرُه: ﴿فَمَنْ
خَافَ مِن ◌ُوصٍ﴾. لمن أمَرته بالوصيَّةِ له - ﴿ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْهُمْ﴾ وبيْنَ
مَن أَمرتُه بالوصيةِ له ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. والإصلامحُ بينَه وبينَهم هو إصلاحٌ بينَهم
وبينَ ورثةِ المُوْصِى .
وقد قُرِئ قولُه : ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُوصٍ ﴾ بالتخفيفِ فی الصادِ والتسکین فی
الواوِ (٢)، و(١) بتحريكِ الواوِ وتشديدِ الصادِ ().
(١) فى م: ((الفريقين)).
(٢) هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وحفص. حجة القراءات ص ١٢٤.
(٣) سقط من: م.
(٤) قراءة حمزة والكسائى وأبى بكر. المصدر السابق.

٥
١٤٩
سورة البقرة : الآية ١٨٢
فمَن قرَأْ ذلكَ بتخفيفِ الصادِ وتسكينِ الواوِ فإِنما قرَأَه بلغةٍ مَن قال : أَوْصَيتُ
فلانًا بكذا . ومَن قرَأْ بتحريكِ الواوِ وتشديدِ الصادِ قرَأَه بلغةٍ مَن يقول : وصَّيتُ فلانًا
بكذا. وهما لغتان للعربِ مشهورتان: وصَّيتُك. و: أَوْصَيتُك .
وأما الجَنَفُ فهو الجَوْرُ والعدولُ عن الحقِّ، فى كلامِ العربِ، ومنه قولُ
(١)
الشاعرِ(١):
وَإِنَّا مِن لقائِهمُ لَزُورُ(٤)
(٢) =. (٣)
هم المولى(٢) وقَدْ(٢) جنفوا علينا
/يقالُ منه : جنيف الرجلُ على صاحبِهِ يَجْنَفُ ، إذا مال عليه وجارَ ، جَنفًا.
١٢٧/٢
فمعنى الكلامِ: فمَن خاف من موصٍ جنفًا له بموضع الوصيةِ، ومَيْلًا عن
الصوابِ فيها، وجورًا عن القصدِ وَ إِثْمًا، بتعمُّدِه ذلك على علم منه بخطأً ما يأتى
مِن ذلك ، فأصْلَح بينَهم - فلا إثمَ عليه .
وبمثلِ الذى قلنا فى معنى الجَنَفِ والإثم قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى [١٢٩/٤ظ] عمى،
قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن قُّوصٍ
جَنَفًا﴾: يعنى بالجنفِ الخطأَ(٦).
(١) البيت لعامر الخصفى، وهو فى مجاز القرآن ٦٦/١، ٦٧، وتأويل مشكل القرآن ٢١٩.
(٢) المولى : بنو العم. اللسان (و ل ى).
(٣) فى م: ((إن)).
(٤) الزُّور، جمع أزور، وهو المائل عن الشىء. ينظر اللسان (ز ور).
(٥) فى م، ت ١، ت٣: ((أو)).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٢/١ (١٦١٥) عن محمد بن سعد به .

١٥٠
سورة البقرة : الآية ١٨٢
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوح، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿فَمَنْ
خَافَ مِن تُوصٍ جَنَفًا﴾. قال: مَثْلًا() ...
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ ، عن
عطاءٍ مثلَه .
حدَّثنا عَمرُو بنُ علىّ ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ ويزيدُ بنُ هارونَ ، قالا : ثنا
عبدُ الملكِ ، عن عطاءٍ مثلَه .
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا هُشَيْمٌ ، قال: أخبرَنا مُجُوَثِيرٌ، عن الضخَّاكِ ، قال :
الجنفُ الخطأُ ، والإثمُ العمدُ(٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمد الزُّبَيْرىُّ، قال: ثنا
هُشَيْمٌ، عن جُوَثِيرٍ، عن الضحاكِ(٣) مثلَه.
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمْرُو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿فَمَنْ
خَافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾: أمَّا ﴿جَنَفًا﴾: فخطأً فى وصيتِه؛ وأمّا ﴿إِثْمًا﴾:
فعَمْدًا؛ يَعْمِدُ فی وصيتِه الظلمَ(٤) .
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عیسی ، عن ابن أبى
نَجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُّوصٍ جَنَفًا﴾. قال: حَيْفًا ﴿ أَوْ
(٥)
إِذْمَا﴾ (٥).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٢/١ (١٦١٤) من طريق عبد الملك به.
(٢) أخرجه سعید بن منصور فى سننه (٢٥٦ - تفسير) عن هشيم به .
(٣) فى م: ((عطاء)) .
(٤) تقدم تخريجه فى ص ١٤٦.
(٥) تفسير مجاهد ص ٢٢٠.

١٥١
سورة البقرة : الآية ١٨٢
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُّ سعدٍ وابنُ أبى جعفرٍ
عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾. قال: الجَنَفُ
الخطأُ، والإثمُ العمدُ(١).
حدَّثنا عَمْرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ يزيدَ صاحبُ اللؤلؤِ، قال : ثنا أبو
جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍٍ مثلَه .
حدَّثنى المُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا قبيصةُ ، عن سفيان ، عن أبيه ، عن
إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾. قال: الجنفُ الخطأَ، والإِثمُ
العمدُ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا فُضيلُ بنُ مرزوقٍ ، عن
عطيةَ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن تُوصٍ جَنَفًا﴾. قال: خطأً ، أو إثمًا: مُتعمّدًا .
/حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنٍ عُيَيْنَةَ، عن ١٢٨/٢
ابنِ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن قُوصٍ جَنَفًا﴾. قال: مَيْلًا.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ جَنَفًا﴾." قال:
ميلا١ً، والإِثمُ: ميلُه لبعضِهم على بعضٍ، وكلُّه يَصِيرُ إلى واحدٍ، كما يكونُ عفوًّا
غفورًا، وغفورًا رحيمًا .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ،
قال : قال ابنُ عباسٍ: الجنفُ الخطأُ، والإثمُ العمدُ(٣).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٢/١ عقب الأثر (١٦١٥، ١٦١٧) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حيفا)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر ١٧٥/١ إلى المصنف وابن أبى حاتم .

١٥٢
سورة البقرة : الآيتان ١٨٢، ١٨٣
حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : ثنا الفضلُ بنُ خالدٍ ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ
سليمانَ، عن الضحَّاكِ، قال: الجنفُ الخطأَ، والإثمُ العمدُ.
وأمَّا قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فإنه يعنى: واللّهُ غفورٌ للموصِى فيما [١٣٠/٤ و]
٥
كان حدَّث به نفسَه من الجنفِ والإثم، إذا ترَك أن يَجْنَفَ ويَأْثَمَ فى وصيَّتِه،
فتجاوز له عما كان حدَّثَ به نفسَه من الجوْرِ؛ إذْ(١) لم يُمْضِ ذلك فيَفْعَلَ، أنْ
يُؤَاخِذَه به، رحيمٌ بالمُصْلِحِ بينَ الموصِى وبينَ مَن أراد أن يَجْنَفَ (١) عليه لغيرِه أو
یأثم فيه له .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا
كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
(١٨٣)
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا باللّهِ ورسولِه، وصدَّقوا بهما وأقرّوا.
ويعنى بقولِه: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾: فُرِض عليكم الصيامُ .
والصيامُ مصدرٌ من قولِ القائلِ: صمتُ عن كذا وكذا - يعنى : كفَفْتُ
عنه - أصومُ عنه صومًا وصيامًا . ومعنى الصيام الكفُّ عما أَمَر اللّهُ بالكفّ عنه . ومن
ذلك قيل: صامت الخيلُ . إذا كفَّتْ عن السيرِ، ومنه قولُ نابغةٍ بنى ذُبيانَ(٤):
◌َخَيْلٌ صِيامٌ وَخَيْلٌ غيرُ صَائِمَةٍ تحتَ العَجاج(٥) وأخْرَى (٦) تَقُلُكُ اللُّجُمَا(٧)
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((الحسن)).
:
(٢) فى الأصل: ((إذا)).
(٣) فى م، ت ١: (( يحيف)).
(٤) ديوانه ص ١١٢.
(٥) العجاج: الغبار. اللسان (ع ج ج ).
(٦) فى الديوان: ((خيل)).
(٧) عَکت الدابةُ اللجامَ: لا کته وحر كته فى فيها . اللسان (ع ل ك).

١٥٣
سورة البقرة : الآية ١٨٣
ومنه قولُ اللّهِ: ﴿فَقُولِيِّ إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]. يعنى: صَمْتًا
عن الكلامِ .
وقولُه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فإنه يعنى به: فُرِض ذلك
عليكم مثلَ الذى فُرِض على الذين مِن قبلِكم .
ثم اختلفَ أهلُ التأويلِ فى الذين عنَى اللّهُ بقولِه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ﴾. وفى المعنى الذى وقَع فيه التشبيهُ بينَ فَرضٍ صومِنا وصومِ الذين مِن
قبلِنا؛ فقال بعضُهم: الذين أخبرَنا اللّهُ عن الصوم الذى فرَضه علينا أنه علينا مثلَ
الذى كان عليهم ، هم النصارَى. وقالوا: التشبيهُ الذى شُبّه من أجلِه أحدُهما
بصاحبِه هو اتفاقُهما فى الوقتِ والمقدارِ الذى هو لازمٌ لنا اليومَ فَرْضُه .
/ ذِكرُ مَن قال ذلك
١٢٩/٢
حُدِّثتُ عن يحيى بنِ زيادٍ ، عن محمدِ بنِ أبانٍ ، عن أبى أَميةَ الطَّنافِسيِّ، عن
الشَّعبىِّ أنه قال: لو صمْتُ السَّنَةَ كلَّها لأفطوْتُ اليومَ الذى يُشَكُّ فيه فيقالُ: مِن
شعبانَ . ويقالُ: من رمضانَ . وذلك أن النصارَى فُرِض عليهم شهرُ رمضانَ كما
قُرِض علينا فحوَّلوه إلى الفصلِ، وذلك أنهم كانوا رُبّما صامُوه فى القيظِ يعدُّون
ثلاثين يومًا، ثم جاء بعدَهم قرنٌ منهم فأخَذوا بالثّقةِ فى (١) أنفسِهم فصامُوا قبلَ
الثلاثينَ يومًا وبعدَها يومًا، ثم لم يزَلِ الآخِرُ يَسْتَنُّ سُنةَ القرنِ الذى قبلَه،
حتى [١٣٠/٤ ظ] صارتْ إلى خمسينَ، فذلك قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا
كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾(٢).
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((من)).
(٢) معانى القرآن للفراء ١ / ١١١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٦/١ إلى المصنف مختصرًا، ومحمد =

١٥٤
سورة البقرة : الآية ١٨٣
وقال آخرون : بل التشبيهُ إنما هو من أجلِ أنّ صومَهم كان من العشاءِ الآخِرةِ إلى
العشاءِ الآخِرةِ ، وذلك كان فرضَ اللّهِ على المؤمنين فى أوَّلِ ما افترضَ عليهم الصومَ .
ووافقَ قائلُو هذا القولِ القائلى القولِ الأولِ فى أن الذين عنَى اللّهُ بقولِه: ﴿كَمَا
كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. النصارَى.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾: أما
الذين مِن قَبلِنا: فالنصارَى، كُتِب عليهم رمضانُ، وكُتِب عليهم ألا يأكُلوا ولا
يشرَبوا بعدَ النومِ، ولا يَنكِحوا النساءَ شهرَ رمضانَ، فاشتدَّ على النصارَى صيامُ
رمضانَ ، وجعَل يُقَلَّبُ عليهم فى الشتاءِ والصيفِ ، فلمَّا رأوا ذلك اجتمعُوا فجعَلوا
صيامًا فى الفصلِ بينَ الشتاءِ والصيفِ، وقالوا : نَزِيدُ عشرينَ يومًا نُكفِّرُ بها ما
صنَعْنا . فجعَلوا صيامَهم خمسينَ يومًا ، فلم يَزَلِ المسلمونَ على ذلك يصنَعونَ كما
تصنعُ النصارَى، حتى كان من أمرٍ أبى قَيسٍ بنِ صِرمَةً وعمرَ بنِ الخطابِ ما كان ،
فأحلّ اللّهُ لهم الأكل والشربَ والجماعَ إلى طلوعِ الفجرِ().
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. قال: كُتِب
عليهم الصومُ مِن العتَمةِ إلى العتمَةِ(٢).
= ابن أبان القرشى ضعيف، وقد أخرج ابن أبى شيبة ٣/ ٧١، ٧٢ من طرق عن الشعبى كراهيته لصوم يوم
الشك .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٦/١ إلى المصنف .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٥/١ عقب الأثر (١٦٢٧) من طريق ابن أبى جعفر به.

١٥٥
سورة البقرة : الآية ١٨٣
وقال آخرون: الذين عنَى اللّهُ بقولِه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ﴾ : أهلَ الكتابِ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْضِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ﴾ : أهلُ الكتابِ(١) .
وقال بعضُهم: بل ذلك كان على الناسِ كلِّهم .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال : أخبرنا مَعمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْضِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ .
قال: كُتِب شهرُ رمضانَ على الناسِ كما / كُتِب على الذين من قبلهم. قال: وقد ١٣٠/٢
كتَب اللّهُ على الناسِ قبلَ أن يُنزِلَ رمضانَ صومَ ثلاثة أيامٍ من كلِّ شهرٍ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ : رمضانَ
كتَبه اللّهُ على مَن كان قبلَهم .
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال : معنى الآيةِ : [١٣١/٤ وا يا أيها الذين
آمنوا فُرِض عليكم الصيامُ كما فُرِض على الذين مِن قبلِكم مِن أهلِ الكتابِ أيَّامًا
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٦/١ إلى المصنف.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٩، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٧/١ بنحوه إلى عبد بن حميد.

١٥٦
سورة البقرة : الآية ١٨٣
معدوداتٍ ، وهى شهرُ رمضانَ كلُّه؛ لأنّ مَن بعدَ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه كان
مأمورًا باتباع إبراهيمَ، وذلك أن اللّهَ جلَّ ثناؤه كان جعَله للناسِ إمامًا ، وقد أخبرنا
اللّهُ أن دينَه كان الحَفيَّةَ المسلمةَ، وأُمِرَ نبينا محمدٌ عَّهِ (١ مِن أتِّبَاعِه١) بمثلِ الذى أُمِرَ
به مَنْ قبلَه مِن الأنبياءِ .
وأمَّا التشبيهُ فإِنما وقَع على الوقتِ، وذلك أنَّ مَنْ كان قَبْلَنا إنما كان فُرِض
عليهم صومُ شهرِ رمضانَ ، مثلَ الذى فُرِض علينا سواءً.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾ فإنه يعنى به: لِتَقُوا أكلَ الطعامِ وشربَ
الشراب وجِماعَ النساءِ فيه . يقولُ: فرَضتُ عليكم الصومَ والكفَّ عما تكونون
بتركِ الكَفِّ عنه مُفطرِين ؛ لتَّقُوا ما يُفْطِرُكُم فى وقتِ صومِكم .
وبمثلِ الذى قُلنا فى ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ .
ذِکرُ من قال ذلك
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عَمَرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: أما قولُه :
◌ْلَعَلَّكُمْ تَّقُونَ﴾. يقولُ: فتقونَ مِن الطعامِ والشّرابِ والنساءِ مثلَ ما اتقَوْا .
يعنى : مثلَ الذى اتقى النصارَى قَبلَكم(١).
:
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ .
يعنى تعالى ذكرُه : كُتِب عليكم أيها الذين آمنوا الصيامُ أيامًا معدوداتٍ.
ونصَب ﴿أَيَّامًا﴾ بمضمرٍ من الفعلِ، كأنه قيلَ: كُتِب عليكم الصيام كما
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٥/١ (١٦٢٩) من طريق عمرو بن حماد به.

١٥٧
سورة البقرة: الآيتان ١٨٣، ١٨٤
كُتب على الذين مِن قبلِكم، أن تصومُوا أيامًا معدوداتٍ. كما يقالُ: أعجبنى
الضربُ زیدًا .
وقولُه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ من صلةٍ(١) الصيامِ، كأنه
قيل : كُتِب عليكم الذى هو مثلُ الذى كُتِب على الذين مِن قبلِكم أن تصوموا أيامًا
معدوداتٍ .
ثم اختلف أهلُ التأويل فيما عتَى اللَّهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ؛
فقال بعضُهم: الأيامُ المعدوداتُ صومُ ثلاثة أيامٍ من كلِّ شهرٍ. قال: وكان ذلك
الذى فُرِض على الناسِ من الصيامِ قبلَ أن يُفرضَ عليهم شهرُ رمضانَ .
/ ذِكرُ من قال ذلك
١٣١/٢
حدَّثنى المثنى ، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن
عطاءٍ، قال: كان عليهم الصيامُ ثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ - ولم يُسَمَّ الشهرُ - أيامًا
معدوداتٍ. قال: وكان هذا صيامَ الناسِ قبلَ ذلك، ثم فرَض اللّهُ عزَّ وجلَّ على
الناسٍ شهرَ رمضانَ(٢) .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : حدثنی ابی ، قال : حدثنی عمی ، عن أبيه،
[١٣١/٤ظ] عن جدِّه، عن ابن عباس قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾: وكان ثلاثةَ أيام من
كلِّ شهرٍ ، ثم نُسِخ ذلك بالذى أنزلَ اللهُ من صيامِ رمضانَ ، فهذا الصومُ الأولُ من
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٣٠٥، ٣٠٦ (١٦٣٠) من طريق أبي حذيفة به، وأخرجه سعيد بن
منصور فى سننه (٢٦١ - تفسير)، والبخارى فى الكبير ١٦٨/٤ من طريق آخر عن عطاء مختصرًا.

-
١٥٨
سورة البقرة : الآية ١٨٤
العثَمَةِ (١).
(١)
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: حدثنا يونسُ (١) بنُ بُكيرٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ
عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ، عن عمرو بنِ مُرَّةً ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبی لیلَی ، عن معاذ بن جبلٍ ،
قال: إن رسولَ اللّهِ مََّلِ قَدِم المدينةَ فصام يومَ عاشوراءَ وثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ ، ثم
أَنزَل اللّهُ جلَّ وعزَّ فَرِضَ شهرِ رمضانَ، فَأَنزَل اللّهُ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ
ط (٣) ، (٤)
مِسْكِينٍ ))).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ، قال: قد كتَب اللّهُ تعالى ذكرُه على الناسِ قبلَ أن يُنزِلَ رمضانَ، صومَ ثلاثةٍ
أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ(٥).
وقال آخرون: بلِ الأيامُ الثلاثةُ التى كان رسولُ اللّهِ ◌َِّلّهِ يصومُها قبلَ أن يُفْرَضَ
شهرُ رمضانَ، كان تطوُّعًا صوْمُهُنَّ، وإنما عنَى اللّهُ جلَّ وعزَّ بقولِه: ﴿كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ - ﴿ أَيَامًا فَعُدُودَاتٍ ﴾
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٤/١ (١٦٢٣) عن محمد بن سعد به، دون قوله: فهذا الصوم الأول
من العتمة . .
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بشر)).
(٣) فى الأصل: ((مساكين)). وكذا فيما يأتى من مواضع، وهى قراءة نافع وابن عامر. ينظر السبعة لابن
مجاهد ص ١٧٦.
(٤) إسناده منقطع؛ ابن أبى ليلى لم يدرك معاذا. وأخرجه أحمد ٢٤٦/٥ (الميمنية)، وأبو داود (٥٠٧)،
وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٤/١ (١٦٢٢)، والحاكم ٢٧٤/٢، والبيهقى ٢٠٠/٤ من طريق عبد الرحمن
المسعودى به، مطولاً فى أحوال الصلاة والصيام، والحديث فى مسند الطيالسى (٥٦٧)، وينظر الإرواء
٢٠/٤، ٢١، وتقدم طرف منه فى ٢/ ٦٢١، وسيأتى فى ص ١٦١.
(٥) تقدم فى ص ١٥٥.

١٥٩
سورة البقرة : الآية ١٨٤
أيامَ شهرِ رمضانَ ، لا الأيامَ التى كان يصومُهنَّ قبلَ وجوبٍ فرضٍ صيامٍ شهرٍ
رمضانَ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةً، عن
عَمرِو بنِ مُرَّةَ، قال: حدثنا أصحابنا، أن رسولَ اللهِ عَ لَه لما قدِمَ عليهم، أمَرهم
بصيامٍ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ تطوُّعًا لا فريضةٌ، قال: ثم أُنْزِلَ صيامُ رمضانَ(١).
قال أبو موسى(٢): قولُه: قال عمرُو بنُ مُرَّةَ: حدثنا أصحابنا. يريدُ ابنَ أبى
ليلَى، كأنَّ ابنَ أبى ليلَى القائلُ: حدَّثنا أصحابنا .
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: حدثنا أبو داودَ ، قال: حدثنا شعبةُ ، قال: سمِعتُ
عمرَو بنَ مُرةَ ، قال : سمعتُ ابنَ أبى ليلَى. فذكر نحوه .
وقد ذكرنا قولَ من قال: عنَى بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ
عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ شهرَ رمضانَ .
وأوْلَى ذلك بالصوابِ عندِى قولُ من قال: عنَى اللّهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿أَيَّامًا
مَّعْدُودَاتٍ ﴾ أيامَ شهرٍ / رمضانَ، وذلك أنه لم يأتِ خبرٌ تقومُ به حجةٌ بأن صومًا ١٣٢/٢
فُرِض على أهلِ الإسلامِ غيرَ صومٍ شهرِ رمضانَ ، ثم نُسِخ بصومٍ شهرِ رمضانَ ، وبأن
اللّهَ تعالى قد بيَّنَ فى سياقِ الآيةِ أن الصيامَ الذى أوجَبه علينا ، هو صيامُ شهرِ رمضانَ
دونَ غيرِه [١٣٢/٤ و] من الأوقاتِ، بإبانتِه عن الأيام التى أخبرنا أنه كتَب علينا صوْمَها
بقولِه: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾. فمن ادّعى أن صومًا كان قد
(١) أخرجه أبو داود (٥٠٦)، وابن خزيمة (٣٨٣)، والبيهقى ٢٠١/٤ من طريق شعبة به .
(٢) هو محمد بن المثنى شيخ المصنف، كما سيأتى فى ص ١٦٢، وتقدمت ترجمته فى المقدمة.

١٦٠
سورة البقرة : الآية ١٨٤
لزِم المسلمينَ فَرَضُه غيرَ صومٍ شهرِ رمضانَ الذى هم على وجوبٍ فرضٍ صومِه
مُجْمِعون ، ثم نُسِخ ذلك - سُئِل البرهانَ على ذلك من خبرٍ تقومُ به حجةٌ ، إذْ كان
ذلك لا يُعْلَمُ إلا بخبرٍ يَقْطَعُ العذرَ.
وإذا كان الأمرُ فى ذلك على ما وصفْنا للذى بيَّنَّا ، فتأويلُ الآيةِ : كُتِب عليكم
أيها المؤمنون الصيامُ كما كُتِب على الذين من قبلكم ، لعلكم تتقونَ ، أيامًا
معدوداتٍ ، هن شهرُ رمضانَ .
وجائزٌ أيضا أن يكونَ معناهُ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ اُلْضِيَامُ ﴾ : كُتِب عليكم
شهرُ رمضانَ .
وأما ((المعدوداتُ)) فهى التى تُعدُّ مبالِغُها وساعاتُ أوقاتِها .
ويعنى بقوله ﴿مَّعْدُودَاتٍ﴾: مُحصَيَاتٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ
مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرُّ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ .
يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا﴾ ممن كُلِّف صومَه، أو(١)
كان صحيحًا غيرَ مريضٍ وكان على سفرٍ، ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ يقولُ:
فعليه صومُ عدَّةِ الأيامِ التى أفطرَها فى مرضِه أو فى سفرِه ﴿مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ ﴾ يعنى:
من أيامٍ أُخْرَ غيرِ أيامٍ مرضِه أو سفرِه "إن هو أفطر فى مرضِه أو سفرِه" .
والرفعُ فى قوله: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ نظيرُ الرفع فى قولِه: ﴿فَأَنْبَاعٌ
(١) فى الأصل: ((لو)).
(٢) فى الأصل: ((أو)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.