Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
سورة البقرة : الآيتان ١٦٩، ١٧٠
هذه الآيةِ أنّ قِيلَهُم : إن اللَّهَ حرَّم هذا. من الكذبِ الذى يأمرُهم به الشيطانُ ، وأنه
قد أُحلَّه لهم وطَئِيه ، ولم يحرِّمْ أكلَه عليهم، ولَكِنَّهم يقولونَ على اللَّهِ مالا يعلمونَ
حقيقتَه ، طاعةٌ منهم للشيطانِ ، واتباعًا منهم خُطواتِه، واقتفاءً منهم آثارَ أسلافِهم
الضُّلَّالِ ، وآبائِهم الجهّالِ، الذين كانوا باللّهِ وبما أنزل على رسلِه جُهّالاً، وعن الحقِّ
ومنهاجِه ضُلَّالًا، وانصرافًا(١) منهم عمّا أنزلَ اللَّهُ فى كتابِه/ على رسولِه ◌ِ له، ٧٨/٢
فقال جلّ ثناؤه: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَنَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اَللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْغَيْنَا عَلَيْهِ
ءَابَاءَنَا ﴾ .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اَللَهُ قَالُواْ
بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَنَأُ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَمْفِلُونَ شَيْئًا وَلَ
يَهْتَدُونَ
١٧٠
فى هذه الآيةِ وجهان من التأويل ؛ أحدُهما ، أن تكونَ الهاءُ والميمُ من قولِه :
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ عائدةً على ﴿مَن﴾ فى قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن
دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ﴾. فيكونُ معنى الكلام: ومن الناسِ مَن يتخذُّ من دونِ اللَّهِ أندادًا ،
وإذا قيلَ لهم: اتّبعوا ما أَنزَلَ اللَّهُ، قالوا: بلْ نتبعُ ما ألفينا عليه آباءَنا .
والآخرُ، أن تكونَ الهاءُ والميمُ اللتان فى قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ من ذكرٍ
((الناس)) الذين فى قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾. فيكونُ ذلك
انصرافًا من الخطابِ إلى الخبرِ عن الغائبِ، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿حََّ إِذَا كُنْتُمْ فِي
اُلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيجَ طَيِّبَةٍ ﴾ [يونس: ٢٢].
وأشبهُ عندِى وأوْلَى بالآيةِ أن تكونَ [١٠٤/٤ ظ] الهاءُ والميُ فِى ﴿لَهُ ﴾ من ذکرِ
(١) فى م: ((إسرافا)). وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إصدافا)).

٤٢
سورة البقرة : الآية ١٧٠
((الناس)) فى قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾، وأن يكونَ ذلك رجوعًا من الخطابِ
إلى الخبرِ عن الغائبٍ؛ لأَنَّ ذلك عَقيبَ قولِه: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا
فِ اَلْأَرْضِ﴾ فَلأنْ يكون خبرًا عنهم أوْلَى مِن أنْ يكونَ خبرًا عن الذين أخبَر عنهم
أنّ منهم مَن يَتخِذُّ من دونِ اللهِ أندادًا ، معَ ما بينَهما من الآياتِ وانقطاعٍ قَصَصِهم
بقصَّةٍ مُستأنَفةٍ غيرِها ، وإنما نزَلتْ فى قومٍ من اليهودِ قالوا ذلك إذ دُعوا إلى الإسلام.
حدثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن
محمدِ بنِ أبي محمدٍ ، عن عكرمةَ ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال :
دعَا رسولُ اللَّه ◌َّهِ اليهودَ من أهلِ الكتابِ إلى الإسلامِ ورغَّبهم فيه، وحذَّرَهم
عذابَ (٢) اللَّهِ ونِقمتَه، فقال له رافعُ بنُ خارجةَ ومالكُ بنُ عَوفٍ: بل نشَِّعُ ما وجَدْنا(6)
عليه آباءَنا، فهم(١) كانوا أعلمَ وخيرًا منَّا. فأَنزَل اللَّهُ " فى ذلك من قولِهما): ﴿ وَإِذَا
قِيلَ لَهُ أَشَّبِعُواْ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيَّنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَأُ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآ ؤُهُمْ لَا
يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (٢).
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال:
حدثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، قال : حدثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو
عكرمةُ ، عن ابنِ عباسٍ مِثْلَه، إلا أنه قال: فقال له أبو رافع بنُ خارجةَ وخالدُ بنُ عوفٍ .
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) سقط من: م.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عقاب)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ألفينا)).
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فإنهم)).
(٦ - ٦) فى م: ((من قولهم ذلك))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ذلك من قولهم)). والمثبت من الأصل
وكتب فى حاشيته: ((فى الأم: قولهم)). يعنى: بدلا من ((قولهما)).
(٧) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨١/١ (١٥١١) من طريق سلمة به.

٤٣
سورة البقرة : الآية ١٧٠
وأما تأويلُ قولِه: ﴿ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ ﴾ فإنه: اعمَلوا بما أنزل اللَّهُ فى كتابِه
على رسولِه، فأَحِلُّوا حلالَه وحرّمُوا حرامَه، واجعلوه لكم إمامًا تأتمّونَ به، وقائدًا
تشَّبعون أحكامَه .
وقولُه: ﴿أَلْفَنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَّأُ﴾ يعنى: وجَدْنا. كما قال الشاعرُ(١):
وَلَا ذَاكِرِ اللَّهَ إلَّ قِلِيلا
/فألْفَيْتُهُ غيرَ مُسْتَغْتِبٍ (١)
يعنى : وجدْتُه .
٧٩/٢
وكما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ قَالُواْ
بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَأُ﴾. أى: ما وجدنا عليه آباءَنا(٣).
حدثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ
. (٤)
مثلَه(٤) .
فمعنى الآية : وإذا قيلَ لهؤلاءِ الكفارِ: كُلُوا مما أحَلَّ اللَّهُ لكم ودَعُوا خطواتِ
الشيطانِ وطريقَه ، واعمَلُوا بما أنزل اللَّهُ عَلَى نبيِّه فى كتابِه، استكبّرُوا عن الإذعانِ
للحقِّ ، وقالوا: بل نأتُمُّ بآبائِنا ، فنتَّبُ ما وجدناهُم عليه من تحليلٍ ما كانوا يُحِلُّون ،
وتَحريم ما كانوا يحُرِّمون. قال اللَّهُ جلّ ثناؤه: ﴿أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ﴾ يعنى آباءَ
هؤلاءِ الكافرين الذين مضَوا على كفرِهم باللّهِ العظيمِ ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾
(١) هو أبو الأسود الدئلى، والبيت فى الكتاب ١/ ١٦٩، والأغانى ١٢/ ٣١٠، واللسان (ع ت ب)،
والخزانة ٢٨٤/١.
(٢) الاستعتاب: طلب العتبى، وهى الرضا. تقول: استعتبته فأعتبنى. أى: استرضيته فأرضانى. التاج
(ع ت ب).
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨١/١ عقب الأثر (١٥١٢) معلقًا .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨١/١ عقب الأثر (١٥١٢) من طريق ابن أبى جعفر به.

٤٤
سورة البقرة : الآيتان ١٧٠، ١٧١
من دينِ اللَّهِ وفرائضِه وأمرِه ونهيِهِ ، فيََّعوا على ما سلَكُوا من الطريقِ ويُؤْتَمُّ بهم فى
[١٠٥/٤ و] أفعالهم، ﴿ وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ لُشدٍ فیھتدِیَ بهم غیرُهم ، ويقتدِیَ بهم مَن
طلَبَ الدِّينَ، وأراد الحقَّ والصوابَ!
يقولُ جلّ ثناؤه لهؤلاء الكفارِ : فكيفَ أيها الناسُ تتبعون ما وجَدْتُم عليه آباءَ كم
فترُكونَ ما يأمرُ كم به ربُّكم ، وآباؤكم لا يعقِلون من أمرِ اللَّهِ شيئًا ، ولا هم مُصيبون
حقًّا ولا مُدرٍ كون رُشدًا، وإنما يتَّبِعُ المُتَّبِعُ ذا المعرفةِ بالشىءِ المستعملَ له فى نفْسِه ،
فأما الجاهلُ فلا يتّبعُه فيما هو به جاهلٌ إلّا مَن لا عقلَ له ولا تمييزَ.
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه : ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا
﴾ .
يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءُ وَنِدَاً.
اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك ؛ فقال بعضُهم : معنى ذلك : مثلُ الكافرِ فى
قلَّةٍ فَهمِه عن اللَّهِ ما يُتَلَى عليه من (١) كتابِهِ، وسوءِ قبولِه لما يُدعَى إليه من توحيدِ اللَّهِ ،
ويوعَظُ به - مثلُ البهيمةِ التى تسمعُ الصوتَ إذا نُعِقَ بها ولا تعقِلُ ما يقالُ لها .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا هنَّدُ بنُ الشَّرىِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةً
٨٠/٢ فى قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ / كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إلَّا دُعَاءُ
وَنِدَاءَّ﴾ قال: مثلُ البعيرِ أَو مثلُ الحمارِ تَدْعُوه فيسمَعُ الصوتَ ولا يفقَهُ ما
( (٢)
تقولُ(٢) .
(١) فى م: ((فى)).
(٢) أخرجه سفيان فى تفسيره ص ٥٥ عن خصيف، عن عكرمة، نحوه. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٦٧/١، ١٦٨ إلى وكيع.

٤٥
سورة البقرة : الآية ١٧١
حدثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ تَزِيعِ(١)، (٢ قال: ثنا يوسفُ بنُ خالدِ السَّمْتُ .
قال : ثنا نافعُ بنُ مالكِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا
يَسْمَعُ﴾ قال: هو مثلُ( ١) الشاةِ ونحوِ ذلك().
حدثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : حدثنی ابی ، قال : حدثنی عمی ، قال : حدثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا
يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءٍ وَنِدَاءٌ﴾ : كمثلِ البعيرِ والحمارِ والشاةِ ، إن قلتَ لبعضِها: كُلْ. لا
يعلَمُ ما تقولُ غيرَ أنه يسمَعُ صوتَك، كذلك الكافر إن أمْتَه بخيرٍ أو نهيتَه عن شرٌّ أو
وعَظْتَه لم يعقِلْ ما تقولُ، غيرَ أنه يسمَعُ صوتَك (٥).
حدثنى القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ،
قال : قال ابنُ عباس : مثلُ الدابةِ تُنادَى فتسمَعُ ولا تعقِلُ ما يُقالُ لها ، كذلك الكافر
يسمَعُ الصوتَ ولا يعقِلُ(٦).
حدثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ ، عن
مجاهدٍ: ﴿ كَمَثَلِ [١٠٥/٤ ظ] الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ قال: مَثَلُ الكافرِ مَثلُ البهيمةِ
تسمَعُ الصوتَ ولا تعقِلُ(٧).
حدثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
(١) فى م: ((زريع)). وينظر تهذيب الكمال ٤٥٣/٢٥.
(٢ - ٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى م: (( كمثل)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ص ٣٩ و (مخطوط) إلى المصنف.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٢/١ (١٥١٣) عن محمد بن سعد به .
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٧/١ إلى المصنف.
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٧/١ إلى عبد بن حميد.

٤٦
سورة البقرة : الآية ١٧١
مجاهدٍ: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ﴾: مَثلٌ ضرَبه اللَّهُ للكافرِ يسمَعُ ما يُقالُ له ولا يَعقِلُ،
كمَثلِ البهيمةِ تسمَعُ النَّعيقَ ولا تعِقِلُ .
حدثنا بشرُ بنُّ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَثَلُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءَ وَنِدَاءٌ﴾ (١) : مثلُ الكافرِ كمثل
البعيرِ والشاةِ ، تَسمَعُ الصوتَ(٢) ولا تدرِى(٢) ما عُنِى به.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءَ وَنِدَاءً ﴾ قال : هو مَثلٌ ضرَبِه
اللَّهُ للكافرِ، يقولُ : مَثلُ هذا الكافرِ مَثلُ هذه البهيمةِ التى تسمَعُ الصوتَ ولا تدرِى
ما يقالُ لها ، فكذلك الكافر (يُقال له و) لا يَنْتِفِعُ بما يُقالُ له(٥).
حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُّ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ،
قال : هو مثلُ الكافرِ يسمَعُ الصوتَ ولا يعقِلُ ما يقال له(٦) .
حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنا حجاجٌ، قال : قال ابنُ
مُجريجٍ : وسألتُ عطاءً، ثم قلتُ له : يُقالُ: لا تعقِلُ، يعنى البهيمةَ، إلّا أنها تسمَعُ
(١) حين يَنعِقُ بها، فهُم كذلك لا يعقِلون، وهم يسمعون ؟! فقال:
دعاءَ الرَّاعِى
كذلك. قال: وقال مجاهدٌ: ﴿الَّذِى يَنْعِقُ﴾ الراعِىِ، يَنْعِقُ(١) ﴿ِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ من
(١) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يقول)).
(٢) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: (( ولا يعقل)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يدرى).
(٤ - ٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٥.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٢/١ عقب الأثر (١٥١٣) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٧) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الداعى)).
(٨) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٤٧
سورة البقرة : الآية ١٧١
البهائمِ(١).
(١)
حدثنى محمدُ بنُ عَمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجيح، عن مجاهدٍ : ﴿ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ﴾: الراعِى: ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ البهائمُ .
حدثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا / لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءُ وَنِدَاًّ﴾: لا يعقِلُ ما يقالُ له، ٨١/٢
إلا أن تُدعَى فتأتىَ، أو ينادَى بها فتذهَبَ ، وأما ﴿ الَّذِى يَنْعِقُ﴾ فهو الراعِى الغنمَ ،
كما ينعِقُ الراعِىِ ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ ﴾ ما يُقالُ له، إلّا أن يُدعَى أو يُنادَى، فكذلك
محمدٌ عَظَاهِ يدعُو من لا يسمعُ إلّا حَويرَ(٢) الكلامِ، يقولُ اللَّهُ: ﴿صُ بَكْمُّ عُمْىٌ﴾(١).
ومَعْنَى قائِى هذا القولِ فى تأويلهم ما تأوَّلؤًا على ما حكيتُ عنهم: ومَثَلُ
وغْظِ الذين كفَروا وواعظِهم، كمثَلٍ نَعْقِ الناعِقِ بغنمِه ونَعيقِه به (٤) . فأُضيف المثَلُ
إلى الذين كفروا، وترَك ذكرَ الوعظِ والواعظِ ، لدلالةِ الكلام على ذلك، كما
يقالُ: إذا لقِيتَ فلانًا [١٠٦/٤و] فعظّمْه تعظيمَ السلطانِ. يرادُ به: كما تُعظِّمُ
السلطانَ . وكما قال الشاعرُ():
عَلَى زَيْدٍ بِتَسْلِيمِ الأُمِيرِ
فَلَسْتُ مُسَلِّمًا ما دُمْتُ حيًّا
يرادُ به : كما يُسلَّمُ على الأميرِ .
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٢/١ عقب الأثر (١٥١٣) معلقًا.
(٢) فى م: ((خرير)). وعند ابن أبى حاتم: ((جويز)).
والحوير: الجواب . يقال: كلمته فما رجَع إلىّ حوارًا وحويرًا، أى جوابا، والاسم من المحاورة الحوير،
تقول : سمعت حویرهما وحوارهما . التاج (ح ور).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٢/١ (١٥١٤) عن أبى زرعة، عن عمرو به .
(٤) فى م: (( بها)).
(٥) تقدم فى ص ١٨.

٤٨
سورة البقرة : الآية ١٧١
وقد يَحتمِلُ أن يكونَ المعنَى على هذا التأويلِ الذى تأؤَّله هؤلاءٍ: ومَثلُ الذين
كَفَرُوا فى قلّةٍ فَهمِهم عن اللَّهِ وعن رسولهِ كمَثلِ المنْعوقِ به من البهائم الذى لا يفقَّهُ
من الأمرِ والنَّهْىِ غيرَ الصوتِ ؛ وذلك أنه لو قيلَ له: اعْتلِفْ. أو: رِدِ الماءَ. لم يدرِ ما
يقالُ له غيرَ الصوتِ الذى يسمَعُه من قائلِه، فكذلك الكافرُ ، مَثلُه فى قلَّةٍ فَهمِه لما
يُؤمُ به ويُنھی عنه ، بسوء تدُّرِه إيّاه، وقلة نظره وفكره فيه ، مثلُ هذا المنعوقِ به فيما
أَمِرَ به ونُهِىَ عنه، فيكونُ المعنى للمنعوقِ به ، والكلامُ خارجٌ على الناعقِ، كما قال
نابغةُ بنى ذُبيانَ(١) :
على وَعِلٍ فِى ذِى الْمَطَارَةِ (١) عاقِلُ
(٣)
وَقَدْ خِفْتُ حتَّى ما تَزِيدُ مَخافَتِى
والمعنَى: حتى ما تَزِيدُ مخافةُ الوعِلِ على مخافتى. وكما قال الآخر(٤):
كانَتْ فَرِيضَةُ ما تَقُولُ كمَا كانَ الزَّناءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ
والمعنى: كما كان الرجمُ فريضةَ الزِّنا. فجعلَ الزِّنا فريضةَ الرجمِ لوضوحٍ
معنى الكلامِ عندَ سامعِيه(٥)، وكما قال الآخر(١):
إِنَّ سِرَاجًا لَكْرِيمٌ مَفْخَرُهْ
تَحْلَى به العَيْنُّ إِذا ما تَجْهَرُ:(٧)
والمعنى: يَحْلى بالعينِ. فجعلَه: تحْلَى به العينُ. ونظائرُ ذلك من كلامِ العربِ
(١) ديوانه ص ٦٨.
(٢) ذو المطارة: جبل. اللسان (ط ی ر).
(٣) وَعِل عاقل: إذا تحصن بوزره عن الصياد. تهذيب اللغة ١/ ٢٤١.
(٤) هو النابغة الجعدى، والبيت فى شرح ديوانه ص ٢٣٥.
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((سامعه)).
(٦) معانى القرآن للفراء ١/ ٩٩، وأمالى المرتضى ٢١٦/١.
(٧) جهّر الرجلَ: رآه بلا حجاب بينه وبينه، أو جهَره: نظر إليه. وما فى العين أحد تجهره عينى، أى تأخذه.
التاج (ج ھـ ر).

٤٩
سورة البقرة : الآية ١٧١
أكثرُ من أن تُحصى ، مما تُوَجَّهُه العربُ من خبرِ ما تخبِرُ عنه إلى ما صاحَبَه ؛ لظهورٍ
معنى ذلك عند سامعِيه (١) ، فتقولُ : اعرضِ الحوضَ على الناقةِ . وإنما تُعرَضُ الناقةُ
على الحوضِ، وما أشبه ذلك من كلامِها .
/ وقال آخرون: معنى ذلك: ومثلُ الذين كفَروا فى دعائهم آلهتهم وأوثانَهم ٨٢/٢
التى لا تسمَعُ ولا تعقِلُ، كمثلِ الذى يَنْعِقُ بما لا يسمَعُ إلا دعاءً ونداءً، وذلك
الصَّدَى الذى يُسمَعُ صوتُه، ولا يُفْهِمُ (" عن الناعقِ به٢) شيئًا .
فتأويلُ الكلامِ على قولٍ قائلِ ذلك: ومثَلُ الذين كفروا وآلهتهم فى دعائهم
إيّاها وهى لا تفقَهُ [١٠٦/٤ ظ] ولا تعقِلُ، كمَثلِ الناعقِ بما لا يَسْمَعُه الناعقُ إلا دعاءً
ونداءً. أى: لا يسمعُ منه الناعقُ إلا دعاءَه (٣ ونداءَه٣) .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمَثَلُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إلَّا دُعَاءَ وَنِدَاءًّ﴾ قال : الرجلُ الذى
يصيحُ فى جوفِ الجبالِ فيجيبُه فيها صوتٌ يراجعُه يقالُ له: الصَّدَى. فمثلُ آلهةٍ
هؤلاءٍ لهم، كمَثلِ الذى يُجيئُه بهذا الصّوتِ ولا ينفعُه؛ لا يسمعُ إلّ دعاءً ونداءً.
قال : والعربُ تسمّى ذلك الصَّدَى .
وقد تَحَتمِلُ الآيةُ على هذا التأويلِ وجهًا آخرَ غيرَ ذلك ، وهو أن يكونَ معناها :
ومَثلُ الذين كفروا فى دعائِهم آلهتهم التى لا تفقَهُ دعاءَهم، كمَثلِ الناعقِ بغنم له من
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((سامعه)).
(٢ - ٢) فى م: (( به عنه الناعق)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
( تفسير الطبرى ٤/٣ )

٥٠
سورة البقرة : الآية ١٧١
حيثُ لا تسمَعُ صوتَه غنمُه، فلا تَنتفعُ من نَعيقِهُ(١) بشىءٍ ، غيرَ أنه فى عَناءٍ من دعاءٍ
ونداءٍ ، فكذلك الكافر فى دعائِه آلهتَه ، إنما هو فى عَناءٍ من دُعائِه إيَّاها وندائِه لها ،
ولا تنفعُه شيئًا (٢) .
وأولى التأويلَين(٢) عندى بالآيةِ التأويلُ الأولُ الذى قاله ابنُ عباسٍ ومَنْ وافَقه
عليه ، وهو أن معنى الآية: ومَثلُ وَعْظِ الكافِرِ وَوَاعِظِهِ، كمثلِ الناعِقِ بغنمِه ونعیقِه ،
فإِنه يسمَعُ نعيقَه ولا يعقِلُ كلامَه. على ما قد بينًّا قبلُ .
فأما وجهُ جوازٍ حذفٍ الوعظِ اكتفاءً بالمثَلِ منه، فقد أتينا على البيانِ عنه فى
قولِه: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾ [البقرة: ١٧] وفى غيرِه من نظائرِه من
الآياتِ بما فيه الكفايةُ عن إعادَتِهِ . وإنما اخترنا هذا التأويلَ؛ لأن هذه الآيةَ نزلت فى
اليهودِ ، وإيّاهُم عَنَى اللَّهُ بها ، ولم تكنِ اليهودُ أهلَ أوثانٍ يَعبدونها ولا أهلَ أصنامٍ
يُعظُّمونَها، ويَرجونَ نَفْعَها أو دفعَ ضُرِّها ، فلا وجهَ، إذْ كان ذلكَ كذلكَ ، لتأويلِ
من تأوَّلَ ذلك أنه بمعنى : مَثَلُ الذين كفَروا فى ندائِهم الآلهةَ ودُعائِهم إيّاها .
فإن قال قائلٌ : وما دليلُك على أن المقصودَ بهذه الآيةِ اليهودُ ؟
قيل : دليلُنا على ذلك ما قبلَها من الآياتِ وما بعدَها، ( وأنهم" هم المعنيُّون
به، فكان ما بينَهما بأن يكونَ خبرًا عنهم أحقَّ وأَوْلَى من أن يكونَ خبرًا عن غيرِهم ،
حتى تأتىَ الأدلةُ واضحةٌ بانصرافِ الخبرِ عنهم إلى غيرِهم، هذا مع ما قد ذكرنا من
الأخبارِ عمَّن ذكَرناها عنه أنها فيهم نزَلتْ ، والروايةِ التى روَينا عن ابنِ عباسٍ أن الآيةَ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((نعقه)).
(٢) فى م: ((شىء)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((التأويل)).
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فإنهم)).

٥١
سورة البقرة : الآية ١٧١
التى قبلَ هذه الآيةِ نزَلتْ فيهم .
وبما قلنا من أن هذه الآيةَ معنىٌّ بها اليهودُ، كان عطاءٌ يقولُ .
حدثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : حدثنى حجاج ، عن ابنٍ نجريجٍ ، قال :
قال لى عطاءٌ فى هذه الآيةِ: هم اليهودُ الذين أنزَل اللَّهُ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَكْتُمُونَ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَمَنَا قَلِيلًا
: [١٠٧/٤ و] إلى قولِه :
﴿فَمَآ أَصَْرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾(١).
/ وأما قولُه: ﴿يَنْعِقُ﴾. فإنه: يُصوّتُ بالغنم، يُقالُ لتصويتِ الراعى ٨٣/٢
بالغنم": التَّعيقُ والتُّعَاقُ. ومنه قولُ الأخطلِ (٣) :
مَنَّتْكَ نفسُكَ فى الخلاءِ ضَلَالا
فانعِقْ بضَأْنِكَ ياجَرِيرُ فِأَّا
يعنى : صوّتْ به .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ صُّ بُكْمُ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
١٧١
يعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿صٌُ﴾: هؤلاءِ الكفارُ الذين مَثلُهم كمثَلِ الذى
يَنْعِقُ بما لا يسمَعُ إِلَّ دعاءً ونداءً صُمِّ عن الحقِّ فهم لا يسمَعونه ﴿بُكْمُّ ﴾ يعنى:
خُرْسٌ عن قيلِ الحقِّ والصوابِ ، والإقرارِ بما أمرَهم اللَّهُ أن يُقِرُّوا به ، وتَبيينِ ما أمرَهم
اللَّهُ تعالى ذكرُه أن يُبيِّنوه من أمرٍ محمدٍ عَِّ للناسِ، فلا ينطِقُون به ولا يقُولونه ولا
يبيِّنونه للناسِ، ﴿عُمْىٌ﴾ عن الهدَى وطريقِ الحقِّ لا يُصِرونه .
كما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿صُمّ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/١ إلى المصنف.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) شرح ديوانه ص ٣٩٢.

٥٢
سورة البقرة : الآيتان ١٧٢،١٧١
بُكْمُ عُمْىٌ ﴾. يقولُ: صمّ عن الحقِّ فلا يسمَعونَه ولا ينتفِعونَ به ولا يعقِلونَه، عُمىٌ
عن الحقِّ والهدَى فلا يبصِرُونه، بكمّ عن الحقِّ فلا ينطِقونَ به(١).
حدثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّئِّ: ﴿مُّ بُكْمُ عُمْىٌ﴾. يقولُ: عن الحقِّ.
حدثنی المثنی، قال: ثنا أبو صالح، قال : حدثنی معاویةُ، عن على بنِ أبی
طلحةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صُ بُكْمُ عُمْىٌ﴾. يقولُ: لا يَسمَعون الهدَى ولا
يُصِرونَه ولا يَعْقِلونَه(٢).
وأما الرفعُ فى قوله: ﴿صُّ بَكْمُّ عُنىٌ﴾. فإنه أتاه من قِبَلِ الابتداءِ
والاستئناف، يدُلُّ على ذلك قولُه: ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ كما يقالُ فى الكلامِ: هو
أصمُّ فلا يسمَعُ، وهو أبكمُ فلا يتكلَّمُ .
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيْبَتِ مَا
(١٧٢)
رَزَقْنَكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَاهُ تَعْبُدُونَ
يعنى بقوله جلّ ثناؤه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ
ورسوله، وأقَرُّوا للَّهِ بالعبودةٍ(١) ، وأذعَنوا له بالطاعةِ .
کما حدثنا المثنی، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا أبو زُهیرٍ، عن مجوَييرٍ، عن
الضحاكِ فى قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. يقولُ: صدَّقوا(4).
(١) تقدم فى ٣٤٨/١.
(٢) تقدم فى ١/ ٣٤٨.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((العبودية)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/١ إلى المصنف إلى قوله: وطيّيها لكم. على أنه من كلام الضحاك،
والصواب أنه من كلام المصنف .

٥٣
سورة البقرة : الآيتان ١٧٣،١٧٢
كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ يعنى: اطْعَموا من حلالِ الرزقِ الذى
أحلَلْناه لكُم ، فطابَ لكم بتحليلِى إِيَّاه لكم مما كنتم تُحرِّمونه أنتم ولم أكنْ حرَّمْتُه
عليكم ، من المطاعم والمشاربٍ، ﴿ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ﴾ يقولُ: وَأَثْنُوا على اللّهِ جلّ ثناؤه
بما هو (أهلٌ منكم)، على النِّعم التى رزَقكم، وطيّها لَكُمْ، /﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ ٨٤/٢
تَعْبُدُونَ﴾ يقولُ: إن كنتم منقادِين لأمرِه سامعين له مطيعين، فكلوا مما أباح لكم
أكلَه وحلَّله وطئِيه لكم، ودَعوا فى تحريمِه خطواتٍ [١٠٧/٤ظ] الشيطانِ .
وقد ذكرنا بعضَ ما كانوا فى جاهليتهم يحرِّمونه من المطاعم، وهو الذى
ندَبهم إلى أكلِه، ونهاهُم عن اعتقادِ تحريمِه، إذْ كان تحريمُهم إيَّه كان فى الجاهليةِ
طاعةً منهم للشيطانِ ، واتباعًا لأَهلِ الكفرِ منهم باللّهِ من الآباءِ والأسلافِ . ثم بيَّن
لهم جلّ ثناؤه ما حرَّم عليهم، وفضَّلهُ(١ لهم مفسّرًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ
اُلْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللهِ﴾.
يعنى جلّ ثناؤه بذلك: لا تحرّموا على أَنفُسِكم ما لم أحرِّمْه عليكم أيها
المؤمنون باللَّهِ وبرسوله من البحائرِ والسوائبٍ ونحو ذلك، بل کُلُوا ذلك ، فإنى لم
أُحرِّمْ عليكم غيرَ المَشْتَةِ والدمِ ولحم الخنزيرِ وما أُهِلَّ به لغيرِى.
ومعنى قوله: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾: ما حرَّم عليكم إلّ الميْنَةَ.
و﴿ إِنَّمَا﴾ حرفٌ واحدٌ، ولذلك نُصِبت ((الميتةُ والدمُ))، وغيرُ جائزٍ فى
((الميتةِ)) إذا جعَلتَ ((إنما)) حرفًا واحدًا إلا النصبُ، ولو كانت ((إنما))
(١ - ١) فى م، ت ١: ((أهله منكم)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فصل)).

٥٤
سورة البقرة : الآية ١٧٣
حرفين، ١ فكانت ((ما))١ منفصلةً من ((إنّ)) لكانت ((الميتةُ)) مرفوعةٌ وما بعدَها،
وكان تأويلُ الكلام حينئذٍ : إن الذى حرَّمِ اللَّهُ عليكم من المطاعم الميتةُ والدمُ ولحمُ
الخنزيرِ لا غيرُ ذلك .
وقد ذُكِر عن بعض القرّأةِ أنه قرَأ ذلك كذلك على هذا التأويل(١)، ولستُ
للقراءةِ به مُستجيزًا ، وإن كان له فى التأويلِ والعربيةِ وجةٌ مفهومٌ؛ لاتفاقِ الحجةِ من
القرأةِ على خلافِه ، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ الاعتراضُ عليهم فيما نقلوه مجمِعین علیه ، ولو
قُرِئٍ(٣) (حُرِّم)(٤) بضمٌّ الحاءِ من ﴿حَرَّمَ﴾ لكان فى ((الميتةِ)) وجهانٍ من الرفعِ؛
أحدُهما، من أن الفاعلَ غيرُ مسمَّى، و((إنما)) حرفٌ واحدٌ .
والآخَرُ: أَنّ ((إنّ)) و((ما)) فى معنى حرفيْن، و((حُرِّم)) من صلةِ ((ما))،
و ((الميتة)) خبرُ ((الذى)) مرفوعٌ على الخبرِ. ولستُ - وإن كان لذلك أيضًا وجة -
مُستجيزًا القراءةَ به ؛ لما ذكرتُ .
وأما ﴿ اٌلْمَيْتَةَ﴾، فإن القرأةَ مختلفةٌ فى قراءتها، فقرأها بعضُهم
بالتَّخفيفِ ) ، ومعناه فيها التشديدُ ، ولكنه يُخفِّفُها کما یخفِّفُ القائلون : هو هیْن
ليْن، الهيِّنُ الليّنُ. كما قال الشاعرُ(١):
ليسَ مَن مات فاسْتَراح بمَيْتٍ
إَّمَا الَيْثُ مَيِّتُ الأحياءِ
(١ - ١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وكانت)).
(٢) وهم أبو جعفر بن القعقاع - وهو من العشرة - وابن أبى عبلة وأبو عبد الرحمن السلمى. ينظر معجم
القراءات القرآنية ١٣٦/١.
(٣) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فى)).
(٤) وهى قراءة أبى جعفر كما فى البحر المحيط ٤٨٦/١ وهى قراءة شاذة .
(٥) هى قراءة أبى جعفر المدنى. ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٩٢.
(٦) البيت لعدى ابن الرعلاء الغسانى، وهو فى الأصمعيات ص ١٥٢، ومعجم الشعراء ص ٨٦.

٥٥
سورة البقرة : الآية ١٧٣
فجمَع بين اللُّغتين فى بيتٍ واحدٍ ، فى معنًى واحدٍ .
وقرَأها بعضُهم بالتشديدِ وحمَلوها على الأصلِ، وقالوا: إنما هو
((مَيْوِت))، ((فَيْعِل))، من الموتِ، ولكنَّ الياءَ الساكنةَ والواوَ المتحركةَ لِّ
اجتمعتَا، والياءُ مع سكونِها متقدّمةٌ ، / " قُلبتِ الواو ياءً و) شُدِّدَتْ، فصارَتَا ٨٥/٢
ياءً مشدَّدَةً، كما [١٠٨/٤و] فَعَلوا ذلك بـ ((سيِّد وجيِّد)). قالوا: ومَن خفَّفَها
فإنما طلَب الخِقَّةَ ، والقراءةُ بها على أصلِها الذى هو أصلُها أوْلَى .
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى أن التَّشديدَ والتَّخفيفَ فى ياءِ ((الميتة))
لغتان " وقراءتان١ معروفتان فى القراءةِ وفى كلامِ العربِ، فبأيّهما قرَأَ ذلكَ القارئُ
فمصيبٌ ؛ لأنّه لا اختلافَ فى مَعْنَيَيْهما .
وأما قولُه: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾. فإنه يعنى به: وما ذُبِح للآلهةِ
والأوثانِ، فسُمِّى عليه غيرُ اسمِه، أو قُصِد به غيرُه من الأصنامِ .
وإنما قيلَ: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ،﴾ لأنهم كانوا إذا أرادُوا ذبْحَ ما قرّبوه لآلهتهم،
سمَّوا اسمَ آلهتهم التى قرّبوا ذلك لها ، وجهَروا بذلكَ أصْواتهم، فجرَی ذلك من
أمرِهم على ذلك، حتى قيل لكلِّ ذابحٍ ذبحٍ(٢)، سَمَّى أو لم يُسمّ، جهَر بالتسميةِ أو
لم يَجهَرْ: مُهِلَّ. فرفْعُهم أصواتَهم بذلك هو الإهلالُ الذى ذكره اللَّهُ جلّ جلالُه
فقال: ﴿ وَمَآ أُهِلَ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ ومن ذلك قيلَ للمُلَبِّى فى حَجةٍ أو عمرةٍ :
مُهِلٌّ. لَرَفْعِه صوتَه بالتلبيةِ . ومنه استهلالُ الصَّبِىِّ، إذا صاحَ عند سقوطه من بطنٍ
أمِّهِ ، واستهلالُ المطرِ، وهو صوتُ وقوعِه على الأرضِ، كما قال عَمرُو بنُ
(١ - ١) فى الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قبل الواو)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) لیست فی: م، ت ١، ت ٢.

٥٦
سورة البقرة : الآية ١٧٣
.(١)
قَمِيئةَ(١) :
فَصَفا النِّطافُ له بُعَيْدَ المُفْلَعِ
ظَلَّم البِطاعَ له انْهِلالُ حَرِيصَةٍ
واختلف أهلُ التأويلِ فى ذلك ؛ فقال بعضُهم: يعنى بقولِه: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ،
لِغَيْرِ اللَّهِ﴾: وما ذُبح لغيرِ اللَّهِ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَآ أُهِلَّ
بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾: ما ذُبح لغيرِ اللَّهِ .
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاق، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللّهِ ﴾. قال: ما ذُبح لغيرِ اللَّهِ مما لم يُسمَّ
(٢)
عليه (٢) .
حدثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال : ثنا شبلٌ، عن ابن أبى نجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾: ما ذُبح لغيرِ اللَّهِ(٣).
حدثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: حدثنى حجاج ، قال : قال ابنُ جُريج :
قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾. قال: ذُبح(٤).
حدثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ :
(١) تقدم هذا البيت فى ٥٥٩/١ وأن صواب نسبته إلى الحادرة .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٦٥/١.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٣/١ (١٥١٩) من طريق أبي حذيفة به.
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( ما أهل به للطواغيت)).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/١ إلى ابن المنذر.

٥٧
سورة البقرة : الآية ١٧٣
﴿وَمَّا أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللهِ﴾. قال: ما أُهِلَّ به للطواغيتِ(١).
حدثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : حدثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللهِ﴾. يعنى: ما أُهِلَّ للطواغيتِ كُلِّها(٢).
يعنى : ما ذُبحَ لغيرِ اللَّهِ من أهلِ الكفرِ غيرَ اليهودِ والنصارَى .
٨٦/٢
/حدثنا ابنُ حميدٍ، [١٠٨/٤ ظ] قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَمَآ
أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ قال: هو ما ذُبح لغيرِ اللَّهِ .
وقال آخرون : معنى ذلك : ما ذُكِرَ عليه غيرُ اسمِ اللهِ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنى المثنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُّ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
الربيع قولَه: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ما ذُكر عليه غيرُ اسم اللَّهِ(١).
حدثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ - وسألتُه عن قولٍ
اللَّهِ: ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ - قال: ما يُذْبَحُ لآلهتهم، الأنصابُ التى
يعبدونها، و(4) يُسُّون أسماءَها عليها. قال: يقولون: باسم فلانٍ. كما تقولُ أنت:
باسم اللهِ. قال: فذلك ما أُهِلَّ به لغيرِ اللَّهِ .
حدثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنا حَيْوَةُ ، عن عُقبةَ بنِ مُسلمٍ
التُّجِيبىِّ وقيسٍ بنِ رافع الأشْجعيّ، أنهما قالا: أَحِلَّ لنا ما ذُبحَ لعيدِ الكنائسِ ، ومَا
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٣/١ عقب الأثر (١٥١٩) معلقًا .
(٢) أخرجه البيهقى ٢٤٩/٩ من طريق عبد اللَّه بن صالح به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٣/١ عقب الأثر (١٥١٨) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٤) فى م: ((أو)).

٥٨
سورة البقرة : الآية ١٧٣
أُهدِىَ لها مِن خبزٍ أَو لحم ، فإنما هو طعامُ أهلِ الكتابِ . قال حَيوةُ : فقلتُ : أرأيتَ
قولَ اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾. قال: إنما ذلك المجوسُ وأهلُ
الأوثان والمشركون .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ فَمَنِ أَضْطَرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾
يعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَمَنِ اُضْطُرَّ ﴾ : فمن حلّتْ به ضرورةُ مجاعةٍ إلى ما
حرَّمتُ عليكم ، من الميْتَةِ والدم ولحم الخنزيرِ وما أُهِلَّ به لغيرِ اللَّهِ، وهو بالصّفةِ التى
وصَفْنا، فلا إثمَ عليه فى أكْلِه إن أكَلَه .
وقولُه: ﴿أَضْطُرَّ ﴾ : افتُعِل، من الضرورةِ.
و: ﴿غَيْرَ بَاغِ﴾ نَصْبٌ على الحالِ مِن ((مَن))، كأنه قيلَ: فمنِ اضْطُرَّ لا
باغيًا ولا عاديًا فأكَّلَه، فهو له حلالٌ .
وقد قيل : إن معنى قوله: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: فمن أُكرِهِ على أكْلِه فأكَله ، فلا
إِثْمَ عليه .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرِىُّ، قال : ثنا
إسرائيلُ، عن سالم الأفطسِ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا
عَادٍ ﴾. قال: الرجلُ يأخذُه العدوُّ فيدْعُونَه إلى معصيةِ اللَّهِ.
وأما قولُه: ﴿غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ ﴾. فإن أهلَ التأويل فى [١٠٩/٤ و] تأويله
مختلفون؛ فقال بعضُهم: يعنى بقولِه: ﴿غَيْرَ بَاعٍ﴾: غيرَ خارجٍ على الأُمّةِ (١)
(١) فى م: ((الأئمة)).

٥٩
سورة البقرة : الآية ١٧٣
بسيفِه، باغيًا عليهم بغيرِ حَقٌّ ، ولا عاديًا عليهم بحربٍ " ظُلمًا وعُدْوانًا٢)،
فمُفْسدٌ عليهم السبيلَ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا ابنُ إدريسَ ، قال: سمِعتُ ليثًا، عن مجاهدٍ :
﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغْ وَلَا عَادٍ ﴾ قال : غيرَ قاطعِ سبيلٍ ، ولا مفارقٍ جماعةٍ ، ولا
خارج فى معصيةِ اللَّهِ، فله الرخصةُ(٣) .
حدثنى المثنَّى ، قال : حدثنا أبو حذيفةً ، قال : حدثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ،
عن مجاهدٍ: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ / غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ ﴾ يقولُ: لا قاطعًا للسبيل، ولا ٨٧/٢
مفارِقًا للأئمةِ ، ولا خارجًا فى معصيةِ اللَّهِ ، فله الرخصةُ ، ومَن خرَج باغيًا أو عاديًا،
أو(٤) فى معصيةِ اللَّهِ ، فلا رخصةَ له وإنِ اضطُرَّ إليه (٥).
حدثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالم، عن سعيدٍ: ﴿غَيْرَ بَاغِ
وَلَا عَادٍ ﴾. قال: هو الذى يقطعُ الطريقَ ، فليس له رخصةٌ إذا جاعَ أن يَأْكُلَ المِينَةَ،
وإذا عَطِشَ أن يشرَبَ الخمرَ(١).
حدثنى المثنَّى ، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن شَرِيكِ ،
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( جور)).
(٢ - ٢) فى م: ((وعدوان))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وعدوانا)).
(٣) أخرجه محمد بن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (١٠٧٦، ١٠٧٧) من طريق ليث بن أبى سليم به .
(٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٣/١ (١٥٢٣) من طريق أبي حذيفة به .
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤/١ (١٥٢٤) من طريق شريك به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٦٨/١ إلى أبى الشيخ .

٦٠
سورة البقرة : الآية ١٧٣
عن سالم، عن سعيدٍ فى قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. قال : الباغِى
العادِى الذى يقطَعُ الطريقَ، فلا رخصةً له ولا كرامةً.
حدثنى المثنى، قال : ثنا الحِمَّانىُ، قال: ثنا شَرِيكُ، عن سالم، عن سعيدٍ :
﴿ فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ﴾ قال : إذا خرَج فى سبيلٍ من سُبلِ اللَّهِ فاضْطُؤْ
إلى (١) الخمرِ شَرِب، وإذا اضْطُرَّ إلى الميتةِ أُكَل، وإذا خرّج يقطَعُ الطريقَ فلا رخصةً له .
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حفصُ بنُ غياثٍ، عن
الحجّاجِ، عن القاسم بن أبي بَزَّةً، عن مجاهدٍ، قال: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: على الأئمةِ ،
﴿ وَلَا عَادٍ﴾ قاطعُ السبيلِ" .
حدثنا هنَّدٌ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةً، عن ورقاءَ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن
مجاهدٍ : ﴿فَمَنِ أُضْطُرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ ﴾ قال : غيرَ قاطعِ السبيلَ ، ولا مفارقٍ
الأئمةَ، ولا خارجٍ فى معصيةِ اللّهِ ، فله الرخصةُ(٣).
حدثنا هنادٌ ، قال : ثنا أبو معاويةً، عن الحجّاجِ، عن الحكم، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ
أُخْطُرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غيرَ باغٍ على الأئمةِ، ولا عادٍ على ابنِ السبيلِ .
وقال آخرون: بل تأويلُ قولِه: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: غيرَ باغ الحرامَ فى
أکله ، ولا مُعتد الذی ابیح له منه .
(١) بعده فى م: ((شرب)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٣/١، ٢٨٤ (١٥٢٢، ١٥٢٨) من طريق الحجاج به.
(٣) أخرجه آدم بن أبى إياس - كما فى الدر المنثور ١٦٨/١ - عن ورقاء به. وهو فى تفسير مجاهد ص
٢١٨، ٢١٩ - ومن طريقه البيهقى ١٥٦/٣ - دون قوله: فله رخصة. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه
(٢٤٣ - تفسير)، ومن طريقه البيهقى فى المعرفة (١٦٢٠) - عن سفيان بن عيينة عن ابن أبى نجيح به ، وعزاه
السيوطى إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.