Indexed OCR Text

Pages 1-20

7
تفسِيُ الطَّيَرِىّ
جَامِعُ الْبَيَّانِّ عَنْ تَأْوِيلِ آَىَ الْقُرآنِ
لِأَبِ جَعَفَر محمّد بن جَرَيْرِ الطَّبَرَىّ
(٢٢٤هـ - ٣١٠ هـ)
تحقيق
الدكتور/عبداللّه بن عبد الحسن التركى
بالتعاون مع
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الدكتور/ عبد السنة حسن عامة
اسجزء الثالث
هجر
للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان

:
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية
بدار هجر
الدكتور عبد السند حسن يمامة
مكتب : ٤ ش ترعة الزمر - المهندسين - جيزة
ت : ٣٢٥١٠٢٧
مطبعة : ٣٢٥٢٥٧٩ - فاكس : ٣٢٥١٧٥٦

٧٥
تَفْسِيُالطّرِىّ
جَامِعُ الْبَنِ عَنْ تَأْوِيلِ آَ القُرآنِ

٥
سورة البقرة : الآية ١٦٤
-
القولُ فى المعنَى الذى مِن أجلِه أنزلَ اللَّهُ عَلَى نبيّه ◌ِِّ قولَه: ﴿ إِنَّ فِ خَلْقِ
اُنْشَمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَّخْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ
اَلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌َّاءٍ فَأَخْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتَهَا وَبَثَ فِيهَا مِن
كُلّ دَآبَةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ اَلْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ
يَعْقِنُونَ
١٦٤١
اخْتَلَف أهلُ التأويل فى السببِ الذى مِن أجلِه أَنْزَل اللَّهُ تعالى ذِكرُه هذه الآيةَ
على نبيِّه ◌َ لَّه؛ فقال بعضُهم: أنزلها جلَّ ثناؤه عليه احتجاجًا له على أهلِ الشركِ به
مِن عَبَدَةِ الأوثانِ، وذلك أنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه لما أَنْزَل على نبيّه محمدٍ عَ ل:
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَسٌِ لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. فتلا ذلك على الصَّحابةِ،
وسَمِع به المشركون مِن عبدةِ الأوثانِ، قال المشركون : وما الحجةُ والبرهانُ على أنَّ ذلك
كذلك، ونحن نُشْكِرُ ذلك، ونَزِعُمْ أَنَّ لنا آلهةً كثيرةٌ؟ فأنزلَ اللَّهُ عند ذلك: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ
السَمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ احتجاجًا لنبيِّه عَ لِّ على الذين قالوا ما ذكرنا عنهم.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا أبو حذيفةَ ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيح، أنَّ عطاءً
قال: نَزَل على النبيِّ عَ لَه [٩٥/٤و] بالمدينةِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ
الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ فقال كفار قريشِ بمكةً: كيف يَسَعُ الناسَ إلهٌ واحدٌ ؟ فَأَنْزَل اللَّهُ
تعالى ذكره: ﴿ إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ إلى

٦
سورة البقرة : الآية ١٦٤
قولِه: ﴿لَأَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فبهذا تعلمون(١) أنه إلهٌ واحدٌ، وأنه إلهُ كلِّ شىءٍ،
وخالقُ كلِّ شيءٍ () .
وقال آخرون: بل أُنْزِلت هذه الآيةُ على النبيِّ ◌َّهِ مِن أجل أنَّ أهلَ الشركِ سألوا
رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِآيَةٌ (٣) ، فَأَنْزَل اللَّهُ هذه الآيةَ، يُعْلِمُهم فيها أنَّ لهم فى خلقِ السماواتِ
والأرضِ وسائرٍ ما ذُكِر مع ذلك - آيةً بينةً على وحدانيةِ اللَّهِ ، وأنه لا شريكَ له فى مُلكِه
لمن عَقَل وتَدَبَّرِ ذلكَ بفهمٍ صحيحٍ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
٦٢/٢
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبى الضُّحَى ،
قال: لما نَزَلتْ: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحٌِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ قال
المشركون: إنْ كان هذا هكذا فليَأْتِنا بآيةٍ . فأَنْزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ
اُلسَمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية(٤).
حدَّثنى المثنى ، قال : حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاج، قال : حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ ،
عن أبيه، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ مسروقٍ ، عن أبى الضُّحى ، قال: لما نَزَلتْ هذه
(١) فى م: ((يعلمون)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٢/١ (١٤٦٢)، وأبو الشيخ فى العظمة (١١٨)، والواحدى فى
أسباب النزول ص ٣١، ٣٢ من طريق أبي حذيفة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٤/١ إلى ابن المنذر.
(٣) سقط من: م، ت ١، ت ٣.
(٤) تفسير سفيان ص ٥٤. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٣/١ إلى وكيع.
وبعده فى م، ت ١، ت ٢: ((حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ الحجاج، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن
أبيه، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ مسروقٍ، عن أبى الضُّحَى، قال: لما نَزَلَتْ: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَحِدٌ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ
الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليَأْتنا بآيةٍ. فَأَنْزَّل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ فِى
خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية)) .

٧
سورة البقرة : الآية ١٦٤
الآيةُ جَعَل المشركون يَعْجَبون ويقُولون: يقولُ: إِلهُكم إلهٌ واحدٌ! فليَأْتِنا(١) بآيةٍ إن
كنتَ مِن الصادقين. فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ اَلَيْلِ
.(٢)
وَالنَّهَارِ ﴾ الآية(٢).
حدَّثنى القاسمُ، قال: حدَّثنى الحسينُ ، قال: حدَّثنى حجاجٌ ، عن ابنِ جُريجٍ ،
عن عطاءِ بنِ أبى رَباحِ، أَنَّ المشركين قالوا للنبيِّ عَ لَه: أرِنا آيَةً. فتَزَلتْ هذه الآيةُ:
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال : ثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ ، قال :
سألتْ قريشٌ اليهودَ ، فقالوا: حَدِّثونا عما جاءَ كم به موسى مِن الآياتِ . فحَدَّثوهم
بالعصا وبيدِه بَيْضاءً للناظرين، وسألوا النصارى عما جاءَهم به عيسى مِن الآياتِ ،
فَأَخْبَروهم أنه كان يُرِئُّ الأَكْمَهَ والأبرصَ ويُحيى الموتى بإذنِ اللَّهِ ، فقالتْ قريشٌ
عندَ ذلك للنبيِّ عِلَّهِ: ادعُ اللَّهَ أن يَجْعَلَ لنا الصَّفا ذهبًا فَتَزْدادَ يقينًا، ونَتَقَوَّى به على
عدوّنا. فسأل النبىُّ عَّه ربَّه، فَأَوْحَى إليه: إنّى مُعْطيهم، ( أن أجْعَلَ" لهم الصَّفا
ذهبًا، ولكن إن كذَّبوا بَعْدُ(٤) ، عَذَّبْتُهم عذابًا لم أُعَذِّبْه أحدًا مِن العالمين . فقال النبيُّ
عَ لَه: ((ذَرْنِى وَقَوْمى فَأَدْعُوَهُمْ يَوْمًا بِيَوْمِ)). فَأَنْزَل اللَّهُ عليه: ﴿ إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَاُلْأَرْضِ ﴾ الآية . إنَّ فى ذلك لآيَةً لهم ، إن كانوا إنما يريدون أن أُجْعَلَ لهم الصَّفا
(١) فى م، ت ١: ((فلتأتنا)).
(٢) أخرجه آدم بن أبى إياس فى تفسيره - كما فى الدر المنثور ١٦٣/١ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره
٢٧٢/١ (١٤٦١)، والبيهقى فى الشعب (١٠٤)، وفى الاعتقاد ص ٣٢ - عن أبى جعفر به.
وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٣٩ - تفسير)، وأبو الشيخ فى العظمة (٣١)، والواحدى فى أسباب
النزول ص ٣٢ من طريق أبى الأحوص عن سعيد بن مسروق به .
(٣ - ٣) فى م: ((فاجعل)).
(٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٨
سورة البقرة : الآية ١٦٤
[٩٥/٤ظ] ذهبًا ليَزْدادوا يقينًا، فخَلْقُ(١) السماواتِ والأرضِ، واختلافُ الليلِ
والنهارِ، أعظمُ مِن أن أجعلَ لهم الصَّفا ذهبًا (١).
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿ إِنَّ فِىِ خَلْقِ
السَمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ فقال المشركون للنبىِّ عَ لَّه: غَيِّوْ لنا
الصَّفا ذهبًا إِن كنتَ صادقًا، ("آيَةً منك٣). فقال اللَّهُ: إنَّ فى هذا) لآياتٍ لقومٍ
يَعْقِلون . وقال: قد سأل الآياتِ قومٌ مِن قَبْلِكم ، ثم أَصْبَحوا بها كافرين.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن اللَّه تعالى ذِكرُه نَّه عبادَه على الدَّلالةِ على
وحدانيته وتَفْرُّدِهِ بالألوهةِ ، دونَ كلِّ ما سواه مِن الأشياءِ، بهذه الآيةِ . وجائزٌ أن
تكونَ نزَلَتْ فيما قاله عطاءٌ، وجائزٌ أنْ تكونَ نَزَلتْ فيما قاله سعيدُ بنُ جبيرٍ وأبو
الضُّحَى ، ولا خبرَ عندَنا بتصحيح قولِ أحدِ الفريقين يَقْطَعُ العذرَ، فيجوز أن يَقضىَ
أحدٌ لأحدِ الفريقين بصحةٍ قولِه على الآخَرَين ، وأىِّ القولَيْنْ كان صحيحًا ، فالمرادُ
مِن الآيةِ ما قلنا .
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضِ
٦٣/٢
يعنى تعالى جل ثناؤه: ﴿ إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: إن فى إنشاءِ اللَّهِ
السماواتِ والأرضَ وابتدَاعِهما. ومعنى خَلْقِ اللَّهِ الأشياءَ: ابتداعُه وإيجادُه إِيَّاها
بعدَ أن لم تكن موجودةٌ .
(١) بعده فى م: ((الله)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٣/١ إلى المصنف وعبد بن حميد. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/
٢٧٣ (١٤٦٥) من طريق يعقوب ، عن جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس. وأخرجه ابن مردويه - كما فى
تفسير ابن كثير ٢٩٠/١ - من طريق جعفر به مثله .
(٣ - ٣) فى م، ت ١: ((أنه منه))، وفى ت ٢: ((أنه منك)).
(٤) فى م: ((هذه الآيات)).

٩
سورة البقرة : الآية ١٦٤
وقد دَلّلْنا فيما مضى على المعنى الذى مِن أَجلِه قيلَ : الأرض. ولم تُجْمَع كما
جُمِعَتِ السماواتُ ، فَأَغْنَى ذلك عن إعادَتِهُ(١) .
فإن قال لنا قائلٌ: وهل للسماواتِ والأرضِ خَلْقٌ هو غيرُها، فيقالَ: ﴿ إِنَّ فِى
خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؟!
قيل : قد اخْتُلِف فى ذلكَ ؛ فقال بعضُ الناسِ : لها خَلقٌ هو غيرُها . واعْتَلُّوا فى
ذلك بهذه الآيةِ، وبالتى فى سورةِ ((الكهفِ)): ﴿مََّ أَشْهَدَتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾ [ الكهف: ٥١]. وقالوا: لم يَخْلُقِ اللَّهُ شيئًا إِلَّا واللَّهُ له
مريدٌ . قالوا: فالأشياءُ كانت بإرادةِ اللَّهِ، والإرادةُ خَلْقٌ لها .
وقال آخرون: خَلْقُ الشىءِ صفةٌ لهُ، لَا هِى [٥٩٦/٤] هُو، ولا هى" غيرُه.
وقالوا: لو كان غيرَه لَوَجَب أَن يكونَ مِثْلُه موصوفًا. قالوا: ولو جازَ أن يكونَ خَلْقُه
غيرَه وأن يكونَ موصوفًا لوَجَب أن تكونَ له صفةٌ هى له خَلْقٌ، ولو وَجَب ذلك
كذلكَ، لم يكنْ لذلك نهايةٌ . قالوا: فكان معلومًا بذلك أنه صفةٌ للشىءٍ. قالوا :
فَخَلْقُ السماواتِ والأرضِ صفةٌ لهما، على ما وَصَفْنا . واعْتَلُّوا أيضًا بأن للشىءٍ خلقًا
ليس هو به ، مِن كتابِ اللهِ بنَحْوِ الذى اعْتَلَّ به الأَوَّلون .
وقال آخرون : خَلْقُ السماواتِ والأرضِ ، وخلقُ كلِّ مخلوقٍ ، هو ذلك الشىءُ
بعينِه لا غيرُه . فمعنى قوله: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾: إنَّ فى السماواتِ
والأرضِ .
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤُه : ﴿ وَأَخْتِلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ
(١) ينظر ما تقدم فى ٤٥٩/١ وما بعدها .
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢.

١٠
سورة البقرة : الآية ١٦٤
يعنى جل ثناؤُه بقوله: ﴿ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾: وتَعاقُبِ الليلِ والنهارِ
عليكم أيها الناسُ، وأَما الاختلافُ فى هذا الموضِع الافْتِعالُ، مِن خُلُوفٍ كلِّ واحدٍ
منهما الآخرَ، كما قال عز ذكرُه: ﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَادَ
أَنْ يَذَكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ [ الفرقان: ٦٣] بمعنى أنَّ كلّ واحدٍ منهما يَخْلُفُ مكانَ
صاحبِه، إذا ذهبَ الليلُ جاء النهارُ بعدَه، وإذا ذهبَ النهارُ جاء الليلُ خِلافَه(١).
ومِن ذلك قيل: خَلَف فلانٌ فلانًا فى أهلِه بسوءٍ. ومنه قولُ زُهيرٍ(٢) :
وَأَطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَم (٢)
بها العِينُ والآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةٌ
وأما (( الليلُ)) فإنه جمعُ لَيْلَةٍ، نظيرُ التَّمْرِ الذى هو جمعُ ثَمْرَةٍ، وقد تُجمَعُ
(( ليالٍ ))، فَيَزِيدون فى جمعِها ما لم يكنْ فى واحِدَتِها ، وزيادتُهم الياءَ فى ذلك نظيرُ
زيادَتِهِم إِيَّها فى رَباعِيَّةٍ وَثَمانِيَةٍ وكَراهِيَةٍ .
وأما ((النهارُ)) فإنه لا تكادُ العربُ تَجْمَعُه؛ لأنه بمنزلةِ الضَّوْءِ، وقد سُمِع فى
جمعِه ((النُّهُر))، قال الشاعرُ(٤) :
/ لَوْلا التَّرِيدانِ هَلَكْنا بالضُّمُرْ ثَرِيدُ لَيْلِ وَثَرِيدٌ بِالنُّهُرْ
٦٤/٢
ولو قِيل فى جمعِ قليلِه : أنْهِرَةٌ . كان قياسًا .
(١) فى م، ت ١، ت ٣: ((خلفه)). وهما بمعنّى.
(٢) شرح ديوانه ص ٥.
(٣) العين : البقر، الواحدة عَيْناء، والذكر أَعْتين، وسميت عينا لسعة أعينها. والآرام : الظباء البيض الخوالص
البياض. خلفة: يعنى إذا مضى فوج جاء آخر. أطلاؤها : جمع طلا وهو ولد البقرة وولد الظبية الصغير.
وينهضن من كل مجثم: أراد أنهن يتمن أولادهن إذا أرضعنهن ثم يرعين، فإذا ظنن أن أولادهن أنفدن ما فى
أجوافهن من اللبن صَوَّتن بأولادهن فينهضن ليشرين. المجثم من بجثّم: إذا لزم مكانه فلم يبرح أو لصِق
بالأرض . ينظر شرح ديوان زهير ص ٦، ٧.
(٤) البيت فى: الأزمنة والأمكنة ص ٧٧، والمخصص ٩/ ٥١، واللسان (ن هـ ر).

١١
سورة البقرة : الآية ١٦٤
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَّخْرِى فِىِ الْبَحْرِ بِمَا يَنَفَعُ
النَّاسَ
يعنى جل ثناؤُه: وإنَّ فى الفُلكِ التى تجرى فى البحرِ. والفُلكُ هو السُّفنُ،
واحدُه وجمعُه بلفظٍ [٩٦/٤ظ] واحدٍ ، ويُذكَّرُ ويُؤَنَّثُ، كما قال جلَّ ثناؤه فى
تذكيرِه فى آيةٍ أُخرى: ﴿ وَءَايَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾
[ يس: ٤١] فَذَكَّرَه، وقد قال فى هذه الآيةِ: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِى تَخْرِى فِىِ الْبَحْرِ ﴾ .
" وإنما قيل: تَجْرِى فى البحر٢ِ). وهى مُجْراةٌ؛ لأنها إذا أُجْرِيَتْ فهى الجاريةُ ،
فَأُضِيف إليها مِن الصِّفةِ ما هو لها .
وأما قولُه: ﴿بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ فإنَّ معناه: بنَفْعُ ) الناسِ. فتأويلُ الكلام:
وإنَّ فى جَرْيِ الفُلكِ بنَفْعِ الناسِ فى البَحرِ .
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌َّاءٍ فَأَحْيَا بِ
اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ .
يعنى جلّ ذكرُه بقولِه: ﴿ وَمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌َّآٍ﴾: وفيما أنزل اللَّهُ
مِن السماءِ من ماءٍ؛ وهو المطرُ الذى يُنزِلُه اللَّهُ مِن السماءِ.
وقولُه: ﴿ فَأَخْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. وإحياؤُها: عِمارتُها وإخراج
نباتِها .
(١) فى الأصل: ((ذرياتهم)). وهى قراءة نافع وابن عامر، وقرأ الباقون بالإفراد. ينظر حجة القراءات
ص ٦٠٠.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢: ((ينفع)).

١٢
سورة البقرة : الآية ١٦٤
والهاءُ التى فى ﴿بِهِ﴾ُ عائدةٌ على ((الماءِ))، والهاءُ والألفُ فى قولِهِ: ﴿بَعْدَ
مَوْنِهَا﴾ على الأرضِ. وموتُ الأرضِ: خرابُها ودُنُورُ عمارتِها، وانقطائعُ نباتِها
الذى هو للعبادِ أقْواتٌ، وللأنام أُرزاقٌ.
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿ وَبَثَ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَآبَةٍ﴾ .
يعنى بقوله: ﴿ وَبَثَ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَةٍ﴾: وإنَّ فيما بَثَّ فى الأرضِ مِن دابةٍ .
ومعنى قوله: ﴿ وَبَثَّ فِيهَا﴾: وَفَتَّقَ فيها، مِن قولِ القائلِ: بَثَّ الأَميرُ سَراياه.
يعنى : فَقَ .
والهاءُ والألفُ فى قولِه: ﴿فِيهَا﴾ عائدَتانِ على ((الأرضِ)).
والدَّابَّةُ: الفاعِلَةُ، مِن قولِ القائلِ: دَبَّتِ الدّابَةُ تَدِبُّ دَبيًا فهى دابَّةٌ. والدّابَّةُ
اسمٌ لكلّ ذى رُوح كان غيرَ طائرٍ بجَناحِ ؛ لدَبِيهِ على الأرضِ .
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِّيَحِ﴾ .
يعنى بقولِه: ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ﴾: وفى تصريفِه الرياح. فأسْقَطَ ذكرَ
الفاعلِ وأضاف الفِعلَ إلى المفعولِ، كما يقالُ: يُعْجِبنى إكرامُ أُخيك . يُرادُ:
إكرامُك أخاك .
وتصريفُ اللَّهِ إِيّاها أن يُرْسِلهَا مرةً لَواقِعَ، ومرةً يَجْعَلُها عَقِيمًا ، ويَبْعَثُها عذابًا
تُدَمِّرُ كلِّ شيءٍ بأمرِ ربِّها .
كما حدَّثنا بشر بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه :
وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾ قال: قادرٌ والَّهِ ربّنا على ذلك، إذا شاءَ
جَعَلَها عذابًا [٩٧/٤و] ريحًا عَقيمًا لا تُلْقِحُ، إنما هى عذابٌ على من (١) أُرسِلَتْ
(١) فى ص: (( ما)).

١٣
سورة البقرة : الآية ١٦٤
عليه(١) .
(١)
وزَعم بعضُ أهلِ العربيةِ(٢) أنَّ معنى قوله: ﴿ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ﴾. أنها تأتى
مرَّةٌ جنوبًا، وشمالًا، وقبولًا، ودَبورًا. ثم قال: وذلك تصريفُها(١).
وهذه الصفةُ التى وصَف الرياحَ بها صفةٌ تَصَرُّفِها لا صفةٌ تَصْرِيفها؛ / لأنَّ ٦٥/٢
تصريفَها تصريفُ اللَّهِ لها، وتصرُّفَها اختلافُ هُبوبِها .
وقد يجوزُ أن يكونَ معنى قوله: ﴿ وَتَصْرِيفِ الْرِّيَجِ﴾: وتصريفِ اللَّهِ هبوبَ
الرياحِ باختلافِ مَهابِّها .
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
١٦٤
لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٠
يعنى بقولِه: ﴿ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ ﴾: وفى السحابِ المُسخّرِ.
و ((السحابُ)) جمعُ سحابةٍ. يَدُلَّ علَى ذلك قولُه جل ذكره: ﴿وَيُنشِئُ
السَّحَابَ الثِّقَالَ ﴾ [الرعد: ١٢].
ووحّدَ الْمُسَخَّرَ وذَكَّرِهِ، كما يُقالُ: هذه تمرةٌ، وهذا تمرٍ كثيرٌ، فى جمعِه،
وهذه نخلةٌ ، وهذا نخلٌ .
وإنما قيلَ للسحابِ: سحابٌ - إنْ شاءَ اللَّهُ - لجرِّ بعضِه بعضًا، وسَخْبِهِ إِيَّاهُ.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٥/١ (١٤٧٤) من طريق شيبان ، عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٦٤/١ إلى عبد بن حميد.
(٢) هو الفراء فى معانى القرآن ٩٧/١.
(٣) فى الأصل: ((تصرفها)).

١٤
سورة البقرة : الآية ١٦٤
مِن قولِ القائلِ: مَرَّ فلانٌ يَشْحَبُ (١) ذيلَه. (٢ بمعنى: يَجُّه(٢).
فأمّا معنى قوله: ﴿لَيَتٍ﴾ : فإنه : علاماتٍ ودلالاتٍ على أن خالقَ ذلك
كلِّه ومُنْشِئَه إلهٌ واحدٌ. ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لمن عَقَل مواضعَ الحُجَج، وفَهِم عن اللَّهِ
أدِلَتَه على وحدانيته .
فأعلَم عَّ ذِكرُه عبادَه بأنَّ الأدلةَ والحُجَجَ إِنما وُضعتْ مُعْتَبَرًا لذوى العقولِ
والتمييزٍ، دونَ غيرِهم مِن الخُلْقِ، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمرِ والنهى، والمُكَلَّفين
الطاعة والعبادةَ، ولهم الثوابُ ، وعليهم العقابُ .
فإن قال قائلٌ: وكيف احْتَجَّ على أهلِ الكفرِ بقولِه: ﴿ إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَاْلْأَرْضِ ﴾ الآية. فى توحيدِ اللَّهِ، وقد عَلِمْتَ أن أصنافًا من أصنافِ الكَفْرِ(١) تَدْفَعُ
أن تكونَ السماوات والأرضُ وسائرُ ما ذُكِر فى هذه الآيةِ مخلوقةً ؟
قیل : إِنَّ إنكار من أنكر ذلك غیرُ دافع أن یکون جمیعُ ما ذکر جل ثناؤه فى
هذه الآيةِ دليلًا على خالقِه وصانعِه، وأنَّ له مُدَبِّرًا لا يُشبِهُه، وبارئًا لا مِثْلَ له، وذلك
وإن كان كذلك، فإن اللَّهَ إنما حاجَّ بذلكَ قومًا كانوا مُقِرِّين بأن اللَّهَ خالِقُهم، غيرَ
أنهم كانوا يُشرِكون فى عبادَتِه عبادة الأصنام والأوثانِ ، فحاجَّهم تعالى ذِكرُه
فقال - إذ أنكروا قولَه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾. وزَعَموا أنَّ له شركاءَ مِن
الآلِهِةِ - : إنّ إلهَكم الذى خَلَق السماواتِ والأرضَ، وأجْرَى فيها الشمسَ والقمرَ
لكم بأرزاقِكم دائِبَيْن فى سيرِهما - وذلك هو معنى اختلافٍ [٩٧/٤ظ] الليل
(١) فى م: ((يجر)).
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( يعنى يسحبه).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢: ((الكفرة)).

١٥
سورة البقرة : الآية ١٦٥
والنهارِ - ١ وحَمَلَكم فى البَرِّ والبحر١ِ - وذلك هو معنى قوله: ﴿ وَالْفُلْكِ الَّتِى
تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ - وَأَنْزَل لكم الغيثَ مِن السماءِ، فَأُخْصَب به
جَنابَكُم(١٢) بعدَ جُدُوبِهِ، وَأَمْرَعَه (١٢) بعدَ دُثُّورِهِ، فَنَعَشَكم(٤) به بعدَ قُنوطِكم - وذلك
هو معنى قوله: ﴿ وَمَآ أَنَزَّلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌َّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ -
وسخّر لكم الأنعامَ فيها لكم مطاعِمُ ومآكلُ ، ومنها جَمالٌ ومَراكِبُ ، ومنها أثاثٌ
وملابسُ - وذلك هو معنى قوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآَةٍ ﴾ - وأرسلَ لكم
الرياحَ لَواقِحَ لأشجارٍ ثمارِكم وغذائِكم وأقْواتِكم، وسَيَّر لكم السحابَ الذى
بِوَدْقِهُ(٥) حياتُكم، وحياةُ نَعَمِكم ومواشِيكم، وذلك هو معنى قولِه:
وَتَصْرِيفِ الرَّجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
فأخْبَرَهم أن إلهَهم هو اللَّهُ الذى أَنْعَم عليهم بهذه النِّعم ، وتَفَرَّد لهم بها ، ثم
قال: ﴿هَلْ مِن شُرَّكَبِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّنْ شَىْءٍ ﴾ [الروم: ٤٠] فَتُشْرِكوه فى
عبادتكم إياى، وتَجْعلوه لى نِدَّا وعِدْلًا؟ فإنْ لم يكنْ مِن شركائِكم مَن يَفْعَلُ منِ
ذلكم مِن شىءٍ، ففى الذى عدَدْتُ عليكم مِن نِعْمتى، وتَفَرَّدتُ لكم بأيادىَّ
دَلالاتٌ / لكم إنْ كنتم تَعْقِلون مواقعَ الحقِّ والباطلِ، والجَوْرِ والإنصافِ، وذلك ٦٦/٢
أنَّى لكم بالإحسانِ إليكم مُتفرّدٌ دونَ غيرى، وأنتم تَجْعَلون لى فى عبادتكم إِيَّىَ
أنْدادًا . فهذا هو معنى الآيةِ .
(١ - ١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فى الشمس والقمر)).
(٢) الجناب : الناحية، والفناء وما قرب من محلة القوم. اللسان (ج ن ب).
(٣) أمرع: أخصب وأكلاً . اللسان (م ر ع).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فينعشكم)) .
(٥) الوَدْق: المطر كله شديده وهَيِّنُه. اللسان (ود ق).

١٦
سورة البقرة : الآيتان ١٦٤، ١٦٥
-:
والذين ذُكِّروا بهذه الآيةِ، واخْتُجَّ عليهم بها، هم القومُ الذين وَصَفْتُ
صفتَهم دونَ المعطِّةِ والدَّهْرِيةِ، وإن كان فى أصغرٍ ما عدَّد اللّهُ فى هذه الآيةِ
مِن الحُتَجِ البالغةِ ، المَقْنَعُ لجميعِ الأنامِ، تَكْنا البيانَ عنه كراهةَ إطالةِ الكتابِ
بذ کره .
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَِّذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا
يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهِ﴾.
يعنى جل ثناؤه بذلك أنَّ مِن الناسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دونِ اللَّهِ أندادًا له . وقد بَیَّنا
فيما مضى أن النِّدَّ العِدْلُ، بما يَدُلُّ على ذلك مِن الشواهدِ، فَكَرِهْنا إِعادتَهُ(١) . وأنَّ
الذين انَّخذوا هذه الأندادَ مِن دونِ اللَّهِ، يُحِبون أندادَهم كحبِّ المؤمنين اللَّهَ، ثم
أُخْبَرَهم أن المؤمنين أشدُ حبًّا للَّهِ من مُتَّخذِى هذه الأندادِ لأندادِهم.
واختلف أهلُ التأويلِ فى ((الأندادِ)) التى كان القومُ اتَّخذوها، وماهى؟ فقال
بعضُهم: هى آلهتُهم التى كانوا يَعْبُدونها مِن دون اللَّهِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَشَدُّ حُبَّا لِلّهِ﴾: مِن الكفارِ [٩٨/٤ و] لأوثانِهم (٢).
حدَّثنى محمدُ بن عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبی
(١) ينظر ما تقدم فى ٣٩٠/١ - ٣٩٢.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٦/١ عقب الأثر (١٤٨٤) معلقًا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٦/١
إلی عبد بن حميد .

١٧
سورة البقرة : الآية ١٦٥
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿يُحِبُونَهُمْ كَحُبِ اللهِ﴾: مباهاةً ومضاهاةً للحقّ
بالأندادِ: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوْاْ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهُ ﴾ مِن الكفارِ لآلهتهم(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ ، عن ابنِ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثلَه .
وحُدِّثتُ عن عمارٍ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ قولَه :
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. قال: هى
الآلهةُ التى تُعْبَدُ مِن دونِ اللَّهِ ، يقولُ: يُحِبُّون أوثانَهم كحبٌّ اللَّهِ. ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنْوَاْ
أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ﴾. أىْ: مِن الكفارِ لأوثانِهم (١).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنَدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾﴾. قال: هؤلاءٍ
المشركون ، أندادُهم آلهتُهم التى عَبّدوا مع اللَّهِ ، يُحِبُّونهم كما يُحِبُّ الذين آمنوا
اللَّهَ، ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسَّدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ مِن حُبِّهم هم آلهنَهمُ".
وقال آخرون: بل الأندادُ فى هذا الموضع إنما هم سادَتُهم الذين كانوا يُطيعونهم
فى معصيةِ اللَّهِ تعالی .
(١) فى م، ت ١، ت ٢: ((لأوثانهم)).
والأثر فى تفسير مجاهد ص ٢١٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٦/١ (١٤٨٣). وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٦٦/١ إلى عبد بن حميد.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٦/١ عقب الأثر (١٤٨٢، ١٤٨٤) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٦/١ إلى المصنف، وسقط من المطبوع.
( تفسير الطبرى ٢/٣ )

١٨
سورة البقرة : الآية ١٦٥
٦٧/٢
/ ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى، قال: " حدَّثنا عمرٌو، قال) ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾. قال: الأندادُ مِن
الرجالٍ، يُطيعونهم كما يطيعون اللَّهَ، إذا أمروهم أطاعوهم وعَصَوا اللَّهَ(٢).
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾؟! وهل يحبُّ اللَّهُ الأندادَ؟!
أو هل كان مُتَّخِذو الأندادِ يُحِبون اللَّهَ فيقالَ: ﴿يُحِبُونَهُمْ كَحُبٍّ اللَّهِ﴾؟! قيل :
إنَّ معنى ذلك بخلافٍ ما ذَهَبْتَ إليه ، وإنما نَظِيرُ ذلك قولُ القائِلِ : بِعتُ غلامِى كَبَيْعِ
غلامِك. بمعنى : بِعْتُه كما يِيعَ غُلامُك، وكبَيْعِك غلامَك . واسْتَوْفَيْتُ حقِّى منه
استيفاءَ حقِّك. بمعنى: استيفائِك حقَّكَ . فَتَحْذِفُ مِن الثانى كنايةَ اسمِ المخاطَبِ
اكتفاءً بكنايتِه فى ((الغلامِ)) و((الحقِّ))، كما قال الشاعرُ(١):
فلستُ مُسَلِّمًا ما دُمْتُ حَيًّا على زَيْدِ بتَشْلِيمِ الأَميرِ
يعنى بذلك: كما يُسَلَّمُ على الأميرِ.
فمعنى الكلام إذن : ومِن الناسِ مَن يَتَّخِذُ - أيها المؤمنون - مِن دونِ اللَّهِ أندادًا
يُحِبُّونهم كحُبَّكم (٤) اللَّهَ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ
لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ
١٦٥)
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٦/١ (١٤٨١) من طريق عمرو بن حماد به .
(٣) معانى القرآن للفراء ١/ ١٠٠، والبيان والتبيين ٥١/٤، وأمالى المرتضى ٢١٥/١.
(٤) فى م: (( کحب)).
(٥) فى الأصل: ((ترى)). وينظر ما سيأتى فى الآية من قراءات.

١٩
سورة البقرة : الآية ١٦٥
[٩٨/٤ ظ] اخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقَرَأَتْه عامَّةُ قَرَأةِ أَهلِ المدينةِ والشامِ :
(وَلَوْ تَرَى الذين ظَلَمُوا) بالتاءِ، (إِذْ يَرَون العذابَ) بالياءِ، ( أنَّ القوَّةَ للهِ جميعًا وأنَّ
اللهَ شديدُ العذابِ)(١) بفتح ((أنَّ)) و((أنَّ)) كلتيهما بمعنى: ولوْتَرى يا محمدُ الذين
كفروا وظلَموا أنْفُسَهم حينَ يَرَوْن عذابَ اللَّهِ ويُعادِثُونه ، أنَّ القوةَ للَّهِ جميعًا ، وأنَّ اللَّهُ
شدیدُ العذاب .
ثم فى نَصْبِ ((أنّ)) و((أنَّ)) فى هذه القراءةِ وجهانٍ: أحدُهما، أن تُفْتَحَ
بالمحذوفِ مِن الكلام الذى هو مطلوبٌ فیه . فیکونُ تأويلُ الکلام حينئذٍ : ولو تری یا
محمدُ الذين ظَلَموا إِذْ يَرَوْن عذابَ اللَّهِ لأَقَرُوا. ومعنى (تَرَى). معنى: تُبْصِرُ أن
القوَّةَ للَّهِ جميعًا، وأنَّ اللَّهَ شديدُ العذابِ. ويكونُ الجوابُ حينئذٍ - إذا فَتَحْتَ ((أنَّ))
على هذا الوجْهِ - متروكًا قد اكْتُفِىَ بدَلالةِ الكلامِ عليه، ويكونُ المعنى ما وَصَفْتُ .
فهذا أحدُ وَجْهَى فَتْح ((أنّ)) على قراءةٍ من قرَأ: (وَلَوْ تَرَى ) بالتاءِ .
والوجهُ الآخرُ فى الفتح، أن يكونَ معناه : ولو تَرَی یا محمدُ إِذ یری الذین
ظلموا عذابَ اللَّهِ؛ لأنَّ القوَّةَ للَّهِ جميعًا، وأنَّ اللَّه شديدُ العذابِ، لَعَلِمْتَ مبلغَ
عذابِ اللَّهِ . ثم تُحْذَفُ اللامُ، فتُفتَحُ بذلك المعنى، لدلالةِ الكلامِ عليها .
وقَرَ أْ ذلك آخرون مِن سَلَفِ القَرَأَةِ: (ولو ترَى الذين ظلموا إذ يَرَون العذابَ إِنَّ
القوةَ للهِ جميعًا وإِنَّ اللهَ شديدُ العذابِ)(١٢). بمعنى: ولو تَرَى يا محمدُ الذينَ ظَلَمُوا
حينَ يعاينُونَ عذابَ اللَّهِ ، لَعَلِمتَ الحالَ التى يَصيرون إليها. ثم أَخْبَر جل ثناؤُه خبرًا
مُتَداً عن قدرتِه وسلطانِهِ بعدَ تمام الخبرِ الأوَّلِ ، فقال: إنَّ القوةَ للَّهِ جميعًا فى الدنيا
(١) وهى قراءة: نافع وابن عامر، إلا أن ابن عامر قرأ بضم الياء من: (يُرَون العذابَ). وقرأ نافع بفتحها.
حجة القراءات ص ١١٩، ١٢٠.
(٢) وهى قراءة أبى جعفر المدنى ويعقوب. النشر ٢٢٤/٢.

٢٠
سورة البقرة : الآية ١٦٥
والآخرةِ ، دونَ مَن سواه مِن الأندادِ والآلهةِ ، وإِنَّ اللَّهَ شديدُ العذابِ لمن أَشْرَك به،
وائعی معه شِئْگًا(١)، وجعل له ◌ِدًّا .
٦٨/٢
/ وقد يَحْتَمِلُ وجهًا آخرَ فى قراءةٍ مَن كَسَر ((إنّ)) (" وقَرَأْ) بالتاءِ، وهو أن
يكونَ معناه: ولو تَرَى يا محمدُ الذين ظلموا إذ يَرَوْن العذابَ، يقولون: إنَّ القوَّةَ للَّهِ
جميعًا، وإنّ اللَّهَ شديدُ العذابِ. ثم يُخْذَفُ القولُ ويُكْتَفَى منه بالمقولِ .
وقَرَأْ ذلك آخرون: ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ بالياء، ﴿ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ
اَلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ بفتح الألفِ مِن ﴿أَنَّ﴾ و﴿أَنَ﴾(٣)
بمعنى : ولو يَرَى الذين ظلموا عذابَ اللَّهِ الذى أُعِدَّ لهم فى جهنمَ، لَعَلِموا حينَ يَرَوْنَه
فيُعايِنونَه، أنَّ القوةَ للَّهِ جميعًا، وأن اللَّهَ شديدُ العذابِ، إذ يَرَوْن العذابَ . فتكونُ
الأَولَى منصوبةٌ لتَعَلُّقِها بجوابٍ ﴿وَلَوْ﴾ المحذوفِ، ويكونُ الجوابُ
﴿وَأَنَّ﴾
متروكًا، وتكونُ الثانيةُ معطوفةً على الأولى. وهذه قراءةُ عامَّةِ القَرَأةِ الكوفيين
والبصريين وأهلِ مكةً .
وقد زعم بعضُ نَحْوِيِّى أهلِ البصرةِ أَن [٥٩٩/٤] تأويلَ قِراءةٍ مَن قَرَأْ: ﴿وَلَوَ يَرَى
الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾ بالياءِ فِى
﴿يَرَى﴾ وفَتْح الألفينِ فى ﴿أَنَّ﴾ و﴿أَنَّ﴾: ولو يَعْلَمون؛ لأنَّهم لم يكونوا عَلِموا
قَدْرَ ما يُعايِنون مِن العذابِ، وقد كان النبىُّ عَ لَّه عَلِم. فإذا قال: ( ولو تَرَى) . فإِنما
يُخاطِبُ النبيَّ مَ ◌ّهِ. قال: ولو كُسِرَتْ ((إنَّ)) على الابتداءِ إذا قال: ( ولو يَرَى).
جاز؛ لأنَّ (لو يَرَى): لو يَعْلَمُ. وقد يكون ((لو يعلمُ)) فى معنًى لا يَحتاجُ معها إلى
(١) فى م، ت ١: ((شريكا)). والشِّوك كالشريك. اللسان (ش ر ك).
(٢ - ٢) فى م: (( فى ترى)).
(٣) وهى قراءة ابن كثير وعاصم وأبى عمرو وحمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ١٢٠.