Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
سورة البقرة : الآية ١١٦
يعنى بقولِه: ﴿وَقَالُواْ أَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأُ﴾. الذين مَنَعوا مساجدَ اللَّهِ أن يُذْكَرَ
فيها اسمُه. و﴿ قَالُواْ﴾ معطوفٌ على قولِه: ﴿ وَسَعَى فِى خَرَبِهَا﴾ .
وتأويلُ الآيةِ: ومَن أظلمُ ممن مَنَع مساجدَ اللَّهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه وسَعَى فى
خرابِها ، وقالوا : اتخَذ اللَّهُ ولدًا. وهم النَّصارَى الذين زعموا أن عيسى ابنُ اللَّهِ ،
فقال جلَّ ثناؤُهُ مُكَذِّبًا قِيلَهم ما قالوا مِن ذلك، ومُنْتفيًا مما نَحَلُوه، [٢٣/٤ظ] وأضافوا
إليه بكَذِيِهِم وفِرْيَتِهم -: ﴿ سُبْحَنَهُ﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: تنزيهًا للَّهِ،
صِل
وتَبَرِّيًا (١) مِن أن يكونَ له ولدٌ، وعلوًّا وارتفاعًا عن ذلك.
وقد دَلِّلْنا فيما مضى على معنى قولِ القائل: سُبحانَ اللَّهِ. بما أغْنَى عن إعادتِه / ٥٠٧/١
فى هذا الموضعِ(١).
ثم أَخْبَر جلَّ ثناؤُه أن له ما فى السماواتِ والأرضِ مِلْكًا وخَلْقًا. ومعنى ذلك:
وكيف يكونُ المسيحُ للَّهِ ولدًا، وهو لا يَخْلو مِن(٣) أن يَكونَ فى بعضِ هذه الأماكنِ؛
إما فى السماواتِ ، وإما فى الأرضِ، وللَّهِ مِلكُ ما فيهما ، ولو كان المسيح ابنًا كما
زعَمتم، لم يكنْ كسائرِ ما فى السماواتِ والأرضِ مِن خلقه وعبيده، فی ظهورِ
آثارٍ (٤) الصنعة فيه .
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿كُلٌّ لَُّ قَدِنُونَ
١١٦
اخْتَلف أهلُ التأويل فى قوله: ﴿ كُلُّ لَّهُرٍ قَائِنُونَ﴾ ؛ فقال بعضُهم: معنى
ذلك: °كلِّ له°) مُطِيعون .
(١) فى م: ((تبريئا)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ١ / ٥٠٤، ٥٠٥ .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((إما)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((آيات)).
(٥ - ٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
٤

٤٦٢
سورة البقرة : الآية ١١٦
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى ، قال: أُخْبَرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أَخْبَرنا مَعْمٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ كُلٌّ لَُّ قَدِنِنُونَ﴾: مُطِيعون(١).
وحدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عیسی ، عن
ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ عز وجل: ﴿ كُلٌّ لَُّ قَدِئُونَ﴾. قال:
مُطِيعون . وقال: طاعةُ الكافرِ فى سجودٍ ظِلِّه(٢) .
وحدَّثنى المُثُنَّى، قال: حدَّثنا أبو محُذَيفةً، قال: حدثنا شِبلّ، عن ابنِ أبى نجيحِ،
عن مجاهدٍ بمثله، إلا أنه زاد: يَسْجُدُ ظِلُّه وهو كارةً(٣) .
وحدَّثنى موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ ، عن الشُّدىِّ:
كُلٌّ لَُّر قَدِنُونَ﴾. يقولُ: كلِّ له مُطِيعون يومَ القيامةِ(٤).
وحدّثنی المنُنَی ، قال : حدثنا إسحاقُ ، قال: حدّثنا يحيى بنُ سعیدٍ ، عمّن
ذْكَره، عن عكرمةَ: ﴿ كُلٌّ لَُّ قَدِنُونَ﴾. قال : الطاعةُ .
وحُدِّثْتُ عن المنْجابِ، قال: حدَّثْنا بِشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن
الضّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَدِئُونَ﴾: مُطِيعون (٥).
وقال آخرون: معنى ذلك: كلِّ له مُقِرُّون بالعُبودةِ ) .
(١) ينظر ما سيأتى فى ٣٧٩/٤ - ٣٨٣، وتفسير الآية ٢٦ من سورة الروم، والدر المنثور ١١٠/١.
(٢) تفسير مجاهد ص ٢١٢.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٣/١ (١١٢٩) عن أبيه، عن أبى حذيفة به .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٣١/١ عن السدى .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٠/١ إلى المصنف وابن المنذر.
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بالعبودية)).

٤٦٣
سورة البقرة : الآية ١١٦
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : حدثنا يحيى بنُ واضح ، قال: حدثنا الحسينُ بنُ واقدٍ ،
عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ قوله: ﴿ كُلُّ لَُّ قَلِنُونَ﴾. قال: كلِّ له مُقِرّ
بالعُبودةِ(١).
وقال آخرون بما حدَّثنى به المُنَّى، قال : حدثنا إسحاقُ ، قال : حدثنا ابنُ أبى
جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع قولَه: ﴿ كُلِّ لَُّ قَدِنِنُونَ﴾. يقولُ: كلِّ له قائمٌ يومَ
(٢)
القيامةِ .
والقنوتِ فى كلام العربِ مَعانٍ: أحَدُها، الطاعةُ . والآخرُ، القِيامُ.
والثالثُ ، الكفُّ عن الكلامِ والإمساكُ عنه .
وأؤْلَى معانى القُنوتِ فى قوله: ﴿ كُلٌّ لَُّ قَدِنُونَ﴾: الطاعةُ والإقرارُ للَّهِ
بالعبودةِ ، بشَهادةِ أجسامِهم بما فيها مِن آثارِ الصنعةِ، [٢٤/٤و] والدلالةِ على وحدانيةٍ
اللَّهِ ، وأن اللَّهَ تعالى ذِكْرُه بارثُها وخالقُها ، وذلك أن اللَّهَ أكْذَبَ الذين زعموا أن للَّهِ
ولدًا بقولِه: ﴿بَلِ لَُّ مَا فِىِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ﴾. مِلْكًا / وخلقًا. ثم أَخْبَر عن جميع ٥٠٨/١
ما فى السماواتِ والأرضِ أنها مُقِرَّةٌ بدلالتِها على ربِّها وخالقِها ، وأن اللَّه تعالى
بارتُها وصانعُها - وإن جحَد ذلك بعضُهم بألسنتِهم(٢) - مُدعِنٌ له بالطاعةِ ،
بشَهادتِها له بآثارِ الصنعةِ التى فيها بذلك، وأن المسيحَ أحدُهم، فأَنَّى يَكونُ للَّهِ ولدًا
وهذه صفتُه !
(١) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((بالعبودية)). والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٤/١ (١١٣٢) من
طریق الحسین بن واقد به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٤/١ (١١٣٣) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فألسنتهم).

٤٦٤
سورة البقرة : الآيتان ١١٦، ١١٧
وقد زعم بعضُ مَن قَصُرت معرفتُه عن توجيهِ هذا الكلام وجْهتَه ، أن قولَه :
كُلٌّ لَّمُ قَدِئُونَ﴾. خاصةٌ لأهلِ الطاعةِ وليست بعامةٍ. وغيرُ جائزِ ادِّعاءُ
خصوصٍ فى آيةٍ عامّ ظاهرُها ، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها ؛ لما قد بينًا فى كتابِنا
(( كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ )) .
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه عن أن المسيح - الذى زعَمت النصارى أنه ابنُ
اللَّهِ - مُكَذِّبُهم هو والسماواتُ والأرضُ وما فيهما، إما باللسانِ ، وإما بالدلالةِ،
وذلك أنَّه جلَّ ثناؤُه أُخْبَر عن جميعِهم بطاعتِهم إِيَّاه، وإقرارِهم له بالعبودةِ ، عَقِيبَ
قوله: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدَّأَ ﴾ . فدلَّ ذلك على صحةٍ ما قلنا .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ .
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾: مُبدِعُها . وإنما هو
مُفْعِلٌ، فصُرِفَ إلى فعيلٍ، كما صُرِفَ المؤلمُ إلى الأليمِ، والمسمعُ إلى السميعِ .
ومعنى المبدعِ: المُشِئُ والمَحْدِثُ ما لم يَشْبِقْه إلى إنشاءٍ مثلِه وإحداثِه أحدٌ .
ولذلك سُمِّىَ المُتَدِعُ فى الدينِ مُبْتدِعًا؛ لإحداثِه فيه ما لم يَشْبِقْه إليه غيرُه. وكذلك
كلُّ مُحدِثٍ فعلًا أو قولًا لِم يَتَقدمه فيه مُتَقدِّمٌ ، فإن العربَ تُسَميه مُبتدعًا ، مِن ذلك
قولُ أَعْشَى بنى ثَعلبةَ فى مدحِ هَوْذةً بنٍ علىِّ الحنَفىّ(١) :
يُرْيِى إلى قَوْلِ ساداتِ الرجالِ إذا أَبْدَوْا له الحَزْمَ أو ما شاءَه ابْتَدَعا
أى : يُحدِثُ ما شاء .
وقولُ رُؤْبةَ بنِ العَجَّاجِ(٢) :
(١) تقدم تخريجه فى ص ٣٨٠ .
(٢) ديوان رؤية ( مجموعة أشعار العرب ) ص ٨٧.

٤٦٥
سورة البقرة : الآية ١١٧
فأيُّها الغاشِى القِذافَ(١) الأَتْيَعا(٢)
إِن كُنْتَ للَّهِ التَّقِىَّ الأَطْوعَا
فليس وَجْهُ الحقِّ أَن تَبَدَّعا
يعنى : أن تُحْدِثَ فى الدينِ ما لم يَكُنْ فيه .
فمعنى الكلام: سُبحانَ اللَّهِ ، أَتَّى يكونُ له ولدٌ وهو مالكُ ما فى السماواتِ
والأرض ، تَشْهدُ له جميعُها بدلالتِها عليه بالوَحْدانيةِ ، وتُقِرُّ له بالطاعةِ ، وهو بارُها
وخالقُها، ومُوجدُها مِن غيرِ أصلٍ، ولا مِثالٍ اخْتَذاها عليه ! .
وهذا إعلامٌ مِن اللَّهِ عبادَه أنَّ مما يَشْهَدُ له بذلك المسيح الذى أضافوا إلى اللّهِ
بُنُوَّتَه ، [٢٤/٤ظ] وإخبارٌ منه لهم أن الذى ابْتَدع السماواتِ والأرضَ مِن غيرِ أصلٍ،
وعلى غيرِ مِثالٍ، هو الذى ابْتَدع المسيحَ مِن غيرِ والدٍ بِقُدْرتِه .
وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا المثنى ، قال : حدثنا إسحاقُ ، قال : حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
الرّبيع: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ . يقولُ: ابْتَدع خلقَها، ولم يَشْرَكْه فى
.. (٣)
خلقِها أحدٌ(١).
/ وحدَّثنى موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباطُ، عن الشُّدىِّ: ﴿ يَدِيعُ ٥٠٩/١
(١) القذاف : سرعة السير. التاج (ق ذ ف ).
(٢) فى الديوان: ((الأتبعا)). والأتيع: المتتابع: أى المتسارع فى الحمق. التاج (ت ی ع ).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٤/١ عقب الأثر (١١٣٥) من طريق ابن أبى جعفر به . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١١٠/١ إلى المصنف وابن أبى حاتم عن أبى العالية. وهو عند ابن أبى حاتم ٢١٤/١
(١١٣٥) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية .
( تفسير الطبرى ٣٠/٢ )

٤٦٦
سورة البقرة : الآية ١١٧
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾. يَقولُ: ابْتَدعها فخَلَقها، ولم يَخْلُقْ مثلَها شيئًا يَتَمثَّلُ(١) به(١).
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَإِذَا قَضَى أَفْرَّا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُمٍ كُنَ
فَيَكُونُ
١١٧
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَإِذَا قَضَىَ أَمْرًا﴾: وإذا أُحْكَم أمرًا وخَتَمه . وأصلُ
كلِّ قضاءٍ: الإِحْكامُ والفراُ منه . ومِن ذلك قِيلَ للحاكم بينَ الناسِ : القاضِى
بينهم . لِفَصْلِه القضاءَ بينَ الخصومِ ، وقَطْعِه الحُكْمَ بينَهم وفراغِه . ومنه قيل للميتِ :
قد قضَى . يُرادُ به : فرَغْ مِن الدنيا وفصَل منها . ومنه قيل: ما يَنْقَضِى عَجَبِى مِن
فلانٍ. يُرادُ : ما ينقطِعُ. ومنه قيل: تَقَضَّى النهارُ. إذا انْصَرم. ومنه قولُه: ﴿ وَقَضَى
رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]. أى: فصَل الحُكْمَ فيه بينَ عبادِه بأمرِهِ
إيَّاهم بذلك. وكذلك قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيّ إِسْرَءِيلَ فىِ الْكِنَبِ﴾
[ الإسراء: ٤]. أى: أَعْلَمناهم بذلك وأخْبَرناهم به، ففَرَغْنا إليهم منه . ومنه قولُ أبی
(٣)
ذُؤَّيبٍ(٣) :
دَاودُ أو صَنَعُ السوَابِغِ تُبَّعُ
وعليهما مشژودتَانِ(٤) قَضَاهما
ويُروَی :
* وتَعاوَرَا مَسْرُودتَيْنْ قَضَاهما *
ويَعْنِى بقولِه: قضاهما: أحْكَمهما. ومنه قولُ الآخرِ فى مدحٍ عمرَ بنِ
(١) فى م: ((فتتمثل))، وفى ت ١، ت ٣: ((فتمثل)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٤/١ (١١٣٦) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به .
(٣) ديوان الهذليين ١/ ١٩.
(٤) مسرودتان: درعان . اللسان ( س ر د).
(٥) الصنع: الحاذق بالعمل. التاج ( ص ن ع ).

٤٦٧
سورة البقرة : الآية ١١٧
الخطابِ رضِى اللَّهُ عنه (١) :
بوَائِقَ فى أَكْمامِها لم تَفَتَّقِ
قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غادَرْتَ بعدَها
وُزْوَى : بوائجَ() .
وأما قولُه: ﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فإنه يَعْنِى بذلك: وإذا أُحْكُم أمرًا
فحَتَمه فإنما يَقولُ له : كُنْ. فيكونُ ذلك الأمرُ على ما أمرَه اللَّهُ أن يكونَ وأرادَه .
فإِنْ قال لنا قائلٌ: وما معنى قوله: ﴿ وَإِذَا قَضَّ أَفْرَا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُمٍ كُنْ
فَيَكُونُ﴾؟ وفى أىّ حالٍ يقولُ للأُمرِ الذى يَقْضِيه: كُنْ. أفى حال عدمِه - وتلك
حالٌ لا يَجوزُ أمرُه، إذ كان مُحالًا أن يُؤْمرَ إلا مأمورٌ، فإذا لم يكنِ المأمورُ، اسْتَحال
الأمرُ، كما محالٌ الأمرُ مِن غيرٍ آمرٍ، فكذلك مخالّ الأمرُ مِن آمٍ إلا لمأمورٍ - أم يقولُ
ذلك له فى حالٍ وجودِهِ، وتلك حالٌ لا يجوزُ أمرُه فيها بالحدوثِ ؛ لأنه حادِثٌ
موجودٌ، ولا [٢٥/٤و] يُقالُ للموجودِ: كُنْ موجودًا . إلا بغيرِ مَغْنَى الأَمرِ بحدوثٍ
عَيْنِه ؟ .
قيل : قد تَنازَع المتأوّلون معنى ذلك ، ونحن مُخْبِرون بما قالوا فيه ، والعللِ التى
بها اعتلَّ كلُّ قائلٍ(٢) منهم لِقولِه فى ذلك؛ فقال بعضُهم: ذلك خبرٌ مِن اللَّهِ عن أمرِه
المحتوم - على وجهِ القضاءِ لمن قضَى عليه قضاءً مِن خلقِه الموجودين - أنه إذا أمرَه
بأمرٍ نفَذ فيه قضاؤه، ومضى فيه أمرُه . نَظِيرُ أمرِه مَن أمَر مِن بنى إسرائيلَ بأن يكونوا
قِرَدةً خاسِئين، وهم موجودون فى حالٍ أمرِهِ إِيَّاهم بذلك ، وحَتْمٍ قضائِه عليهم بما
(١) طبقات فحول الشعراء ١٣٣/١، وتأويل مشكل القرآن ص ٣٤٣، وزهر الآداب ٩٦٨/٢، وقد نسب
البيت إلى الشماخ، وإلى أخيه جزء، ونسبوه أيضًا إلى الجن .
(٢) البوائج: جمع بائجة، وهى الداهية. التاج ( ب وج).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فريق)).

٤٦٨
سورة البقرة : الآية ١١٧
قضَى فيهم، وكالذى خسَف به وبداره الأرضَ ، وما أَشْبَه ذلك مِن أمرِهِ وقضائِه،
فى من كان موجودًا مِن خلقِه فى حالٍ أمرِه المحتومِ عليه . فوجَّه قائِلو هذا القولِ قولَه:
وَإِذَا قَضَىَ أَمْرَّا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. إلى الخصوصِ دونَ العمومِ ....
٥١٠/١
/وقال آخرون: بل الآيةُ عام ظاهِرُها، فليس لأحدٍ أن يُحِيلَها إلى باطنٍ
بغيرِ حُجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها . وقالوا: إن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه عالمٌ بكلِّ ما هو كائنٌ
قبلَ كونِه، فلما كان ذلك كذلك، كانت الأشياءُ التى لم تَكُنْ - وهى
كائنةٌ، لعلمِه بها قبل كونِها - نَظائرَ التى هى موجودةٌ، فجاز أن يَقولَ لها :
كونى ، ويَأمرَها بالخروجِ مِن حالِ العدمِ إلى حالِ الوجودِ؛ لتَصوُّرِ جميعِها له،
ولعلمِه بها فى حالِ العدمِ .
وقال آخرون : بل الآيةُ وإن كان ظاهِرُها ظاهِرَ عموم، فتأويلُها الخصوصُ؛ لأن
الأمرَ غيرُ جائزٍ إلا لمأمورٍ على ما وصَفْتُ قبلُ . قالوا : وإذْ كان ذلك كذلك ، فالآيةُ
تأويلُها : وإذا قضى أمرًا؛ مِن إحياءٍ مَيِّتٍ ، أو إماتةِ حىٍّ ، ونحو ذلك، فإنما يقولُ
للحىّ : كُنْ(١) مَيئًا. وللميتِ: كُنْ حيًّا. وما أشْبَه ذلك مِن الأمرِ.
وقال آخرون : بل ذلك مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه خبرٌ عن جميع ما يُنْشِئُه ويُكَوِّنُه ، أنه
إذا قضاه وخلقه وأنشَأه كان وؤُجِدَ . ولا قولَ هنالك عندَ قائلِى هذه المقالةِ إلا وجودُ
المخلوقِ، وحدوثُ المَقْضىِّ. وقالوا: إنما قولُ اللَّهِ: ﴿ وَإِذَا قَضَىَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ
كُنْ فَيَكُونُ﴾. نَظيرُ قولِ القائلِ: قال فلانٌ برأسِه ، وقال بيدِه . إذا حرَّك رأسَه وأَوْماً
بيدِه، ولم يَقُلْ شيئًا. وكما قال أبو النَّجْم(٢):
(١) فى الأصل: ((كان)).
(٢) اللسان ( ح ن ق ) .

٤٦٩
سورة البقرة : الآية ١١٧
قد (١) قالتِ الأنْسائُ للبَطْنِ الْحَقِ(٢
٥٨ (٣)
قِدْمًا فَآَضَتْ كالفَنِيقِ المحيِقِ
ولا قولَ هنالك، إنما عَنَى أن الظَّهْرَ قد لحِقٍ بالبطنِ. وكما قال عمرُو بنُ حُممةً
الدَّوْسِئُ() :
(٤)
إذا رَامَ تَطْيَارًا يُقالُ له قَع
فأصْبَحْتُ مِثْلَ النّشْرِ طارَتْ فراخُهْ"
ولا قولَ هنالك، وإنما معناه: إذا رام طَيَرانًا وقَع. وكما قال الآخر(١):
[٢٥/٤ظ] امْتَلأَ الحَوْضُ وقال قَطْنِى
مَهْلً (٧) رُوَيْدًا قَدْ مَلأْتَ بَطْنِى
وأولى الأقوالِ بالصوابِ فى قوله: ﴿ وَإِذَا قَضَّ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ﴾. أن يُقالَ: هو عامٌّ فى كلِّ ما قضاه اللَّهُ ودبَّره(٨)؛ لأن ظاهِرَ ذلك ظاهِرُ
عمومٍ، وغيرُ جائزٍ إِحالةُ الظاهرِ إلى الباطنِ مِن التأويلِ بغيرِ برهانٍ؛ لما قد بينًّا فى
كتابِنا (( كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكام)). وإذا كان ذلك كذلك، فأمرُ اللَّهِ تعالى
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( و)).
(٢) الأنساع : جمع نسع ، وهو سير مضفور تشد به الرحال ، ولحق البطن لحوقًا : ضمر. اللسان (ن س ع،
ل ح ق ).
(٣) آضت: رجعت ، والفنيق: هو الفحل المكرم من الإبل الذى لا يركب ولا يهان لكرامته عليهم. والمحنق :
الضامر. اللسان ( أى ض، ف ن ق ، ح ن ق ).
(٤) معجم الشعراء ص ١٧.
(٥ - ٥) فى معجم الشعراء: (( بين الفخ فى العش ثاويا)).
(٦) أمالى ابن الشجرى ٣١٣/١، ومجالس ثعلب ص ١٨٩.
(٧) فى الأصل، م، ت ٢، ت ٣: ((سيلا)).
(٨) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((برأه)).

٤٧٠
١
سورة البقرة : الآية ١١٧
ذكره للشىء إذا أراد تكوينه موجودًا بقوله: ﴿ گُن ﴾ . فی حالٍ إرادته جل ثناؤه إيّاه
مُكَوَّنًا (١) ، لا يَتقدَّمُ وجودَ(١) الذى أراد إيجادَه وتكوينَه، إرادتَه إِيَّاه، ولا أمرَه
بالكونِ والوجودٍ - ولا يَتأخُّ عنه، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ الشىءُ مأمورًا بالوجودِ
مرادًا كذلك إلا وهو موجودٌ، ولا أن يكونَ موجودًا إلا وهو مأمورٌ بالوجود
مرادٌ كذلك. ونظيرُ قولِه: ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
قولُه: ﴿ وَمِنْ ءَايَئِهِ- أَنْ تَقُوَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهٍ، ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ
إِذَا أَنْتُمُ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]. بأن خروجَ القومِ مِن قبورِهم لا يَتقدَّمُ دُعاءَ اللَّهِ
إيَّاهم ولا يتأخّرُ عنه .
٥١١/١
ويُسألُ مَن زعَم أن قوله: ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُرْ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ خاصّ
فى التأويلِ - / اغْتِلالًا بأن أمْرَ غيرِ الموجودِ غيرُ جائزٍ - عن دَعْوةِ أهلِ القبورِ ، أقبْلَ
خُروجِهم مِن قبورِهم أم بعدَهُ(١) ، أم هى فى خاصٍّ مِن الخلقِ؟ فلن يقولَ فى ذلك
قولًا إلا أُلْزِم فى الآخَرِ مثلَه.
وأمّا (٤) الذين زعموا أن معنى قولِه جل ثناؤه: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ ﴾. نظيرُ قولِ القائلِ: قال فلانٌ برأسِه أو بيدِه. إذا حرَّكه أو أَوْمَأُ . ونَظيرُ
قولِ الشاعرِ مُخبرًا عن ناقتِهْ :
(١) فى ت ١، ت ٢: ((تكوينا)).
(٢) فى م: (( وجوده)).
(٣) فى الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بعدها).
(٤) فى م: ((يسأل)) .
(٥ - ٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
والبيت للمثقب العبدی ، وهو فى ديوانه ص ١٩٥.

٤٧١
سورة البقرة : الآية ١١٧
(٣)
تقولُ إذا دَرَأْتُ(١) لها وَضِينِى(١)
أهذا دِينُه أبدًا ودِينِى
وما أشْبَهَ ذلك، فإنهم لا صوابَ اللغةِ أصابوا ، ولا كتابَ اللَّهِ وما دلَّت على
صحتِه الأدلةُ اتَّبِعُوا ، فيُقالُ لقائلى ذلك: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أخْبَر عن نفسِه أنه إذا
قضَى أمرًا قال له : كُنْ. أفتُنْكِرون أن يكونَ قائلًا ذلك؟ فإن أَنْكَروه كذَّبوا بالقرآنِ ،
وخرجوا مِن الملةِ .
وإن قالوا: بل نُقِرُّ به، ولكنا نَزْعُمُ أن ذلك نظيرُ قولِ القائل: قال الحائطُ
فمال . ولا قولَ هنالك، وإنما ذلك خبرٌ عن مَيْلِ الحائطِ .
قيل لهم : أفتُجِيزون للمُخْبِرِ عن الحائطِ بالمَيَّلِ أن يقولَ: إِنما قولُ الحائطِ إذا أراد
أن يَمِيلَ أن يقولَ هكذا فيَمِيلَ ؟
فإن أجازوا ذلك، خرَجوا مِن معروفٍ كلام العربِ، وخالفُوا مَنْطِقَها وما
يُعْرَفُ فى لسانِها .
وإن قالوا : ذلك غيرُ جائزٍ. قيل لهم: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أخْبرَ(٤) عن نفسِه أن
قولَه للشىءٍ إذا أراده أن يقولَ له: كُنْ. فيكونُ. [٢٦/٤و] فَأَعْلَم عبادَه قولَه الذى
يكونُ به الشىءُ، ووصَفه ووكَّده . وذلك عندَ كم غيرُ جائزٍ فى العبارةِ عما لا كلامَ
له ولا بيانَ ، فى مثلِ قولِ القائلِ: قال الحائطُ فمال. فكيف لم تَعْلَموا بذلك فَوْقَ ما
بينَ قولِ اللَّهِ: ﴿ وَإِذَا قَضَىَ أَغْرَا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . وقولِ القائلِ : قال
الحائطُ فمال ؟ وللبيانِ عن فسادِ هذه المقالةِ موضعٌ غيرُ هذا، نَأتِى فيه على القولِ بما
(١) درأت وضين البعير: إذا بسطته على الأرض ثم أبركته عليه لتشده به . التاج ( درأ).
(٢) الوضين: بطان عريض منسوج من سيور أو شعر. اللسان ( وض ن ).
(٣) الدين: العادة . اللسان ( د ی ن ).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أخبرهم)) .

٤٧٢
سورة البقرة : الآية ١١٧
فيه الكفايةُ إن شاء اللَّهُ .
وإذْ كان الأمرُ فى قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا قَضَىَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُمٍ كُنْ
فَيَكُونُ﴾. هو ما وصَفْنا، مِن أن حالَ أمْرِه الشىءَ بالوجودِ حالُ وجودِ المأمورٍ
بالوجودٍ ، فَبَيِّنٌ (١) بذلك أن الذى هو أولى بقوله: ﴿فَيَكُونُ﴾. (أن يكونَ رفعاً
على العطفِ على قولِه: ﴿ يَقُولُ﴾. لأن القولَ والكونَ حالُهما واحدةٌ. وهو نظيرُ
قولِ القائلِ: تاب فلانٌ فاهْتَدَى، واهْتَدَى فلانٌ فتاب. لأنه لا يكونُ تائبًا إلا وهو
مُهْتَدٍ ، ولا مُهْتَدِيًا إلا وهو تائبٌ. فكذلك لا يكونُ أن يَكونَ اللَّهُ آمِرًا شيئًا بالوجودِ
إلا وهو موجودٌ ، ولا موجودًا إلا وهو آمِرُه بالوجودِ .
ولذلك اسْتَجاز مَن استجاز نَصْبَ (فيكونَ) مَن قرأ: (إنما قولُنا لشىءٍ إذا
أرَدْناه أن نقولَ له کنْ فیکونَ)(٢) [النحل: ٤٠]. بالمعنى الذى وصَفْنا على معنى: أن
نقولَ فيكونَ .
وأمَّا رَفْعُ مَن رفَع ذلك، فإنه رأَى أن الخبرَ قد تمَّ عندَ قوله: ﴿ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ
لَهُ كُنْ﴾. إذ كان معلومًا أن اللَّهَ إذا حتَم قضاءَه على شىءٍ، كان المحتومُ عليه
موجودًا، ثم ابْتَدَأ بقولِه: ﴿فَيَكُونُ﴾. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ
فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ﴾ [الحج: ٥]. وكما قال ابنُ أَحْمرَ(٤):
يُعالِجُ عاقِرًا أَعْيَتْ علَيه لِيُلْقِحَها فِيَنْتِجُها حُوَارًا(٥)
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فتبين)).
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((رفع)).
(٣) النصب والرفع قراءتان سيأتى تخريجهما فى موضعه من التفسير .
(٤) المعانى الكبير ٢/ ٨٤٦، والكتاب ٣/ ٥٤.
(٥) الحوار: ولد الناقة ساعة تضعه أمه خاصة . التاج (ح ور).

٤٧٣
سورة البقرة : الآيتان ١١٧، ١١٨
يُريدُ: فإذا هو يَنْتِجُها حُوَارًا .
/فمعنى الآية: وقالوا اتَّخَذ اللَّهُ ولدًا. سبحانَه أن يكونَ له ولدٌ، بل هو مالك ٥١٢/١
السماواتِ والأرض وما فيهما ، كلُّ ذلك له مُقِرّ بالعبوديَّةِ، بدلالتِه على وَحْدانيتِه .
فَأَنَّى يكونُ له ولدٌ ، وهو ابْتَدَع السماواتِ والأرضَ مِن غيرِ أصلٍ، كما الذى ابْتَدَع
المسيحَ مِن غيرِ والدٍ بقدرتِه وسلطانِه، الذى لا يَتَعَذَّرُ عليه به شىءٌ أراده، بل إنما يقولُ
له إذا قضاه فأراد تكوينَه: كُنْ. فيكونُ موجودًا كما أراده وشاءَه ، فكذلك كان
ابتداعُه المسيحَ وإنشاؤُه ، إذ أراد خَلْقَه مِن غيرِ والدٍ .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ
تَأْتِينَآ ءَايَةٌ﴾ .
[٢٦/٤ ظ] اخْتَلَف أهلُ التأويل فى مَن عنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى اللَّهُ بذلك النَّصارَى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عیسی ، عن ابنِ أبی
تَجيح، عن مُجاهِدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ
تَأْتِينَآ ءَايَةٌ﴾. قال: النَّصارَى تَقولُهُ(١).
وحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حُذَيفةَ ، قال: حدثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ،
عن مُجاهِدٍ مثلَه، وزاد فيه : ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ : النصارى.
وقال آخرون: بل عنى اللَّهُ بذلك اليهودَ الذين كانوا فى زمانٍ رسولِ اللَّهِ صَ الِ.
(١) تفسير مجاهد ص ٢١٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٥/١ (١١٤٢). وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١١٠/١ إلى عبد بن حميد .

٤٧٤
سورة البقرة : الآية ١١٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: حدَّثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، وحدَّثنا ابنُ محُمَيْدٍ ، قال :
حدثنا سَلَمَةُ بنُ الفضل، قالا جميعًا : حدثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنی
محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيد بن ثابتٍ ، قال: حدَّثنی سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ ، أو عِكْرمةُ ،
عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رافعُ بن حُرَيْمِلةَ لرسولِ اللَّهِ وَلَّهِ: إن كنتَ رسولاً مِن عندٍ
اللَّهِ كما تقولُ، فقلْ للَّهِ فَلْيُكَلِّمْنا حتى نَسْمَعَ كلامَه. فَأَنْزَل اللَّهُ فى ذلك مِن
قولِه(١): ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ﴾. الآية
كلها
(٢)
وقال آخرون: بل عنَى اللَّهُ بذلك مُشْرِكى العربِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حدثنا سعيدٌ، عن
قتادةَ: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اَللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ﴾: وهم كفارُ
(٣)
العرب(١) .
وحدّثنی المثنی ، قال : حدثنا إسحاقُ ، قال : حدثنا ابنُ أُبی جعفر ، عن أبيه، عن
الربيع: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾. قال: هم كفارُ العربِ(٤).
(١) فى الأصل: ((قولهم)) .
(٢) سيرة ابن هشام ٥٤٩/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٥/١ (١١٤٠) من طريق سلمة به.
وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٢٣٢.
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٥/١ عقب الأثر (١١٤١) معلقًا .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٥/١ عقب الآثر (١١٤١) من طريق ابن أبى جعفر به.

٤٧٥
سورة البقرة : الآية ١١٨
/وحدَّثنى موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباطُ، عن الشّدىِّ: ٥١٣/١
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾: أما الذين لا يعلمون فهم العربُ(١) .
وأؤْلَى هذه الأقوالِ بالصحةِ والصوابِ قولُ القائلِ : إن اللَّهَ تعالى ذكرُّه عَنَى
بقوله : ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. النَّصارَى دونَ غيرِهم؛ لأن ذلك فى سياقٍ
خبرِ اللَّهِ عنهم ، وعن افترائِهم عليه ، وادِّعائهم له ولدًا ، فقال جلَّ ثناؤه مخبرًا عنهم
فيما أَخْبَر عنهم مِن ضلالتِهم، أنهم مع افترائِهم على اللَّهِ الكذبَ بقولِهم: ﴿اَمَّخَذَ
اَللَّهُ وَلَدَّأْ﴾. تَمَّوا على اللَّهِ الأباطيلَ، فقالوا جَهْلًا منهم باللَّهِ ، وبمنزلتهم عندَه، وهم
باللّهِ مُشْرِكون: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا [٥٢٧/٤] اَللَّهُ﴾ كما يُكَلِّمُ رسلَه وأنبياءه، ﴿ أَوْ
تَأْتِينَآ ءَايَةٌ﴾ كما أتَتْهم. ولا يَنْبَغِى للَّهِ أن يُكَلِّمَ إِلَّا أولياءَه، ولا يُؤْتِىَ آيَةً مُعْجِزةً
على دَعْوَى مُدَّع إلا لمن كان مُحِقًّا فى دعواه، وداعيًا إلى دينِهُ(١) وتوحيدِه. فأما مَن
كان كاذبًا فى دعواه، وداعيًا إلى الفِرِيةِ عليه، وادِّعاءِ البنين والبناتِ له ، فغيرُ جائزٍ أن
يُكَلِّمَه جل ثناؤه ، أو يُؤْتِيَه آيَةً مُعْجِزةً تكونُ مُؤَيدةٌ كَذِبَه وفِرِيتَه عليه .
فأمَّا(٣) الزاعمُ أَنَّ اللَّهَ عَنَى بقولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. العربَ ، فإِنه
قائلٌ قولًا لا خبرَ بصحتِه، ولا برهانَ على حقيقته فى ظاهرِ الكتابِ . والقولُ إذا صار
إلى ذلك، كان واضحًا خطؤُه؛ لأنه ادَّعَى ما لا برهانَ على صحتِه . وادِّعاءُ مثلٍ
ذلك لن يَتَعذرَ على أحدٍ .
وأما معنى قولِه: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اَللَّهُ﴾. فإنه بمعنى: هَلَّا يُكَلِّمُنا اللَّهُ. كما
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٣٣/١ عن السدى.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((الله)).
(٣) فى م: ((وقال))، وفى ت ٢: ((قول)).

٤٧٦
سورة البقرة : الآية ١١٨
قال الأَشْهَبُ بنُ رُمَيْلةَ(١):
بَنِى ضَوْطَرَى(٤) لَوْلا الكَمِىَّ المُنَّعا
تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ(١) أَفْضَلَ مَجْدِ كُمْ(٣)
يعنى : هلَّا تَعُدُّون الكمىَّ المُقُتَّعَا.
وكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحبى، قال: أُخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أُخْبَرنا مَعْمرٌ،
عن قتادةَ فى قولِه: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾. قال: فهلَّا يُكَلِّمُنا اللَّهُ(٥).
وأمّا ((الآيَةُ))، فقد "بيَّنتُ فيما مضى قبل١ُ) أنها العلامةُ. وإنما أُخْبَرِ اللَّهُ عنهم
أنهم قالوا : هلَّا تَأْتينا آيةٌ على ما نُرِيدُ ونَسْألُ، كما أَتَت الأنبياء والرسلَ، فقال اللَّهُ
جلَّ ثناؤُه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾.
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ
قَوْلِهِمُ تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمُّ ﴾ .
اخْتَلف أهلُ التأويل فى من عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِم مِثْلَ قَوْلِهِمُ تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمٌ﴾ ؛ فقال بعضُهم فى ذلك بما حدَّثنى
محمدُ بنُ عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: هم
(١) البيت لجرير وليس للأشهب، ولعل المصنف قد تابع أبا عبيدة فى مجاز القرآن ٣٤/١، ولكن أبا عبيدة
نسبه فى النقائض ٨٣٣/٢ إلى جرير، وهو فى ديوانه ٢ /٩٠٧.
(٢) النيب: جمع ناب، والناب: الناقة المسنة، سموها بذلك حين طال نابها وعظم. التاج (ن ی ب ).
(٣) فى الديوان والنقائض: ((سعيكم)).
(٤) بنو ضوطرى: يقال للقوم إذا كانوا لا يَغْنُون غَناء: بنو ضوطرى. اللسان ( ض ط ر).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٥/١ (١١٤٣) عن الحسن بن يحيى به .
(٦ - ٦) فى م: ((ثبت فيما قبل معنى الآية)). وينظر ما تقدم فى ١٠٤/١.

٤٧٧
سورة البقرة : الآية ١١٨
(١)
اليهودُ (١).
وحدَّثنى المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفةً ، قال : حدثنا شِبْلٌ ، عن ابنِ أبى نجيحٍ ،
عن مجاهدٍ ، قال: الذين من قبلهم اليهودُ .
٥١٤/١
/وقال آخرون: هم اليهودُ والنصارى؛ لأن الذين لا يَعْلَمون هم العربُ(٢) .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيع ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ،
قال: ﴿ الَّذِينَ مِن [٢٧/٤ظ] قَبْلِهِمْ﴾. يعنى: اليهودُ والنصارى وغيرهم(١).
وحدَّثنى موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباطُ ، عن السدىِّ ، قال :
قالوا - يعنى العربَ - كما قالت اليهودُ والنصارى مِن قبلِهم(٤)
٠
وحدَّثنى المثنى ، قال : حدثنا إسحاقُ ، قال : حدثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه، عن
الربيع: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. يعنى: اليهودُ
(٥)
والنصارى(٥).
قال أبو جعفرٍ: قد دَلَّلنا على أن الذين عَنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ
لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾. هم النصارى، فالذين قالت النصارى(١) مثلَ
(١) تفسير مجاهد ص ٢١٢.
(٢) فى م: ((اليهود)).
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٦/١ عقب الأثر (١١٤٤) معلقا .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٦/١ عقب الأثر (١١٤٤) من طريق عمرو بن حماد به .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢١٦/١ عقب الأثر (١١٤٤) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٦) سقط من : م.

٤٧٨
سورة البقرة : الآية ١١٨
قولِهم هم اليهودُ؛ (لأن اليهودَ) سأَلت موسى عليه السلامُ أن يُرِيَهم ربَّهم جهرةٌ ، وأن
يُشْمِعَهم كلامَ ربِّهم - كما قد بيِّنا فيما مَضَى مِن كتابِنا هذا(١) - وسألوا مِن الآياتِ ما
ليس لهم مسألتُه تَحكّمًا منهم على ربِّهم، وكذلك تَمَنَّت النصارى على ربِّها تَحَكِّمًا
منها عليه، أن يُسْمِعَهم كلامَه، ويُرِيَهم ما أرادوا مِن الآياتِ، فأخْبَرِ اللَّهُ جلَّ ثناؤه
عنهم أنهم قالوا مِن القولِ فى ذلك مِثْلَ الذى قالَتْه اليهودُ، وتَمَّت على ربِّها مِثْلَ
أمانيّها ، وأن قولَهم الذى قالوه مِن ذلك إنما يُشابهُ قولَ اليهودِ ، مِن أجلٍ تَشابُهِ قلوبهم
فى الضلالةِ والكفرِ باللّهِ . فهم وإن اختلفتْ مذاهبهم فى كذبهم على اللَّهِ، وافترائهم
عليه ، فقلوبُهم متشابهةٌ فى الكفرِ بربِّهم والفِريةِ عليه، وتَحكّمِهم على أنبياءِ اللَّهِ ورسلِه
عليهم السلامُ . وبمثلٍ ما قلنا فى ذلك قال مجاهدٌ .
حدَّثنى المثنى ، قال: حدَّثنا أبو حذيفةً ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحِ،
عن مجاهدٍ: ﴿ تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ : قلوبُ النصارى واليهودِ .
وقال غيره: معنى ذلك: تَشابَهت قلوبُ كفارِ العربِ واليهودِ والنصارى
وغيرهم .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:
تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ . يعنى العربَ واليهودَ والنصارى وغيرهم .
وحدَّثنى المثنى، حدثنا إسحاقُ ، قال : حدثنا ابنُّ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
الربيع مثله .
(١ - ١) فى م: ((و)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٦٨٧/١ وما بعدها .

٤٧٩
سورة البقرة : الآية ١١٨
وغيرُ جائزٍ فى قوله: ﴿تَشَبَهَتْ﴾. التَّثْقِيلُ؛ لأن التاءَ فى أوَّلِها زائدةٌ ،
أَدْخِلت لقوله: ((تفاعَل)). فإن تُقِّلت صارت تاءَيْن، ولا يَجوزُ إدْخالُ تاءَيْن زائِدَتين
علامةٌ لمعنّى واحدٍ ، وإنما يَجوزُ ذلك فى الاستقبالِ ، لاختلافٍ معنَى دُخولهما؛ لأن
إحداهما تَدْخُلُ عَلَمًا للاستقبالِ ، والأُخْرَى منهما التى فى ((تفاعَل))، ثم تُدْغمُ
إحداهما فى الأخرى فتُتَّقَّلُ ، فيقالُ: تَشَّابَهُ بعدَ اليومِ قلوبُنا .
فمعنَى الآيةِ: وقالت النصارى الجُمَّالُ بِاللَّهِ وبِعَظمتِه: هَلَّا يُكَلِمُنا اللَّهُ ربُّنَا ،
كما كُلَّم أنبياءَه ورسله ، أو تَجِيتُنا علامةٌ مِن / اللَّهِ نَعرِفُ بها صدقَ ما نحن عليه، ٥١٥/١
على ما نَشْألُ ونُريدُ . قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه: فكما قال هؤلاءِ الجَهَلةُ مِن النصارى وتَمَّوا
على ربِّهم ، قال مَن قَبْلَهم مِن اليهودِ ، فسألوا ربَّهم أن يُرِيَهم نفسَه جَهْرةً ، ويُؤْتِيَهم
آيَةً ، واحْتَكموا عليه وعلى رسلِهِ ، وتَمنَّوا الأمانِيَّ، فاشْتَبهت [٢٨/٤ و] قلوبُ اليهودِ
والنصارى فى تَمُّدِهم على اللَّهِ ، وقِلَّةٍ مَعرِفِتِهم بعظمتِه، وجرأتِهم على أنبيائِه
ورسله، كما اشْتَبهت أقوالُهم التى قالوها .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿قَدْ بَيَّنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿قَدْ بَيَّنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: قد بيَّنَّا
العلاماتِ التى مِن أجلِها غَضِبَ اللَّهُ على اليهودِ، وجعَل منهم القِردةَ والخنازيرَ،
وأعدَّ لهم العذابَ المُهِينَ فى معادِهم، والتى مِن أجلِها أخْرَى اللَّهُ النصارى فى
الدنيا ، وأعدَّ لهم الخزىَ والعذابَ الأليمَ فى الآخرةِ ، والتى مِن أجلِها جعَل سُكَّانَ
الجنانِ الذين أسْلَموا وجوهَهم للَّهِ وهم محسنون - فى هذه السورةِ وغيرِها ، فأَعْلِموا
الأسبابَ التى مِن أجلِها استحقَّ كلُّ فريقٍ منهم مِن اللَّهِ ما فعَل به مِن ذلك. وخصّ
اللَّهُ بذلك القومَ الذين يُوقِنون؛ لأنهم هم أهلُ التَّئْتُتِ فى الأمورِ ، والطالبون معرفةً
حقائقِ الأشياءِ على يقينٍ وصحةٍ . فأخْبَرِ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أنه بَينَّ لمن كانت هذه الصفةُ

٤٨٠
سورة البقرة : الآيتان ١١٨، ١١٩
صفته ما بَيْنَّ مِن ذلك ؛ ليزولَ شَكّه ، ويَعْلَمَ حقيقةَ الأَمرِ، إذ كان ذلك خبرًا مِن اللَّهِ
جلَّ ثناؤُه، وخبرُ اللَّهِ الخبرُ الذى لا يُعذَرُ سامِعُه بالشكِّ فيه . وقد يَحْتَمِلُ غیرُه مِن
الأخبارِ ما يَحْتَمِلُ مِن الأسبابِ العارضةِ فيه، مِن السَّهْوِ والغلَطِ والكذبِ ، وذلك
مَنْفِىٌّ عن خبرِ اللَّهِ .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ .
ومعنى قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِآلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾: إنا أرسلناك
يا محمدُ بالإسلامِ الذى لا أَقبَلُ مِن أحدٍ غيرَه مِن الأديانِ، وهو الحقُّ، مُبِشِّرًا مَن
اتَّبَعك فأطاعك، وقَبِل منك ما دَعوتَه إليه مِن الحقِّ، بالنصرِ فى الدنيا، والظَّفَرِ
بالثوابٍ فى الآخرةِ ، والنعيم المقيم فيها ، ومُنْذِرًا مَن عصاك فخالفَك، وردَّ عليك ما
دَعَوْتَه إليه مِن الحقِّ، بالخِزْيِ فى الدنيا ، والذلِّ فيها ، والعذابِ المُهينِ فى الآخرةِ .
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَلَا تُشْكَلُ عَنْ أَصْحَابٍ الْجَحِيمِ
(١١٩)
قال أبو جعفر: قَرَأت عامَّةُ القَرأةِ: ﴿ وَلَا تُشَثَلُ عَنْ أَصْحَبِ الْجَحِيمِ﴾.[٢٨/٤ظ]
بِضَمّ التاءِ مِن ﴿تُتََّلُ﴾ ورَفْع اللامِ منها على الخبرِ، بمعنى: يا محمدُ ، إنا أرْسَلناك
بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا، فبلِّغْ(١) ما أُرْسِلْتَ به، فإنما عليك البلاُ والإنْذارُ،
ولستَ مسئولًا عمَّن كَفَر بما أتَيْتَه به مِن الحقِّ فكان مِن أهلِ الجحيمِ .
وقرّأ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ: (ولا تَسألْ). جَزْمًا بمعنى التَّهْىِ، مفتوحَ التاءِ
مِن (تَسْأَلْ)، وبجَزْمِ اللام منها(٢) . ومعنى ذلك على قراءةٍ هؤلاء: إنا أرسلناك
بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا؛ لتُبلِّغَ مَا أُرْسِلْتَ به، لا لتسألَ عن أصحابِ الجحيم ، فلا تَسْأَلْ
عن حالِهم .
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فبلغت)).
(٢) وهذه قراءة نافع، وقرأ الباقون كالوجه الأول. حجة القراءات ص ١١١.
٠