Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
سورة البقرة : الآية ١٠٦
والصوابُ مِن القولِ فى معنى ذلك عندَنا: ما نُبَدِّلْ مِن حُكْم آيَةٍ فَتُغَيِّزْه، أو
نَشْرِفْ تَبْدِيلَه فتُقِرَّه بحالِهِ، نَأْتِ بخيرٍ (١) لكم مِن حُكْمِ الآيةِ التى نَسَخْنا فَغَيَّرنا
حُكْمَها ، إما فى العاجلِ؛ لحِقَّتِهِ عليكم، مِن أجلِ أنه وَضْعُ فَرْضٍ كان عليكم ،
فأُسْقط ثِقَلُه عنكم ، وذلك كالذى كان على المؤمنين مِن فَرْضٍ قيامِ الليلِ ، ثم نُسِخ
ذلك فوضِع عنهم ، فكان(١) خيرًا لهم فى عاجلِهم، لسقوطِ عِبْءِ ذلك وثِقلِ حِمْلِه
عنهم ، وإما فى الآجلِ ؛ لِعِظَم ثوابِهِ مِن أجلِ مَشَقَّةٍ حملِه ، وثِقَلِ عِبْتِهِ على الأبدانِ .
كالذى كان عليهم مِن صيام أيامٍ مَعْدوداتٍ فى السنةِ ، فتُسِخَ وفُرِضَ عليهم مكانَه
صومُ شهرٍ كاملٍ فى كلٌّ حَوْلٍ . فكان فَرْضُ صومٍ شهرٍ كاملٍ كلِّ سنةٍ أَثْقَلَ على
الأبدانِ مِن صيامٍ أيامٍ مَعْدوداتٍ ، غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك، فالثوابُ عليه
أَجْزَلُ ، والأجر عليه أكثرُ؛ لفَضْلِ مَشَقَّتِه على مُكَلَّفيه مِن صومِ أيام معدوداتٍ
بذلك(٣) ، وإن كان على الأبدانِ أشقَّ، فهو خيرٌ مِن الأوَّلِ فى الآجلِ ؛ لفضلٍ ثوابِه
وعِظَم أجْرِه الذى لم يكنْ مثلُه لصومِ الأيام المعدوداتِ . فذلك معنى قوله: ﴿نَأْتِ
بِخَيْرٍ مِنْهَآ﴾. لأنه إما بخيرٍ منها فى العاجلِ لحِقَّتِه على مَن كُلِّفَه، أو فى الآجلِ
لِعِظَم ثوابِهِ وكثرةٍ أجرِه . أو يكونُ مِثلَها فى المشقَّةِ على البدنِ ، واستواءِ الأُجرِ
والثوابٍ عليه، نَظِيرَ نسخِ اللَّهِ تعالى ذِكْرُه فرضَ الصلاةِ شَطْرَ بيتِ المقدسِ
إلى فرضِها شطرَ المسجدِ الحرام. فالتوجّهُ شَطْرَ بيتِ المقدسِ وإن خالَف
التوجهَ شطرَ المسجدِ الحرام(٤)، فكُلْفةُ مؤنةٍ(٥) التوجهِ " شطرَ أيّهما توجّه )
(١) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((منها)).
(٢) بعده فى م: (( ذلك)) .
(٣) فى م، ت ٢: ((فذلك)).
(٤) زيادة من: ت ٢.
(٥) سقط من : م .
(٦ - ٦) فى الأصل: ((فوجه شطرانهما)).
( تفسير الطبرى ٢٦/٢ )

٤٠٢
سورة البقرة : الآية ١٠٦
شطرَه (١) المُتُوجّهُ(٢) - واحدةٌ؛ لأنَّ الذى على المتوجّهِ شطرَ البيتِ المقدَّسِ مِن مُؤْنٍ
تَوَجُهِه شطرَه، نَظِيرُ الذى على بدنِه (١) من (٢) مؤنةٍ توجههِ شطرَ الكعبةِ سواءٌ . فذلك
هو معنى المثلِ الذى قال جل ثناؤه: ﴿أَوْ مِثْلِهَاْ﴾ .
وإنما عَنَى جل ثناؤه بقوله: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾: ما نَنْسَخْ [٨/٤ظ]
مِن حكم آيةٍ أو تُنْسِه. غيرَ أن المخاطبين بالآيةِ لَّا كان مفهومًا عندَهم معناها، اكتَفى
بدَلالةِ ذكرِ الآيةِ مِن ذِكْرِ حُكْمِها . وذلك نظيرُ سائرٍ ما ذَكَرنا مِن نظائرِه فيما مَضَی
مِن كتابِنا هذا، كقوله: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾. بمعنى: حُبَّ
العجلِ. ونحوِ ذلك(٥) .
فتأويلُ الآيةِ إذن: ما نُغيّرُ مِن حُكْم آيةٍ فتُدِّلْه، أو نَتْرُكْه فلا نُبَدِّلْه، نَأْتِ بخيرٍ
لكم منه(١) - أيها المؤمنون - حُكْمًا منها، أو مِثْلِ حُكْمِها، فى الخِقَّةِ والثِّقَلِ،
والأجر والثوابٍ .
فإن قال قائلٌ: فإِنا قد عَلِمنا أن العِجْلَ لا يُشْرَبُ(٧) القلوبَ، وأنه لا يَلْتَبِسُ
على مَن سمِع قولَه: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾. أن معناه : وأُشْرِبوا فى
قلوبهم محبَّ العجلِ. فما الذى يَدُلَّ على أن قوله: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنِهَا
تَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ لذلك نظيرٌ؟
(١) فى ت ٢: ((الشطر))، وفى ت ١، ت ٣: ((شطره)).
(٢) سقط من : م .
(٣) فى ت ٢: ((يده))، وفى ت ١، ت ٣: (( يديه).
(٤) بعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((نظير)).
(٥) ينظر ما تقدم فى ص ٢٦٥، ٢٦٦.
(٦) زيادة من : الأصل .
(٧) بعده فى م: ((فى)).

٤٠٣
سورة البقرة : الآيتان ١٠٦، ١٠٧
قيل : الذى دلَّ على أن ذلك كذلك قولُه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾
٠
٤٨١/١
وغيرُ جائزٍ أن يكونَ مِن / القرآنِ شىءٌ خيرًا مِن شىءٍ؛ لأن جميعَه كلامُ اللَّهِ ، ولا
يجوزُ فى صفاتِ اللَّهِ تعالى ذِكرُه أن يقالَ: بعضُها أفضلُ مِن بعضٍ، أو (١) بعضُها
خيرٌ مِن بعضٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ
١٠٦)
يعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ فَدِيُ ﴾ : ألم تَعْلَمْ يا
محمدُ أنى قادرٌ على تعويضِك ممّا نسختُ مِن أحكامى ، وغيّْتُه مِن فرائضِى التى
كنتُ افتَرِضْتُها عليك، ما أشاءُ مَّا هو خيرٌ لك ولعبادى المؤمنين معك، وأنفعُ لك
ولهم ، إِمَّا عاجلًا فى الدنْيا، وإمَّا آجِلًا فى الآخرةِ، أو بأن أبدِّلَ لكَ ولهم مكانَه مثلَه
فى النفعِ لهم ، عاجلاً فى الدنيا وآجلاً فى الآخِرَةِ، وشَبيهَه فى الخِقَّةِ عليك وعليهم؟
فإنى - فاعلَمْ يا محمدُ - على ذلك وعلى كلُّ شيءٍ قديرٌ.
ومعنى قوله: ﴿قَدِيرُ﴾ . فى هذا الموضع: قَوِّ. يقالُ منه: قد قدَرْتُ على
كذا وكذا - إذا قَوِيتَ عليه - أقدِرُ عليه ، وأَقْدُرُ عليه ، قُدْرَةً وقِدْرانًا ومَقْدِرَةٌ . وبنو
مُدَّةَ مِن غَطَفَانَ تقولُ خاصةٌ (٢) : قدِرتُ عليه . بكسرِ الدالِ .
فأمَّا مِن التقديرِ مِن قولِ القائلِ: قدَرتُ الشىءَ. فإنه يقالُ منه: قدَرتُه أُقْدُرُه
قَدْرًا وقدرًا .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضُِّ وَمَا
(١٠٧)
لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (و)).
(٢) سقط من : م.
٠

٤٠٤
سورة البقرة : الآية ١٠٧
قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: أوَلم يكُنْ رسولُ اللَّهِ وَهِ يَعلَمُ أن اللَّهَ على كلِّ
شيءٍ قديرٌ، وأن اللَّهَ له مُلكُ السماواتِ والأرضِ حتى قيل [٥٩/٤] له ذلك ؟
قيل: بَلَى ، فقد كان بعضُهم يقولُ : إنما ذلك مِن اللَّهِ جل ثناؤه خبرٌ عن أن
محمدًاً عَ لِّ قد علِم ذلك، ولكنه(١) أَخْرَجُ الكلامَ مُخْرَجَ التقريرِ، كما تفعَلُ مثلَه
العربُ فى خطابٍ بعضِها بعضًا، فيقولُ أحدُهم لصاحبِه: ألم أَكْرِفْك، ألم
أَفْضِلْ(٢) عليك. بمعنى إخبارِه أنه قد أكرَمَه وأَفضَل(٢) عليه. يُرِيدُ: أليس قد
أكرمتُك، أليس قد أفْضلْتُ(٤) عليك. بمعنى: قد علِمتَ ذلك.
قال: وهذا قولٌ(٥) لا وجه له عندنا، وذلك أن قولَه جل ثناؤه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ
إنما معناه: أمَا عَلِمتَ. وهو حَرْفُ نجَحْدٍ أُدخِلَ عليه حرفُ استفهامٍ، وحروفُ
الاستفهامِ إنما تَدْخُلُ فى الكلام؛ إِمَّ بمعنى الاسْتِثْباتِ، وإمَّا بمعنى النفي، فأمَّا بمعنى
الإثباتِ ، فذلك غيرُ معروفٍ فى كلامِ العربِ ، ولا سيَّما إذا أُدخِلتْ على حروفٍ
الجحدِ، ولكنَّ ذلك عندى، وإن كان ظهَر ظُهورَ الخطابِ للنبىِّ عَ ◌ِّ، فإنما هو
مَعْنِىٌّ به أصحابه الذين قال لهم (١) اللَّهُ جل ثناؤه: ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْفُظْنَا
وَأَسْمَعُواْ﴾. والذى يَدُلُّ على أن ذلك كذلك قولُه جل ثناؤه: ﴿وَمَا لَكُم مِّن
دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. فعاد بالخطابِ فى آخرِ الآيةِ إلى جميعهم، وقد
ابتدأ أَوَّلَها بخطابِ النبيِّ ◌َّهِ بقولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِّ﴾. لأن المرادَ بذلك الذين وصَفتُ أمرَهم مِن أصحابِهِ، وذلك مِن كلامٍ
(١) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قد).
(٢) فى م: ((أتفضل)).
(٣) فى م: (( تفضل)) .
(٤) فى م: ((تفضلت)).
(٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٦) سقط من : م.

٤٠٥
سورة البقرة : الآية ١٠٧
٤٨٢/١
العربِ مستفيضٌ بينهم فصيح، أن يُخْرِجَ المتكلِّمُ منهم(١) كلامه على وجه الخطاب
منه لبعضٍ الناسٍ ، وهو قاصدٌ به غيرَه ، وعلى / وجهِ الخطابِ لواحدٍ ، وهو يَقْصِدُ به
جماعةً غيرَه، أو جماعةٍ(٢) المخاطَبُ به أحدُهم، وعلى وجهِ ) الخطابِ للجماعةِ
والمقصودُ به أحدُهم؛ مِن ذلك قولُ اللَّهِ جل ثناؤه: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ ◌َتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ
اُلْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ ثم قال: ﴿ وَأَتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّيِّكْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ١، ٢]. فرجع إلى خطابِ الجماعةِ، وقد ابتدَا (٤) الكلامَ
بخطابِ النبيِّ ◌َِّ. ونظيرُ ذلك قولُ الكُمَيْتِ بنِ زيدٍ فى مدحِ رسولِ اللَّهِ عَّ﴾ (٥):
إلى السّراجِ المُنِيرٍ أحْمَدَ لا يَعْدُلُنِى رَغْبَةٌ وَلَا رَهَبُ
عنه إلى غَيرِه ولو رَفَعَ النَّاسُ إِلىَّ العُيُونَ وارْتَقَبُوا
وقِيلَ أَفْرَطْتَ بل قَصَدْتُ ولو عَنَّفَنى القائِلُونَ أَوْ ثَلَبُوا(١)
أُكْثِرَ فيك الضِّجَائجُ واللَّجَبُ(٧)
لَجَّ بتَفْضِيلِكَ اللِّسانُ ولو
[٩/٤ ظ] أنتَ المُصَفَّى (1) المَخْضُ المُهَذَّبُ فى النِّسْبَةِ إِنْ نَصَّ(٩) قَوْمَكِ النَّسَبُ
فأخرَجَ كلامَه على وجهِ الخطابِ للنبىِّ ◌َه، وهو قاصدٌ بذلك أهلَ بيتِه .
(١) سقط من: م.
(٢) بعده فى م: (( و)) .
(٣) فى م: ((هذا)).
(٤) فى ت ١: ((ابتدئ)) .
(٥) الأبيات فى الحيوان للجاحظ ٥/ ١٧٠.
(٦) ثلب : لام وعاب ، وقيل: الثلب : شدة اللوم والأخذ باللسان. التاج ( ث ل ب).
(٧) اللجب : ارتفاع الأصوات واختلاطها. التاج ( ل ج ب ).
(٨) فى ت ١، ونسخ الحيوان: ((المصطفى)).
(٩) نص : رفع. اللسان ( ن ص ص ).

٤٠٦
سورة البقرة : الآية ١٠٧
فكنَى عن وصفِهم ومدحِهم بذكرِ النبيِّ عَّهِ، وعن بنى أُمَيَّةَ بالقائلين المُعُنَّفِينَ؛ لأنه
معلوم أنه لا أحدَ يُوصَفُ من المسلمين) بتعنيفٍ مادح النبيِّ ◌ِّه وتفضيلِه، ولا
بإكثارِ الصِّجاجِ واللَّجَبِ فى إطنابِ القِيلِ بفضلِه. وكما قال جَمِيلُ(٢) بنُ مَعْمَرٍ():
ألا إنَّ جِيرَانى العَشِيَّةَ رَائِخُ
دَعَتْهُمْ دَواعٍ مِن هَوَّى ومَنادِحُ()
فقال : ألا إِن جيرانى العشيةَ. فابْتَدَأُ الخبرَ عن جماعةٍ جيرانه، ثم قال: رائحُ؛
لأن قصْدَه فى ابتدائِه ما ابْتَدَاً(٥) مِن كلامِه الخبرُ عن واحدٍ منهم دونَ جماعتِهم.
وكما قال جَمِيلٌ أيضًا فى كلمته الأُخرَى(٦):
خَلِيلىَّ فيما عِشْتُما هل رَأيْتُمَا قَتِيلًا بَكَى من حُبِّ قاتِلِه قَبْلِى
وهو يُريدُ قاتلتَه(٢)؛ لأنه إنما يَصِفُ امرأةً، فكنَى بوصفٍ (١ الرجلِ عنها وهو
يَعْنِيها. فكذلك قولُه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ
مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ﴾ وإن كان ظاهرُ الكلام على وجه الخطاب للنبيّ ◌َِّ ،
فإنه مقصودٌ به قصدُ أصحابِه، وذلك بيِّنٌ بدلالةِ قولِه: ﴿ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ
مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن
قَبْلٌ﴾ الآيات الثلاث بعدَها ، على أن ذلك كذلك .
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى الأصل: (جرير)).
(٣) التبيان ١/ ٤٠١.
(٤) المنادح: المفاوز، وأرض مندوحة: واسعة بعيدة. التاج (ن دح).
(٥) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((به).
(٦) البيت فى أمالى القالى ٢/ ٧٤، والأغانى ١/ ١١٧.
(٧) فى الأصل: ((قاتله))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قاتليه)).
(٨) فى م: ((باسم)) .

٤٠٧
سورة البقرة : الآية ١٠٧
وأمَّا قولُه: ﴿ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾. ولم يقُلْ: مِلكُ السماواتِ .
فإنه عنَى بذلك مُلْكَ السلطانِ والمملكةِ دونَ المِلْكِ، والعربُ إذا أرادت الخبرَ عن
المملكةِ التى هى مملكةُ سلطانٍ ، قالت: ملَك اللَّهُ الخلقَ مُلْكًا. وإذا أرادت الخبرَ عن
المِلْكِ قالت : ملَك فلانٌ هذا الشىءَ، فهو يَمْلِكُه مِلْكًا ومَلَكَةٌ ومَلْكًا .
فتأويلُ الآيةِ إذن: ألم تعلَمْ يا محمدُ أن لى مُلكَ السماواتِ والأرضِ
وسلطانَهما دونَ غيرِى، أحْكُمُ فيهما وفيما فيهما ما أشاءُ(١) ، وَآمُرُ فيهما وفيما
فيهما بما أشاءُ، وأَنْهَى عمَّا أشاءُ، وأَنْسَخُ وَأَبَدِّلُ وأغيّرُ مِن أحكامى التى أعْكُمُ بها
فى عبادى ما أشاءُ إذا أشاءُ، وأَقِرُّ منها ما أشاءُ .
وهذا الخبرُ وإن كان مِن اللَّهِ عزّ وجلَّ خطابًا / لنبيِّه محمدٍ عَ لَّه على وجهِ الخبرِ
عن عَظَمتِهِ ، فإنه منه جل ثناؤه تكذيبٌ لليهودِ الذين أنْكَروا نْخَ أحكامِ التوراةِ،
وجحَدوا نُبُوَّةَ عيسى ومحمدٍ (٢) صلى اللَّه عليهما، لمجيئهما بما جاءا به مِن
عندِ اللَّهِ بتغييرِ ما غيَّرَ اللَّهُ مِن أحكام(٢) التوراةِ، فأخبرهم اللَّهُ أن له مُلْكَ
السماواتِ والأرضِ وسلطانَهما، " وأنَّ" الخلقَ أهلُ مَمْلَكتِهِ وطاعتِه، عليهم
السمعُ له والطاعةُ لأُمرِه ونهيهِ ، وأن له أمْرَهم بما شاءَ، ونهيَهم عمَّا شاءَ، وإقرارَ ما شاءَ،
ونشْخَ ما شاءَ، وإنساءَ ما شاءَ مِن أحكامِه وأمْرِه ونهيهِ، ثم قال [١٠/٤ و] لنبيِّه عَ لَّه
وللمؤمنين معه : انقادُوا لأمرِى، وانْتَهُوا إلى طاعتِى فيما أَنْسَخُ وفيما أتْرِكُ (٥) ، فلا
٤٨٣/١
(١) بعده فى ت ٣: ((إذا أشاء)).
(٢) فى م: ((أنكروا محمدًا)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حكم)).
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فإن)).
(٥) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أنزل)).

٤٠٨
سورة البقرة : الآية ١٠٧
أَنْسَخُ مِن أحكامى ولا(١) حُدُودِى وفرائضِى، ولا يَهِيدَنَّكم(١) خلافُ مُخالفٍ لكم
فى أمرِى ونهى، وناسخِى ومنسوخِى، فإنه لا قَيِّمَ بأمرٍ كم ) سواىَ، ولا ناصِرَ()
لكم غيرى، وأنا المنفردُ بوَلايتكم والدفاع عنكم، والمتوحّدُ بنُصْرَتِكم بعزَّتى
وسُلطانى وقوَّتى على مَن ناوَأْكم وحادًّكم، ونصَب حَرْبَ العداوةِ بينَه
وبينَكم، حتى أُعْلِىَ حُجَّتَكم، وأجعلَها عليهمْ) لكم.
و ((الوَلَىُّ))(٦) فَعِيلٌ، مِن قولِ القائلِ: وَلِيتُ أَمرَ فلانٍ. إذا صِرْتَ قيّمًا به ، فأنا
أَلِيه ، وهو (٧) وَلِيُّه وَقَيِّمُه . ومِن ذلك قِيل: فلانٌ ولىُّ عهدِ المسلمين . يعنى به القيِّم بما
◌ُهِد إليه مِن أمرِ المسلمينِ .
وأمَّا ((النصيرُ))، فإنه فَعِيلٌ، مِن قولِك: نصَرتُك أَنصُرُك، فأنا ناصرك
ونصيرك. وهو المُؤَيِّدُ والمُقَوِّى.
وأمّا معنى قولِه: ﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ فإنه: سِوَى اللَّهِ وبعدَ اللَّهِ. ومنه قولُ
أُمَيَّةَ بنِ أبى الصَّلْتِ (4):
يا نَفْسُ ما لَكِ دُونَ اللَّهِ مِن وَاقِى وَمَا عَلى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مِنْ باقى
يُريدُ: ما لكِ سوى اللَّهِ وبعدَ اللَّهِ مَن يَقِيكِ المكاره .
(١) زيادة من: الأصل.
(٢) فى الأصل: ((يهتدنكم))، وفى ت ١: ((يهدينكم)). وهاده الشىء يهيده: أفزعه . التاج (هـ ی د).
(٣) فى ت ١، ت ٣: ((يأمركم)).
(٤) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يأمر)).
(٥ - ٥) فى الأصل: ((وأجعل الظفر عليكم))، وفى ت ١، ت ٣: ((وأجعل عليهم))، وفى ت ٢: ((وأجعله عليهم)).
(٦) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((معناه)) .
(٧) فى ت ١: ((فأنا)).
(٨) ديوانه ص ٢١.

٤٠٩
سورة البقرة : الآيتان ١٠٧، ١٠٨
فمعنى الكلام إذن : وليس لكم أيُّها المؤمنون بعدَ اللَّهِ مِن قَيِّم بأَمْرٍكم(١)، ولا
نصيرٍ يُؤَيِّدُكم ويقوِّيكم، فيُعِينَكم على أعدائِكم .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْتَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُچِلَ
مُوسَى مِن قَبْلٌ﴾ .
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى مِن أجلِهِ أُنْزِلَت هذه الآيةُ ؛ فقال بعضُهم
بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، وحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: حدَّثنا
سلَمةُ بنُ الفضلِ، قالا: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ
مولى زيدِ بنِ ثابتٍ ، قال : حدَّثنى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ ، أو عكرمةُ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال :
قال رافعُ بنُ حُرَيْلَةً ووهبُ بنُ زيدٍ لرسولِ اللَّه عَلِّ: اننا بكتابٍ تُنَزِّلُه علينا مِن
السماءِ تَقْرَؤُه، وفجّرْ لنا أنهارًا نَتَِّغْك ونُصَدِّقْك. فَأَنْزَل اللَّهُ فى ذلك مِن
قولِهم٢): ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَشْعَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ﴾ الآية(٢).
[٠/٤ ١ ظ] وقال آخرون بما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ،
عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُچِلَ مُوسَى مِن قَبْلٌ﴾ :
وكان موسى سئِل فقيل له: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾(١).
/حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السُّدِّىِّ:
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَشْكَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُچِلَ مُوسَى مِن قَبْلٌ﴾ أن يُرِيَهم اللَّهَ
٤٨٤/١
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يأمركم))، وغير منقوطة فى الأصل.
(٢ - ٢) سقط من: الأصل .
(٣) سيرة ابن هشام ٥٤٨/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٢/١ (١٠٧٤) من طريق
سلمة به .
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٣/١ عقب الأثر (١٠٧٧) معلقا .

٤١٠
سورة البقرة : الآية ١٠٨
جهرةً، فسألت العربُ محمدًا عَِّمٍ أن يأتيَهم باللَّهِ(١) فِيَرَوْنَه جهرةٌ (١).
وقال آخرون بما حدَّثنى به محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا
عيسى، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُواْ
رَسُولَكُمْ كُمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلٌ﴾ أن تُرِيَهم اللَّهَ جهرةً، فسأَلَت قريشٌ
محمدًا عَظِّمِ أن يَجْعَلَ لهم(٢) الصَّفا ذهبًا، قال: ((نعم، (١) وهو" لكم ° كالمائدة
البِىْ) إسرائيلَ (٦)). فَأَبُوْا ورجَعوا(٧).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ جُرَيْجٍ،
عن مجاهدٍ، قال: سألتْ قريشٌ محمدًا بَ لَّهِ أن يَجْعَلَ لهم الصَّفَا ذهبًا، فقال:
((نَعَمْ، ("وهوُ لكم كالمَئِدةِ لبنى إسرائيلَ إِن كَفَرْتُمْ)). فأبوا ورجَعوا، فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿أَمْ
تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُيلَ مُوسَى مِن قَبْلُ ﴾ أن تُرِيَهم اللَّهَ جهرةً.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثله .
وقال آخَرون بما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ،
(١) فى الأصل: ((الله)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٣/١ (١٠٧٧) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٠٧/١ إلى ابن المنذر.
(٣) فى م: ((الله له)).
(٤ - ٤) فى الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((هو).
(٥ - ٥) فى م: ((كمائدة بنى)).
(٦) بعده فى م: ((إن كفرتم)).
(٧) تفسير مجاهد ص ٢١١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٣/١ (١٠٧٥). وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٠٧/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٨ - ٨) فى الأصل: ((هو)).

٤١١
سورة البقرة : الآية ١٠٨
عن أبيه، عن الربيع، عن أبى العاليةِ، قال: قال رجلٌ: (يا رسولَ اللَّهِ، لو كانت
كفَّاراتُنا كفَّاراتِ بنى إسرائيلَ؟ فقال النبيُّ عَلِ: ((اللهمّ لا نَبْغِيها، " اللهمَّ لا
نبغيها٢) ، ما أعطَاكم اللَّهُ خيرٌ مَّا أُعطَى بنى إسرائيلَ؛ كانت بنو إسرائيلَ إذا أصابَ(١)
أحدُهم الخَطيئةَ وجَدها مكتوبةً على بابِه وكفَّارتَها، فإن كفَّرها كانت له خِزْيًا فى
الدنيا، وإن لم يُكَفِّرْها كانت له خِزيًا فى الآخرةِ، () وقدّ) أعطاكم اللَّهُ خيرًا ممّا أَغْطى
بنى إسرائيلَ، قال: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوْءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ
غَفُورًا زَحِيمًا﴾)) [النساء: ١١٠]. قال: وقال: ((الصلواتُ الخمسُ، والجُمُعَةُ إلى
الجُمُعَةِ ، كَفَّاراتٌ لمّا بينَهِنَّ)). وقال: ((مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فلم يَعْمَلْها كُتِبت له [١/٤ ١ و]
حسنةً، وإن عمِلها كُتِبت له عشْرَةَ أمثالِهَا، ولا يَهْلِكُ على اللَّهِ إلَّا هالكٌ)). فأَنْزَل
اللَّهُ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلٌ﴾(٥).
واخْتَلف أهلُ العربيةِ فى معنى ((أم)) التى فى قوله: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ
فقال بعضُ البصريِّين: هى بمعنى الاستفهامٍ ، وتأويلُ الكلامِ : أَتْرِيدون أن
تسألوا رسولكم؟
وقال آخَرُ منهم: هى بمعنى استفهامٍ مُسْتَقْبَلٍ مُنْقَطِعٍ مِن الكلام، كأنك تَمِيلُ بها إلى
أوَّلِهِ ، كقولِ العربِ: إنها لإبلٌ - يا قومُ - أم شاءٌ، ولقد كان كذا وكذا أمْ حَدْسُ(٧) نفسى.
(١ - ١) فى الأصل: ((لرسول الله عَل ◌َه)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى تفسير ابن أبى حاتم: ((ثلاثا)).
(٣) فى م: ((فعل))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وجد)).
(٤ - ٤) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فقد))، وفى تفسير ابن أبى حاتم: ((فما)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٣/١ (١٠٧٦) من طريق ابن أبى جعفر به. وهو مرسل.
وقوله: ((الصلوات الخمس ... )). أخرجه مسلم (٢٣٣) من حديث أبى هريرة .
وقوله: ((من هم بحسنة فلم يعملها ... )). أخرجه مسلم (١٣١) من حديث ابن عباس.
(٦) فى م: ((آخرون)).
(٧) فى الأصل: ((حدثت)).

٤١٢
سورة البقرة : الآية ١٠٨
قال: وليس قولُه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ على الشكُّ، ولكنه قاله ليُقَبِّحَ له
صنيعَهم. واسْتَشْهَد لقولِه ذلك ببيتِ الأُخْطَل (١):
غَلَسَ الظَّلامِ مِن الرَّبَابِ خَيَالًا
كَذَبَتْكَ عَيْنُك أم رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ
٤٨٥/١
/ وقال بعضُ نحويِّى الكوفيّين (١): إن شِئتَ جعَلتَ قوله: ﴿ آَمْ تُرِيدُونَ
استفهامًا مُبتدأ(٢) على كلامٍ قد سبقه، كما قال جل ثناؤُه: ﴿الّ ◌َ تَزِيلُ
اَلْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ اُفْتَرَنَّهُ﴾ [السجدة: ١- ٣].
ج
فجاءت ((أمْ)) وليس قبلَها استفهامٌ. فكان ذلك عندَه دليلًا على أنها استفهامٌ مبتدأً
علی کلام قد سبقه .
وقال قائلُ هذه المقالةِ: ((أم)) فى المعنى تكونُ ردًّا(٤) على الاستفهامٍ على
جهتين: إحداهما، أن تُفَرَّقَ(٥) معنى ((أىّ))، والأَخْرَى، أن يُسْتَفْهَمَ بها، ويكونَ
على جهةٍ (٢) النَّسَقِ، والذى يُنْوَى به الابتداءُ، إلَّا أنه ابتداءٌ مُتَّصلٌ بكلامٍ، فلو
ابتدأتَ كلامًا ليس قبلَه كلام ثم استَفْهمتَ، لم يكنْ إلّ بالألفِ أو بـ ((هل)).
قال : وإن شِئتَ قلتَ فى قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾: قبلَه استفهامٌ فرُدَّ عليه،
وهو فى قولِه : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ﴾ .
والصوابُ مِن القول فی ذلك عندی - علی ما جاءت به الآثار التی ذکوْناها
عن أهلِ التأويلِ - أنه استفهامٌ مُبْتَدَأُ بمعنى: أَثُرِيدون أَيُّها القومُ أَن تَشْأَلُوا رسولَكم؟
وإنما جاز أن يَسْتَفْهِمَ القومَ بـ ((أم)) - وإن كانت ((أم)) أحدُ شروطِها أن تكونَ نَسَقًا
(١) شرح ديوانه ص ٣٨٥.
(٢) هو الفراء فى معانى القرآن ١/ ٧١.
(٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) في الأصل: ((تدل)).
(قيم: (تعرف)).
١

٤١٣
سورة البقرة : الآية ١٠٨
فى الاستفهامِ - لتقدُّم ما تقدَّمَها مِن الكلام ؛ لأنها تكونُ استفهامًا مُبتَدأَ إذا تقدَّمَها
سابقٌ مِن الكلامِ ، ولم يُسْمَعْ مِن العربِ استفهام بها ولمّاً يتقدَّمْها كلامٌ. ونظيره(١)
قولُه جل ثناؤه: ﴿الّ ج ◌َزِلُ اَلْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ( أَمْ
ج
يَقُولُونَ آَفْتَرَنَّهُ﴾. وقد [١١/٤ ظ] تكونُ ((أم)) بمعنى ((بل)) إذا سبقها استفهاٌ
لا تَصْلُغُ فيه ((أىّ))، فيقولون: هل لك قِبَلَنا حقٌّ، أم أنت رجلٌ معروفٌ
بالظلم؟ (يرادُ به : بل أنت رجلٌ مَغروفٌ بالظُّلْمِ). كما قال الشاعرُ(٣):
فَوَاللَّهِ ما أَدْرِى أَسَلْمَى ( تَغَوَّلَتْ أُمِ النَّوْمُ) أَمْ كُلِّ إلىَّ حَبِيبُ
يَعنى : بل كلِّ إلىّ حبيبٌ .
وقد كان بعضُهم يقولُ - مُنْكِرًا قولَ مَن زعم أن ((أم)) فى قوله: ﴿أَمَ
تُرِيدُونَ﴾ استِفهامٌ مُستقبَلٌ مُنقطِعٌ مِن الكلام، يَمِيلُ بها إلى أوَّلِه -: إن الأولَ
خبرٌ، والثانىَ استفهامٌ، والاستفهامُ لا يكونُ فى الخبرِ، والخبرُ لا يكونُ فى
الاستفهام، ولكن أدرَكه الشكُّ - بزَعمِه - بعدَ مُضِىِّ الخبرِ، فاسْتَفْهَمَ .
فإِذا كان بمعنى(٢) ((أم)) ما وصَفْنا، فتأويلُ الكلام: أَتُريدون أيُّها القومُ أن
تَسْأَلُوا رسولَكم مِن الأشياءِ نظيرَ ما سأل قومُ موسى موسى (١) مِن قبلِكم، فَتَكْفُروا
إن مُنِعْتُموه، بمسألَتِكم (١) ما لا يجوزُ فى حكمةِ اللَّهِ إِعطاؤُ كُموه، أو تَهْلِكوا إن كان
(١ - ١) فى الأصل: ((هو ونظير))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((هو نظير)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) معانى القرآن للفراء ٧٢/١، والصاحبى ص ١٦٨.
(٤ - ٤) فى النسخ: ((تقولت أم القوم))، والتصويب من مصدرى التخريج وما سيأتى فى تفسير الآية ٦٦ من
سورة النمل .
وتغولت المرأة : تلونت . اللسان ( غ ول ).
(٥) فى م: ((معنى)).
(٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٤١٤
سورة البقرة : الآية ١٠٨
ممّا يجوزُ فى حكمتِه(٢) إِعطاؤُ كُموه، فأعطاكُموه، ثم كفَرتُم مِن بعدِ ذلك، كما
هلَك مَن كان قبلكم مِن الأمم التى سألت أنبياءَها ما لم يكنْ لها مسألتُها إِيَّاهم، فلمَّا
أُعْطِيَتْ كَفَرَت ، فعُوجِلَت بالعقوباتِ لكفرِها بعدَ إِعطاءِ اللَّهِ إِيَّاها سُؤْلَها .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِآلْإِيَمْنِ﴾ .
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ﴾: ومَن يَسْتَبْدِلْ، ﴿اَلْكُفْرَ﴾،
ويعنى بالكفرِ الجحودَ باللَّهِ وبآياتِه، ﴿بِآلْإِيمَانِ﴾، يعنى بالتصديقِ باللَّهِ وبآياتِه
والإقرارِ به .
وقد قيل: عَنى بالكفرِ فى هذا الموضعِ الشدَّةَ ، وبالإيمانِ الرخاءَ .
ولا أعرِفُ الشدةَ فى معانى الكفرِ ، ولا الرخاءَ فى معنى الإيمانِ ، إِلَّا أن يكونَ
قائلُ ذلك أراد - بتأويلِه الكفرَ بمعنى الشدَّةِ فى هذا الموضع، وبتأويله الإيمانَ فى
٤٨٦/١ معنى الرخاءِ - ما أعَدَّ اللَّهُ للكفارِ فى الآخرةِ / مِن الشدائدِ، وما أَعَدَّ اللَّهُ لأهلِ
الإيمانِ فيها مِن النعم (١) ، فيكونُ ذلك وجهًا وإن كان بعيدًا مِن المفهومِ بظاهرٍ
الخطاب .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، ( عن
الربيع٢٤، عن أبى العاليةِ: [١٢/٤ و] ﴿ وَمَن يَتَّبَدَّلِ الْكُفْرَ بِآلْإِيمَانِ﴾. يقولُ: يَبَدَّلِ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((فى مسألتكم)).
(٢) فى ت ١، ت ٣: (( حكمه)) .
(٣) فى م، ت ٢: ((النعيم)).
(٤ - ٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٤١٥
سورة البقرة : الآية ١٠٨
الشدَّةَ بالرخاءِ .
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنَى حَجَّاجٌ، عن(٢) أبى
جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ بمثله .
وفى قولِه: ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِآلْإِيمَنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾.
دليلٌ واضحٌ على صحةٍ(٤) ما قلنا مِن أن هذه الآياتِ مِن قوله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾. خطابٌ مِن اللَّهِ المؤمنين به مِن أصحابٍ رسولٍ
اللَّهِ يَّهِ، وعتابٌ منه لهم على أمرٍ سَلَف منهم، ممّا سُرَّ به اليهودُ، وكرِهه رسولُ
اللَّهِ وَمِ لهم، فكرِهه اللَّهُ لهم، فعاتَبهم (٤) على ذلك، وأَعْلَمَهم أن اليهودَ أهلُ غِشٌ
لهم، وحسَدٍ وبَغْي ، وأنهم يتمنَّوْن لهم المكارِةَ ، ويَبْغُونهم الغوائلَ، ونهاهم أن
يَنْتَصِحوهم، وأخبرهم أن مَن ارتدَّ منهم عن دينِه فاسْتَبْدَل بإيمانِه ◌ْباللَّهِ وبرسولِهْ).
كُفرًا، فقد أخْطَأ قصدَ السبيلِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ
أمَّا قولُه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾. فإنه يعنى به: ذهَب وجارَ) . وأصلُ الضلالِ عن
الشىءٍ: الذهابُ عنه والجورُ(١)، ثم يُسْتَعْمَلُ فى الشىءِ الهالكِ والشىءِ الذى لا يُؤْبَهُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٤/١ (١٠٧٨) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٢) بعده فى الأصل، م، ت٣: ((ابن)).
(٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى الأصل: ((فعاقبهم )).
(٥ - ٥) سقط من: م، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بالله)).
(٦) فى م، ت ١، ت ٢: ((حاد)).
(٧) فى م: ((الحيد)).

٤١٦
سورة البقرة : الآية ١٠٨
له، كقولهم للرجلِ الخاملِ الذى لا ذِكْرَ له ولا نباهةَ: ضُلُّ بنُ ضُلِّ، وَقُلُّ بنُ قُلِّ.
وكقول الأخطلِ فى الشىءِ الهالكِ(١):
كُنْتَ القَذَى فى مَوْجِ أَكْدَرَ(٢) مُزْبِدٍ قَذَفَ الأَتِيُ(٣) بِهِ فَضَلَّ ضَلالا
يعنى : هلَك فذهَب .
والذى عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾: فقد ذهَب
عن سواءِ السبيلِ وجارَ عنه .
وأمَّا تأويلُ قولِه: ﴿سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾. فإنه يعنى بالسواءِ القصدَ والَنَّهَجَ .
وأصلُ السواءِ الوَسَطُ . ذُكِر عن عيسى بنِ عُمرَ النحوىٌّ أنه قال : مازِلْتُ أ کتُبُ حتى
انْقَطعَ سَوَائى . يعنى: وَسَطى . وقال حسّانُ بنُ ثابتٍ(٤) :
بَعْدَ الْمُغَيَّبِ فِى سَوَاءِ المُلْحَدِ
يا وَيْحَ أَنْصَارِ النبىِّ ونَسْلِهِ
يعنى بالسواءِ: الوسَطَ . والعربُ تقولُ(١): فى سواءِ الليلِ . يعنى: فى
مُسْتَوَى الليلِ(١) . وسواءُ الأرضِ مستواها عندهم .
وأمَّا ((السبيل))، فإنها الطريقُ المسبولُ، صُرِف مِن مسبولٍ إلى سبيلٍ ..
(١) شرح ديوانه ص ٣٩٢.
(٢) فى م: ((أكبر)).
(٣) الأتى: السيل لا يدرى من أين أتى. اللسان (أت ى).
(٤) البيت فى الأضداد ص ٤٢، ومجاز القرآن ١٥٧/١. وسيأتى البيت فى تفسير الآية ٥٨ من سورة
الأنفال .
(٥) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((هو)).
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((السبيل)).

٤١٧
سورة البقرة : الآية ١٠٨
فتأويلُ الكلام إذن : ومَن يَشْتَبْدِلْ بالإيمانِ باللَّهِ وبرسولِه الكفرَ، فَيَزْتَدَّ عن
دينه ، فقد جار عن منهجٍ الطريقِ ووسَطِه الواضحِ المسبولِ .
وهذا القولُ ظاهرُه الخبرُ عن زوالِ الْمُسْتبدِل بالإيمانِ الكفرَ عن
الطريقِ، [١٢/٤] والمعنىُّ به الخبرُ عنه أنه قد ترَك دينَ اللَّهِ الذى ارْتَضَاه لعبادِه،
وجعَله لهم طريقًا يَسْلُكونه إلى رضاه، وسبيلاً(١) يَرْكَبونها إلى محبَّتِه والفوزِ
بجِنانِهِ . فجعَل جلّ ثناؤه الطريقَ - الذى إذا ركِب مَحَجَّتَه السائرُ فيه، ولزِم وَسَطَّه
/ المجتازُ فيه، نجا وبلَغ حاجتَه، وأدرك طَلِبْتَه - لدِينِه الذى دعا إليه عبادَه مَثَلًا
الإدراكِهم - بلزومِه واتِّاعِه - إدراكَ(١) طَلِباتِهم فى آخرتِهم، كالذى يُدْرِكُ اللازمُ
محجَّةَ السبيلِ - بلزومِهِ إِيَّاها - طَلِيَّتَه مِن النجاةِ منها ، والوصولِ إلى الموضعِ الذى
أمَّه وقصَده. وجعَل مثَلَ الجائرِ(٣) عن دِينِه، والحائدِ عن اتّباعِ ما دعا(*) إليه مِن
عبادِه(٥) فى خَيْتِه(٩) ما رجا أن يُدْرِكَه بعمَلِه فى آخرِهِ ، وينالَ به فی مَعَادِه وذهابِهِ،
عمَّا أمَّل مِن ثوابٍ عملِه، ويُعْدِه به مِن ربِّه - مثلَ الجائرِ(١) عن منهجِ الطريقِ، وقصدِ
السبيلِ، الذى لا يزدادُ وُغُولًا فى الوجهِ الذى سلكه، إلّ ازدادَ مِن موضعٍ حاجتِه
بُعْدًا، وعن المكانِ الذى أمَّه وأرادَه نَأيًا .
٤٨٧/١
وهذه السبيلُ التى أخبَرَ اللَّهُ عنها، أن مَن يَتَبَدَّلِ الكفرَ بالإِيمانِ فقد ضلّ
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((سبلا)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إدراكهم)).
(٣) فى م: ((الحائد)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( دعاه )) .
(٥) فى م: ((عبادته)).
(٦) فى م: (( حياته)).
( تفسير الطبرى ٢٧/٢ )

٤١٨
سورة البقرة : الآيتان ١٠٨، ١٠٩
سَواءها، هو (١) الصراط المستقيمُ، الذى أُمِرْنا بمسألتِه الهدايةَ(٢) له بقوله: ﴿أَهْدِنَا
اَلْصِرَطَ الْمُسْتَقِمَ ا صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ .
القولُ فى تأويل قوله : ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُونَكُمْ مِّنْ
بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾.
قال أبو جعفرٍ : وقد صَرَّح هذا القولُ مِن قولِ اللَّهِ جل ثناؤه ، بأن خطابَه بجميعِ
هذه الآياتِ مِن قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾ وإن صرّف
فى بعضِه الكلامَ إلى خطابِ النبيِّ عَ لَه، إنما هو خطابٌ منه للمؤمنين (٣من
أصحابِهِ ، وعِتابٌ منه لهم، ونهىٌّ عن انتصاحِ اليهودِ ونُظَرائِهم مِن أهلِ الشركِ،
وقبولٍ آرائهم فى شىءٍ مِن أمورٍ دينهم، ودليلٌ على أنهم كانوا اسْتَعملوا، أو مَن
اسْتَعمل منهم، فى "خطابٍ ومسألةٍ" رسولِ اللَّهِ عَظِّمِ الجفاءَ، وما لم يكنْ له
استعمالُه معَه، تأسِّيًا فى ذلك باليهودِ أو ببعضِهم، قال لهم ربُّهم ناهيًا لهم عن
استعمالِ ذلك: لا تقولوا لنبيّكم ◌َِّ كما تقولُ (١) اليهودُ: راعِنا. تأسِّيًّا منكم بهم،
ولكنْ [١٣/٤ و] قولوا: انْظُرْنا واسْمَعوا. فإن أذَى رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّه كفرٌ بى وجحودٌ
لحقِّى الواجبِ لى (٢) عليكم فى تعظيمِه وتوقيرِهِ، ولَمَن كَفَربى عذابٌ أليم، فإن اليهودَ
والمشركين ما يَوَدُّون أن يُتَزَّلَ عليكم مِن خيرٍ مِن ربِّكم ، ولكنَّ كثيرًا منهم ودُّوا أنهم
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((هى)).
(٢) فى م: (( نفسه)) .
(٣ - ٣) فى م: ((وأصحابه)).
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((خطابه ومسألته)).
(٥) سقط من: م.
(٦) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (له)).
(٧) زيادة من: م.

٤١٩
سورة البقرة : الآية ١٠٩
يَؤُدُّونکم مِن بعدِ إیمانِکم کفَّارًا؛ حسَدًا مِن عند أنفسِھم لکم ولنبێکم محمد ێِّ ،
مِن بعدٍ ما تبينَّ لهم الحقُّ فى أمرِ محمدٍ عَ لَّهِ ، وأنه نبىٌّ إليهم وإلى خلقى كافَّةً .
وقد قيل: إن اللَّهَ جل ثناؤُه عنَى بقولِه: ﴿وَذَّ كَثِرٌ مِّنْ أَهْلِ
اُلْكِنَبِ﴾ كعبَ بنَ الأشرفِ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
الزُّهْرِىِّ فى قولِه: / ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ﴾: هو كعبُ بنُ
الأشرف(١).
٤٨٨/١
وحدَّثنا القاسِمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ المعْمَرىُّ(١)، عن مَعْمَرٍ،
عن الزُّهْرِىِّ وقتادةَ: ﴿وَذَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ اَلْكِنَبِ﴾ قال: كعبُ بنُ
الأَشْرِفِ(٣) .
وقال بعضُهم بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ
إسحاقَ، وحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ
إسحاق ، قال : حدَّثنی محمدُ بنُ أبی محمدٍ مولی زید بن ثابتٍ ، قال : حدَّثنی
سعيدُ بنُّ جبيرٍ ، أو عكرمةُ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : كان حُتَىُ بنُ أُخْطَبَ ، وأبو یاسٍ
ابْنُ أَخْطَبَ، مِن أشدِّ يهودَ للعربِ حسدًا، إذْ خَصَّهم اللّهُ برسولِهِ مَ ◌َّه، وكانا
جاهدَيْن فى ردِّ الناسِ عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل اللّهُ فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ
مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ الآية (٤).
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٥، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٤/١ (١٠٨٢) عن الحسن بن يحيى به .
(٢) فى م: ((العمرى)). وينظر تهذيب الكمال ١٠٩/٢٥.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٧/١ إلى المصنف .
(٤) سيرة ابن هشام ٥٤٨/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٤/١ (١٠٨١) من طريق سلمة .

٤٢٠
سورة البقرة : الآية ١٠٩
وليس لقولِ القائلِ: عَنَى بقولِه: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِئَبِ﴾
كعب بن الأشرفِ . معنّى مفهومٌ؛ لأن كعبَ بنَ الأشرفِ واحدٌ، وقد أخبرَ اللَّهُ جلّ
ثناؤه أن كثيرًا منهم يَوَدُّون لو يَرُدُّون المؤمنين كفارًا بعد إيمانِهم ، والواحدُ لا يقالُ له :
كثيرٌ. بمعنى الكثرةِ فى العددِ ، إلا أن يكونَ قائلُ ذلك أرادَ توجيهَ (١) الكثرةِ التى
وصَف اللَّهُ بها مَن وصَفه بها فى هذه الآيةِ ، الكثرةَ فى العزِّ ورفعةِ المنزلةِ فى قومِه
وعشيرتِه، كما يقالُ: فلانٌ فى الناسِ كثيرٌ . يرادُ به كثرةُ المنزلةِ والقَدْرِ. فإن كان
أراد ذلك فقد أخطأً؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤه قد وصَفَهم بصفةِ الجماعةِ، فقال: ﴿لَوْ
يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾. فذلك دليلٌ على أنه عَنَى به(١) الكثرةَ فى
العددِ . أو يكونَ ظَنَّ أنه من الكلامِ الذى يَخْرُجُ مَخْرَجَ الخبرِ عن الجماعةِ ، والمقصودُ
بالخبرِ عنه الواحدُ ، نظيرَ ما قلْنا آنفًا فى بيتِ جَميلٍ، فيكونُ ذلك أيضًا خطأً . وذلك
أن الكلامَ إذا كان بذلك المعنى فلابدَّ من دلالةٍ فيه تدلُّ على أن ذلك معناه، ولا دلالةً
تدلُّ فى قوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ﴾ أن المرادَ به واحدٌ دونَ جماعةٍ
كثيرةٍ ، فيجوزَ صرفُ تأويلِ الآيةِ إلى ذلك ، وإحالةُ دليلٍ ظاهرِهاً إلى غيرِ الغالبِ
فى الاستعمالِ .
-
[١٣/٤ ظ] القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿حََدًّاً مِّنْ عِندِ أَنْفُسِهِمْ ﴾
يعنى جلّ ذكرُه بقولِه: ﴿حَسَدًّا﴾. أن كثيرًا من أهلِ الكتابِ يَوَدُّون
للمؤمِنين ما أخبَر جل ثناؤُه عنهم أنهم يَوَدُّونه لهم ، من الرِّدَّةِ عن إيمانهم إلى الكفرِ ،
حسَدًا منهم وبَغْيًا عليهم . فالحسَد إذن منصوبٌ علی غیر النعتِ للكفارِ ، ولكن على
:
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بوجه).
(٢) سقط من : م.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ظاهره)).