Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١
سورة البقرة : الآية ١٠٢
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: حدَّثنا معاذُ بنُ هشام ، قال: حدَّثنى أبى ، عن
قتادةَ ، قال : حدثنا أبو شعبةَ العدوىُّ فى جنازةٍ يونسَ بنِ جبيرٍ أبى غَلَّابٍ ، عن ابنِ
عباسٍ ، قال : إن الله تبارك وتعالى أفرَج السماءَ لملائكتِهِ ينظُرون إلى أعمالٍ بنى آدمَ ،
فلما أبصَروهم يعملون بالخطايَا ، قالوا : ياربِّ ، هؤلاء بنو آدمَ الذى خلَقتَ بيدِك ،
وأُسجَدتَ له ملائكتَك، وعلَّمته أسماءَ كلِّ شىءٍ، يعملون بالخطايا . قال: أما
إنكم لو كنتم مكانَهم لعمِلتُم مثلَ أعمالهم. قالوا : سبحانَك ما كان ينبغى لنا .
قال: فأمروا أن يختاروا ( ملكين ليهِطَا) إلى الأرضِ. قال: فاختاروا هاروتَ
وماروتَ ، فأُهبِطا إلى الأرضِ ، وأحِلَّ لهما ما فيها مِن شىءٍ ، غيرَ أَلا يُشْرِكًا باللهِ شيئًا ،
ولا يسرِقا، ولا يزنيا، ولا يشرَبا الخمرَ، ولا يقتُلا النفسَ التى حرَّم اللهُ إلا بالحقِّ. قال:
فما أشْهراً(٢) حتى عرِّض لهما بامرأةٍ(٢) قد قُسِم لها نصفُ الحسنِ، يقالُ لها :
بِيذُخْتْ(٤). فلما أبصَراها كشَرا(٥) بها إِرْبًا (١) ، فقالت: لا ، إلّا أن تُشرِكا باللهِ،
وتشرَبا الخمرَ، وتقتُلا النفسَ، وتسجُدا لهذا الصنم. فقالا: ما كنا لنشرِكَ باللهِ شيئًا .
فقال أحدهما للآخرِ: ارجع إليها . فقالت : لا ، إلّا أن تشرَبا الخمرَ. فشرِبا حتى
ثَمِلا(٧) ، ودخَل عليهما سائلٌ فقتَلاه، فلما وقَعا فيما وقَعا فيه مِن الشرِّ، أَفرَج اللهُ
(١ - ١) فى م: ((من يهبط)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((استمرا)). وأشهر: أتى عليه شهر. التاج (ش هـ ر).
(٣) فى م: ((امرأة)).
(٤) فى الأصل: ((بيدخت)). بالدال المهملة. وتقال بالوجهين. ينظر نهاية الأرب ٣٩/١.
(٥) كذا فى الأصل، وفى م: ((أرادا))، وفى ت١، ت٢، ت٣: ((كسرا)). وكتب فى حاشية الأصل:
((فى الأم : كُسرا)) وصححها .
وكشَر عن أسنانه: إذا أبدى، يكون فى الضحك وغيره. وقد كاشره : إذا ضحك فى وجهه وباسطه .
والكَشْرُ ضرب من النكاح. التاج (ك شر). ولعله كنى بذلك عن إرادة الزنا والمراودة.
(٦) فى م: ((زنا)).
(٧) ثمِل يَثْمَل ثمَلا: إذا سكر وأخذ فيه الشراب. اللسان ( ث م ل).
٣٤٢
سورة البقرة : الآية ١٠٢
السماءَ لملائكتِهِ، فقالوا: سبحانَك كنتَ أنتَ (١) أعلمَ. قال: فأوحَى اللهُ إلى سليمانَ
ابنِ داودَ أن يُخيِّرَهما بينَ عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فاخْتَارَا عذابَ الدنيا ، فَكُيّلا
مِن أكعِهما إلى أعناقِهما بمثلٍ أعناقِ البُخْتِ(٢)، وجُعِلا بيابلَ(٣).
حدَّثنى المثنَّى بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ ، قال: حدَّثنا
حمادٌ(٤)، عن٥) علىّ بنِ زيدٍ، عن أبى عثمانَ النهدىِّ، [٧٠/٣ظ] عن ابنٍ مسعودٍ
وابنِ عباسٍٍ أنهما قالا: لمّا كثُر بنو آدمَ وعصَوْا، دعَت الملائكةُ عليهم والأرضُ
والسماءُ والجبالُ: ربَّنا "ألا تهلِكُهم)؟ فأوحَى اللهُ إلى الملائكةِ: إنى لو أَنزَلتُ
الشهوةَ والشيطانَ مِن قلوبِكم، ولو نزَلتم لفعَلتُم أيضًا. قال: فحدَّثوا أنفسَهم أن
لو (٧) ابتُلوا اعتصَموا. فأوحَى اللهُ إليهم أن اختاروا ملكين مِن أفضلِكم. فاختاروا
هاروتَ وماروتَ، فأهبِطا إلى الأرضِ، وأَنزِلت الزُّهَرةُ إليهما فى صورةٍ امرأةٍ مِن
أهلِ فارسَ، كان أهلُ فارسَ يستُّونها بِيذُخْتْ . قال: فوقَعا بالخطيئةِ، وكانت
الملائكةُ يستغفِرون للذين آمنوا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ
وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. فلما وقَعا بالخطيئةِ استغفَروا لمن فى الأرضِ: ﴿ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥]. فخُيِّرا بينَ عذابِ الدنيا وعذاب الآخرةِ ، فاخْتارا
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) البخت : الإبل الخراسانية. اللسان ( ب خ ت ).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٠/١ إلى المصنف. وإسناده ضعيف لجهالة أبى شعبة العدوى.
(٤) فى م: ((حجاج ))، وينظر تفسير ابن كثير ١/ ٢٠٠.
(٥) فى الأصل: ((بن)).
(٦ - ٦) فى العقوبات لابن أبى الدنيا: ((أهلكهم))، وفى تفسير ابن كثير: ((لا تهلكهم))، وفى الدر المنثور:
((لا تمهلهم)). وكذا فى بعض طبعات ابن كثير كما أشار محققوه .
(٧) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣.
٣٤٣
سورة البقرة : الآية ١٠٢
عذابَ الدنيا (١) .
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا الحجاج، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن خالدِ الحذَّاءِ،
عن عميرِ بنِ سعيدٍ، قال: سمعتُ عليًّا يقولُ: كانت الزُّهَرةُ امرأةً جميلةً من أهلِ
فارسَ، وإنها خاصَمت إلى الملَكَين هاروتَ وماروتَ، فراوَداها عن نفسِها ، فَأَبَت
عليهما إلا أن يعلِّمَاها الكلامَ الذى إذا تُكَلِّم به يُعرَجُ به إلى السماءِ، فعلِّماها ،
فتكلَّمَت، فعرَجَت إلى السماءِ فُمُسِخَت كوكبًا(٣).
وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنَّى، قالا: ثنا مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ ،
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، جميعًا عن الثورىِّ، عن
موسى بن عقبةً، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ، عن كعبٍ ، قال: ذكرت الملائكةُ أعمالَ
بنى آدمَ وما يأْتُون من الذنوبِ، فقيل لهم: اختاروا منكم/ اثنين- وقال الحسنُ بنُ يحيى ٤٥٧/١
فى حديثه: اختاروا ملَكَين - فاختاروا هاروتَ وماروتَ ، فقيل لهما: إنى أُرسِلُ إلى
بنى آدمَ رُسُلًا ، وليس بينى وبينَكما رسولٌ ، انزلا ، لا تُشرِكا بى شيئًا، ولا تزنيا، ولا
تشرَبا الخمرَ. قال كعبٌ: فواللهِ ما أمسَيا مِن(٥) يومِهما الذى أَهبِطا فيه إلى الأرضِ
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا فى العقوبات (٢٢١) من طريق حماد بن سلمة به .
(٢) فى م: ((عمرو)).
(٣) أخرجه إسحاق بن راهويه فى مسنده - كما فى المطالب العالية (٣٨٩٢) - وابن أبى الدنيا فى
العقوبات (٢٢٣)، وأبو الشيخ فى العظمة (٧٠٢)، والحاكم ٢٦٥/٢ من طريق عمير بن سعيد عن
على مطولا ، وصححه الحاكم على شرط الشيخين. وذكره ابن كثير فى تفسيره ١٩٩/١ عن المصنف،
وقال: وهذا الإسناد رجاله ثقات، وهو غريب جدا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٧/١ إلى عبد بن
حميد .
(٤) فى م: ((محمد)) .
(٥) فى الأصل: ((فى)).
٣٤٤
سورة البقرة : الآية ١٠٢
حتى استكمَلا جميعَ ما نُهِيا عنه . وقال الحسنُ بنُ يحيى فى حديثه: فما استكمَلا
يومَهما الذى أنزِلا فيه حتى عَمِلا ما حرّم اللهُ عليهما(١).
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا معلَّى بنُ أسدٍ ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختارِ، عن
موسى بن عقبةَ، قال: حدَّثنى سالمٌ ، أنه سمِع عبدَ اللهِ يحدِّثُ عن كعبِ الأحبارِ،
أنه حدَّث أن الملائكةَ أنكروا أعمالَ بنى آدمَ وما يأْتُون فى الأرضِ مِن المعاصى ، فقال
اللهُ لهم : إنكم لو كنتم مكانَهم أتيتم ما يأتون مِن الذنوبِ ، فاختاروا منكم ملَكَين .
فاختاروا هاروتَ وماروتَ اخْتيارًا(٢)، فقال [٧١/٣ ٥] اللهُ لهما: إنى أُرسِلُ رُسلى إلى
الناسٍ، وليس بينى وبينكما رسولٌ ، انزِلا إلى الأرضِ، ولا تُشرٍ كا بى شيئًا ولا تزنيًا .
فقال كعبٌ : والذى نفسُ كعبٍ بيدِه، ما استكمَلا يومَهما الذى نزَلا فيه حتى أتّيًا
كلَّ(٣) ما حُرِّم عليهما .
وحدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: إنه كان مِن
أمرٍ هاروتَ وماروتَ أنهما طعَنا على أهلِ الأرضِ فى أحكامِهم، فقيل لهما : إنى
أعطَيتُ بنى (٤) آدمَ عشرًا مِن الشهواتِ فبها يعصوننى . قال هاروتُ وماروتُ : ربَّنا
لو أعطَيتنا تلك الشهواتِ ثم نزَلنا، لحكمنا بالعدلِ. فقال لهما: انزِلا، فقد
أعطَيتُكما تلك الشهواتِ العشرَ، فاحكُما بينَ الناسِ. فنزَلا بيابلٍ دُنْباوَنْدَ(٢)،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٠/١ (١٠٠٦) من طريق مؤمل به. وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره
٥٣/١، وابن أبى شيبة ١٣/ ١٨٦، وابن أبى الدنيا فى العقوبات (٢٢٤)، والبيهقى فى الشعب (١٦٤) من
طريق الثورى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٨/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) سقط من : م.
(٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى م: ((ابن)) .
(٥) دُنْباوَند لغة فى دُبَاوَنْد، ودُباوَنْد كورة من كور الرى بينها وبين طبرستان، ودُنْباوند جبل من نواحى =
۔۔
٣٤٥
سورة البقرة : الآية ١٠٢
فكانا(١) يحكُمان، حتى إذا أمسَيا عَرَجا، فإذا أصبَحا هبَطا، فلم يزالا بذلك حتى
أَتْهما امرأةٌ تخاصِمُ زوجَها ، فأعجبهما حسنُها - واسمُها بالعربيةِ الزُّهَرةُ ، واسمُها (١).
بالتَّبطيةِ بِيذُخْتْ ، واسمُها بالفارسيةِ أناهِيذ - فقال أحدُهما لصاحبِه : إنها لتُعجِبُنى.
قال الآخر: قد أردتُ أن أذكرَ لك ذلك(١) فاستحييتُ منك. فقال الآخر: هل لك أن
أذكرَها لنفسِها؟ قال: نعم، ولكن كيف لنا بعذابِ اللهِ؟ قال الآخرُ: إنا نرجو رحمةً
اللهِ . فلما جاءت تخاصِمُ زوجَها ذكَرالها (١) نفسَها ، فقالت : لا ، حتى تقضِيالى على
زوجى. فقضَيا لها على زوجِها، ثم واعَدتْهما خَرِبةً من الخَرِبِ يأتيانها فيها ، فأتياها
لذلك، فلما أراد الذى يواقعُها، قالت : ما أنَا بالذى أَفْعَلُ حتى تخبرانى بأىِّ كلامٍ
تصعَدان إلى السماءِ ، وبأىِّ كلامٍ تنزِلان منها . فأخبَراها فتكلَّمت فصعدت ، فأنساها
اللهُ ما تَنْزِلُ به ، فبقيت مكانَها ، وجعَلها اللهُ كوكبًا - فكان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ كلما رآها
لعَنها وقال: هذه التى فتَنت هاروتَ وماروتَ - فلما كان الليلُ أرادا أن يصعَدا فلم
يُطِيقًا(٤)، فعرَفا الهَلكةَ(٥)، فخُيِّرا " عذابَ الدنيا من عذابٍ " الآخرةِ، فاختارا عذابَ
الدنيا (٧)، فعُلِّقا ببابلَ، وجعَلا يكلِّمان الناسَ كلامَهما، وهو السحرُ".
وحدَّثنى المثنَّى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الربيعِ ، قال: لما وقَع الناسُ مِن بعدِ آدمَ فيما وقَعوا فيه مِن المعاصِى والكفرِ باللهِ ، قالت
= الرى. معجم البلدان ٢ / ٥٤٤، ٦٠٦.
(١) فى الأصل: ((فكان)).
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى م، ت ٢، ت ٣: ((إليها)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يستطيعا)).
(٥) فى م، ت ١، ت ٣: ((الهلك)).
(٦ - ٦) فى م: ((بين عذاب الدنيا و)).
(٧) بعده فى م: ((من عذاب الآخرة)).
(٨) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٠٢/١.
٣٤٦
سورة البقرة : الآية ١٠٢
الملائكةُ فى السماءِ: أَىْ ربّ، هذا العالَمُ إنما خلقتَهم لعبادتِك وطاعتِك ، وقد ركِبوا
الكفرَ، وقتلَ النفسِ الحرامِ ، وأكلَ المالِ الحرامِ ، والسرقةَ ، والزنا، وشربَ الخمرِ .
فجعَلوا يدعون عليهم ولا يَعْذِرونهم ، فقيل لهم: إنهم فى غَيْبٍ . فلم يعذِروهم ،
فقيل لهم : اختاروا منكم ملَكَين آمرُهما بأمرى ، وأنْهاهما عن معصيتى . فاختاروا
٤٥٨/١ هاروتَ وماروتَ، فَأَهبِطا إلى / الأرضِ، وجعِل لهما(١) شهواتُ بنى آدمَ،
وأمِرا [٧١/٣ظ] أن يعبد اللهَ، وألا يشرِكا به شيئًا، ونُهِيا عن قتلِ النفسِ الحرامِ ، وأكلٍ
المالِ الحرامِ ، والسرقةٍ، والزنا، وشرب الخمرِ، فلبثا فى الأرضِ على ذلك زمانًا
يحكُمان بينَ الناسِ بالحقِّ - وذلك فى زمانٍ إدريسَ - وفى ذلك الزمانِ امرأةٌ حسنُها فى
سائرِ النساءِ كحسنِ الزُّهَرةِ فى سائرِ الكواكبِ ، وأنها أتَت عليهما ، فخضَعا لها
بالقولٍ ، وأراداها على نفسِها، وأنها أبت إلا أن يكونا على أمرِها ودينها، وأنهما
سأَلاها عن دينها الذى (٢) هى عليه، فأخرجت لهما صنمًا، فقالت: هذا أَعْبُدُ. فقالا:
لا حاجةَ لنا فى عبادةِ هذا. فذهَبا فصبرا ما شاء اللهُ، ثم أتّيًا عليها فخضَعا لها بالقولِ ،
وأراداها على نفسِها ، فقالت : لا، إلّا أن تكونا على ما أنا عليه . فقالا: لا حاجةً لنا فى
عبادةٍ هذا. فلما رأتْ أنهما قد (٤) أبيا أن يعبُدا الصنمَ، قالت لهما: اختارا إحدَى
الخِلالِ الثلاثِ؛ إما أن تعبُدا الصنمَ ، أو تقتُلا النفسَ، أو تشرَبا هذه(٤) الخمرَ. فقالا:
كلُّ هذا لا ينبغى ، وأهونُ الثلاثِ شُرْبُ الخمرِ. فسقَتْهما الخمرَ حتى إذا (٥) أخَذتِ
الخمرُ فيهما(٢) ، وقَعا بها، فمرّ بهما إنسانٌ وهما فى ذلك، فخشِيا أن يُفشِىَ عليهما
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، والدر المنثور: ((بهما)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، والدر المنثور: ((الناس)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((التى)).
(٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) سقط من : الأصل .
(٦) بعده فى الأصل: ((وأنهما)).
٣٤٧
سورة البقرة : الآية ١٠٢
فقتَلاه، فلما أن ذهَب عنهما السكرُ، عرَفا ما قد ١) وقَعا فيه مِن الخطيئةِ، وأرادا أن
يصعَدا إلى السماءِ فلم يستطِيعا، فحِيل بينَهما وبينَ ذلك، وكُشِف الغطاءُ فيماً(١)
بينهما وبينَ أهلِ السماءِ، فنظَرتِ الملائكةُ إلى ما قد (١) وقَعا فيه مِن الذنبِ ، فعجِبوا
كلَّ العَجَبِ، و("عرّفوا أنه٣) مَن كان فى غَيْبٍ فهو أقلُّ خشيةً(٤) ، فجعلوا بعدَ ذلك
يستغفِرون لمن فى الأرضِ . وإنهما لمّا وقَعا فيما وقَعا فيه مِن الخطيئةِ ، قيل لهما : اختارا
عذابَ الدنيا أو عذابَ الآخرةِ. فقالا: أمَّا عذابُ الدنيا فإنه ينقطِعُ ( ويذهَبُ)، وأمّا
عذابُ الآخرةِ فلا انقطاعَ له . فاختارا عذابَ الدنيا ، فجُعِلا ببابلَ ، فهما يعذَّبان(٦).
وحدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ ، قال: حدَّثنا فريجُ بنُ فَضالةً، عن معاويةً
ابنِ صالحٍ، عن نافعٍ ، قال : سافَرَتُ مع ابنِ عمرَ، فلما كان مِن آخرِ الليلِ ، قال : يا
نافعُ، انظُرْ، طلعتِ الحمراءُ؟ "قلتُ: لا). مرّتين أو ثلاثًا، ثم قلتُ: قد طلَعت .
قال: لا مرحبًا بها (*) ولا أهلًا. قلت: سبحانَ اللهِ، نجمٌ مسخٌَّ سامعٌ مطيعٌ ! قال : ما
قلتُ لك إلا ما سمِعتُ من رسولِ اللهِ وَهِ - أو (٩) قال: قال لى(١٢) رسولُ اللهِ عَلَعٍ -:
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) سقط من: م .
(٣ - ٣) فى م: ((علموا أن)).
(٤) فى م: ((غشية)).
(٥ - ٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٠/١ إلى المصنف. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٩/١ (١٠٠٥)
من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن قيس بن عباد ، عن ابن عباس قوله ، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٠١/١
عن ابن أبى حاتم، وقال : رواه الحاكم فى مستدركه مطولا عن ... أبى جعفر الرازى به، ثم قال: صحيح
الإسناد ولم يخرجاه . فهذا أقرب ما روى فى شأن الزهرة ، والله أعلم .
(٧ - ٧) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قالها)).
(٨) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٩) فى م: (( و)).
(١٠) سقط من الأصل .
٣٤٨
سورة البقرة : الآية ١٠٢
(إِنَّ الملائكةَ قالت: يا ربِّ، كيف صبرُك على بنى آدمَ فى الخطايا والذنوبِ ؟ قال :
إنى ابتليتُهم وعافَيتُكم. قالوا: لو كنا مكانَهم ما عصَيناك. قال: فاختارُوا ملَكَين
منكم). قال: ((فلم يألُوا أن يختارُوا، فاختارُوا هاروتَ وماروتَ))(١).
وحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةً، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ،
عن مجاهدٍ : أمّا شأنُ هاروتَ وماروتَ ، فإن [٧٢/٣و] الملائكةَ عجِبت من ظلم بنى
آدمَ، وقد جاءتْهم الرسلُ والكتبُ والبيناتُ ، فقال لهم ربُّهم: اختاروا منكم ملَكَين
أُنزِلْهما يحكمان فى الأرضِ بين بنى آدمَ. فاختاروا - " فلم يألُوا٢ - هاروتَ
وماروتَ . فقال لهما حينَ أَنزَلهما : أُعجِبتما مِن بنى آدمَ ومِن ظلمِهم ومعصيتهم ، وإنما
تأتِيهم الرسلُ والكتبُ مِن وراءَ وراءَ؟! وأنتما ليس بينى وبينَكما رسولٌ ، فافعَلا كذا
وكذا، ودعا كذا وكذا. فأمَرهما بأمرٍ ونهاهما ، ثم نزَلا على ذلك، ليس أحدٌ أطوعَ
للهِ منهما، فحكَما فعدَلا، فكانا يحكُمان النهارَ بين بنى آدمَ ، فإِذا أمسَيا ◌َرَجا و كانا
مع الملائكة ، وينزِلان حين يصبحان فيحكمان فيعدِلان، حتى أُنزِلت عليهما الزُّهَرةُ
٤٥٩/١ فى أحسن صورةٍ امرأةٍ / تخاصِمُ ، فقضَيا عليها ، فلما قامت وجَد كلُّ واحدٍ منهما فى
نفسِه، فقال أحدُهما لصاحبِهِ: وجَدتَ مثلَ ما وَجَدتُ ؟ قال: نعم . فبعثا إليها : أنٍ
ائْتِينا نَقْضٍ لكِ . فلما رجَعت ، قالا لها - وقضيا لها - : ائِينا . فأتتهما ، فتكشَّفا لها
عن عورتهما ، وإنما كانت شهوتُهما فى أنفسِهما ، ولم يكونا كبنى آدمَ فى شهوةِ النساءِ
ولذَّتِها ، فلما بلغا ذلك واستحلَّه وافتُينا، طارتِ الزُّهَرةُ فِرجَعت حيث كانت ، فلما
(١) أخرجه سنيد - كما فى الدر المنثور ٩٧/١ - ومن طريقه الخطيب ٤٢/٨، وابن الجوزى فى الموضوعات
١٨٦/١، والذهبى فى الميزان ٢٣٦/٢. وذكره ابن كثير فى تفسيره ١٩٩/١ عن المصنف، وقال: غريب
جدا ، وأقرب ما فى هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار، لا عن النبى معَّع .... وينظر تفسير
ابن كثير ١٩٨/١ - ٢٠٠، والدر المنثور ٩٧/١، ٩٨، والضعيفة (٩١٢).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
٣٤٩
سورة البقرة : الآية ١٠٢
أمسَيا عَرَجا فزُجِراً(١) فلم يؤذنْ لهما ، ولم تحمِلْهما أجنِحَتُهما ، فاستغاثا برجلٍ من بنى
آدمَ ، فأتياه فقالا: ادعُ لنا ربَّك. فقال: كيف يشفَعُ أهلُ الأرضِ لأهلِ السماءِ؟ قالا:
سمِعنا ربَّك يذكُرُك بخيرٍ فى السماءِ. فوعَدهما يومًا وغْدًا ؛ يدعولهما، فدعا لهما
فاستُجيب له، فخيِّرا بين عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فنظَر أحدُهما إلى
صاحبِهِ " فقال: ألا تعلمُ " أن أفواجَ(٤) عذابِ اللهِ فى الآخرةِ كذا وكذا فى الخلدِ ()،
ومع الدنيا سبعَ ١ مراتٍ مثلَها . فَأَمِرا أن ينزِلا ببابلَ، فَثَمَّ عذابُهما، وزُعِم أنهما معلَّقان
فى الحديدِ مَطوَّان؛ يصطَفِقان(٧) بأجنِحَتِهما(٨).
قال أبو جعفرٍ: وحُكِى عن بعضِ القرأةِ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: ( وما أُنزِل على
المَلِكينِ). يعنى به: رجلين مِن بنى آدمَ (١).
(١) فى م: ((فردا))، وفى ت ١: ((فرجعا))، وفى ت ٢: ((فرجوا)).
(٢) فى م: ((وغدا)).
(٣ - ٣) فى م: ((فقالا نعلم)).
(٤) فى م: ((أنواع)).
(٥) بعده فى الأصل: ((نعم)). وعليها استشكال .
(٦) فى تفسير ابن كثير: ((تسع)).
(٧) فى تفسير ابن كثير: ((يصفقان)). واصطفق القوم: اضطربوا. اللسان ( ص ف ق ).
(٨) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٧٠٤) من طريق أبي حذيفة به مختصرًا. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
١٩٢/١ (١٠٠٩) من طريق ابن جريج، عن مجاهد مختصرا. وذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٠٣/١ كاملًا
ثم قال : وقد روى فى قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين، كمجاهد والسدى والحسن و ...
وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع فى تفصيلها إلى أخبار بنى
إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذى لا ينطق عن
الهوى ، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها ، فنحن نؤمن بما ورد فى القرآن على
ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال .
(٩) قرأها كذلك ابن عباس والحسن وأبو الأسود الدؤلى والضحاك وابن أبزى، وهى قراءة شاذة . المحتسب
١٠٠/١، والبحر المحيط ٣٢٩/١. وأخرج قراءة ابن أبزى والضحاك ابن أبى حاتم فى تفسيره (١٠٠٠،
١٠٠٢).
٣٥٠
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وقد دلَّلْنَا على خطأُّ القراءةِ بذلك مِن جهةِ الاستدلالِ (١) ، فأما مِن جِهَةٍ
النقلِ ، فإجماعُ الحجةِ على خطأُ القراءةِ بها من الصحابة والتابعين وقرأةِ الأمصارِ .
وكفَى بذلك شاهدًا على خطَئِها .
وأما قولُه: ﴿بِبَايِلَ﴾. فإنه اسمُ قريةٍ أو موضعٍ مِن مواضعِ الأرضِ.
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فيها ؛ فقال بعضُهم: إنها ببابلٍ دُنْباوَنْدَ .
حَدَّثنى بذلك موسى ، قال: ثنا عمرٌو ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ(٢).
وقال بعضُهم : بل ذلك بيابلِ العراقٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ ، قال : حدّثنی حجاجٌ ، عن ابنِ أبی الزنادٍ ،
عن هشام بن عروةً ، عن أبيه ، عن عائشةً فى قصة [٧٢/٣ظ] ذگرتها عن امرأةٍ قدمت
المدينةَ، فذكرت أنها صارت بالعراقِ بيابلَ، فأَتَت بها هاروتَ وماروتَ ، فتعلَّمت
منهما السحرَ ).
واختُلف فى معنى السحرِ؛ فقال بعضُهم: هو خُدَعٌ ومَخاريقُ ومعانٍ يفعَلُه
الساحرُ، حتى يُخَيَّلَ إلى المسحورِ الشىءُ أنه بخلافٍ ما هو به، نظيرَ الذى يرى
الشَّرابَ مِن بعيدٍ، فيُخَيَّلُ إليه أنه ماءٌ، ويرَى الشىءَ مِن بعيدٍ (+ فيه، فيتبينُهُ) بخلافٍ
ما هو به (٥) على حقيقتِه، وكراكبِ السفينةِ السائرةِ سيرًا حثيثًا يُخَيَّلُ إليه أن ما عاین مِن
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٣٣٨، ٣٣٩.
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٣٤٥ .
(٣) سیأتی تخريجه فى ص ٣٥٣ .
(٤ - ٤) فى م: (( فيثبته)) .
(٥) سقط من: م.
٣٥١
سورة البقرة : الآية ١٠٢
الأشجارِ والجبالِ سائٌ معه . قالوا : فکذلك المسحورُ، ذلك صفته ، یحسبُ بعد الذى
وصّل إليه مِن سحرِ الساحرِ أن الذى يراه أو يفعلُه بخلافٍ الذى هو به على حقيقته .
كالذى حدَّثنى أحمدُ بنُ الوليدِ وسفيانُ بنُ وكيع، قالا : ثنا يحيى بنُ سعیدٍ ،
عن هشام بن عروةً، عن أبيه، عن عائشةَ، أن النبىَّ عَ لَّهِلَّا سُحِر، كان يُخَيَّلُ إليه أنه
يفعلُ الشىءَ ولم يَفْعَلْهُ(١).
..
وحدَّثنا ابنُ وكيع ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن هشامٍ بنِ عروةً، عن أبيه، عن
عائشةً ، قالت : سحر / رسولَ اللهِ څم یهودٌّ مِن یھودِ بنی زُریقٍ، يقال له : لبیدُ
ابنُ الأعصم. حتى كان رسولُ اللهِ مَّ ◌َهِ يُخَيَّلُ إليه أنه يفعلُ الشىءَ وما يَفْعَلُه(٢) .
٤٦٠/١
حدَّثنا يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرَنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ ،
قال : كان عروةُ بنُ الزبيرٍ وسعيدُ بنُ المسيّبِ يحدِّثان أن يهودَ بنى زُرَيقٍ عقَدوا عُقَدَ
سخر لرسول الله ێ ، فجعلوها فی بئر حزم(٢)، حتی کان رسولُ اللهِ یێ ◌ُنکو(٤)
بصرَه، ودلَّ اللهُ على ما صنَعوا، فأرسَل رسولُ اللهِ مَّهِ إلى بئرٍ حزم التى فيها العُقَدُ
فانْتزَعها، فكان رسولُ اللهِ عَلَّمِ يقولُ: ((سحرَتْنى يهودُ بنى زريقٍ)).
(١) أخرجه أحمد ٥٠/٦ (٢٤٢٨٣)، والبخارى (٣١٧٥) من طريق يحيى بن سعيد به. وأخرجه
أحمد ٦٣/٦ (٢٤٣٩٣)، والبخارى (٣٢٦٨)، ومسلم (٢١٨٩)، وغيرهم من طرق عن هشام به .
(٢) أخرجه مسلم (٢١٨٩) من طريق ابن نمير به .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حزم)) بالزاى، وفى صحيح مسلم: ((بئر ذى أروان)). قال الإمام النووى فى
شرح مسلم ١٤ / ١٧٧: هكذا هو فی جمیع نسخ مسلم : ذی أروان . و کذا وقع فى بعض روايات البخاری ،
وفى معظمها: ((ذروان)). وكلاهما صحيح، والأول أجود وأصح، وادعى ابن قتيبة أنه الصواب ، وهو قول
الأصمعى ، وهى بئر بالمدينة فى بستان بنى زريق .
(٤) فى جامع معمر: (( يغض)) .
(٥) أخرجه معمر فى جامعه (١٩٧٦٤) عن ابن شهاب به ، ولم يذكر اسم البئر. وأخرجه ابن سعد ١٩٨/٢
من طريق ابن شهاب به ، مقتصرا على آخره .
٣٥٢
سورة البقرة : الآية ١٠٢
:
وأنكَر قائلو هذه المقالةِ أن يكونَ الساحرُ يَقدِرُ بسخْرِه على قلبٍ شىءٍ عن
حقيقته ، أو (١)ستسخارٍ () شیءٍمِن خلقِ اللهِ إلا نظیر الذى يقدِرُ علیه مِن ذلك سائر
بنى آدمَ ، أو إنشاءِ شىءٍ مِن الأجسامِ سوى المخاريقِ والخُدَع المتخيَّةِ لأبصارٍ
الناظرين، بخلافٍ حقائقِها التى وصَفنا. وقالوا: لو كان فى وُسعِ السحرةِ إنشاءُ
الأجسام ، وقلبُ حقائقِ الأعيانِ عما هى به مِن الهيئاتِ، لم يكنْ بينَ الباطلِ والحقِّ
فصلٌ(٢)، ولجاز أن تكونَ جميعُ المحَتَنَاتِ(٤) مما سحرته السحرةُ فقلبت أعيانَها .
قالوا: وفى وصفِ اللهِ جلَّ وعزَّ سحرَ(٥) سحرة فرعونَ بقوله: ﴿فَإِذَا حِبَالَهُمْ
وَعِصِيُّهُمْ يُخَيِّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾ [طه: ٦٦]. وفى خبرِ عائشةً عن رسولِ اللهِ
عَامِ أنه كان إِذ(١) سُحِرِ يخيَّلُ إليه أنه يفعَلُ الشىءَ وهو لا يفعلُه - أوضحُ الدَّلالةِ على
بُطُولِ دْوَى المدَّعِين - أن الساحرَ يُنشئُ أعيانَ الأشیاءِ بسحره، ویستشخِرُ ما
يتعذَّرُ استِسخارُه على غيرِهِ مِن بنى آدمَ ، كالمواتِ والجمادِ والحيوانِ - وصحةٍ ما
قلنا .
وقال آخرون: قد يقدِرُ الساحرُ بسحرِه أن يحوِّلَ الإنسانَ حمارًا، وأن يَسحَرَ
= وقال الحافظ فى الفتح ٢٢٦/١٠، ٢٢٧: قال المازري: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط
منصب النبوة ويشكك فيها ... وهذا كله مردود؛ لأن الدليل قد قام على صدق النبى معَبقلم فيما يبلغه عن الله
تعالى، وعلى عصمته فى التبليغ ، والمعجزات شاهدات بتصديقه ، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل ، وأما ما
يتعلق ببعض أمور الدنيا التى لم يبعث لأجلها ، ولا كانت الرسالة من أجلها ، فهو فى ذلك عرضة لما يعترض
البشر، كالأمراض .... وعقد القاضى عياض فى هذا البحث فصلا جيدا فى الشفا ٨٦٥/٢ وما بعدها .
(١) فى م: ((و)).
(٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((استحسان)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فضل)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((المحسوسات)).
(٥) سقط من : م.
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إذا)).
٣٥٣
سورة البقرة : الآية ١٠٢
(الحيوانَ والجمادَ(١)، وينشِئَ أعيانًا وأجسامًا .
واعتلُّوا فى ذلك بما حدَّثنا به الربيعُ بنُّ سليمانَ ، قال : ثنا ابنُ وهبٍ ، قال :
أخبرَنى ابنُ أبي الزنادِ ، قال: حدَّثنى هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه ، عن عائشةَ زوجِ النبىِّ
عَّ له أنها قالت: قدِمت علىَّ امرأةٌ مِن أهلِ دُومَةِ الجندلِ(٢) ، جاءت تَبتغى رسولَ اللهِ
عَلِّ بعدَ موتِه(٢) حَدَاثةَ ذلك، تسألُه عن شىءٍ دخَلتْ فيه من أمرِ السحرِ ولم تعمَلْ
به . قالت عائشةُ لعروةَ: يا بنَ أختى، فرأيتُها تبكى حينَ لم تَجِدْ رسولَ اللهِ عَ لاته
فيشفِيَها، كانت تبكى حتى إنى لأَرحَمُها، وتقولُ : إنى لأخافُ أن أكونَ قد
هلَكْتُ، كان لى زوجٌ فغاب عنى، فدخَلَت علىَّ عجوزٌ فشكَوتُ ذلك إِليها ،
فقالت : إن فعَلتِ ما آمرُكِ به، فأجعلُه يأتيك. فلما كان الليلُ جاءتْنى بكلبَين
أسودَين، فركِبتْ أحدَهما وركِبتُ الآخرَ، فلم يكنْ كشىءٍ(١) حتى وقَفنا ببابلَ،
فإذا برجلَين [٧٣/٣ و] معلَّقَين بأرجلِهما، فقالا: ما جاء بكِ؟ فقلتُ: أتعلَّمُ السحرَ.
فقالا : إنما نحن فتنةٌ ، فلا تكفُرى وارجِعِى . فأَبَيْتُ ، وقلتُ : لا . قالا : فاذهَبی إلى
ذلك التُّورِ فبُولى فيه. / فذهَبتُ ففزِعتُ فلم أفعلْ، فرجَعتُ إليهما، فقالا: ٤٦١/١
أَفعَلتِ ؟ فقلتُ : نعم . قالا : فهل رأيتٍ شيئًا؟ قلتُ: لم أرَشيئًا . فقالا : لم تفعَلى ،
ارجعى إلى بلادِك ولا تكفُرى. فأرْيَيْتُ وأبيتُ)، فقالا: اذهبى إلى ذلك التنورِ
فبولى فيه . فذهَبتُ فاقشعرَرْتُ وخفتُ، ثم رجعتُ إليهما فقلتُ : قد فعلتُ .
(١ - ١) فى م: ((الإنسان والحمار)).
(٢) دومة الجندل: هى ما بين برك الغماد ومكة . معجم ما استعجم ٢/ ٥٦٤.
(٣) بعده فى الأصل: ((فى)).
(٤) هذه اللفظة ليست عند ابن أبى حاتم ، حيث أورده مختصرًا، وفى المستدرك: ((مكثى))، وفى سنن
البيهقى: (( كثير )) .
(٥ - ٥) فى م: ((فأييت)). وأرب فلان بالمكان: إذا أقام به فلم يبرحه. التاج ( ر ب ب ).
( تفسير الطبرى ٢٣/٢ )
٣٥٤
سورة البقرة : الآية ١٠٢
فقالا : فما رأيتٍ ؟ فقلتُ : لم أرَشيئًا . فقالا: كذَبتِ لم تَفعَلى، ارجِعى إلى بلادِك
ولا تكفُرى، فإنك على رأسِ أمرِكٍ (١) . فأرْبَيْتُ وأبيتُ ، فقالا: اذهبى إلى ذلك
التُّورِ فبولى فيه . فذهَبتُ إليه فبُلتُ فيه، فرأيتُ فارسًا مُتقنِّعًا بحديدٍ خرَج منه (١)
حتى ذهَب فى ١ السماءِ، وغاب عنى حتى ما أراه . فجئتُهما فقلتُ : قد فعلتُ .
فقالا : فما رأيتٍ ؟ فقلتُ : رأيتُ(٤) فارسًا مُتقنِّعًا خرَج منه(١) ، فذهَب فى السماءِ
حتى ما أراه . فقالا : صدَقتٍ ، ذلك إيمانُكِ خرَج منك، اذهبى . فقلتُ للمرأةِ: واللهِ
ما أعلمُ شيئًا، وما قالا لى شيئًا. فقالت: بلى، لن تريدى شيئًا إلا كان ، خُذی هذا
القمحَ فابذُرى . فبذَرتُ ، فقلتُ : أَطْلِعِى . فأطْلَعتْ ، وقلت: أحْقِلى . فأحْقَلت ،
ثم قلت: (أَفْرِكی. فأفْرَكَتْْ)، ثم قلت: أئِسى . فأيِيَست، ثم قلت : أُطْحِنى .
فَأَطْحَنَتْ ، ثم قلتُ : أخبزِى . فأُخبزتْ. فلمّا رأيتُ أنى لا أريدُ شيئًا إلا كان، سُقِط
فى يدِى وندِمتُ ، واللهِ يا أمَّ المؤمنين(١) ما فعلتُ شيئًا قطُّ ولا أفعلُه أبدًا(٧).
فقال أهلُ هذه المقالة بما وصَفنا ، واعتلُوا بما ذكّرنا، وقالوا: لولا أن الساحر
يقدِرُ على فعلِ ما ادَّعى أنه يقدِرُ على فعلِه، ما قدَر أن يفرّقَ بينَ المرءِ وزوجِه . قالوا :
وقد أخبرَ اللهُ تعالى ذكرُه عنهم أنهم يتعلَّمون مِن الملَكَين ما يفرّقون به بينَ المرءِ
(١) أى فى أوله. التاج ( رأس).
(٢) فى م، ومصادر التخريج: ((منى)). وقولها: ((منه)). أى من البول.
(٣) فى الأصل: ((إلى)).
(٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥ - ٥) فى المستدرك: ((أفرخى فأفرخت)) .
(٦) بعده فى م، ت ١، ت ٢: ((والله)).
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٤/١ (١٠٢٢)، والحاكم ١٥٥/٤، والبيهقى ١٣٦/٨ من طريق
الربيع بن سليمان به مطولا ومختصرا. وقال الحاكم: صحيح الإسناد . وذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ٢٠٣،
٢٠٤ عن المصنف، وقال: أثر غريب، وسياق عجيب. وقال أيضًا: ١/ ٢٠٥: هذا إسناد جيد إلى عائشة.
٣٥٥
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وزوجِه، وذلك لو كان على غيرِ الحقيقةِ ، وكان على وجهِ التخييلِ والحُسبانِ ، لم
يكنْ تفريقًا على صحةٍ ، وقد أخبَر اللهُ تعالى ذكرُه عنهم أنهم يفرِّقون على صحةٍ .
وقال آخرون : بل السحرُ أخْذٌ بالعينِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا غَحْنُ
فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾.
وتأويلُ ذلك: وما يعلِّمُ الملكان من أحدٍ مِن الناسِ الذى أُنزِل عليهما مِن التَّفريقِ بينَ
المرء وزوجه، حتى يقولا له : إنما نحن بلاءٍ وفتنةٌ لبنى آدمَ ، فلا تكفُرْ برِبِّك .
كما حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ ، قال : إذا
أتاهما - يعنى هاروت وماروتَ - إنسانٌ يريدُ السحرَ، وعَظاه وقالا له : لا تكفُرْ ،
إنما نحن فتنةٌ . فإذا أتَى، قالا له: ائتِ هذا الرمادَ قبلْ [٧٣/٣ظ] عليه . فإذا بال عليه
خرَج منه نورٌ يسطَعُ حتى يدخُلَ السماءَ، وذلك الإيمانُ، وأقبَلُ(١) شىءٌ أَسودُ كهيئةٍ
الدُّخَانِ حتى يدخُلَ فى مسامعِه وكلُّ شىءٍ منه ، فذلك غضبُ اللهِ ، فإذا أخبرهما
بذلك علَّماه السحرَ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَآَ إِنَّمَا غَحْنُ
فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرُّ ﴾ الآية(١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ والحسنِ :
﴿حَتَّى يَقُولَآَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرٌ﴾. قالا: أُخِذ عليهما ألَّ يعلِّما أحدًا حتى
يقولا: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُّرّ ﴾(١)
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قيل)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٠٦/١ عن السدى.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٣/١ إلى المصنف. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٢/١
(١٠١١، ١٠١٢) من طريق عباد بن منصور عن الحسن، وأبى جعفر عن قتادة .
٣٥٦
سورة البقرة : الآية ١٠٢
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، قال :
قال قتادةُ : كانا يعلِّمان الناسَ السحر، فأخذ عليهما ألَّ يعلِّما أحدًا حتى يقولا:
﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَ تَكْفُرّ ﴾(١).
/ حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، قال: قال
٤٦٢/١
غيرُ قتادةَ: أخِذ عليهما ألَّ يعلِّما أحدًا حتى يَتقدَّما إليه فيقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةُ
فَلاَ تَكْفُرُّ ﴾.
حدَّثنا ابنُّ بشارٍ قال : ثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، عن عوفٍ ، عن الحسن ، قال : أخِذ
عليهما أن يقولا ذلك .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : حدَّثنی حجاجٌ ، عن ابنِ جريج، قال :
أخِذ الميثاقُ عليهما ألَّ يعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرُّ ﴾ : لا
يَجتَرِئُ على السحرِ إلا كافرٌ(١).
وأما ((الفتنةُ)) فى هذا الموضع، فإن معناها الاختبارُ والابتلاءُ، مِن ذلك قولُ
(٣)
الشاعرٍ(٣) :
وخَلَّى ابنُ عفّانَ شَرًّا طَوِيلا
(٤ وقد فُتِنّ الناسُ فى دينِهم
(١) تقدم تخريجه فى ص ٣٣٣ .
(٢) ذكر آخره ابن كثير فى تفسيره ٢٠٦/١ عن الحسين به .
(٣) نسبه المصنف فى تاريخه ٤٢٦/٤ إلى الحباب بن يزيد المجاشعى عم الفرزدق. وفى الاستيعاب ٤١٢/١،
والإصابة ٢/ ٢٩: الحتات بن يزيد، وفى الإصابة: زيد. ونسبه ابن قتيبة فى معجم الشعراء ص ٢٤٠، والمبرد
فى الكامل ٣/ ٢٩، وابن حجر في الإصابة ٦٣٧/٥، إلى ابن الغريزة - وفى الكامل: الغريزة - النهشلى،
وذكر الخلاف فى نسهفى أنساب الأشراف ٢٢٨/٦ فقال: وقال على بن الغدير بن المضرس الغنوى ،
ويقال: إهاب بن ه , نجاطمى. ويقال : ابن الغريزة النهشلى.
بتاريخ:القد منه ».
(٤ - ٤) روبة ٠٫٠١
٣٥٧
سورة البقرة : الآية ١٠٢
ومنه يقالُ : فتَنتُّ الذهبَ فى النارِ - إذا امتَحنتَها لتعرِفَ جَوْدَتَها مِن رَداءِتِها -
أفتِّنُها(١) فتنةً وفتونًا .
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّمَا
غَحْنُ فِتْنَةٌ﴾. أى: بلاءٍ(٢) .
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَزَوْجِه٤ِ﴾.
وقولُه جلَّ ثناؤه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾. خبرٌ مبتدأُ عن المتعلِّمين مِن الملَكَين
ما أُنزِل عليهما، وليس بجوابٍ لقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾. بل هو خَبْرٌ
مستأنفٌ، فلذلك رفع فقيل: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾. فمعنى الكلام إذن : وما يعلِّمان مِن
أحدٍ حتى يقولا : إنما نحنُ فتنةٌ . فيأبَون قبولَ ذلك منهما ، فيتعلّمون منهما ما يفرّقون
به بینَ المرء وزوجه .
وقد قيل : إن قوله: ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ﴾. خبرٌ عن اليهودِ معطوفٌ على قولِه :
﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ
هَرُوتَ وَمَرُوتَّ﴾ - ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِقُونَ بِهِ، بَيْنَ اُلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ،
وجعَلوا ذلك مِن المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ .
والذى قلنا أشبهُ بتأويل الآيةِ ؛ لأن إلحاقَ ذلك بالذى يليه مِن الكلام ، ما كان
للتأويلِ وجةٌ صحيحٌ، أولَى مِن إلحاقِهِ بما قد حِيل بينه وبينه من معْتَرَضِ الكلامِ .
والهاءُ والميمُ والأُلفُ [٧٤/٣ و] مِن قوله: ﴿ مِنْهُمَا﴾. من ذكرِ المَكَين.
ومعنى ذلك : فيتعلَّمُ الناسُ من الملَكَين الذى يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه .
(١) فى م، ١٥)، ت٢: (( أفتنه)). وقوله: ((أقتها)). يريد القطعة من الذهب،، كقوله: ((امتحنتها ... ).
(٢) عزاء السبوبة فى الدر المغور ١٠٣/١ إلى الصنف، وأخرجه ابن أن مافق تفسيره ١٠١٢١١٩٢/١)
مرض قياد هدوء من قادة .
٣٥٨
سورة البقرة : الآية ١٠٢
و﴿مَا﴾ التى مع ﴿يُفَرِّقُونَ﴾ بمعنى الذى. وقيل: إن (١) معنى ذلك:
السحرُ الذى يفرِّقون به . وقيل : هو معنى غيرُ السحرِ . وقد ذكرنا اختلافَهم فى ذلك
و (٢)
فيما مضَى قبلُ(٢) .
وأما ((المرءُ))؛ فإنه بمعنى رجلٍ، من أسماءٍ بنى آدمَ ، والأنثى منه المرأةُ. يوحّدُ
ويثنَّى ، ولا يجمعُ ثلاثثُه(١) على صورته، يقالُ منه: هذا امرؤٌ صالحٌ، وهذان امرآن
صالحان . ولا يقالُ: هؤلاء امرؤو صِدقٍ. ولكن يقالُ: هؤلاء رجالُ صِدقٍ ، وقومُ
صِدقٍ . وكذلك المرأةُ تُوحَّدُ وتُثَنَّى، ولا تُجْمَعُ على صورتِها، يقالُ: هذه امرأةٌ ،
وهاتان امرأتان . ولا يقالُ : هؤلاء امرآتٌ . ولكن: هؤلاء نسوةٌ .
وأما ((الزوجُ))، فإن أهلَ الحجازِ يقولون لامرأةِ الرجلِ: هى زوجه. بمنزلةٍ
الزوج الذّكرِ ، ومِن ذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
وتميمٌ وكثيرٌ من قيسٍ وأهلُ نجدٍ يقولون: هى زوجتُه (٤).
قال الشاعر(٥) :
كماشٍ إلى أُشْدِ الشَّرَى(4) يَشْتِلُها(٩)
فإِن "الذى يمِشِى يُحَرِّثُ(٧)))زَوْجَتی
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) ينظر ما تقدم فى ص ٣٣٦، ٣٣٧.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ثلاثيه)).
(٤) بعده فى م: (( كما)).
(٥) هو الفرزدق، والبيت فى شرحٍ ديوانه ص ٦٠٥.
(٦ - ٦) فى شرح الديوان: ((امرأً يسعى يخبب)).
(٧) حرش بینھم : أفسد وأغری بعضهم ببعض. التاج (ح ر ش).
(٨) الشری : موضع تنسب إليه الأسد ، قال بعضهم : شری موضع بعينه تأوی إلیه الأسد ، وقيل : هو شری
الفرات وناحيته، وبه غياض وآجام ومأسدة . اللسان ( ش رى).
(٩) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يستقيلها)). والمراد يأخذ بولها فى يده. اللسان (ب ول).
٣٥٩
سورة البقرة : الآية ١٠٢
٤٦٣/١
/ فإن قال قائلٌ: وكيف يفرّقُ الساحرُ بينَ المرءِ وزوجِه؟
قيل : قد دلَّلنا فيما مضى على أن معنى السحرِ تخييلُ الشىءٍ إلى المرءِ بخلافٍ
ما هو به فى عَينِه وحقيقتِه ، بما فيه الكفايةُ لمن وفّق لفهمِه (١) . فإذ كان ذلك صحيحًا
بالذى عليه استشهَدْنا، فتفريقُه بينَ المرءِ وزوجِه، تخييلُه بسحرِه إلى كلِّ واحدٍ
منهما شخصَ الآخرِ على خلافٍ ما هو به فى حقيقتِهِ مِن حسنٍ وجمالٍ، حتى
يقبّحَه عندَه، فينصرِفَ بوجهِه ويعرِضَ عنه، حتى يُحدِثَ الزوجُ لامرأتِهِ فِراقًا .
فيكونُ الساحرُ مفرِّقًا بينَهما بإحداثِه السببَ الذى كان عنه (١) فُرْقَةُ ما بينَهما. وقد
دلَّلنا فى غيرِ موضع مِن كتابِنا هذا على أن العربَ تضيفُ الشىءَ إلى مُسبِِّه من أجلِ
تَشْبِيِهُ(١ ، وإن لم يكنْ باشرَ فعلَ ما حدَث عن السببِ ، بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا
الموضعُ) . فكذلك تفريقُ الساحرِ بسخْرِهِ بينَ الزوجين .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قاله عددٌ مِن أهلِ التأويلِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ :
﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ الْمَرْءٍ وَزَوْجِه٤ِ﴾: وتفريقُهما أن يُؤَّذَ (٦)
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٣٥٠ وما بعدها .
(٢) فى م: ((منه)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( تسببه) .
(٤) ينظر ما تقدم فى ١٩٨/١، ١٩٩.
(٥) فى م: ((المرء وزوجه)).
(٦) التأخيذ: أن تحتال المرأة بحيل فى منع زوجها عن جماع غيرها وذلك نوع من السحر. اللسان
(أ خ ذ).
٣٦٠
سورة البقرة : الآية ١٠٢
كلَّ واحدٍ منهما عن صاحبِه، ويُغَّضَ كلَّ واحدٍ منهما إلى صاحبِهِ ".
وأما الذين نفَوا(٢) أن يكونَ الملكان يعلِّمان الناسَ التفريقَ بينَ المرء وزوجه،
فإنهم وجّهوا تأويل قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾. إلى: فيتعلَّمون مكانَ ما علَّماهم
ما يفرّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، كقولِ القائلِ: ليت لنا "من كذا، كذا وكذا)
كما قال الشاعر(4):
جَمَعْتَ من الخيراتِ وَطْبًا وَعُلِبَةً(٥)
وصَرَّا لِأُخْلاقٍ(٤) المُزَقَّمَةِ(٧) البُزْلِ(٨).
وَسَعْيًا على الجارِ المجاورِ بالمَخْلِ
ومِن كلِّ أخْلاقِ الكِرامِ نَميمةٌ
[٧٤/٣ظ] يريدُ بقوله: جَمَعْتَ(١٠) مكانَ خيراتِ الدنيا هذه الأخلاقَ الرديئةَ
والأفعالَ الدنيئةَ. ومنه قولُ الآخرِ :
صَلَدَتْ(١١) صَفَاتُكَ(١٢) أن تَلِينَ حُودُها(١٣)
وَوَرِثْتَ مِن سَلَفِ الكِرَامِ عُقُوقًا
(١) أخرج ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٣/١ (١٠١٥، ١٠١٦) من طريق أبى جعفر وسعيد بن بشير، عن
قتادة نحوه . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٣/١ إلى عبد حميد.
(٢) فى م: ((أبوا))، وفى ت ٢، ت ٣: (( بنوا)).
(٣ - ٣) فى م: ((كذا من كذا. أى مكان كذا)).
(٤) البيتان فى أمالى المرتضى ٤٢١/١ دون نسبة .
(٥) العلبة : قدح ضخم من جلود الإبل. التاج (ع ل ب ).
(٦) الأخلاف جمع الخلف : وهو ضرع الناقة . اللسان (خ ل ف).
(٧) فى م: ((المذممة))، وفى نسختين من الأمالى: ((المزهمة)) والمزيمة: النوق التى علقت عليها الأزمة. اللسان (زم م).
(٨) البزل جمع بازل، ويقال ذلك للبعير إذا استكمل السنة الثامنة وطعن فى التاسعة وفطر نابه . اللسان (ب زل).
(٩) فى م، ت ٢: ((بالنجل)). والمحل: المكر والكيد. اللسان (م ح ل).
(١٠) بعده فى م، ت ١، ت ٢: ((من الخيرات))، وبعده فى ت٣: ((من الخيرات مكان هذه الخيرات)).
(١١) صلدت الأرض : صلبت فلم تنبت شيئا. التاج ( ص ل د).
(١٢) الصفاة: الصخرة الملساء. اللسان (ص ف ١).
(١٣) فى ت ١، ت ٣: ((جلودها))، وفى ت ٢: ((جنودها)). وجبل ذو حيود: إذا كانت له حروف ناتئة=