Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١
سورة البقرة : الآية ٩٦
وَمَا هُوَ بِمُزَحْرِحِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرُّ﴾. يقولُ: وإن عُمِّر(١).
وحدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ
مثله .
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿أَن يُعَمَّرُّ﴾:
(٢)
ولو عُمَِّ(٢).
وأما تأويلُ قولِه: ﴿بِمُزَحْرِجِهِ،﴾ فإنه: يُبْعِدِهِ ومُنْجِيه(٢)، كما قال الحُطَيئَةُ(٤):
وقالُوا تَخْزَعْ لا بِنا فَضْلُ حاجةٍ إليكَ ولا مِنّا لِوَهْيِكَ(٥) راقِعُ
[٤/٣ ٥ظ] يعنى بقوله: تَزَحْزَعْ: تَبَاعَدْ. يقالُ منه: زَحْزَحَه يُزَحْزِحُه زَحْزَحَةً
وزِحْزَاحًا، وهو عنك يُزَحْزَحُ. أى: هو مُتباعِدٌ .
فتأويلُ الآيةِ: وما طولُ العمُرِ بُبْعِدِه من عذابِ اللهِ ولا مُنْجِيه(٢) منه؛ لأنه
لا بُدَّ للعُمُرِ من الفناءِ ومصيرِه إلى اللهِ .
كما حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ ، قال :
حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ - قال أبو جعفرٍ: فيما أرى - عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، أو
(١) سيأتى بتمامه فى ص ٢٨٢.
(٢) سيأتى تخريجه فى ص ٢٨٣ .
(٣) فى م: (( بمنحيه)).
(٤) البيت فى الاختيارين ص ٢٢٧، والأغانى ١٥٧/١٤، منسوب لقيس بن الحدادية، ونسب الشطر
الأخير ابن برى - كما فى اللسان (وهـ ى) إلى الحطيئة . والشطر الأول فى الاختيارين :
* وقالت تزحزح لابنا خلت خلة .
وفى الأغانى :
* فقالت تزحزح ما بنا كبر حاجة .
(٥) فى الاختيارين والأغانى: ((لفقرك)). والوهى: خرق قليل من السقاء. اللسان (وهـ ى).
٢٨٢
سورة البقرة : الآية ٩٦
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَمَا هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرِّ﴾. أى: ما هو
بُتْجِيه من العذاب (١).
حدَّثنى المثنّى ، قال: ثنا آدمُ ، قال : ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ :
﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرُّ﴾. يقولُ: وإنْ عُمِّر، فما (" ذلك بُمُغْنيه(١)
من العذَابِ ولا منجِيه(٢) .
/ وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن
الربيع مثله .
٤٣١/١
وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنی عمى ، عن أبيه ،
عن جدِّه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُمَخَّرُ أَلْفَ سَنَّةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَهْرِحِهِ،
مِنَ الْعَذَابِ﴾: فهم الذين عادَوْا جبريل عليه السلامُ(٤).
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ
يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَّةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحٍِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرُّ﴾: ويهودُ أحرصُ على
الحياةِ من هؤلاءٍ، وقد وَدَّ هؤلاءٍ لو يُعَمَّرُ أحدُهم ألف سنةٍ ، وليس بُمُزَخْزِجِه من
العذابِ لو عُمِّر كما عُمِّر إبليسُ، لم يَنْفَعْه ذلك إذا كان كافرًا، لم يُزَخْزِخْه ذلك
--
(١) تقدم أوله فى ص ٢٧٥، ٢٧٧.
(٢ - ٢) فى م: ((ذاك بمغيثه)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩/١ (٩٥١) من طريق آدم به .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٤/١ عن العوفى به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٩/١ إلى
المصنف .
(٥) بعده فى م، ت ١، ت ٣: ((ذلك))، وفى ت ٢: ((ذاك)).
(٦) فى م: ((إذ)).
(٧) فى م: ((ولم)).
٢٨٣
سورة البقرة : الآيتان ٩٦، ٩٧
من العذابِ ().
٩٦
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
يَعنى جل ثناؤُه بقوله: ﴿وَلَّهُ بَصِيْرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: واللهُ ذو إبصارٍ بما (٢)
يَعمَلون، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من أعمالِهم، بل هو بجميعِها مُحيطٌ ، ولها حافظٌ
ذاكرٌ، حتى يُذِيقَهم بها من العقابِ جزاءَها .
وأصلُ بصيرٍ مُبْصِرٌ، من قولِك(٢): أبْصَوْتُ فأنا مُبْصِرٌ. ولكنّه صُرِف إلى
((فَعِيلٍ))، كما صُرِفَ مُشْمِعٌ إلى سَميعِ ، وعذابٌ مؤلمٌ إلى أليمٍ، ومُبدِعُ السماواتِ
إلى بَدیعٍ ، وما أشبه ذلك .
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى
قَلْبِكَ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ .
أجمع أهلُ العلم بالتأويلِ جميعًا على أن هذه الآيةَ نزَلتْ جوابًا لليهودِ مِن بنى
إسرائيلَ، إذ زعَموا أنَّ جبريلَ عدوٌّ لهم، وأن ميكائيلَ وَلِىّ لهم. ثم اختلفوا فى
السببٍ [٫٥٥/٣] الذى مِن أجلِه قالوا ذلك؛ فقال بعضُهم: إنما ®) كان سببُ قيلِهم
ذلك مِن أجلِ مناظرةٍ جرَتْ بينهم وبين رسولِ اللهِ عَّلِ فى أمرٍ نبؤَّتِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: ثنا يونسُ بنُ(٥) تُكَيرٍ، عن عبد الحميدِ بنِ بَهْرامَ، عن
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٥/١.
(٢) فى الأصل: ((ما)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قول القائل)).
(٤) ليست فى : الأصل .
(٥) فى م: ((عن)).
٢٨٤
سورة البقرة : الآية ٩٧
شهرِ بنِ حَوْشَبٍ ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: حضَرَتْ عِصابةٌ من اليهودِ رسولَ اللهِ عَلَّهِ
فقالوا: يا أبا القاسم، حدِّثْنا عن خِلالٍ نسألُك عنهنَّ لا يَعْلَمُهن إلا نبىٌّ. فقال
رسولُ اللهِ عَِّهِ: ((سَلُوا عمَّا شِئْتُم، ولكن اجعَلُوا لى ذِمّةَ اللهِ وما أخَذ يَعْقُوبُ على
بَنِيه، لَئِنْ أَنا حَدَّثْتُكم شيئًا فَعَرَفْتُموه لَُّتَابِعُنِّى(١) على الإسلامِ)). فقالوا: ذلك لك.
فقال رسولُ اللهِ عَلّهِ: ((سَلُونى عمّا شِئْتُم)). فقالوا: أخبرنا عن أربع خِلالٍ نسألُك
عنهن ؛ أخيِرنا أىُّ الطعام حرَّم إسرائيلُ على نفسِه من قبلٍ أن تُنَزَّلَ التوراةُ ، وأخبِرْنا
كيف ماءُ المرأةِ وماءُ الرجلِ ، وكيف يكونُ الذكرُ منه والأنثى، وأخبرنا بهذا النبىّ
الأُمِّىٌّ فى "النوم، ومن٢) وَلِيْهِ مِن الملائكةِ. فقال رسولُ اللهِ عَّهِ: ((عليكم عَهْدُ اللهِلَئِنْ
أنا أَنْبَتُكُمْ لَتُنَابِعُنِّى(٢)). فأعطَوْه ما شاء مِن عهدٍ وميثاقٍ، فقال: (( نَشَدْتُكم/ بالذى
أَنْزَلَ التوراةَ على موسى، هل تَعْلَمون أن إِسْرائيلَ يعقوبَ(٤) مَرِض مَرَضًا شديدًا، فَطال
سَقَمُه منه، فتَذْر للهِ(٤) نَذْرًا لئِن عافاه اللهُ مِن سَقَمِه، ليُحَرِّمَنَّ أحبَّ الطعامِ والشرابِ
إليه، وكانَ أحبَّ الطعامِ إليه لحْمانُ(٥) الإيِلِ)) - قال أبو جعفرٍ: فيما أرى أنا - ((وأُحَبَّ
الشرابِ إليه ألْبانُها؟)) فقالوا: اللهمَّ نعم. فقال رسولُ اللهِ عَه: ((« اللهُمَّ اشْهَدْ
عليهم . وأَنْشُدُكم باللهِ الذى لا إلهَ إلا هو، الذى أَنْزَلَ التوراةَ على موسى، هل
تَعْلَمون أنَّ ماءَ الرَّجُلِ أَنْيَضُ غليظٌ ، وأن ماءَ المرأةِ أصفرُ رقيقٌ ، فأيُّهما عَلا كان له الوَلَدُ
والشَّبَهُ بإذنِ اللهِ، إذا (١) عَلا ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ كان الولَدُ ذَكَرًا بإذنِ اللهِ، وإذا علا ماءُ
٤٣٢/١
(١) فى ت ٢، ونسخ من الطيالسى: (( لتبايعنى)).
(٢ - ٢) فى الأصل، ت١، ت ٢: ((التوراة و)).
(٣) فى ت ١، ت ٣، ونسخ من الطيالسى: ((لتبايعنى))، وفى ت ٢: ((لتبايعوه))، وغير منقوطة فى الأصل.
(٤) سقط من : م .
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لحم)).
(٦ - ٦) فى م: ((أشهد الله عليكم))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أشهد عليكم)).
(٧) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فإذا)).
٢٨٥
سورة البقرة : الآية ٩٧
المرأةِ ماءَ الرجلِ كان الولَدُ أَنْثَى بإذنِ اللهِ؟ )) قالوا: اللهمَّ نعم. قال: ((اللهمَّ اشْهَدْ)).
قال: ((وأَنْشُدُكم بالذى أَنْزَل التوراةَ على موسى، هل تَغْلَمون أن هذا النبىّ الأَمِّيَّ تَنامُ
عيناه ولا يَنامُ قلبُه؟)) قالوا: اللهمَّ نعَم. قال: ((اللهمَّ اشْهَدْ)). قالوا(١): أنت الآنَ،
فحدِّثْنا مَن وَلِيُّك مِن الملائكةِ، فعندَها نجامِعُك(١) أو نُفَارِقُك. قال: ((فَإِن وَلِى
جبريلُ، ولم يَبْعَثِ اللهُ نبيًّا قَطَّ إلَّا وهو وليُّه)). قالوا: فعندَها نُفَارتُك؛ لو كان وليُّك
سواه مِن الملائكةِ تابَعْناك وصدَّقْناك. قال: ((فما يَمْنَعُكم أن تُصَدِّقوه؟)) قالوا: إنه
عدُّنا. فأنْزَل [٥٥/٣ ظ] اللهُ عزّ وجل: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَمُ عَلَى قَلْبِكَ
بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾. إلى قولِه: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فعندَها باءوا بغضَبٍ على غضَبٍ " .
وحدَّثنا ابنُ محُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ ، عن ابنِ إِسحاقَ ، قال: حدَّثنى عبدُ اللهِ بنُ
عبد الرحمنِ بنِ أبى الحسينِ المكىُّ، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبِ الأشعرىِّ ، أن نَفرًا مِن
اليهودِ جاءوا رسولَ اللهِ مَّمِ فقالوا له: يا محمدُ، أُخبِرْنا عن أربع خصالٍ(٤) نسألُك
عنهنَّ، فإن فعَلتَ اتَّبِعْناكَ وصدَّقْنَاكَ وآمنًا بكَ. فقال لهم(٤) رسولُ اللهِ صَ لّهِ: ((عليكم
بذلك عهدُ اللهِ وميثاقُه، لئن أنا أُخْبَرْتُكم بذلك لَتُصَدِّقُنِّى)). قالوا: نعم. قال :
((فسلُوا عمَّا بدَا لكم)). فقالوا: أخبِرْنا كيف يُشْبِهُ الولدُ أَمَّه وإنما النطفةُ مِن الرجلِ ؟
فقال رسولُ الله عَلِ: ((أَنْشُدُكم باللهِ وبأيَّامِه(٥) عندَ بَنى إسرائيلَ، هل تَعْلَمونَ أن
نُطفةَ الرَّجُلِ بَيضاءُ غليظةٌ، ونُطْفَةَ المَرأةِ صفراءُ رَقِيقَةٌ، فَأَيَّتُهما عَلَتْ(١) صاحبتَها
(١) فى الأصل: ((فقالوا)).
(٢) فى م: ((نتابعك)).
(٣) أخرجه الطيالسى (٢٨٥٤)، وابن سعد فى الطبقات ١٧٤/١، وعبد بن حميد فى تفسيره - كما فى
تفسير ابن كثير ١٨٦/١ - وأحمد ٢٧٣/١، ٢٧٨ (٢٤٧١، ٢٥١٤)، وعبد الله بن أحمد فی زوائد
المسند ٢٧٨/١ (٢٥١٥)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٤/٣ (٣٨١٦)، والطيرانى فى الكبير (١٣٠١٢)،
والبيهقى فى الدلائل ٢٦٦/٦، ٢٦٧ من طرق عن عبد الحميد بن بهرام به .
(٤) سقط من : م.
(٥) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بآياته)).
(٦) فى م: ((غلبت)).
٢٨٦
سورة البقرة : الآية ٩٧
كان لها الشَّبَهُ؟ » قالوا: اللهمَّ نعم. قالوا: فأخبِرْنا كيف نومُك؟ قال:
((أَنْشُدُكم باللهِ وبأيَّامِه عندَ بَنِى إسرائيلَ، هل تعلمون أن " نومَ هذا) النبيِّ الذى
تزعمون أنى لستُ به، تنامُ عينُهُ(٢) وقلبُه يقظانُ؟))) قالوا: اللهمَّ نعم. قال:
((" فكذلك نَوْمِى؛ تَنَامُ عَينى وقَلْبى يقظانُ)). قالوا: فأُخبِرْنا عمّاً) حرَّم إسرائيلُ على
نفسِه(٥)، فقال: (((أَنْشُدُكم باللهِ وبأيَّامِه عندَ بَنى إسرائيلَ)، هل تَغْلَمون أنه كان أحبُّ
الطعامِ والشرابِ إليه ألْبانُ الإبلِ ولَحُومُها ، وأنه اشْتَكَى شكوَى فعافاه اللهُ منها ، فحرَّم
أحَبَّ الطعامِ والشرابِ إليه شُكْرًا (٢) للهِ، فحرَّم على نَفْسِه لُحُومَ الإِلِ وألْبَانَها؟)) قالوا:
اللهمَّ نعَم. قالوا: فأخبِرْنا عن الرُّوحِ. قال: ((أَنْشُدُ كم باللهِ وبأيَّامِه عندَ بنى إسرائيلَ ،
٤٣٣/١ هل تَعْلَمون أنه جبريلُ، وهو الذى يَأْتِينى؟)) قالوا: نعَم، ولكنه/ لنا عدوٌّ، وهو مَلَكٌ إنما
يأتى بالشِّدَّةِ وسفْكِ الدماءِ، فلولا ذلك اتبغناك. فَأَنْزَل اللهُ فيهم: ﴿مَن كَانَ
عَدُؤًا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَمُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ الَّهِ﴾. إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا
يَمْلَمُونَ﴾(٨).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال :
حدَّثنى القاسمُ بنُ أَبِى بَزَّةَ، أن يهودَ سألوا النبىَّ مَّ لَّمِ مَن صاحبُه الذى يَنْزِلُ عليه
بالوحي؟ فقال: ((جبريلُ)). قالوا: فإنه لنا عدوٌّ، ولا يأتى إلّ بالحربِ والشدَّةِ
والقتالِ . فَتَزَل: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية. قال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال
(١ - ١) فى م: ((هذا النبى الأمى تنام عيناه ولا ينام قلبه)).
(٢) سقط من : الأصل .
(٣) فى م، ت١، ت٢: ((عيناه)).
(٤ - ٤) فى م: ((اللهم اشهد. قالوا: أخبرنا أى الطعام)).
(٥) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((من قبل أن تنزل التوراة)).
(٦ - ٦) سقط من: م.
(٧) فى الأصل : (( تشكرا)).
(٨) سيرة ابن هشام ٥٤٣/١. وتقدم طرف منه فى ص ٢٢٢.
٢٨٧
سورة البقرة : الآية ٩٧
مجاهدٌ: قالت يهودُ: يا محمدُ، ما يَنْزِلُ جبريلُ إِلَّا بشدّةٍ وحربٍ وقتالٍ (١)، وإنه لنا
العدوّ. فنزَل: ﴿ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾ الآية(١).
وقال آخرون : بل کان سببُ قیلهم ذلك من أجلِ مُناظرةٍ جرَت بین عمرَ بنِ
الخطابِ رضِى اللهُ عنه وبينهم [١٥٦/٣] فى أمرِ النبىِّ عَلَّهِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ المثنی ، قال : ثنا رِبِىُّ ابنُ عُلَيَّةَ ، عن داودَ بنِ أبی هندٍ ، عن
الشَّغْيِىِّ، قال: نزَل عمرُ بنُ الخطابِ الرَّوْحَاءَ(١)، فرأَى رجالًا يَبْتَدِرُون أحجارًا
يُصَلُون إليها، فقال: ما بالُ(٤) هؤلاءٍ؟ قالوا: يَزْعُمون أن رسولَ اللهِ وَِّ صلَّى هلهنا .
قال: فكرِه ذاك، وقال: إَما رسولُ اللهِ عَمِ أدركَتْه الصلاةُ بوادٍ، فصلَّى، ثم ارتحل
وترَكه . ثم أنشأُ يُحَدِّثُهم فقال: كنتُ أَشْهَدُ اليهودَ يومَ مِدْراسِهم ١٢ ، فأعْجَبُ مِن
· التوراةِ كيف تُصَدِّقُ الفُرقانَ، ومِن الفرقانِ كيف يُصَدِّقُ التوراةَ، فبينما أنا عندَهم
ذاتَ يومٍ قالوا: يا بنَ الخطابِ، ما مِن أصحابِك أحدٌ أحبَّ إلينا منك. قلتُ: ولمَ
ذلك؟ قالوا : إنك تَغْشانا وتَأْتِينا. قال: قلتُ : إنى آتِيكم فأعْجَبُ مِن الفُرْقانِ كيف
يُصَدِّقُ التوراةَ، ومِن التوراةِ كيف تُصَدِّقُ الفرقانَ. قال: ومرّ رسولُ اللهِ عَظِّمِ فقالوا :
يا بنَ الخطابِ ، ذاك صاحبُكم فالحَقْ به . قال: فقلتُ لهم عند ذلك: نَشَدْتكم باللهِ
الذى لا إلهَ إلَّ هو، وما استرعاكم مِن حَقِّه واسْتَودَعَكم مِن كتابِهِ ، أَتَعْلَمون أنه
(١) فى م: ((قالوا)).
(٢) أخرجه سنيد فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ١٨٦/١ - عن حجاج بن محمد به .
(٣) الروحاء: بثر مأثورة ارتوى منها النبى ◌َ الر فى غزوة بدر تبعد عن المدينة نحو ٧٥ كيلو متر. صحيح
الأخبار عما فى بلاد العرب من الآثار ٥/ ١٧٩.
(٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢.
(٥) المدراس: البيت الذى يدرس فيه اليهود التوراة . ينظر النهاية ١١٣/٢.
٢٨٨
سورة البقرة : الآية ٩٧
رسولُ اللهِ؟ قال: فسكتوا. قال: فقال عالمُهم وكبيرُهم: إنه قد عظّم عليكم
فأَجِيبوه. قالوا: أنت عالمُنا وسيّدُنا، فأَجِبْه أنت. قال: أَمَّا إذ نشدْتَنَا " بما نَشَدْتنا)
به، فإِنّا نَعْلَمُ أنه رسولُ اللهِ. قال: قلتُ: وَيِحَكم! فَأَنَّى(٢) هلكتُم! قالوا: إِنَّا لم
نَهْلِكْ. قال: قلتُ: كيف ذاك وأنتم تَعْلَمون أنه رسولُ اللهِ، ثم لا تَتَّبِعونه ولا
تُصَدِّقونه؟ قالوا: إن لنا عدوًّا مِن الملائكة وسِلْمًا مِن الملائكة، وإنه قُرِن بنبوته (٢) عدُُّنا
مِن الملائكةِ . قال: قلتُ: ومَن عدوُكم ومَن سِلْمُكم؟ قالوا: عدُّنا جبريلُ وسِلْمُنا
ميكائيلُ . قال : قلتُ: وفيمَ عاديْتُم جبريلَ وفيمَ سالمتم ميكائيلَ؟ قالوا : إن جبريلَ
مَلَكُ الفظاظةِ والغلظةِ والإعسارِ والتشديدِ والعذابِ ونحوِ ذلك، وإن ميكائيلَ ملَكُ
الرأفةِ والرحمةِ والتخفيفِ ونحوِ هذا. قال: قلتُ: وما منزِلتُهما مِن ربِّهما؟ قالوا :
أحدُهما عن يمينه والآخرُ عن يسارِهِ . قال: فقلتُ: فواللهِ الذى لا إله إلا هو، إنهما
والذى بينهما لعَدوٌّ لمن عاداهما، وسِلْمٌ لَمَن سالَمَهما، ما يَنْبَغی لجبريلَ أن يُسالمَ عدوًّ
ميكائيلَ، و(ما ينتغِى) لميكائيلَ أن يُسالمَ عدوَّ جبريلَ. قال: ثم قمتُ فاتَّعْتُ
النبىَّ ◌َّهِ، فلحِقْتُه وهو خارجٌ مِن خَوْخَةٍ لبنى فلانٍ، فقال لى: «يا بنَ الخطابِ،
ألا / أُقْرِئُك آياتٍ نزَلْنَ قبلُ(١))؟ فقرَأَ علىَّ: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا [٥٦/٣ظ) لِّجِبْرِيلَ
فَإِنَُّ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اَللَّهِ مُصَدِفًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ حتى قرَأ الآياتِ. قال:
قلتُ : بأبى وأمى يا رسولَ اللهِ ، والذي بعثك بالحقِّ ، لقد جِئْتُ وأنا أُرِيدُ أن أُخْبِرَك
٤٣٤/١
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى م: ((أى)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( به).
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((لا)).
(٥) فى م: ((خرقة)). والخوخة: باب صغير كالنافذة الكبيرة، وتكون بين بيتين ينصب عليها باب . النهاية
٨٦/٢.
(٦) سقط من: م.
٢٨٩
سورة البقرة : الآية ٩٧
الخبرَ، فأسمعُ اللطيفَ الخبيرَ قد سبقنى إليك بالخبرِ(١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ (١) إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، عن داودَ، عن الشَّغْبىِّ،
قال : قال عمر: كنتُ رجلاً أَغْشَى اليهودَ فى يومٍ مِذْراسِهم. ثم ذكر نحوَ حديثٍ
رِئعىٍّ .
وحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، عن سعيدٍ، عن قتادةَ،
قال: ذُكِر لنا أن عمرَ بنَ الخطابِ انْطَلَق ذاتَ يومٍ إلى اليهودِ، فلمَّا أَبْصَروه رحَّبوا
به، فقال لهم عمرُ: أمَا واللهِ ما جئْتُ لُحُكم ولا للرغبةِ فيكم، ولكن جئتُ
لِأَسْمَعَ منكم. فسألهم وسألوه، فقالوا: مَن صاحبُ صاحبِكم؟ فقال لهم:
جبريلُ. فقالوا : ذاك عدوّنا مِن أهلِ السماءِ، يُطْلِعُ محمدًا على سرِّنا، وإذا جاء
جاء بالحربِ والسَّنَةِ(٢) ، ولكنَّ صاحبَ صاحبِنا ميكائيلُ، وكان إذا جاء جاء
بالخِصْبِ وبالسِّلْم. فقال لهم عمرُ: أفتَعْرِفون جبريلَ وتُنْكِرون محمدًا؟ ففارَقَهم
عمرُ عندَ ذلك وتوجّه نحوَ رسولِ اللهِ عَِّ لُحَدِّثَه حديثَهم، فوجده قد أَنْزِلت عليه
هذه الآيةُ: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٤).
وحدَّثنى المُنُنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قتادةَ، قال: بلغَنا أن
عمرَ بنَ الخطابِ أقبلَ إلى(٥) اليهودِ يومًا. فذكَر نحوَه.
(١) أخرجه إسحاق بن راهويه فى مسنده - كما فى المطالب العالية (٣٨٩١) - من طريق داود به. وقال
السيوطى فى الدر المنثور ١/ ٩٠: صحيح الإسناد، ولكن الشعبى لم يدرك عمر.
(٢) فى م: ((قال: ثنا)).
(٣) السنة: القحط والجدب. اللسان (س ن هـ ).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٠/١ إلى المصنف.
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((على)).
( تفسير الطبرى ١٩/٢ )
٢٩٠
سورة البقرة : الآية ٩٧
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهودُ : إِن جبريلَ هو
عدُّنا؛ لأنه يَنْزِلُ بالشِّدَّةِ والحربِ والسَّنَةِ ، وإن ميكائيلَ يَنْزِلُ بالرخاءِ والعافيةِ
والخِصْبٍ، فجبريلُ عدُّنا. فقال الله تعالى ذكرُه: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾(١)
وحدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرُو بنُّ حمَّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىّ:
﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ
يَدَيْهِ﴾. قال: كان لعمرَ بنِ الخطابِ أرضّ بأعلَى المدينةِ، فكان يأتيها، وكان مَؤُه
على طريقٍ مِدْراسٍ اليهودِ، وكان كُلَّما (" مرً عليهم٢) دخَل عليهم فيسمَعُ(٢) منهم،
وإنه دخل عليهم ذاتَ يومٍ ، فقالوا : يا عمر، ما فى أصحاب محمدٍ أحدٌ أُحبُّ إلينا
منك ، إنهم يُؤُّون بنا فيُؤْذُوننا، وتُمُّ بنا فلا تُؤْذِينا، وإِنَّ لتَطْمَعُ فيك. قال لهم عمرُ:
أُّ يمينٍ فيكم أعظمُ؟ قالوا: الرحمنُ الذى أَنزَل التوراةَ على موسى بطُورٍ سَيْنَاءَ. قال
لهم عمرُ: فَأَنْشُدُكم بالرحمنِ الذى أَنْزَل التوراةَ على موسى بطُورٍ سَيْنَاءَ، أَتَجِدُون
محمدًا عٍَّ عندَ كم. فَأَسْكِتوا، فقال: تَكَلَّموا، ما شأنُكم؟ فواللهِ ماسألتُكم وأنا
شاكٌّ فى شىءٍ مِن دينى. فنظَر بعضُهم إلى بعضٍ ، فقام رجلٌ منهم فقال: أخْبِروا
الرجلَ، لَتُخْبِرُنَّه أو لأَخْبِرَنَّه. قالوا: نعم، إنَّا لَنجِدُه مكتوبًا عندَنا، ولكنَّ [٥٧/٣ ]
صاحبَه مِن الملائكةِ الذى يأتيه بالوحى هو جبريلُ، وجبريلُ عدُّنا ، وهو صاحبُ
كلِّ عذابٍ أو قِتالٍ أو خَشْفٍ ، ولو أنه كان ولُه ميكائيلَ إذن لآمنًّا به ، فإن ميكائيلَ
٤٣٥/١ صاحبُ كلِّ رحمةٍ وكلِّ غَيْثٍ. قال لهم عمرُ: فَأَنْشُدُكم بالرحمنِ / الذى أنْزلَ
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٢، ٥٣.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى م: ((سمع))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فسمع)).
٢٩١
سورة البقرة : الآية ٩٧
التوراةَ على موسى بطُورِ سَيْنَاءَ ، أين مكانُ جبريلَ مِن اللهِ؟ قالوا: جبريلُ عن يمِينِه ،
ومیکائیلُ عن يساره . قال عمر: فأشْهَدُ(١) أن الذی هو عدوٌ للذى عن يمينه عدوّ
للذی هو عن يساره ، والذى هو عدوّللذی هو عن يساره، عدوٌ للذى هو عن يمينه ،
وأنه مَن كان عدوَّهما فإنه عدوٌّ للهِ. ثم رجَع عمرُ ليُخْبِرَ النبيُّ عَِّ فوجَد جبريلَ قد
سبقه بالوحى، فدعاه النبيُّ عَّالِ فقرَأه عليه، فقال عمرُ: والذي بعثك بالحقِّ، لقد
جثثك وما أُرِيدُ إلّا أن أُخْبِرَكِ(٢).
وحدَّثنى المُنَى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ الحَجّاج الرازىُّ، قال: ثنا أبو زُهَيْرِ
عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن مجالد٢ٍ، عن الشَّغبىِّ، قال: انْطَلق عمرُ إلى يهودَ،
فقال: إنى أَنْشُدُكم بالذى أنزل التوراةَ على موسى، هل تَجِدون محمدًا عَظَالِ فى
كتابِكم؟ فقالوا: نعم. فقال: فما يَمْتَعُكم أن تَتَّبِعوه؟ فقالوا: إن الله لم يَبْعَثْ رسولاً
إلّا كان له مِن الملائكةِ كِفْلٌ، وإن جبريلَ هو الذى يتگفَّلُ بمحمدٍ ێِ ، وهو عدُّنا
مِن الملائكةِ ، وميكائيلُ سِلْمُنا، فلو كان هو الذى يأتيه اتَّبَعْناه. قال: فإنى أَنْشُدُكم
بالذى أَنْزَل التوراةَ على موسى، ما منزلتُهما مِن ربِّ العالمين؟ قالوا : جبريلُ عن
يمينه، وميكائيلُ عن جانبِهِ الآخَرِ. فقال: إنى أَشْهَدُ ما يقولان إلَّا بإذنِ اللهِ ، وما كان
ميكائيلُ لِيُعَادِىَ سِلْمَ جبريلَ، وما كان جبريلُ لِيُسَالِمَ عدوًّ ميكائيلَ. إذ مرَّ نبىٌّ
اللهِ عَه ، فقالوا: هذا صاحبُك يا بنَ الخطابِ. فقام إليه، فأتاه وقد أَنْزِل عليه :
﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. إلى قولِه:
(٤)
﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ﴾
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فأشهدكم)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٠/١ إلى المصنف.
(٣ - ٣) فى م: ((ثنا عبد الرحمن بن مغراء، قال: ثنا زهير، عن مجاهد)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٨٥/١٤ ، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨١/١ من طريق مجالد به .
٢٩٢
سورة البقرة : الآية ٩٧
وحدَّثنى يعقوبُ بنُّ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا محُصَيْنُ(١) بنُ
عبدِ الرحمنِ ، عن ابنٍ أبى ليلى فى قوله: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾. قال: قالت
اليهودُ للمسلمين: لو أن ميكائيلَ كان الذى يَنْزِلُ عليكم لَتَبِعْناكم، فإنه يَنْزِلُ
بالرحمةِ والغَيْثِ ، وإن جبريلَ يَنْزِلُ بالعذابِ والنِّقْمَةِ، وهو لنا عدوٌّ. قال : فنزَلت
هذه الآيةُ: ﴿ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ
وحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَناً ) عبدُ الملكِ ، عن عطاءٍ بنحوٍ
مِن ذلك .
وأمّا تأويلُ الآيةِ ، أعنى قوله: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى
قَلْبِكَ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾. فهو أن الله تعالى ذكرُه يقولُ لنبيِّه محمدٍ سَله: قل يا محمدُ
لمعاشرِ اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ الذين زعموا أن جبريلَ [٥٧/٣ظ] لهم عدوٌ، من أجلِ أنه
صاحبُ عذابٍ وسطواتٍ وعقوباتٍ، لا صاحبُ وَحْي وتنزيلٍ ورحمةٍ ، فَأَبَوُا
اتِّبَاعَك ، وجحَدوا نبؤَّتَك ، وأنكروا ما جئتَهم به مِن آياتى وبيِّناتِ حُكْمِى ، مِن أجلِ
أن جبريلَ ولُّك وصاحبُ وحيي إليك ، وزعموا أنه لهم عدوٌّ - : مَن يكنْ مِن الناسِ
لجبريلَ عَدُوًّا، ومُنْكِرًا أن يكونَ صاحبَ وحي اللهِ إلى أنبيائِه، وصاحبَ رحمتِهِ ،
فإنى له وليّ وخليلٌ، ومُقِرٌّ بأنه صاحبُ وحى اللَّهِ إلى أنبيائِه ورسلِه ، وأنه هو الذى
◌ُنزِّلُ وحی الله علی قلبی مِن عند ربی ، یإذن من ربی له بذلك، فیزِطُ به على قلبی
ويَشْدُدُ به فؤادِی .
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُابنُ عُمارةَ ،
(١) فى الأصل: ((أبو حصين)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٢/١ (٩٦١) من طريق حصين بن عبد الرحمن به، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٩١/١ إلى ابن المنذر.
(٣) فى الأصل: ((وأخبرنا)).
٢٩٣
سورة البقرة : الآية ٩٧
٤٣٦/١
عن أبى رَوْقٍ ، عن الضََّّاكِ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿ مَن كَانَ عَدُوًّا
لِجِبْرِيلَ﴾. قال: وذلك أن اليهودَ قالت حين سألتْ محمدًا عَ له عن أشياءَ كثيرةٍ،
فأخبرهم بها على ما هی عندهم - : إلَّا جبريلَ، فإن جبريلَ کان/ عندَ اليهودِ
صاحبَ عذابٍ وسَطْوةٍ ، ولم يكنْ عندَهم صاحبَ وَخي - يعنى: تنزيلٍ مِن اللهِ
على رسلِهِ - ولا صاحبَ رحمةٍ. فأخْبَرهم رسولُ اللهِ عَّهِ فيما سألُوه عنه؛ أن
جبريلَ صاحبُ وَحْيِ اللهِ، وصاحبُ نِقَمِهُ (١) ، وصاحبُ رحمتِه. فقالوا : ليس
بصاحبٍ وحى ولا رحمةٍ، وهو لنا عدوٌّ. فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه إِكذابًا لهم:
﴿قُلْ﴾ يا محمدُ ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيِلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾. يقولُ: فإن جبريلَ
﴿فَزَّلَهُ﴾. يقولُ: نزّل القرآنَ (مِن عندى ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾. يقولُ: على قلبِك
يا محمدُ: ﴿ ◌ِإِذْنِ اَللَّهِ﴾. يقول٢ُ): بأمرِ اللهِ. يقولُ(٣): يَشْدُدُ به فؤادَك، ويَرْبِطُ
به على قلبِك - يعنى : بوخينا الذى نَزَل به جبريلُ عليك مِن عندِ اللهِ - وكذلك
يَفْعَلُ بالمرسلينَ والأنبياءِ مِن قبلِك (٤).
وحدَّثنا بشرُ بنُّ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ مَن
كَانَ عَدُوًّا لِّحِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾. يقولُ : أَنْزَل الكتابَ على
قلبك بإذنِ اللهِ .
وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ
عَلَى قَلْبِكَ﴾. يقولُ: نَزَّل الكتابَ على قلبِك جبريلُ(٥).
(١) فى م: ((نقمته)) .
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) سقط من : م.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٠/١ (٩٥٣، ٩٥٥، ٩٥٦، ٩٥٧) من طريق أبي كريب به .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٠/١ عقب الأثر (٩٥٤) من طريق ابن أبى جعفر به.
٢٩٤
سورة البقرة : الآية ٩٧
وإنما قال جل ثناؤه: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾. وهو يعنى بذلك قلبَ
محمدٍ عَّلِ، وقد أمَر محمدًاً عَظله فى أولِ الآيةِ أن يُخْبِرَ اليهودَ بذلك عن نفسِه،
ولم يَقُلْ : فإنه نَزَّله على قلبى . ولو قِيلَ: على قلبى. كان صوابًا مِن الكلامِ؛ لأن مِن
شأنِ العربِ إذا أُمَرَّت رجلاً أن يَحْكِىَ ما قِيلَ له عن نفسِه، أن تُخْرِجَ فعلَ
المأمورِ مرَّةً مضافًا إلى كنايتِه، كهيئةٍ ) المخيِرِ عن نفسِه، إذ كان هو المُخبرَ عن
نفسِه، ومرّةً مضافًا إلى اسمِه، كهَيْئَةٍ كنايةٍ اسم المخاطبِ ؛ لأنه به مُخاطبٌ . فتقولُ
فى نظيرِ ذلك: [٥٨/٣ ٥] قُلْ للقوم: إن الخيرَ عندِى كثيرٌ. فَتُخْرِجُ كنايةَ اسمٍ المأمورِ
كهيئةِ اسم المخبرِ عن نفسِه؛ لأنه المأمورُ أن يُخبرَ بذلك عن نفسِه. وقلْ للقومٍ: إِن
الخيرَ عندَك كثيرٌ. فَتُخْرجُ كنايةَ اسمِهِ أَخْرى(٢) كهيئةِ كنايةِ اسم المخاطَبِ؛ لأنه وإن
كان مأمورًا بقيلِ ذلك، فهو مخاطبٌ مأمورٌ بحكايةِ ما قِيلَ له . وكذلك: لا تقلْ
للقومِ : إنى قائمٌ. ولا تَقُلْ لهم: إِنك قائمٌ. والياءُ مِن ((إنى)) اسمُ المأمورِ بقولِ ذلك
على ما وَصَفنا. ومِن ذلك قولُ اللهِ عز وجل: ﴿قُلُ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ﴾
و(سَيُغْلَبُونَ)(٤) [آل عمران: ١٢] بالياءِ والتاءِ ( مثلَ الذى وصَفنا سواءً).
وأما جبريلُ ، فإن للعربِ فيه لغاتٍ ، فأما أهلُ الحجازِ فإنهم يقولون : جِبريلُ
وميكالُ. بغيرِ همزٍ، بكَشْرِ الجيم والراءِ من جِبريلَ، وبالتخفيفِ . وعلى القراءةِ
بذلك عامةُ قَرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ(١) .
(١ - ١) فى م: (( كناية نفس)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) سقط من: م.
(٤) سيأتى تخريج هاتين القراءتين فى موضعها .
(٥ - ٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٦) وهى قراءة أبى عمرو وحفص عن عاصم . السبعة لابن مجاهد ص ١٦٦ .
٢٩٥
سورة البقرة : الآية ٩٧
وأما تميمٌ وقيسٌ وبعضُ نجدٍ فإنهم يقولون : جَبْرَئِيلُ ومِيكائيلُ. على مثالٍ :
جَبْرَعيل ومِيكاعيل. بفتح الجيم والراءِ، وبهمزٍ، وزيادةِ ياءٍ بعدَ الهمزةِ. وعلى
القراءةِ بذلك عامةُ قَرأةِ أهلِ الكوفةِ (١) ، كما قال جريرُ بنُ عطيةَ(١):
عَبَدُوا الصَّلِيبَ وَكَذَّبوا بُمُحَمَّدٍ وبِجَبْرَئِيلَ وَكَذَّبُوا مِيكالاَ
وقد ذُكِرَ عن الحسنِ البصرىِّ وعبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ أنهما كانا يقرأان :
(جَبْرِيل). بفتحِ الجيمِ وتركِ الهمزِ.
وهى قراءةٌ غيرُ جائزةٍ القراءةُ بها(٢)؛ لأن ((فَعْليلَ))(٤) فى كلامِ العربِ غيرُ
موجودٍ. وقد أجاز) ذلك بعضُهم، وزعم أنه اسمٌ أَعْجَميِّ، كما يُقالُ:
سَمْوِيلُ(١). وأَنْشَد فى ذلك(٧):
(+ُمَا وَازَنَتُْ رِيشَةٌ مِن رِيشِ سَعْوِيلاً *
بحيث لو وُزِنَتْ لَخْ بِأُجْمَعِها
/ وأما بنو أسدٍ فإنها تقولُ : جِئْرِينُ . بالنونِ .
٤٣٧/١
وقد حُكِىَ عن بعضِ العربِ أنها تَزِيدُ فى جبريلَ أَلِفًا فتقولُ : جِبرائيلُ وميكائيلُ .
وقد حُكِىَ عن يحيى بنِ يَعْمَرَ أنه كان يقرأ : (جَبْرَئِلٌ) بفتح الجيم ، والهمزِ ،
(١٠)
وتركِ المدِّ، وتشديدِ اللام
(١) وهى قراءة حمزة والكسائى، ورواية عن أبى بكر عن عاصم. السبعة لابن مجاهد ص ١٦٧.
(٢) ديوانه ١/ ٥٢.
(٣) بل هى قراءة متواترة مستفيض نقلها .
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( فعيل)).
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((اختار)).
(٦) فى ت ٢، ت ٣: ((شمويل))، وسمويل: طائر، وقيل: بلدة كثيرة الطير. اللسان (س م ل). والبيت فيه .
(٧) البيت للربيع بن زياد العبسى، وهو فى الفاخر ص ١٧٣، والأغانى ١٧ / ١٨٦.
(٨ - ٨) فى مصادر التخريج: ((لم يعدلوا)).
(٩) فى ت ١، ت ٣: ((شمويلا))، بالشين، وهو رواية للبيت، ويروى أيضًا: ((قِتْميلا)).
(١٠) مختصر الشواذ لابن خالويه، والبحر المحيط ٣١٨/١ .
٢٩٦
سورة البقرة : الآية ٩٧
فأما ((جَبْر)) و((ميك))، فإنهما هما الاسمان اللذان أحدُهما بمعنى ((عَبْدٍ))،
والآخر بمعنى (( عُبَيدِ)) .
وأما ((إِيل)) فهو اللهُ تعالى ذِكْرُه، كما حدَّثنا أبو كريب ، قال : ثنا جابرُ بنُ
نوحِ الحِمَّانِيُّ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قال ابنُ
عباسٍ : جبريلُ وميكائيلُ كقولك: عبدُ اللهِ .
وحدثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا [٥٨/٣ظ] يحيى بنُ واضح، قال: ثنا الحسينُ بنُ
واقدٍ ، عن يزيدَ النَّحْوِىِّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍٍ، قال: جبريلُ: عبدُ اللهِ،
وميكائيلُ: عُبَيْدُ اللهِ، وكلُّ اسمٍ ((إِيلَ)) فهو اللهُ.
وحدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن الأعمش ، عن إسماعيل بنِ رجاءٍ، عن
عميرٍ (١) مولى ابنِ عباسٍ، " عن ابنِ عباس٣ٍ)، أن إسرائيلَ وميكائيلَ وجبريلَ وإسرافيلَ،
كقولك: عبدُ اللهِ () .
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمش، عن المنهالِ بنِ عمرو، عن
عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ، قال: ((إِيلُ)) اللهُ بالعِبْرانية(٣).
وحدَّثنا الحسينُ بنُ يزيدَ الطَّعْحَانُ(٤) ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا
قيشٌ، عن عاصمٍ، عن عِكْرِمةَ، قال : جبريلُ اسمُه عبدُ اللهِ، وميكائيلُ اسمُه ◌ُبِيدُ
اللهِ، ((إِيلُ)) اللهُ(٥).
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عمر)). وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٣٨١.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) تقدم فى ٥٩٣/١ .
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الضحاك)). وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٥٠١.
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٨٧/١ عن المصنف. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩١/١ إلى ابن المنذر.
٢٩٧
سورة البقرة : الآية ٩٧
وحدَّثنى الحسينُ بنُ عمرو بنِ محمدِ العَنْقَزِىُّ(١) ، قال: ثنا أبو أحمدَ
الزَّبَيْرِىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن "محمدِ بنِ عمرو بن علقمةً، عن٢ محمدٍ
ابنِ عمرٍو بنِ عطاءٍ، عن علىِّ بنِ حسينٍ، قال: اسمُ جبريلَ عبدُ اللهِ،
واسمُ ميكائيلَ عُبَيْدُ اللهِ، واسمُ إِشْرافيلَ عبدُ الرحمنِ، وكلَّ مُعَبَّدٍ بـ (( إِيل))
فهو عبدُ اللهِ .
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ عُقْبةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدٍ
المدنىّ - قال المثنَّى: قال قبيصةُ: أُراه محمدَ بنَ إسحاقَ - عن محمدِ بنِ
عمرو بنِ عطاءٍ، عن علىٍّ بنٍ حسينٍ، قال: ما تَعُدُّون جبريلَ فى أسمائِكم ؟
قال: جبريلُ عبدُ اللهِ، وميكائيلُ عُبيدُ اللهِ، وكلُّ اسم فيه ((إِيلُ)) فهو مُعَبَّدٌ
للهِ .
" وحدَّثنا أحمدُ بنُّ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ ، قال: حدَّثنا سفيانُ ،
عن محمدِ بنِ عمرو بنِ عطاءٍ، عن علىٍّ بنِ حسينٍ، قال: اسمُ جبريلَ عبدُ اللهِ ،
وميكائيلَ عبيدُ اللهِ، وكلُّ اسمٍ فيه (( إيلُ)) فهو مُعَبِّدٌّ للهِ ) .
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ عمرو بنِ
عطاءٍ، عن علىٍّ بنِ حسينٍ ، قال : قال لى: هل تَدْرِى ما اسمُ جبريلَ مِن أسمائِكم ؟
قال : قلت : لا . قال : عبدُ اللهِ . فهل تَدْرِى ما اسمُ ميكائيلَ مِن أسمائِكم؟ قلتُ:
لا. قال: عُبيدُ اللهِ. قال: وقد سَمَّى لى إسرافيلَ (١ باسم نحوِ ذلك فتَسِيتُه، إلَّ أنَّه
(١) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((العبقرى)) ..
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى م: ((إسرائيل)).
٢٩٨
سورة البقرة : الآية ٩٧
قد قال لى: أرأيتَ كلَّ اسمٍ يَرْجِعُ إلى ((إيل))، فهو مُعَبَّدٌ للهِ() .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن عِكْرمةَ فى قولِه :
جِبْرِيلَ﴾. قال: «جبر)» عبدٌ، «إِيلُ)) اللهُ، و «ميكا)) قال: عبدٌ، «إیلُ)) اللهُ(٢).
فهذا تأويلُ مَن قرأ: ( جَبْرَائيل ). بالفتح، والهمزِ، والمدِّ، وهو إن شاء اللهُ
معنى مَن قَرَأْ بالكسرِ، وتَرَكَ الهَمْزَ.
وأما تأويلُ مَن قرَأُ ذلك بالهمزِ وتَرْكِ المدِّ وتشديدِ اللام ، فإنه قصَد بقراءته ذلك
كذلك، إلى إضافةِ ((جَبْر)) و ((ميكا)) إلى اسم اللهِ [٥٩/٣و] الذى يُسَمَّى به بلسانِ
٤٣٨/١ العرب، دون السريانيّ والعِبْرانيّ، وذلك أن ((الإلّ)) بلسانِ العربِ: / اللهُ، كما قال
اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِىِ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَا ذِمَّةٌ﴾ [التوبة: ١٠]. فقال جماعةٌ
چ
مِن أهلِ العلمِ: ((الإلُّ)) هو اللهُ. ومنه قولُ أبى بكر الصديقِ رضِى اللهُ عنه لوفدٍ بنى
حَنِيفةً، حين سألهم عما كان مُسَيلِمةُ يقولُه، فأخبروه - فقال لهم: وَيحَكُم ! أين
ذُهِبَ بكم؟ فواللهِ، إن هذا الكلامَ ما خرَج مِن إلَّ ولا بِ(٣). يعنى بقولِه: مِن إلّ:
مِن اللهِ .
وقد حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، عن سليمانَ التيمىِّ ، عن
أبى مِجْلٍ فى قوله: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَا ذِمَّةً﴾. قال: قولُه: ((جبريلُ))
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( به)) .
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٢/١ (٩٦٦)، وأبو الشيخ فى العظمة (٣٨٤) من طريقين عن ابن
إسحاق به .
(٢) علقه البخارى فى باب قوله: ﴿من كان عدوًّا لجبريل﴾ من كتاب التفسير. فتح البارى ٨/ ١٦٥، وعلقه
أيضًا ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٢/١ عقب الأثر (٩٦٦)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩١/١ إلى وكيع.
(٣) ينظر تاريخ المصنف ٣/ ٣٠٠.
٢٩٩
سورة البقرة : الآية ٩٧
((ميكائيلُ)) ((إِسرافيلُ))، كأنه يقولُ حين يُضِيفُ ((جبر)) و((ميكا)) و((إسرا(١))) إلى
((إِيلَ)) يقولُ: عبدُ اللهِ، فقال: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلَّا﴾. كأنه يقولُ : لا يَوْقُبُون
،(٢)
الله عز وجلٌ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقوله: ﴿ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: القرآنَ . ونصَب
مُصَدِّقًا﴾ على القطع مِن («الهاءِ)) التى فى قوله: ﴿نَزَّلَمُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ فمعنى
الكلام : فإن جبريلَ نزّل القرآنَ على قلبك يا محمدُ ، مصدقًا لما بين يَدَىِ القرآنِ .
يعنى بذلك: مُصدِّقًا لما سلَف مِن كُتُبِ اللهِ أمامَه، ونزَل على رسلِه الذين كانوا قبلَ
محمدٍ عَ الِ. وتصديقُه إياها مُوافقةُ معانِيه معانيها فى الأمرِ باتّباع محمدٍ عَالِ ، وما
جاء به مِن عندِ اللهِ ، وفى تصديقه .
كما حدَّثنا أبو كريب ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، عن
أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ مُصَدِّقًا﴾ يقولُ: مصدِّقًا ﴿لِّمَا بَيْنَ
يَدَيْهِ﴾. يقولُ: لما قبلَه مِن الكُتُبِ التى أَنزَلَها اللهُ، والآياتِ، والرسلِ الذين بعثهم اللهُ
بالآياتِ، نحو موسى ونوحٍ وهودٍ وشعيبٍ وصالحٍ، وأشباهِهم مِن المرسلين(٤).
وحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ:
مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾(٥): مِن التوراة والإنجيلِ(١).
(١) فى الأصل: ((سرا فى)).
(٢) ينظر ما سيأتى فى تفسير هذه الآية من سورة التوبة .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((هى)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٠/١ (٩٥٧) من طريق أبي كريب به .
(٥) بعده إحالة غير واضحة فى الأصل .
(٦) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨١/١ عقب الأثر (٩٥٨) معلقًا.
٣٠٠
سورة البقرة : الآية ٩٧
وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ
. (١)
مثلَه(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَهُدًى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ
٩٧
يعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿ وَهُدَى﴾: ودليلٌ وبرهانٌ، وإنما سمّاه اللهُ جل ثناؤه
هدِى لاهتداءِ المؤمنِ به، واهتداؤُه به اتخاذُه إياه هاديًا يَتْبعُه، وقائدًا يَقْتادُ لأمرٍه
ونهِهِ ، وحلالِه وحرامِه. والهادى مِن كلِّ شيءٍ ما تَقدَّم أمامَه . ومِن ذلك قيل
الأوائلِ الخيلِ: هَوادِيها. وهو ما تَقدَّم أمامَها، [٥٩/٣ظ] ولذلك(١) قِيلَ للعُنقِ:
الهادى . لتَقدُّمِها أمامَ سائِرِ الجسدِ .
وأما البُشْرَى، فإنها البِشارةُ . أُخْبَر اللهُ عبادَه المؤمنين أن القرآنَ لهم بُشْرَى
منه ؛ لأنه أُغلمهم فیه ما أعدَّ لهم مِن الكرامة عنده فی چنانِه ، وما همإليه صائرون فى
مَعادِهم مِن ثوابِهِ، وذلك هو البُشْرَى الذى(١٢) بَشّر اللهُ المؤمنين بها فى كتابه؛ لأن
البِشارَةَ فى كلامِ العربِ إِعلامُ الرجلِ ("الرجلَ ما) لم يكنْ به عالماً مما يُسَرُّ به مِن
الخيرِ، قبلَ أن يَسْمَعَه مِن غيرِهِ، أو يَعْلمَهُ مِن قِبَلِ غيرِه. وقد رُوِىَ عن قتادةَ فى ذلك
قولٌ قريبُ المعنى مما قُلْناه .
٠
حدَّثنا بشربنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثناسعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَهُدًى
وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: جعَل اللهُ هذا القرآنَ هُدًى وَبُشْرَى للمؤمنين"؛ لأن المؤمنَ
٤٣٩/١
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨١/١ عقب الأثر (٩٥٨) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٢) فى م، ت ٢: (( كذلك)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((التى)).
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((بما)).
(٥ - ٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
: