Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ سورة البقرة : الآية ٧٥ تَجيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿أَفَطَّمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اَللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ : فالذين يُحَرِّفونَه والذين يَكْتُمونَه هم العلماءُ منهم . حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ بنحوه . حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىّ : أَفَظَمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ ﴾. قال: هى التوراةُ حرَّفوها (١). حدَّثنى يونسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه : ﴿ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اَللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ﴾. قال: التوراةُ التى أَنْزَلها عليهم يُحَرِّفونها ، يَجْعَلون الحلالَ فيها حرامًا ، والحرامَ فيها حلالًا، والحقَّ فيها باطلًا، والباطلَ فيها حقًّا ، إذا جاءَهم المحِقُّ بِرِشْوةٍ أَخْرَجوا له كتابَ اللَّهِ، وإذا جاءَهم المُتُطِلُ برِشْوةٍ أخرجوا له ذلك الكتابَ فهو فيه مُحِقٌّ ، وإن جاء أحدٌ يَسْأَلُهم شيئًا ليس فيه حقٌّ ولا رشوةٌ ولا شىءٌ أَمَروه بالحقِّ ، فقال لهم: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِنَبَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾﴾(١). وقال آخرون فى ذلك بما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ [١٠٧/٣ و] الحسنِ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩/١ (٧٧٣) من طريق ابن أبى نجيح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨١/١ إلى عبد بن حميد . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩/١ (٧٧٤) عن أبى زرعة ، عن عمرو به . (٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦٥/١ عن ابن وهب به . ١٤٢ سورة البقرة : الآية ٧٥ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: فكانوا يَسْمَعون مِن ذلك كما يَسْمَعُ أهلُ النُّبوةِ، ثم يُحَرِّفونه مِن بعدٍ ما عقَلوه وهم يَعْلَمون(١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ فى قوله: ﴿ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اَللَّهِ﴾ الآية. قال: ليس قولُه: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ﴾: يَسْمَعون التوراةَ ، كلَّهم قد سمِعها ، ولكنَّهم الذين سألوا موسى رؤيةً ربِّهم فأخَذَتْهم الصاعقةُ فيها(٢) . حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، قال : بلَغنى عن بعضِ أهلِ العلم أنهم قالوا لموسى : يا موسى ، قد حِيلَ بيننا وبينَ رؤيةِ اللَّهِ عز وجل ، فَأَسْمِعْنا كلامَه حين يُكَلِّمُك. فطلَب ذلك موسى إلى ربِّه، فقال: نعم، فَمُرْهم فليتَطَهَّروا، ولْيُطَهِّروا ثيابَهم، ويَصُوموا. ففعلوا، ثم خرَج بهم حتى أتَى الطُّورَ، فلما غَشِيهم الغَمامُ أمرَهم موسى عليه السلامُ فوقَعوا سجودًا ، وكلَّمه ربُّه ، فسمِعوا ٣٦٨/١ كلامَه يَأْمُرُهم ويَنْهاهم، /حتى عَقَلوا ما سمِعوا، ثم انْصَرف بهم إلى بنى إسرائيلَ، فلما جاءوهم حرَّف فريقٌ منهم ما أمرهم به ، وقالوا حين قال موسى لبنى إسرائيلَ : إن اللَّهَ قد أمرَكم بكذا وكذا. قال ذلك الفريقُ الذى ذكرهم اللَّهُ: إنما قال كذا وكذا. خلافًا لما قال اللَّهُ عز وجل لهم، فهم الذين عَنَى اللَّهُ لرسوله محمدٍ عَ(١). وأَوْلى التأويلين اللذين ذكرتُ بالآيةِ وأَشْبَهُهما بما دلَّ عليه ظاهرُ التلاوةِ ، ما قاله الربيعُ بنُّ أنسٍ ، والذى حكاه ابنُ إسحاقَ عن بعضٍ أهلِ العلم ، مِن أن الله تعالى (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٨/١ (٧٧١) من طريق ابن أبى جعفر به . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٨/١ (٧٧٠) من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبى محمد، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٨/١ (٧٧٢) من طريق سلمة به ، إلى قوله: ثم انصرف بهم إلى بنى إسرائيل. وذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦٤/١ عن ابن إسحاق به، مطولا . ١٤٣ سورة البقرة : الآية ٧٥ ذِكْرُه إنما عَنَی بذلك من سمع كلامه مِن بنى إسرائيل سماعَ موسی إیاه منه ، ثم حرَّف ذلك وبدَّل مِن بعدِ سماعِه وعلمِه به وفهمِه إياه . وذلك أن اللَّهَ جل ثناؤه إنما أَخْبَر أن التحريفَ كان مِن فريقٍ منهم كانوا يَسْمَعون كلامَ اللَّهِ عز وجل، اسْتِعْظَامًا مِنِ اللَّهِ لِما كانوا يَأْتُون مِن البهتانِ بعد توكيدِ الحجةِ عليهم والبرهانِ ، وإيذانًا منه تعالی ذِكْرُه عباده المؤمنين، وقطع أطماعهم مِن إيمانِ بقایا نسلهم بما أتاهم به محمدٌ مِن الحقِّ والنورِ والهُدَى، فقال لهم: كيف تَطْمَعون فى تصديقٍ هؤلاء اليهودِ إياكم، وإنما تُخْبِرونهم - بالذى تُخْبِرونهم مِن الأَنْباءِ عن اللَّهِ عز وجل - عن غيبٍ لم يُشاهِدوه ولم يُعاينوه، وقد كان بعضُهم يَسْمَعُ مِن اللَّهِ كلامَه وأمْرَه ونهيَه، ثم يُبَدِّلُه ويُحَرِّفُه ويَجْحَدُه، فهؤلاء الذين بينَ أَظْهُرِ كم مِن بقايا نسلِهِم أخْرَى أَن يَجْحَدوا ما أَتَيْتُموهم به مِن الحقِّ وهم لا يَسْمَعونه مِن اللَّهِ، وإنما يَشْمَعونه منكم - وأقربُ إلى أن يُحَرِّفوا ما فى كُتُبِهم مِن صفةٍ نبێکم محمد ێێ ونعته، ويُتَدِّلوه وهم به عالمون ، فیجْحَدوه ويُگذِّبوا - مِن أوائلِهم الذين باشروا كلامَ اللَّهِ مِن اللَّهِ جل ثناؤه ثم حرَّفوه مِن بعدِ ما عقَلوه وعلِموه ، مُتَعمِّدين التحريفَ . ولو كان تأويلُ الآيةِ على ما قاله الذين زعموا أنه عَنَى بقولِه: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللّهِ﴾: يَسْمَعون التوراةَ. لم يَكُنْ لِذِكْرٍ قولِه: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَمَ اٌللَّهِ ﴾. مَغْنَى مَفْهومٌ؛ لأن ذلك قد سمِعه المحرّفُ منهم وغيرُ المحرّفِ ، فخصوصُ المحرّفِ منهم بأنه كان يَسْمَغُ کلامَ اللَّهِ - إن کان التأويلُ على ما قاله الذین ذكّرنا قولَهم دونَ غيرِهم ممن كان يَسْمَعُ ذلك سماعَهم - لا مَعْنَی له . فإن ظنَّ ظانٌّ إنما صَلَح أن يُقالَ ذلك لقوله: ﴿ يُحَرِّفُونَهُ﴾. فقد أغْفَل وجه الصوابِ فى ذلك، وذلك أن ذلك لو كان كذلك لقِيلَ: أَفْتَطْمَعون أن يُؤْمِنوا لكم ؟ ١٤٤ سورة البقرة : الآيتان ٧٥، ٧٦ وقد كان فريقٌ منهم يُحَرِّفون كلامَ اللَّهِ مِن بعدٍ ما عقَلوه وهم يعلمون . ولكنه جل ثناؤه أُخْبَر عن خاصٍّ من اليهود كانوا أُعْطوا، مِن مُباشَرَتِهِم سَماعَ كلامِ اللَّهِ تعالى، ما لم يُعْطَه أحدٌ غيرُ الأنبياءِ والرُّسُلِ، ثم بدَّلوا وحرَّفوا ما سمِعوا مِن ذلك، فلذلك وصفهم بما وصفهم به للخصوص الذی کان خَصَّ به هؤلاءالفریقَ الذی ذکرهم فی کتابه تعالی ذِ څژه . ويعنى بقوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ﴾: ثم يُبَدِّلون مَعْناه وتأويلَه ويُغَيرونه . وأصلُه مِن انحرافِ الشىءٍ عن جهتِهِ، وهو ميلُّه عنها إلى غيرِها، فكذلك قولُه : يُحَرِّفُونَهُ﴾. أى: يُمِيلونه عن وجهِه ومَعْناه الذى هو مَعْناه إلى غيرِهِ. فأخْبَرِ اللَّهُ جل ثناؤه أنهم فعلوا ما فعَلوا مِن ذلك على علم منهم بتأويلِ ما حرّفوا ، وأنه بخلافٍ ما حرَّفوه إليه، فقال: ﴿ يُحَرِّقُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾. يعنى: مِن بعدِ ما عقَلوا تأويلَه ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. أى: يَعْلَمون أنهم فى تحرِيفِهم ما حرَّفوا مِن ذلك مُبْطِلون كاذبون . وذلك إخبارٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه عن إقدامِهم على البُهتِ ، ومُناصَبتِهم العداوةَ له ولرسولِه موسى عَّه، وأن بقاياهم - مِن مُناصَبَتِهِم العداوةَ للَّهِ ولرسوله محمدٍ عَّه بغيًا وحسدًا - على مثلِ الذى كان عليه أوائلُهم مِن ذلك فى عصرِ موسى عليه الصلاةُ والسلامُ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَّا﴾ أما قولُه: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُوْ قَالُواْ ءَامَنَّا ﴾. فإنه خبرٌ [١٠٧/٣ و] مِن اللَّهِ جل ذِكْرُه عن الذين أيْأَس أصحابَ محمدٍ عَظِلِّ مِن إيمانهم - مِن يهودِ بنى إسرائيلَ الذين كان فريقٌ منهم يَشْمَعون كلامَ اللَّهِ ثم يُحرِّفونه مِن بعدِ ما عَقَلوه وهم يَعْلَمون - وهم الذين إذا لقُوا الذين آمنوا باللّهِ ورسوله محمدٍ عَ لِّ قالوا: آمنًا. يعنى ١٤٥ سورة البقرة : الآية ٧٦ بذلك أنهم إذا لقُوا الذين صَدَّقوا باللّهِ وبمحمدٍ مِِّ رسولِه (١) ، وبما جاء به مِن عندٍ اللَّهِ قالوا: آمنا. أى: صدَّقنا بمحمدٍ وبما صَدَّقْتُم به، وأَقْرَرنا بذلك. أَخْبر اللَّهُ عز وجل عنهم أنهم تَخَلقوا بأخلاق المنافقين وسلَّكوا مِنهاجهم . كما حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنَى عَمِّى ، قال : حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَ إِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: وذلك أن نفرًا مِن اليهودِ كانوا إذا لَقُوا محمدًا عَ لِّ قالوا: آمنا . وإذا خلا بعضُهم إلى بعضٍ قالوا : أتُحدِّثونهم بما فتَح اللَّهُ عليكم. حدَّثْنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالْوَاْ ءَامَنَّا ﴾: يعنى المنافقين مِن اليهودِ كانوا إذا لَقُوا أصحابَ محمدٍ عَِّ قالوا: آمناً(١). وقد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ فى تأويلِ ذلك قولٌ آخرُ ، وهو ما حدَّثنا به ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا سلمةُ بنُ الفَضْلِ ، عن محمدِ بنِ إسحاق ، عن محمدِ بنِ أبی محمدٍ ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوا ءَامَنَّا﴾. أى: بصاحبِكم(١) رسولِ اللَّهِ عَه، ولكنه إليكم خاصةً (٤). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنًا﴾ الآية. قال: هؤلاء ناسٌ مِن اليهودِ آمنوا ثم نافقواً. (١) سقط من: م. (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦٥/١ عن الضحاك به . (٣) فى ت ٢، ت ٣: ((صاحبكم)). (٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦٥/١ عن ابن إسحاق به . (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٩/١ (٧٧٩) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به . ( تفسير الطبرى ١٠/٢ ) ١٤٦ سورة البقرة : الآية ٧٦ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآتُوكُمْ بِهِ، عِنْدَ رَبِّكُمّ﴾ . ٣٧٠/١ يعنى بقولِه: ﴿ وَإِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. أى: إذا خلا بعضُ هؤلاء اليهودِ الذين وصَف اللَّهُ / صفتَهم - إلى بعضٍ منهم، فصاروا فى خَلاءٍ مِن الناسِ غيرِهم، وذلك هو الموضعُ الذى ليس فيه غيرُهم ، ﴿قَالُوا﴾ يعنى قال بعضُهم لبعضٍ: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال : ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَإِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتْحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. يعنى: بما أمَركم اللَّهُ به . فيقولُ الآخَرون : إِنما نَشْتَهْزِئُ بهم ونَضْحَكُ . وقال آخَرون بما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ ، عن عكرمةً، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا﴾. أى: بصاحبِكم (١) رسولِ اللَّهِ، ولكنَّه إليكم خاصَّةً . وإذا خلا بعضُهم إلى بعضِ قالوا : لا تُحَدِّثوا العربَ بهذا، فإنكم قد كنتُم تَسْتَفْتِحون به عليهم فكان منهم. فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُّحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُوكُمْ بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ﴾. أى: تُفِرُّون بأنه نبىٌّ، وقد علِمْتُم أنه قد أَخِذ له الميثاقُ عليكم باتِباعِه، وهو يُخْبِرُهم أنه النبىُ) الذى كُنَّا نَنْتَظِرُ وَجِدُه فى كتابِنا، اجْحَدُوه ولا تُقِرُّوا لهم به. يقولُ اللَّهُ: (١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((صاحبكم)). (٢) بعده فى النسخ: ((عٍَّ)). ولا موضع لها هنا . ١٤٧ سورة البقرة : الآية ٧٦ ﴿ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾(١). حدَّثنى المُنَّى ، قال : ثنا آدمُ ، قال : ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العالية فى قولِهِ: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. أى: بما أَنْزَل اللَّهُ عليكم فى كتابِكم، مِن نَعْتٍ (٢) محمدٍ عَ(٣). حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. أى: بما مَنَّ اللَّهُ عليكم فى كتابِكم من نَعْتِ(٤) محمدٍ عَّهِ، فإنكم إذا فَعَلْتُم ذلك احْتَجُوا به عليكم، ﴿ أَفَلاَ ثَعْقِلُونَ﴾(١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ لِيَحْتَُوا به عليكم(١) . حدَّثنى المُتَّى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفرٍ، قال: قال قتادةُ : أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. يعنى: بما أَنْزَلَ اللَّهُ عليكم من أمرٍ محمدٍ عَ اله ونَعْتِه (٧). وقال آخَرون فى ذلك بما حدثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال : ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى ، عن ابنِ أبِى تَجِيحِ، عن مُجاهدٍ: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لُِمَُّوكُمْ بِهِ، عِنْدَ (١) تقدم طرف منه فى ص ١٤٥ . (٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بعث)). (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٠/١ (٧٨١) من طريق آدم به . (٤) فى ت ٣: (( بعث)). (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨١/١ إلى عبد بن حميد . (٦) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٠، بزيادة فى أوله . (٧) فى ت ٢، ت ٣: (( بعثه)) . ١٤٨ سورة البقرة : الآية ٧٦ رَبِّكُمْ﴾. قال: قولُ يهودَ من قُرَيظةَ حين سَبَّهُم النبىُّ عَِّ بأنهم إخوةُ القِرِدةِ والخنازيرِ، قالوا: مَن حَدَّثك؟ هذا حين أرسل إليهم عليًّا فآذَوْا محمدًا ، فقال : يا إخوةَ القِرِدةِ والخنازيرِ(١) . حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن ٣٧١ مُجاهدٍ مثلَه، إلَّا أنه قال: / هذا حينَ أَرْسَلَ إليهم علىَّ بن أبى طالبٍ، رضِى اللَّهُ عنه، وآذَوًا النبىَّ عَ لَّهِ، [١٠٨/١ و] فقال: ((اخْسَئُوا يا إِخْوَةَ القِرَدَةِ والخَازِيرِ)). حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنى الحسينُ ، قال: حدثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: أخبرنى القاسمُ بنُ أبى بَزَّةَ، عن مُجاهدٍ فى قوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. قال: قام النبىُّ عَظِلّهِ يومَ قُرَيْظَةَ تحتَ محُصونِهم، فقال: ((يا إخْوانَ القِرِدَةِ ، ويا إخْوانَ الخَنَازِيرِ، ويا عَبَدَةَ الطَّاغُوتِ)). فقالوا: مَن أخبر هذا محمدًا؟ ما خرَج هذا إِلَّ منكم، ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: بما حَكَمَ اللَّهُ للفتحِ ليكونَ لهم حُجَّةً عليكم. قال ابنُ مُرَيْج، عن مُجاهدٍ : هذا حينَ أرسلَ إليهم عليًّا فَاذَوْا محمدًا عٍَّ(١). وقال آخَرون بما حدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمْرٌو، قال: ثنا أَسْباطُ ، عن الشُّدِّئِّ: ﴿ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ - من العذابِ - ﴿ لِيُحَاجُوكُمْ بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ﴾: هؤلاء ناسٌ من اليهودِ آمنوا ثم نافَقُوا، فكانوا يُحَدُِّون المؤمنينَ مِن العربِ بما عُذِّبُوا به، فقال بعضُهم لبعضٍ: أَتُحدِّثونهم بما فتَح اللَّهُ عليكم مِن (١) تفسير مجاهد ص ٢٠٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٠/١ (٧٨٢)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨١/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر . (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦٦/١ عن ابن جريج به . ١٤٩ سورة البقرة : الآية ٧٦ العذابِ ليقولوا نحن أحبُّ إلى اللَّهِ منكم، وأكرمُ على اللَّهِ منكم (١). وقال آخرون بما حدّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فی قوله: ﴿ وَإِذَا خَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُوكُمْ بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ﴾. قال: كانوا إذا سُئِلُوا عن الشىءٍ قالوا: أَمَا تَعْلَمُونَ فى التوراةِ كذا وكذا؟ قالوا: بَلَى. قال: وهم يهودُ. فيقولُ لهم رُؤَساؤُهم الذين يرجعون إليهم : ما لَكم تُخْبِرُونهم بالذى أنزل اللَّهُ عليكم فيُحاجُوكم به عندَ ربِّكم ، أَفَلا تعقِلون؟ قال: قال رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((لا يَدْخُلَنَّ علينا قصَبَةَ المَدِينَةِ إلَّا مُؤْمِنٌ)) . فقال رُؤَساؤُهم مِن أهلِ الكفرِ والنفاقِ: اذْهَبُوا فقولوا: آمنًا. واْفُرُوا إِذا رَجَعْتُم. قال: فكانوا يأتون المدينةَ بالبُكَرِ ويَرجِعون إليهم بعدَ العصرِ. وقرأ قولَ اللَّهِ : ﴿ وَقَالَتْ طَآئِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ ءَامِنُواْ بِلَّذِىّ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُوَاْ ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢]. وكانوا يقولون إذا دخَلوا المدينةَ: نحنُ مسلمون. ليعلموا خَبَرَ رسولِ اللهِ صَ لّه وَأَمْرَه، وإذا رجَعوا رجعوا إلى الكفرِ. فلمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ نبيَّه عَّهِ بهم، قطَع ذلك عنهم فلم يكونوا يَدْخُلُون، وكان المؤمنون الذين مع رسولِ اللَّهِ عَظِلّهِ يَظُنُّون أنهم مؤمنونَ، فيقولون لهم: أليس قد قال اللَّهُ لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى. فإذا رجَعوا إلى قومِهم قالوا: ﴿أَتُحَدِّثُوَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية (٢) . وأصلُ الفتح فى كلامِ العربِ النصرُ والقضاءُ والحُكَمُ ، يقالُ منه: اللهمَّ افتح بينى وبينَ فلانٍ: أى احْكُمْ بينى وبينَه . ومنه قولُ الشاعرِ (٣): (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٠/١ (٧٨٣) عن أبى زرعة ، عن عمرو بن حماد به . (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦٥/١، ١٦٦. (٣) نسب هذا البيت - على اختلاف فى روايته - إلى الأسعر الجعفى، ومحمد بن حمران ، والأعشى، وهو فى جمهرة اللغة ٤/٢، وأمالى القالى ٢٨١/٢. ١٥٠ سورة البقرة : الآية ٧٦ بأنِّى عن فُتاحَتِكُمْ غنِىُّ أَلَا أَبْلِغْ بنى عُصْمِ رَسُولًا /قال: ويُقال للقاضى: الفتّاح. ومنه قولُ اللَّهِ عز وجل: ﴿ رَبَّنَا اُفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ ﴾ [الأعراف: ٨٩]. أى: احْكُمْ بيننا وبينَهم. فإذا كان معنى الفتح ما وَصَفْنا ، تَبَيَّنَ أن معنى قوله: ﴿ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآ ◌ُوكُم بِهِ، عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ . إنما هو: أَتُحدِّثونَهم بما حكم اللَّهُ به عليكم وقَضَاه فيكم. ومِن حُكْمِه جل ثناؤه عليهم ما أخَذ به ميثاقَهم من الإيمانِ بمحمدٍ عَ لَه وبما جاء به فى التوراةِ، ومن قضائِه فيهم أنْ جعل منهم القردةَ والخنازيرَ. وغيرُ ذلك من أحكامِه وقضائِه فيهم، وكلُّ ذلك كان الرسولٍ اللَّهِ مَّه وللمؤمنين به حُجَّةٌ على المكذِّبِينَ به(١) من اليهودِ المُقِرِّينَ بحُكْم التوراةِ وغير ذلك . فإن كان كذلك ، فالذى هو أَوْلَى عندى بتأويل الآيةِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: أتُحدِّثونهم بما فتَح اللهُ عليكم مِن بَعْثِ (١) محمدٍ عَظِّهِ إِلى خَلْقِه؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤه إنما قَصَّ فى أولِ هذه الآيةِ الخبرَ عن قولِهِم لرسولِ اللَّهِ مَّه والأصحابِهِ : آمنًّا بما جاء به محمدٌ بِّهِ . فالذى هو أَوْلَى بآخِرِها أن يكونَ نظيرَ الخبرِ عمَّا ابْتُدِىَّ به أوَّلُها . وإذا كان ذلك كذلك، فالواجبُ أن يكونَ تلاؤُمُهم كان فيما بينَهم فيما كانوا أظهَروه لرسولِ اللهِ ◌ّ له ولأصحابِه من قولهم لهم: آمنًا بمحمدٍ عَ ◌ّه وبما جاء به . وكان قِيلُهم ذلك مِن أجْلٍ أنهم كانوا (١) يجدون ذلك فى كُتُبِهم، وكانوا (١) سقط من: م. (٢) فى ت ١، ت ٣: ((نعت). ٣٧٢/١ ١٥١٠ سورة البقرة : الآيتان ٧٧،٧٦ يُخْبِرون أصحاب رسولِ اللَّهِ صَ لّهِ بذلك، فكان تلاؤُمُهم فيما بينهم إذا خَلَوْا على ما كانوا يُخْبِرونَهم بما هو حُجَّةٌ للمسلمينَ عليهم عندَ ربِّهم، وذلك أنهم كانوا يُخبرونهم عن وجودٍ نَعْتِ محمدٍ عَلَّه فى كُتیھم ويكفرون به، وكان فتحُ اللَّهِ الذى فَتَحِه للمسلمين على اليهودِ، ومحُكمُه عليهم لهم فى كتابِهم، أن يُؤمنوا بمحمدٍ عَ لِ إذا بُعِث، فلما بُعث كفَروا به مع عِلْمِهم بنُبُوّتِه . وقولُه: ﴿ أَفَلاَ ثَعْقِلُونَ﴾. خبرٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه عن اليهودِ اللائمينَ إخوانَهم على ما أخبروا أصحابَ [٠٨/١ ١ ظ] رسولِ اللَّهِ عَ الِ بما فَتَح اللَّهُ لهم عليهم، أنهم قالوا لهم: أفلا تَفْقَهون أيُّها القومُ وتَعْقِلُون أن إخبارَ كم أصحابَ محمدٍ () سَائِ بما فى كُتُبِكم أنه نبيٌّ مبعوثٌ، حجةٌ لهم عليكم عندَ ربّكم يحتجُون بها عليكم؟! أى: فلا تفعلوا ذلك ، ولا تقولوا لهم مثلَ ما قلتُم ، ولا تُخبروهم بمثلٍ ما أخبر تُموهم به من ذلك. فقال جل ثناؤه: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ . القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا VV يُعْلِنُونَ يعنى بقوله جل ثناؤه: أَوَلا يَعْلَمُ هؤلاءِ اللائمونَ من اليهودِ إخوانَهم من أهلِ مِلَتِهم - على كونِهِم(١٢) إذا لَّقُوا الذين آمنوا قالوا: آمنًا. وعلى إخبارِهم المؤمنينَ بما فى كتبهم من نَعْتِ رسولِ اللَّهِ عَ لَه، ومَبعثِه، القائلون لهم: ﴿أَمُحَدِّثُوَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآَجُوكُمْ بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ﴾ - أنَّ اللَّهَ عالمٌ بما يُسِرُون فيُخْفُونه عن المؤمنين فى خَلائِهم ؛ من كفرِهم وتلاؤُمِهم بينَهم على إظهارِهم ما أظهَروا لرسولِ (١) فى م: ((النبى)). (٢) فى ت١، ت٢، ت٣: ((قولهم)). ١٥٢ سورة البقرة : الآيتان ٧٧، ٧٨ اللَّهِ مَّهِ وللمؤمنين به من الإقرارِ بمحمدٍ عَ ◌ّه، وعلى قِيلِهم لهم: آمنًا. ونَهْىِ بعضِهم بعضًا أن يُخبروا المؤمنين بما فتَح اللّهُ للمؤمنين عليهم، وقَضَى لهم عليهم فى كتبِهم من حقيقةِ نُجُوَّةِ محمدٍ عَ لَّهِ وَنَعتِه ومَبْعَثِه، وما يُغْلِنون فيُظهرونه لمحمدٍ عَظٹے ولأصحابِه المؤمنين به إذا لَقُوهم من قِيلِهم لهم: آمنًا بمحمدٍ عَ لَه وبما جاء به . نفاقًا وخِداعًا للَّهِ ولرسوله وللمؤمنين . كما حدَّثْنا بِشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ﴾ من كفرِهم وتكذيِهم محمدًا عَ لَّهِ إذا خَلا بعضُهم إلى بعضٍ، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ إذا لَقُوا أصحابَ محمدٍ عَظ ◌َلِّ قالوا: آمنًا. ليُرْضُوهم بذلك(١). حدَّثنى المُنَّى ، قال : ثنا آدمُ ، قال : ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع ، عن أبى العاليةِ: ﴿ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: يعنى ما أسَرُّوا من كفرِهم بمحمدٍ عَِّ وتكذبِهم به، وهم يَجِدُونه مكتوبًا عندهم، ﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: يعنى ما أَعْلَنوا حينَ قالوا للمؤمنين: آمنًّا (٢). القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ . يعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّتُونَ﴾: ومن هؤلاءِ اليهودِ الذين قَصَّ اللَّهُ قَصَصَهم فى هذه الآياتِ، وأَيْأَسَ أصحابَ رسولِ اللهِ عَ لِّ من إيمانِهم، فقال لهم: ﴿أَفَظَمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾. وهم إذا لَقُوكم قالوا: آمنًّا . (١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥١/١ عقب الأثر (٧٨٧) معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ٨١، ٨٢ إلى عبد بن حميد . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥١/١ (٧٨٦، ٧٨٨) من طريق آدم به . ١٥٣ سورة البقرة : الآية ٧٨ كما حدَّثنا المُنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمُِّونَ﴾: يعنى من اليهودِ (١). وحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا "ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه . حدثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجَّاجٌ، عن ابنٍ جُرَيْجٍ ، عن مُجاهدٍ: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِنُونَ﴾. قال: أُناسٌ من يهودَ(٣) . قال أبو جعفرٍ: يعنى بـ ((الأُمِّين)) الذين لا يَكتبون ولا يقرءون، ومنه قولُ النبيِّ عَّهِ: ((إِنّا أُمّةٌ أُمَّيَّةٌ لا تَكْتُبُ ولا نحْسُبُ))(١). يقالُ منه: رجُلٌ أَمٍ. أى: يَسْنُ الأُمّةِ . كما حدَّثنى المُنَّى، قال: حدثنى سُوَيْدُ بنُ نصرٍ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّنُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾. قال : منهم مَن لا يُحْسِنُ أن يَكْتُبَ(٥). حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمُِّونَ﴾. قال: أُمَُّّون لا يَقْرَءون الكتابَ من اليهودِ . ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ قولٌ خلافُ هذا القولِ ، وهو ما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، عن /ِبِشْرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضخَائِ ، عن ابنِ ٣٧٤/١ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢/١ (٧٨٩) من طريق آدم به . (٢ - ٢) فى ت ٣: ((أبو جعفر)). (٣) سيأتى بتمامه فى ص ١٥٧. (٤) أخرجه أحمد ٤٣/٢ (٥٠١٧)، والبخارى (١٩١٣)، ومسلم (١٥/١٠٨٠)، وأبو داود (٢٣١٩) من حديث ابن عمر . (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢/١ (٧٩١) من طريق سفيان به نحوه . ١٥٤ سورة البقرة : الآية ٧٨ عباسٍ: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾. قال: الأُمّون قومٌ لم يُصَدِّقوا رسولاً أرسَله اللَّهُ، ولا كتابًا أَنزَله اللَّهُ، فكتبوا كتابًا بأيديهم، ثم قالوا لقومٍ سَفِلَةٍ جُمَّالٍ: ﴿هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾. وقال: قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سمَّاهم أَمِّين ◌ُجُحُودِهم كتبَ اللَّهِ ورُسُلَه(١) . وهذا التأويلُ تأويلٌ على خلافٍ ما يُعرَّفُ من كلام العربِ المستفيضِ بينَهم، وذلك أن الأَميَّ عندَ العربِ هو الذى لا يكتُبُ . قال أبو جعفرٍ: وأَرى أنه قِيلَ للُمىّ: أُمِّ. نسبةً له، بأنه لا يَكْتُبُ، إلى أُمُّه ؛ لأن الكتابَ كان فى الرجالِ دُونَ النساءِ ، فتُسِبَ مَن لا يَكتبُ ولا يَخُطُّ من الرجالِ إِلى أُمّه فى جهْلِه بالكتابةِ دونَ أبيه، كما ذكرنا عن النبىِّ عَّهِ من قوله: ((إنّا أمةٌ أَمّةٌ لا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ)). وكما قال: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِىِ الْأُمِّيِّعْنَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]. فإذا كان معنى الأميّ فى كلام العربِ ما وَصَفْنا ، فالذى هو أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ ما قاله النَّخَعِىُّ مِن أن معنى قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمُِّّونَ﴾: ومنهم مَن لا يُحْسِنُ أن يكتُبَ . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ﴾. يعنى بقولِه: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾: لا يعلمون ما فى الكتابِ الذى أَنزَله اللَّهُ ولا يدرون ما أُوْدَعه اللَّهُ من [٠٩/١ ١و] حُدودِه وأحكامِه وفرائِضِه، كهيئةِ البهائمِ . كالذى حدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ ﴾: إنما هم أمثالُ البهائم لا يَعْلَمُون شيئًا (١) . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٢/١ إلى المصنف، وذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦٧/١، وقال: فى صحة هذا عن ابن عباس - بهذا الإسناد - نظر . (٢) تفسير عبد الرزاق ٥٠/١. ١٥٥ سورة البقرة : الآية ٧٨ حدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾ يقولُ (١): لا يدرون ما فيه(٢). حدَّثنى المُثُنَّى ، قال : ثنا آدمُ ، قال : ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ : ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾: لايَدْرُونَ ما فيه(١) . حدثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ ، عن محمدٍ بنٍ أبی محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ (٤) . (٥) اُلْكِثَبَ﴾ قال: لا يدرون ما(٤) فيه (٥) . حدثنا يونس١ُ) ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾. لا يَعْلَمُون شيئًا؛ لا يَقْرَءُون، التوراةُ ليست تُسْتَظْهَرُ، إنما تُقْرَأَ هكذا، فإذا لم يَكْتُبْ أحدُهم لم يَسْتَطِعْ أن يَقْرَأَهُ(٧). حدثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بِشْرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّّاكِ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ﴾. يقولُ (٨): لا يَغْرِفون الكتابَ الذى أنزله اللَّهُ. قال أبو جعفرٍ: وإِنما عَنَى بالكتابِ التوراةَ ، ولذلك أَدْخِلَتْ فيه الألفُ واللامُ؛ (١) بعده فى م: ((لا يعلمون الكتاب و)). (٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢/١ عقب الأثر (٧٩٠) معلقا . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢/١ (٧٩٠) من طريق آدم به . (٤) فى م: ((بما)). (٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٢/١ إلى ابن إسحاق . (٦) فى النسخ: ((بشر)). وهو إسناد دائر. (٧) فى م: ((يقرأ)). (٨) سقط من: ت ٢، وفى م: ((قال)). ١٥٦ سورة البقرة : الآية ٧٨ لأنه قُصِد به کتابٌ معروفٌ بعينه ، ومعناه : ومنهم فریقٌ لا تگتُبون ولايَدْرُون ما فى الكتابِ الذى عَرَفْتُموه الذى هو عندَهم/ وهم يَنْتَحِلُونه، ويدَّعون الإقرارَ به من أحكام اللَّهِ وفرائضِه وما فيه من حُدُودِه التى بيَّتها فيه . ٣٧٥/١ (واختلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِه١): ﴿إِلَّ أَمَانِىَّ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، عن بِشْرِ بنِ عُمارةَ ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضّاكِ، عن ابنِ عباس: ﴿إِلَّ أَمَانِىَّ﴾. يقولُ: إِلَّا قولًا يَقُولُونه(١) بأفواهِهم (٣) كذبًا (٣). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى تَجِيحٍ، عن مُجَاهدٍ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ﴾: إلا كذبًا (٥). حدثنى الُثَنَّى ، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن مُجاهدٍ مثله . وقال آخَرون بما حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّ أَمَانِىَ ﴾ يقولُ: يتمنَّون على اللَّهِ ما ليس لهم١. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن (١ - ١) سقط من النسخ، وأثبتناها كنهج أبى جعفر فى التفسير. (٢) فى ت١، ت ٢: ((يقولون)). (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٢/١ إلى المصنف. (٤) بعده فى ت ٢: (( محمد). (٥) تفسير مجاهد ص ٢٠٧، ٢٠٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢/١ (٧٩٤). وعزاه السيوطى فی الدر المنثور ٨٢/١ إلی عبد بن حميد . (٦) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢/١ عقب الأثر (٧٩٣) معلقًا . ١٥٧ سورة البقرة : الآية ٧٨ قتادةً: ﴿إِلَّ أَمَانِىَ﴾. يقولُ: يتمثَّون على اللَّهِ الباطلَ وما ليس لهم(١). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، (٢ عن معاويةَ بنِ صالحٍ)، عن عليّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِيَّ﴾. يقولُ: إِلَّا أحاديثَ(٣). حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجَّاجْ، عن ابنٍ مجرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ : ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ﴾. قال: ناسٌ من يهودَ لم يكونوا يعلمون من الكتابِ شيئًا، وكانوا يتكلَّمون بالظنِّ بغيرِ ما فى كتابِ اللَّهِ، ويقولون : هو من الكتاب . أمانئُ يتمنَّونها(4) . حدَّثنا الُثَنَّى ، قال : ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ : إِلَّ أَمَانِيَّ﴾: يتمنَّون على اللَّهِ ما ليس لهم(٥). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿إِلَّ أَمَانِىَّ﴾. قال: تمنَّوْا فقالوا: نحن من أهلِ الكتابِ . وليسوا منهم . وأَوْلَى ما رَوَيْنا فى تأويلِ قولِه: ﴿ إِلَّ أَمَانِىَّ﴾. بالحقِّ، وأَشْبَهُه بالصوابِ، الذى قاله ابنُ عباس، الذى رواه عنه الضَّّاكُ، وقولُ مجاهدٍ ، أن الأَمّين الذين وصَفهم اللَّهُ بما وصَفهم به فى هذه الآيةِ وأنهم لا يَفْقَهُون من الكتابِ الذى أنزله اللَّهُ على موسى شيئًا، ولكنهم يَتخرّصون الكذبَ ويَتْقوَّلون الأباطيلَ كذبًا وزُورًا، والتمنِّى فى هذا الموضع هو تَخَلَّقُ الكذبِ وتَخَرُّصُه وافتعالُه، يقالُ منه: تمنَيتُ (١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٠. (٢ - ٢) سقط من النسخ. وهو إسناد دائر. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢/١ (٧٩٢) عن أبيه ، عن أبى صالح به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٢/١ إلى ابن المنذر . (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٢/١ إلى المصنف. (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٥٢/١ (٧٩٣) من طريق آدم به . ١٥٨ سورة البقرة : الآية ٧٨ كذا . إذا افتعلتَه وتَخَّصْتَه. ومنه الخبرُ الذى رُوِىَ عن عثمانَ بنِ عفانَ رضى اللَّهُ عنه: ما تَعَتَّيْتُ(١) ولا تَيْتُ(١) . يعنى بقولِه: ما تمنيتُ: ما تخرّصتُ الباطلَ ولا اخْتَلَقْتُ الكذبَ والإِفْكَ . ٣٧٦/١ والذى يَدُلُّ على صِحَّةٍ ما قُلنا فى ذلك وأنه أَوْلَى بتأويلِ قوله: ﴿إِلَّ أَمَانِىَّ﴾. من غيرِهِ من الأقوالِ، قولُ اللَّهِ جل ثناؤه: ﴿ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُونَ﴾. فأخبَر عنهم جل ثناؤه أنهم يتمنَّوْن ما يتمنَّون من الأكاذيبِ ظنًا منهم/ لا يقينًا ، ولو كان معنى ذلك أنهم يَتْلونه ، لم يكونوا ظائِّين، وكذلك لو كان معناه: يتشهُّونه؛ لأن الذى يتلوه إذا تَدَبَّرَه عَلِمِه، ولا يَسْتَحِقُّ الذى يتلو كتابًا قرَأَه وإن لم يَتَدَبرْه بتَرْكِه التدبيرَ أن يقالَ : هو ظانٌّ لما يَتلو. إلا أن يكونَ شاكًّا فى نفس ما يتلوه لا يَدْرِى أحقٌّ هو أم باطلٌ؟ ولم يكنِ القومُ الذين كانوا يتلون التوراةَ على عصرٍ نبيّنا محمدٍ عَ لِّ من اليهودِ فيما بلَغَنا شاكِّين فى التوراةِ أنها من عندِ اللَّهِ، وكذلك المتمنِّى الذى هو فى معنى المتشهِّى، غيرُ جائزٍ أن يقالَ: هو ظانٌ(٢) تَمَنِيه. لأن الثَّمَنِّىَ من المتمنِّى إذا تمنَّى ما قد وُجِدتْ(٤) عينُه، فغيرُ جائزٍ أن يقالَ: هو شاكٌّ فيما هو به عالمٌ؛ لأن العلمَ والشكَّ معنيان يَنْفِى كلُّ واحدٍ منهما صاحبه لا يجوزُ اجتماعُهما فى جزْءٍ واحدٍ، والمتمنّى فى حالٍ تمنِيه موجودٌ (تَمْتِيه، فغير٢٢ُ جائزٍ أن يقالَ: هو يَظُنُّ تَمِنِّيُّه. وإنما (١) فى م، ت ٢: ((تغنيت))، وفى ت ١، ت ٣: ((تعنيت)). والصواب ما أثبتناه. وعتا يعتو عتوًّا وعتيًّا: استكبر وجاوز الحد . اللسان ( ع ت و ). (٢) أخرجه محمد بن عائذ الدمشقى - كما فى البداية والنهاية ٢٩٦/١٠، ٢٩٧ - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه (ص ٢٣، ٤٢٩ - ترجمة عثمان ، طبعة مجمع اللغة بدمشق) - والفسوى فى تاريخه ٤٨٨/٢، وفيه قصة . (٣) بعده فى م: ((فى)). (٤) فى م: (( وجد)). (٥) فى م: (( حيز)). (٦ - ٦) فى م: ((غير)). وينظر التبيان ٣٢٠/١. ١٥٩ سورة البقرة : الآية ٧٨ قيل: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ﴾. والأمانىُ من غيرِ نوع الكتابِ، كما ج قال ربّنا جل ثناؤه ﴿ مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ إِلَّا إِنْبَاعَ الَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]. والظنُّ من العلمِ بِمَعْزِلٍ، وكما قال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْرَ ﴿ إِلَّا أَبِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ (١) الأعلى ﴾ [الليل: ١٩، ٢٠]. وكما قال الشاعر: غيرَ طَعْنِ الكُلَى وضَرْبِ الرِّقابِ [٢٢/٣م] لیس بینی وبین قیس عتابٌ # وكما قال نابغةُ بنى ذُئِيانَ(٢): حلَفْتُ يمينًا غيرَ ذى مَثْنِيَّةٍ() ولا عِلْمَ إلا حُسْنَ ظَنِّ بصاحبٍ (٤) فى نظائرَ لما ذكرنا يطولُ بإحصائِها الكتابُ . ويَخْرُجُ بـ ((إلا)) ما بعدها من معنى ما قبلها ، ومن صفتِه، وإن كان كلُّ واحدٍ منهما من غيرِ شكلِ الآخرِ ومن غيرِ نوعِه، ويسمِّ ذلك بعضُ أهلِ العربيةِ استثناءً منقطِعًا، لانقطاع الكلامِ الذى يأتى بعد ((إلا)) عن معنى ما قبلها ، وإنما يكونُ ذلك كذلك فى كلِّ موضع حَسُنَ أن يوضعَ فيه مكانَ ((إِلا )) ((لكن))، فيُعْلَمُ حينئذٍ انقطاعُ معنى الثانى عن معنى الأولِ، ألا ترى أنك إذا قلْتَ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمُِّّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَبَ إِلَّ أَمَانِىِّ﴾. ثم أردْتَ وَضْعَ ((لكن)) مكانَ ((إلا )) وحَذْفَ (١) البيت لعمرو بن الأيهم بن أفلت التغلبى، وهو فى الوحشيات ص ٤٢، ومعجم الشعراء ص ٧٠، وسمط اللآلى ١٨٤/١. * إلى هنا ينتهى الخرم الذى فى الأصل. والذى بدأ فى أثناء ص ٥٧. (٢) ديوان النابغة ص ٥٥. (٣) حلفة غير ذات مثنوية : أی غیر مُحَلَّلة . اللسان (ث ن ی). (٤) فى م، ت ١، ت٢، ت٣: ((بغائب)). وهى رواية ابن السكيت، وأما الذى فى الأصل فهو رواية الأصمعى وينظر ديوان النابغة برواية ابن السكيت ص ٥٥ وديوان النابغة بتحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم ص ٤١. ١٦٠ سورة البقرة : الآية ٧٨ ((إلا ))، وَجَدْتَ الكلامَ صحيحًا معناه صحتَه وفيه ((إلا))، وذلك إذا قُلْتَ: ومنهم أُمَُّون لا يَعْلَمُونَ الكتابَ، لكن أمانيَّ. يعنى: لكنهم يَتَمنَّوْن. وكذلك قولُه: ﴿مَا لَمُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ إِلَّا أَنْبَاعَ الظَّنْ﴾ [النساء: ١٥٧]: لكن اتِّباعَ الظنِّ. بمعنى: لكنَّهم يَتَّبعون الظنَّ. وكذلك جميعُ هذا النوعِ من الكلامِ على ما وصَفْنا . وقد ذُكِر عن بعضِ القَرأةِ أنه قرأ : (إلَّا أمانىَ). مخففةٌ(١). ومن خَفَّف ذلك وجَّهه إلى نحوِ جَمْعِهم المفتاحَ مفاتحَ، والقُرْقورَ(١) قراقرَ، وأن ياءَ الجمع لمّ محذفت خُفِّفَتِ الياءُ الأصليةُ، أَغْنِى من ((الأمانيٌ))، كما جَمَعوا الأَثْفِيَّةَ(٢) أَثَافِيَ مخففةً ، كما قال زهيرُ بنُ أبى سُلْمَى (٤) : أَثَافِىَ سُفْعًا(٥) فى مُعَّسٍ(٦) مِرْجَلٍ (٧) وَتُؤْيَا(٨) كجِدْمِ(٩) الخَوْضِ لم يَّمُ(١) وأما مَن ثَّقَّل ﴿ أَمَانِىَّ﴾ فشدَّد ياءَها، فإنه (١) نحوُ جَمْعِهم المفتاح مفاتيحَ، (١) وهى قراءة أبى جعفر - وهو من العشرة. ينظر النشر لابن الجزرى ٢/ ١٦٤. (٢) القرقور: السفينة أو الطويلة أو العظيمة. التاج (ق ر ر) . (٣) الأثفية : ما يوضع عليه القِدْرُ. اللسان (ث ف ی). (٤) شرح دیوان زهير ص ٧ .. (٥) السفعة: السواد المشرب حمرة، ومنه قيل للآثافى: سفع. وهى التى أوقد بينها النار فسودت صفاحها التى تلى النار. اللسان (س ف ع). (٦) المعرس: موضع التعريس، والتعريس: نزول القوم فى السفر من آخر الليل يقعون وقعة للاستراحة. اللسان (ع ر س). (٧) المرجل: القِدْرُ من الحجارة والنحاس. اللسان (رج ل). (٨) النؤى : حفرة حول الخباء لئلا يدخله ماء المطر. اللسان (ن أى). (٩) الجذم: أصل الشىء. اللسان (ج ذ م). (١٠) ثلم الإناء والسيف ونحوه يثلِمُه ثلْمًا، وثلَّمَه فانْتَلم وتثَلَّم: كسر حرفه. اللسان (ث ل م). (١١) بعده فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((وجه ذلك إلى)).