Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
سورة البقرة : الآية ٧٠
لَّ ◌ِشِيَةَ فِيهَأَ﴾. قال: فاضْطُرُّوا إلى بقرةٍ لا يُعْلَمُ على صفتِها غيرُها، هى صفراءُ
ليس فيها سَوادٌ ولا بياضٌ .
قال أبو جعفرٍ : وهذه الأقوالُ التى ذكرناها عمن ذكرناها عنه مِن الصحابةِ
والتابعين والخالِفِين بعدَهم، مِن قولهم: إن بنى إسرائيلَ لو كانوا أخذوا أدنى بقرةٍ
فذْبَحوها أْزَأَت عنهم ، ولكنهم شدَّدوا فشدَّد اللَّهُ عليهم - مِن أوضح الدلالةِ على
أن القومَ كانوا يَرَون أن حكمَ اللَّهِ فيما أمَر ونهَى فى كتابِه وعلى لسانِ رسولِه عَِّ
على العمومِ الظاهرِ دونَ الخُصوصِ الباطنِ، إلا أن يَخُصَّ بعضَ ما عمَّه ظاهرُ
التَّنْزِيلِ، كتابٌ مِن اللَّهِ أو رسولُ اللَّهِ ، وأن التنزيلَ أو الرسولَ إِن خصَّ بعضَ ما عمَّه
ظاهرُ التنزيلِ بحكم خلافٍ ما دَلَّ عليه الظاهرُ، فالمخصوصُ مِن ذلك خارجٌ مِن
حكم الآيةِ التى عمَّت ذلك الجنسَ خاصةٌ، وسائرُ حكم الآيةِ على العمومِ، على
نحوِ ما قد بيَّناه فى كتابِنا ((كتابِ الرّسالةِ)) مِن « لطيفِ القولِ فى البيانِ عن أصولٍ
الأحكام )) - فى قولِنا فى العموم والخصوصِ، وموافقةٍ قولِهم فى ذلك قولَنا،
ومذهبهم مذهبَنا، وتَخْطئتِهم قولَ /القائلين بالخصوصِ فى الأحكام، وشَهادتهم ٣٤٩/١
على فسادٍ قولٍ مَن قال: حُكُمُ الآيةِ الجائبةِ مَجِىءَ العمومِ على العُمومِ ما لم يُخْتَصَّ
منها بعضُ ما عمَّته الآيةُ ، فإن خُصَّ منها بعضٌ ، فحُكُمُ الآيةِ حينَئذٍ على الخصوصِ
فيما خُصَّ منها ، وسائرُ ذلك على العمومِ .
وذلك أن جميعَ مَن ذكَرْنا قولَه آنِفًا - ثَمَّن عاب على (١) بنى إسرائيلَ مسألتَهم
نبيَّهم ◌َ لَّهِ عن صفةِ البقرةِ التى أَمِروا بذبحِها وسنّها وحِلْيتها - رأوا أنهم كانوا فى
مسألتِهم رسولَ اللَّهِ ◌ِِّ موسى ذلك مُخْطِئِين، وأنهم لو كانوا اسْتَعْرَضوا أدنى بقرةٍ
مِن البقر - إذ أَمِروا بذبحِها بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةًّ ﴾ فذْبَحوها -
(١) فى ت١، ت٢، ت٣: ((عن)).

١٠٢
سورة البقرة : الآية ٧٠
كانوا للواجبِ عليهم مِن أمرِ اللَّهِ فى ذلك مُؤَدِّين، وللحِّ مُطِيعِين، إذ لم يَكُنِ القومُ
مُحُصِروا على نوعٍ مِن البقرِ دونَ نوعٍ، وسنِّ دونَ سنٍّ .
ورأَوا مع ذلك أنهم إذ سأَلوا موسى عن سنّها، فأخْبَرَهم عنها وحصَرَهم منها
على سنٍّ دونَ سنٍّ، ونوعٍ دونَ نوعٍ، وَخَصَّ مِن جميعٍ أنواعِ البقرِ نوعًا منها ، كانوا
فى مسألتِهم إياه المسألةَ الثانيةَ بعد الذى خصَّ لهم من أنواع البقرِ، من الخطأً على
مثلِ الذى كانوا عليه من الخطأ فى مسألتِهم إياه المسألةَ الأولى.
[١٠٢/١ و] وكذلك رَأَوْا أنهم فى المسألةِ الثالثةِ على مثلِ الذى كانوا عليه مِن
ذلك فى الأولى والثانيةِ ، وأن اللازمَ كان لهم فى الحالةِ الأولى استعمالُ ظاهرِ الأمرِ،
وذبحُ أىِّ بهيمةٍ شاءوا مما وقَع عليها اسمُ بقرةٍ .
وكذلك رأوا أن اللازمَ كان لهم فى الحالةِ الثانيةِ استعمالُ ظاهر الأمرٍ ، وذبخ
أىِّ بهيمةٍ شاءوا مما وقَع عليها اسمُ بقرةٍ عَوَانٍ لا فارضٍ ولا بِكْرٍ ، ولم يَرَوْا أن
حكمَهم - إذ خُصَّ لهم بعضُ البقرِ دونَ البعضِ فى الحالةِ الثانيةِ - انْتَقَل عن اللازمِ
كان لهم فى الحالةِ الأولى مِن استعمالٍ ظاهرِ الأمرِ إلى الخصوصِ.
ففى إجماع جميعهم على ما رَوَينا عنهم مِن ذلك - مع الرواية التى رَوَيناها
عن رسولِ اللَّهِ مَ ◌ّه بالموافقةِ لقولهم - دليلٌ واضحٌ على صحةٍ قولِنا فى العمومِ
والخصوصِ، وأن أحكامَ اللَّهِ جل ثناؤُه فى آي كتابِه - فيما أمَر ونهَى - على العمومِ
مالم يَخُصَّ ذلك ما يَجبُ التسليمُ له ، وأنه إذا خُصَّ منه شىءٌ فالمخصوصُ منه خارجٌ
حكمُه مِن حكم الآيةِ العامةِ الظاهرِ، وسائرُ حكم الآيةِ على ظاهرِها العامّ ، ومُؤَيِّدٌ
حقيقةً ما قلْنا فى ذلك، وشاهدٌ عَدْلٌ على فسادِ قولٍ مَن خالَف قولَنا فيه .
وقد زعم بعضُ مَن عظُمَت جَهالتُه ، واشْتَدَّت خَيْرِتُه، أن القومَ إنما سأَلوا موسى ما
سألوا بعدَ أمْرِ اللَّهِ إياهم بذبح بقرةٍ مِن البقرِ؛ لأنهم ظنُوا أنهم أمِروا بذبح بقرةٍ بعينِها

١٠٣
سورة البقرة : الآية ٧٠
خُصَّت بذلك، كما خُصَّت عصا موسى فى معناها ، فسألوه أن يُحَلِّيَها لهم لِيَعْرِفوها .
ولو كان الجاهلُ تدبّر قولَه هذا، لسهُل عليه ما اسْتَصْعَب مِن القولِ ، وذلك أنه
اسْتَعْظَم مِن القوم مسألتَهم نبيَّهم ما سألوه تَشَدُّدًا منهم فى دينهم ، ثم أضاف إليهم
مِن الأمرِ ما هو أعْظَمُ مما اسْتَنْكَرَه أن يَكونَ كان منهم، فزعَم أنهم كانوا يرَوْن أنه
جائزٌ أَن يَفْرِضَ اللَّهُ عليهم فرضًا وَيَتَعَبَّدَهم بعبادةٍ ، ثم لا يُبَيِّنَ لهم ما يَفْرِضُ عليهم
ويَتَعَبَّدُهم به ، حتى يَشْأَلُوا بيانَ ذلك لهم ، فأضاف إلى اللَّهِ تعالى ذكرُه ما لا يَجوزُ إضافتُه
إليه ، ونسَب القومَ مِن الجهلِ إلى ما لا يُنْسَبُ المجانينُ إليه، فزعَم أنهم كانوا يَسْأَلُون ربَّهم
أن يَفْرِضَ عليهم الفَرائضَ، فنعوذُ باللَّهِ مِن الخَيْرةِ ، ونَسْأَلُه التوفيقَ والهِدايةَ .
/وأما قولُه: ﴿ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا﴾. فإن البقرَ جِماعُ بقرةٍ.
٣٥٠/١
وقد قرَأ بعضُهم: (إن الباقرَ) ) . وذلك وإن كان فى الكلام جائزًا لمجيئِه فى
كلامِ العربِ وأشعارِها، كما قال ميمونُ بنُ قيسٍ(٢) :
وما ذنبُه أن عافَتِ الماءَ باقِرٌ وما إن تَعافُ الماءَ إلا لِيُضْرَبا(٣)
ي(٤)
وكما قال أميةٌ (٤):
ويَسُوقون باقِرَ "السَّهْلِ للطَّوْ دٍْ) مَهازِيلَ خَشْيةٌ أَن تَبُورًا
(١) وبها قرأ محمد ذو الشامة وعكرمة ويحيى بن يعمر. ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٤، والبحر
المحيط ٢٥٣/١.
(٢) ديوان الأعشى ص ١١٥.
(٣) قال الجاحظ: وكانوا إذا أوردوا البقر فلم تشرب ؛ إما لكدر الماء، أو لقلة العطش ، ضربوا الثور ليقتحم
الماء؛ لأن البقر تتبعه كما تتبع الشَّوْلُ الفحل. الحيوان ١/ ١٨.
(٤) ديوانه ص ٤٥.
(٥ - ٥) فى النسخ: ((الطود للسّهْل)). والمثبت من الديوان. يقول الجاحظ فى ذكر نيران العرب: ((ونار
أخرى، وهى النار التى كانوا يستمطرون بها فى الجاهلية الأولى، فإنهم كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات
وركد عليهم البلاء، واشتد الجدب، واحتاجوا إلى الاستمطار، اجتمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من =

١٠٤
سورة البقرة : الآية ٧٠
- فغيرُ جائزةٍ القراءةُ به لمخالفتِهِ القراءةَ الجائيةَ مَجِى ءَ الحُجّةِ ، بنقلِ مَن لا يَجوزُ
عليه - فيما نقَلوه مُجْمِعِين عليه - الخطأُ والسَّهْرُ والكذبُ .
وأما تأويلُ : ﴿تَشَبَهَ عَلَيْنَا﴾ فإنه يعنى به : الْتَبَس علينا .
والقَرَأَةُ مختلفةٌ فى تِلاوتِه؛ فبعضُهم كانوا يَتْلُونه: ﴿تَشَبَهَ عَلَيْنَا﴾.
بتخفيفِ الشينِ ونصبٍ الهاءِ على مثالِ ((تَفَاعَلَ)) ويُذَكَّرُ الفعلَ وإن كان البقرُ
جِماعًا؛ لأن مِن شأنِ العربِ تَذْكيرَ كلِّ فعلٍ جمع كانت واحدتُه بالهاءِ، وجمعُه
بطرحِ الهاءِ وتأنيثَه، كما قال اللَّهُ تعالى فى نظيرِه فى التَّذْكِيرِ: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَّخْلٍ
مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]. فذكّر ((المُتْقَعِرَ))، وهو مِن صفةِ ((النخلِ)) لتذكيرِ لفظٍ
((النخلِ)). وقال فى موضعٍ آخرَ: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]. فَأَنَّث
((الخاويةَ)) وهى مِن صفةِ النخلِ - بمعنى النخلِ؛ لأنها وإن كانت فى لفظِ الواحدِ
المذكرِ - على ما وصَفْنا قبلُ - فهی جِماُ نخلةٍ .
وكان بعضُهم يَتْلُوه : (إِنَّ البقَرَ تَشَّابَهُ علينا) (١) . بتشديدِ الشين وضمِّ الهاءِ،
فيُؤَنِّثُ الفعلَ بمعنى تأنيثِ ((البقرِ))، كما قال: ﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ . ويُدْخِلُ فى
أولِ ((تَشَابَه)) تاءٌ تَدُلُّ على تأنيثِها، ثم تُدْغَمُ التاءُ الثانيةُ فى شينِ (تَشَابَةَ)) ؛ لتَقارُبِ
مَخْرَجِها ومَخْرَج الشينِ ، فَتَصِيرُ شِينًا مُشَدَّدةً ، وتُرفَعُ الهاءُ بالاستقبالِ والسلامةِ مِن
الجَوَازمِ والنَّواصبِ .
وكان بعضُهم يَتْلُوه: (إِنَّ البقَرَ يَشَّابَهُ علينا)(١). فيُخْرِجُ ((يَشَّابَه)) مُخْرَجَ
الخبرِ عن الذَّكَرِ؛ لِا ذكَرْنا مِن العلةِ فى قراءةٍ مَن قرَأَ ذلك: ﴿تَشَبَهَ﴾ بالتخفيفِ،
= البقر، ثم عقدوا فى أذنابها وبين عراقيبها، السّلَع والعُشَر، ثم صعدوا بها فى جبل وعر، وأشعلوا فيها
النيران ، وضجوا بالدعاء والتضرع، فكانوا يرون أن ذلك من أسباب السقيا . الحيوان ٤ / ٤٦٦.
(١) هى قراءة الأعرج، ورويت عن الحسن. البحر المحيط ٢٥٤/١.
(٢) هى قراءة ابن مسعود . السابق .

١٠٥
سورة البقرة : الآية ٧١
ونصبِ الهاءِ، غيرَ أنه كان يَرْفَعُه بالياءِ التى يُحْدِثُها فى أولِ «تشَابَةَ)» التى تأتى بمعنى
الاستقبالِ ، وتُدْغَمُ التاءُ فى الشينِ، كما فعَله القارئُ فى (تَشَّابَهُ) بالتاءِ والتشديدِ .
والصوابُ فى ذلك مِن القراءةِ عندَنا: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا﴾ . بتخفيفٍ
شينِ ((تَشَابَةَ)) ونصبٍ هائِه، بمعنى ((تَفَاعَلَ))؛ لإجماع الحُتَّةِ مِن القَرَأَةِ على
تَصْويبِ ذلك ورفعِهم (١) ماسواه مِن القراءاتِ ، ولا يُعْتَرَضُ على الحُجّةِ بقولِ مَن
يَجُوزُ عليه فيما نقَل السهوُ والغَفْلَةُ والخطأُ .
وأما قولُه: ﴿ وَإِنّآ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. فإنهم عنَوْا: وإنا إن شاء اللَّهُ
لُبَيّنٌ لنا ما الْتَس علينا وتَشَابَهَ مِن أمرٍ البقرةِ التى أُمِرْنا بذبحِها. ومعنى ((اهْتِدائِهم)) فى
هذا الموضعِ معنى ((تَبَيِّنهم)) أَىُّ ذلك الذى لزِمهم ذَبْتُه مما سواه مِن أجناسِ البقرِ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ [١٠٢/١ ظ] لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ
الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْحَثَ﴾ .
/وتأويلُ ذلك: قال موسى: إن اللَّهَ يقولُ: إن البقرةَ التى أُمَرْتُكم بذبحِها بقرةٌ ٣٥١/١
لا ذَلولٌ . ويعنى بقولِه: ﴿لَّا ذَلُولٌ﴾. أى: لم يُذَلِّلْها العملُ. فمعنى الآيةِ : إنها
بقرةٌ لم تُذَلِّلْها إثارةُ الأرضِ بأَظْلافِها، ولا سُنِىَ عليها(١) الماءُ، فيُشْقَى عليها الزرعُ،
كما يقالُ للدابةِ التى قد ذلَّلها الركوبُ أو العملُ: دابةٌ ذَلولٌ بَيِّنَةُ الذُّلِّ. بکسر
الذَّالِ ، ويُقالُ فى مثلِهِ مِن بنى آدمَ : رجلٌ ذَليلٌ بَيْنُ الذِّلُّ والذِّلَّةِ.
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ إِنَّهَا بَقَّرَةٌ لَّا
ذَلُولٌ﴾. يقولُ: صعبةٌ لم يُذِلَّها عملٌ، ﴿ تُثِيرُ اُلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْرَثَ﴾(١).
(١) كذا بالنسخ، ولعل الصواب: ((دفعهم)).
(٢) سنيت الدابة وغيرها تسنَى: إذا سقى عليها . اللسان ( س ن ی).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١/١ (٧٢٧) من طريق شيبان ، عن قتادة . وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٧٨/١ إلى عبد بن حميد .

١٠٦
سورة البقرة : الآية ٧١
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ
لَّا ذَلُولُ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾. يقولُ: بقرةٌ ليست بذَلولٍ يُزْرَعُ عليها، ولَيْسَت تَسقى
الحرثَ(١).
حدثنى المثنى ، قال : ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ :
﴿ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ﴾. أى: لم يُذِلَّها العملُ. ﴿ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾. يعنى: ليست
بذَلولٍ فتُثِيرَ الأرضَ. ﴿وَلَا تَسْقِى الْمَثَ﴾. يقولُ: ولا تَعْمَلُ(٢) فى الحرثِ(٣).
حُدثتُ عن عمارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا
ذَلُولٌ﴾. يقولُ: لم يُذِلَّها العملُ، ﴿يُثِيرُ الْأَرْضَ﴾. يقولُ: تُبِينُ الأرضَ(٤)
بأظْلافِها. ﴿ وَلَا تَسْقِى الْمَثَ﴾. يقولُ: ولا تعمَلُ(١) فى الحرثِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ
جريجٍ : قال الأعرج: قال مجاهدٌ قوله: ﴿لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْحَثَ﴾ .
يقولُ : ليست بذَلولٍ فتفعَلَ ذلك(٥).
حدثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةً:
ليست بذَلولٍ تُثِيرُ الأرضَ ، ولا تَسْقِى الحرثَ.
ويعنى بقوله: ﴿ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾: تَقْلِبُ الأرضَ للحرثِ ، يقالُ منه : أَثَوْتُ
الأرضَ أَثِيرُها إثارةً ، إذا قلَبتَها للزرعِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٢/١ (٧٢٨) من طريق عمرو بن حماد به .
(٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) تقدم مطولا فى ص ٧٧ .
(٤) أبانت الماشية الأرض، إذا فصلتها عن بعضها . اللسان ( ب ی ن ).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤١/١ (٧٢٣) من طريق حجاج به .

١٠٧
سورة البقرة : الآية ٧١
وإنما وصَفها جلَّ ثناؤه بهذه الصفةِ ؛ لأنها كانت - فيما قيل - وَحْشِيَّةً .
حدثنی یعقوبُ بنُ إبراهیم ، قال : ثنا مُشیمٌ ، قال : أخبرنا ◌ُوَئیرٌ، عن کثیرِ بنِ
زيادٍ، عن الحسنِ، قال: كانت وَحْشِيَةً(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ مُسَلَّمَةٌ ﴾
ومعنى ﴿ مُسَلَّمَةٌ﴾: مُفَعَّلةٌ، مِن السلامةِ، يقالُ منه: سُلِّمَتْ تُسلَّمُ فهى
مُسلَّمةٌ .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى المعنى الذى سُلِّمَت منه، فوصَفَها اللَّهُ بالسلامةِ منه ؛
فقال مجاهدٌ بما حدثنا به محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عیسی ، عن ابنٍ
أبى نَجيح، عن مُجاهِدٍ: ﴿ مُسَلَّمَةٌ﴾. يقولُ: مُسَلَّمَةٌ مِن الشِّيَّةِ، و﴿لَّا شِيَةَ
فِيهَأَ﴾: لا بياضَ فيها ولا سوادَ (١).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجِيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
حدثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : حدثنى حجاجٌ ، عن ابن جريج، قال :
قال مجاهدٌ: ﴿ مُسَلَّمَةٌ﴾. قال: مُسَلَّمَةٌ من الشِّيَّةِ، ﴿لَّا يَشِيَةَ فِيهَاَ﴾ : لا بياضَ
فيها ولا سَوادَ .
/ وقال آخرون: مُسَلَّمَةٌ مِن العيوبٍ .
٣٥٢/١
(١) تقدم فى ص ٩٣ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٢/١ (٧٣٢، ٧٣٥) من طريق ابن أبى نجيح به ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٧٨/١ إلى عبد بن حميد .

١٠٨
سورة البقرة : الآية ٧١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةً
فِيهَا﴾. أى: مُسلَّمَةٌ مِن العيوبِ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ مُسَلَّمَةٌ﴾. يقولُ: لا عيبَ فيها(٢).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا آدمُ ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ :
مُسَلَّمَةٌ﴾. يعنى: مُسَلَّمَةٌ مِن العيوبٍ(٣).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع بمثلِه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال : حدثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ
جريج: قال ابنُ عباسٍ: قولُه: ﴿ مُسَلَّمَةٌ﴾: لا عَوارَ فيها(٥) .
والذى قاله ابنُ عباسٍ وأبو العاليةِ ومن قال بمثل قولِهما فى تأويلٍ ذلك ، أولَی
بتأويل الآيةِ مما قاله مجاهدٌ ؛ لأن سَلامَتَها لو كانت مِن سائرٍ أنواع الألوانِ سِوَى لونٍ
جلدِها ، لكان فى قوله: ﴿ مُسَلَّمَةٌ﴾. مُكْتَفّى عن قوله: ﴿لَّا يَشِيَةَ فِيهَا﴾. وفى
قولِه: ﴿لَّا شِيَةَ فِيهَا﴾، ما يُوَضِّحُ عن أن معنى قوله: ﴿ مُسَلَّمَةٌ﴾ . غيرُ معنى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٨/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٤٩/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٢/١ (٧٣٣) عن الحسن بن
یحیی به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٢/١ عقب الأثر (٧٣٣) من طريق آدم به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٢/١ عقب الأثر (٧٣٣) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٨/١ إلى المصنف .

١٠٩
سورة البقرة : الآية ٧١
قوله: ﴿لَّا يُشِيَةَ فِيهَاً﴾. وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام أنه يقولُ : إنها
بقرةٌ لم تُذَلِّلْها إثارةُ الأرضِ وقَلْبُها للحِراثةِ ولا السُّنُؤُّ عليها للمزَارعِ، وهى مع ذلك
صحيحةٌ مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿لََّ شِيَّةَ فِيهَا ﴾
يعنى بقولِه: ﴿لَّا شِيَةَ فِيهَأَ﴾: لا لونَ فيها يُخالِفُ لونَ جلدِها . وأصلُه
مِن: وَشْىِ الثوبِ. وهو تحسينُ عُيوبِه التى تَكونُ فيه بضُروبٍ مختلفةٍ مِن ألوانٍ
سَدَاهُ ولُحْمْتُه، يقالُ منه: وَشَيْتُ الثوبَ فأنا أَشِيه شِيَةً ووَشْيًا. ومنه قيل للساعى
بالرجلِ إلى السلطانِ أو غيرِهِ: واشٍ. لكذبِه عليه عندَه وتحسينِه كذبَه بالأباطيلِ،
يقالُ منه: وشَيْتُ به إلى السلطانِ وشايةً. ومنه قولُ كعبٍ بنِ زُهَيْرٍ (١) :
إنك يا بنَ أبى سُلْمَى لَمَقْتولُ
تَسْعَى الؤُشَاةُ بجْبَيها(٢) وقولُهُمُ
والؤُشاةُ جمع واشٍ، يعنى أنهم يَتْقوَّلون بالأباطيلِ، ويُخبِرُونه أنه إن لحِق
بالنبىِّ عَِّ قتَلَه.
وقد زعم بعضُ أهلِ العربيةِ أن الوَشْىَ العلامةُ . وذلك لا معنى له ، إلا أن يكونَ
أراد بذلك تحسينَ الثوبِ بالأعْلام ؛ لأنه معلومٌ أن القائلَ: وشَيْتُ بفلانٍ إِلى فلانٍ .
غيرُ جائزٍ أن يُتوهَّمَ عليه أنه أراد : جعَلْتُ له عندَه علامةٌ .
وإنما قيل: ﴿لَّا يُشِيَةَ فِيهَا﴾. وهى مِن: وَشَيْتُ؛ لأن الواوَ لما أُسقِطَتْ مِن
أولِها أُبدِلَتْ مكانَها الهاءُ فى آخرِها، كما قيل: وزَنْتُه زِنَ [١٠٣/١و]، و"وَسَيْتُه سِيَةً(٣).
(١) ديوانه ص ١٩.
(٢) فى م: ((جنابيها)).
(٣ - ٣) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وشيته شية)). وسيته: حلقته. ينظر اللسان (وس ى).

١١٠
سورة البقرة : الآية ٧١
ووَعَدْتُهُ عِدَةً ، وودَيْته دِيَةً .
وبمثلِ الذى قلنا فى معنى قوله: ﴿لَّا شِيَةَ فِيهَا﴾ قال أهلُ التأويلِ .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لََّ شِيَةَ
فِيهَا﴾. أى: لا بياضَ فيها(١).
/حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ ،
(٢)
مثلَه(٢).
٣٥٣/١
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا آدمُ ، قال : ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ :
﴿لَّا شِيَةَ فِيهَاً﴾. يقولُ: لا بَيَاضَ فيها(٣) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، عن ابن أبى
نجيحِ، عن مجاهِدٍ: ﴿لَّا شِيَةَ فِيهَا﴾. أى: لا بياضَ فيها ولا سَوادَ(٤) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مُجاهِدٍ مثلَه .
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةً: ﴿لَّا شِيَةً
فِيهَا﴾. قال: لونُها واحدٌ ، ليس فيها لونٌ سِوَى لونِها(٥).
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣/١ عقب الأثر (٧٣٦) معلقا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٧٨/١
إلی عبد بن حميد .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٩.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣/١ عقب الأثر (٧٣٦) من طريق آدم به.
(٤) تقدم فى ص ١٠٧.
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣/١ عقب الأثر (٧٣٧) معلقا .

١١١
سورة البقرة : الآية ٧١
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿لَّا شِيَةً
فِيهَا﴾: مِن بياضٍ ولا سوادٍ ولا محُمْرةٍ (١).
حدَّثنی يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ :
وَلَّا يشِيَةَ فِيهَا﴾: هى صفراء ليس فيها بياضٌ ولا سوادٌ .
حُدِّثتُ عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿لََّ شِيَةَ
فِيهَا﴾. يقولُ: لا بياضَ فيها(٢) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ قَالُواْ الْثَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِهِ : ﴿قَالُواْ الْثَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. فقال
بعضُهم: معنى ذلك: الآن بَنْتَ لنا الحقَّ فنبيَنَّاه، وعرَفْنَا أَيَّةَ بقرةٍ عَنيثَ ".
وثمَّن قال ذلك قتادةُ :
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: حدثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُواْ
اَلْتَنَ جِثْتَ بِالْحَقّ﴾. أى: الآن بَّنْتَ لنا(٤).
وقال بعضُهم : ذلك خبرٌ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤه عن القوم أنهم نسبوا نبىَّ اللَّهِ موسى
صلواتُ اللَّهِ عليه إلى أنه لم يَكُنْ يَأْتِيهم بالحقِّ فى أمرِ البقرةِ قبلَ ذلك.
وثمَّن رُوِى عنه معنى هذا القولِ عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ :
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣/١ (٧٣٨) من طريق عمرو بن حماد به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣/١ عقب الأثر (٧٣٦) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٣ - ٣) فى م، ت ٢: ((وعرفناه، أنه بقرة عينت)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣/١ (٧٣٩) من طريق شيبان ، عن قتادة .

١١٢
سورة البقرة : الآية ٧١
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ : اضطُرُوا إِلى بقرةٍ لا
يَعْلَمون على صفتِها غيرَها، وهى صفراءُ ليس فيها سَوادٌ ولا بياضٌ، فقالوا : هذه
بقرةُ فلانٍ، ﴿ اَلْتَنَ جِئْتَ بِالْحَقّ﴾. وقبلَ ذلك واللَّهِ قد جاءَهم بالحقِّ(١).
وأولى التأويلين عندَنا بقولِه : ﴿قَالُواْ الْعَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. قولُ قتادةَ، وهو
أن تأويلَه: الآن بيَّنتَ لنا الحقَّ فى أمرِ البقرِ(١)، فعرَفْنا أيُّها) الواجبُ علينا ذبحُها
منها ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤه قد أخبَر عنهم أنهم قد أطاعوه ، فذبحوها بعد قِيلهم هذا مع
غِلَظِ مؤنةٍ ذبحِها عليهم وثِقَلِ أمْرِها ، فقال: ﴿ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ .
وإن كانوا قد قالوا - بقولهم: الآن بيَّنْتَ لنا الحقَّ - هُراء(٤) مِن القولِ، وأَوْا خطأ
وجهلًا مِن الأمرِ، وذلك أن نبيَّ اللَّهِ موسى ◌َِّ كان مُبَيِّنًا لهم - فى كلِّ مسألةٍ
سأَلوها إياه، وردّ (٥) رادُوه فى أمرِ البقرة - /الحقَّ، وإنما يُقالُ: الآن بَّنْتَ لنا الحقَّ لمن
لم يَكُنْ مُبَيِّنًا قبلَ ذلك، فأما مَن كان كلُّ قِيلِه - فيما أبان عن اللَّهِ تعالى ذكْرُه - حقًّا
وبيانًا ، فغيرُ جائزٍ أن يقال له فى بعضٍ ما أبان عن اللَّهِ فى أمره ونهيه ، وأدَّى عنه إلى
عبادِهِ مِن فرائضِه التى أوجبها عليهم: ﴿ الْثَنَ حِثْتَ بِالْحَقّ﴾. كأنه لم يَكُنْ جاءهم
بالحقِّ قبلَ ذلك .
٣٥٤/١
وقد كان بعضُ مَن سلَف يَزِعُمُ أن القومَ ارْتَدُّوا عن دينهم، وكفَروا بقولِهم
لموسى : ﴿اَلْثَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. ويَزِعُمُ أنهم نفَوْا أن يكونَ موسى أتاهم بالحقِّ فى
أمْرِ البقرةِ قبلَ ذلك ، وأن ذلك مِن فعلهم وقِيلِهم كفرٌ.
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٥٩/١ مقتصرًا على آخره. وتقدم بطوله فى ص ١٠٠، ١٠١.
(٢) فى النسخ: ((البقرة)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٣) فى م، ت ٢: ((أنها))، وفى ت ١، ت ٣: ((أنه)).
(٤) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((هزوا)).
(٥) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((رده)).

١١٣
سورة البقرة : الآية ٧١
وليس الذى قال مِن ذلك عندَنا كما قال؛ لأنهم أذْعَنوا بالطاعةِ بذبحِها ، وإن
كان قيلُهم الذى قالوه لموسى جَهْلةٌ منهم وهَفْوَةً مِن هَفَواتِهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ
٧١
يعنى بقولِه: ﴿فَذَبَجُوهَا﴾: فذبَح قومُ موسى البقرةَ التى وصَفها اللَّهُ لهم،
وأمرهم بذبحها .
ويعنى بقولِه: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾. أى: قارَبوا أن يَدَعوا ذبْحَها،
ويتركوا فرضَ اللَّهِ عليهم فى ذلك .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى مِن أجلِه كادوا أن يُضِيعوا فرضَ اللَّهِ
عليهم فى ذبح ما أمَرهم بذبحِه مِن ذلك ؛ فقال بعضُهم : ذلك السببُ كان غلاءَ
ر
ثمنِ البقرةِ التى أَمِروا بذبحِها ، وبيّنَت لهم صفتُها .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا أبو معشرٍ
المدنىُ، عن محمدٍ بنِ كعبِ القُرَظِىِّ فى قولِه: ﴿ فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾.
قال : لغلاءِ ثمنِها(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُبيدِ الهِلاليُ ، قال : ثنا عبدُ العزيزِ بنُ الخطابِ ،
قال: ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبِ القُرظىّ: ﴿ فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ
يَفْعَلُونَ﴾. قال: مِن كثرةٍ قیمتِها .
(١) تفسير عبد الرزاق ٤٩/١ .
( تفسير الطبرى ٨/٢ )

١١٤
سورة البقرة : الآية ٧١
حدَّثنا القاسمُ، قال : أخبرنا الحسينُ، قال : ثنا حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
مجاهدٍ، وحجاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبِ القُرَظىِّ ومحمدِ بنِ
قيسٍ - فى حديثٍ فيه طُولٌ، ذكّر أن حديثَ بعضِهم دخَل فى حديثٍ بعضٍ -
قولَه : ﴿فَذَ بَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾: لكثرةِ الثمنِ، أَخَذوها بمِلْءِ مَسْكِها ذهبًا
مِن مالِ المقتولِ، فكان سَواءً، لم يَكُنْ فيه فَضْلٌ فذبَحوها (١) .
حُدِّثتُ عن المنجابِ ، قال : ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ ،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾. يقولُ: كادوا لا يَفعَلون،
[١٠٣/١ ظ] ولم يَكُنِ الذى أرادوا؛ لأنهم أرادوا ألا يَذْبَحُوها، وكلُّ شىءٍ فى
القرآن ((أَكادُ(١)) و(٢)((كادوا) و(٢)(لو))، فإنه لا يكونُ، وهو مثلُ قولِه: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾(٤)
[طه: ١٥].
وقال آخرون: لم يكادوا أن يفعلوا ذلك، خوفَ الفضيحةِ إن أَطْلَع اللَّهُ على
قاتل القتيلِ الذى اختصموا فيه إلى موسى .
والصوابُ مِن التأويلِ عندَنا أن القومَ لم يكادوا يفعلون ما أمرهم اللَّهُ به مِن ذبح
البقرةِ للخَلَتين كلتيهما؛ إحداهما: غَلاءُ ثَمنِها مع ما ذُكِر لنا من صِغَرِ خطَرِها وقلةٍ
قيمتِها . والأخرى : خوفُ عظيم الفضيحةِ على أنفسِهم بإظهارِ اللَّهِ نبيّه موسى
صلواتُ اللَّهِ عليه وأتباعَه على قاتِلِه(٥).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤/١ (٧٤٣) من طريق أبى معشر، عن محمد بن كعب .
(٢) فى م، ت ٢: ((كاد)).
(٣) فى م، ت ٢: ((أو)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣/١ (٧٤٢) عن أبى زرعة ، عن المنجاب به. وينظر تفسير ابن كثير
٠١٦٠/١
(٥) ينظر تفسير ابن كثير ١٦٠/١.

١١٥
سورة البقرة : الآية ٧١
٣٥٥/١
/ فأما غلاءُ ثَمنِها فإنه قد رُوِى لنا فيه ضُروبٌ مِن الرّواياتِ.
فحدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ، قال: اشترَوْها بوزنِها عشْرَ مراتٍ ذهبًا، فباعَهم صاحبُها (١) إياها وأخَذ
(٢)
ثَمنَها(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى ، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعتُ
أيوبَ ، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عَبيدةً، قال : اشترَوْها بمِلْءِ جلدِها دنانيرَ.
حدثنا محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نجيحٍ، عن مجاهِدٍ ، قال: كانت البقرةُ لرجلٍ بَرُ أَمَّه، فرزَقه اللَّهُ أن جعَل تلك البقرةَ
له، فباعَها بِمِلْءِ جلدِها ذهبًا(٢).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، قال: حدثنى خالدُ بنُ
يزيدَ، عن مجاهِدٍ، قال: أعْطَوْا صاحبَها مِلْءَ مَسْكِها ذهبًا ، فباعَها منهم .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ(٤) عبدِ الكريم ، قال:
حدثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبّا يقولُ: اشترَوْها منه على أن يَمْلَئوا له
جلدَها دنانيرَ، ثم ذبَحوها فعمَدوا إلى جلدِ البقرةِ فملئوه دنانيرَ، ثم دفَعوها إليه .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ(٥)، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمّى(٩)، قال:
حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابنِ عباسٍ، قال : وجَدوها عندَ رجلٍ يَزْعُمُ أنه ليس بائعَها
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((صاحبهم).
(٢) تقدم مطولًا فى ص ٨٠.
(٣) ينظر ما تقدم فى ص ٨١ .
(٤) فى النسخ: ((عن)). وانظر ما تقدم فى ص ٨١ .
(٥) فى م: ((سعيد)).
(٦) فى م، ت ١، ت ٣: ((يحيى)).

١١٦
سورة البقرة : الآية ٧١
بمالٍ أبدا ، فلم يزالوا به حتى جعلوا له أن يَسْلُخوا له مَشْگها ، فيملئوه له دنانیرَ ، فرضِی
به فأعطاهم إياها() .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى
العاليةِ ، قال : لم يجِدُوها إلا عندَ عَجوزٍ، وإنها سألتْهم أضعافَ ثمنِها ، فقال لهم
موسى : أعْطُوها رِضاها وحُكْمَها. ففعلوا، واشترَؤْها فذبَحوها() .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقٍ ، قال: أخبرنا معمرٌ، قال :
قال أيوبُ ، عن ابنٍ سِيرِينَ، عن عَبيدةَ ، قال: لم يَجِدوا هذه البقرةَ إلا عندَ رجلٍ
وأحدٍ ، فباعَها بوزنِها ذهبًا - أو مِلْءٍ مَسْكِها ذهبًا - فذبَحوها(١).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا آدمُ، قال : ثنا أبو جعفرٍ، عن هشامٍ بنِ حسانَ ، عن
محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ السَّلْمانيّ ، قال : وجَدوا البقرةَ عندَ رجلٍ ، فقال: إنى
لا أَبِيعُها إلا بملءٍ جلدِها ذهبًا . فاشتَرَؤْها بمِلءٍ جلدِها ذهبًا .
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ : جعَلوا يَزِيدون
صاحبَها حتى ملئوا له مَسْكَها - وهو جلدُها - ذهبًا .
وأما صِغَرُ خَطَرِها وقلةُ قيمتِها ، فإن الحسنَ بنَ يحيى حدَّثنا، قال: ثنا
عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا ابنُ عُيَيْنةَ ، قال : حدثنى محمدُ بنُّ سُوقةً، عن عكرمةً ،
قال: ما كان ثمنُها إلا ثلاثةَ دنانيرٌ(٤).
(١) انظر ما تقدم فى ص ٨٧ .
(٢) تقدم مطولًا فى ص ٧٨ .
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٩، وتقدم مطولًا فى ص ٧٧.
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٠، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤/١ (٧٤٤) عن الحسن بن يحيى به.
وقال ابن کثیر : إسناد جيد .

١١٧
سورة البقرة : الآيتان ٧٢،٧١
وأما ما قلْنا مِن خوفِهم الفضيحةَ على أنفسِهم ، فإن وهبَ بنَ مُنَبِّهِ كان يقولُ :
٣٥٦/١
إن القومَ إذ أُمِروا /بذبح البقرةِ إنما قالوا لموسى: ﴿أَنَّخِذُنَا هُزُواْ﴾ . لِعِلْمِهم بأنهم
سيفتضِحون إذا ذُبِحَت ، فحادُوا عن ذبحِها .
حُدِّثتُ بذلك عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الكريمِ، عن عبدِ الصمدِ بنِ مَعْقِلٍ، عن
وهبٍ بِنِ مُنَبِّهِ .
وكان ابنُ عباس يقولُ: إن القومَ بعدَ أن أحْيَا اللَّهُ الميتَ فأخبرهم بقاتِلِهِ،
أَنْكَرَت قَتَتُه قَتْلَه ، فقالوا: واللَّهِ ما قتَلْناه. بعدَ أن رَأَوُا الآيَةَ والحقَّ .
حدَّثنى بذلك محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنى أبى ، قال: حدَّثنى عمى ، قال :
حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ (١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذْ قَلْتُمْ نَفْسًا فَأَدَّرَءْتُمْ فِهّ ﴾
يعنى بقوله جل ثناؤُه: ﴿ وَإِذْ قَلْتُمْ نَفْسًا﴾: واذْكُروا يا بنى إسرائيلَ إذ قتَلْتُم
نفسًا . والنفسُ التى قتَلوها هى النفسُ التى ذكّرْنا قصتَها فى تأويل قوله: ﴿وَإِذْ
قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ﴾ .
وقولُه: ﴿فَإذَارَهْ تُمْ فِيهَا﴾. يعنى: فاختَلَفْتُم وتنازَعْتُم. وإنما هو: فتَدارَأَتُم فيها.
على مثالٍ ((تَفاعَلْتُم))، مِن الدَّرْءِ، والدَّرْءُ العِوَجُ. ومنه قولُ أبى ١) النَّجْم العِجْلىِّ:
خَشْيَةَ طغّامٍ إذا هََّ جَسَرْ
يَأْكُلُ ذا الدَّرْءِ وَيُقْصِى مَن حَقْرْ
يعنى ذا العِوَجِ والعُشْرِ، ومنه قولُ رُؤْبةَ بنِ العَجَّاجِ(٣) :
(١) سيأتى فى ص ١٢٩ .
(٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) ديوان رؤية ص ١٦٦.

١١٨
سورة البقرة : الآية ٧٢
أَدْرَكْتُها قُدّامَ كلِّ مِدْرَهٍ(١)
بالدَّفْعِ عنى دَرْءَ كلِّ عُتْجٍُ(٢)
ومنه الخبرُ الذى حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المقدامِ، عن
إسرائيلَ ، عن إبراهيمَ بنِ المهاجرِ، عن مجاهدٍ ، عن السائبِ ، قال : جاءنى عثمانُ
وزهيرٌ ابنا أميةً(٣)، فاسْتَأْذَنا لى على رسولِ اللَّهِ عَه، فقال رسولُ اللَّهِ عَه: («أنا
أَعْلَمُ به منكما، ألم تَكُنْ شَرِيكى فى الجاهليةِ؟ )) قلتُ: نعم ، بأبى أنت وأمى ، فنِعْم
الشَّريكُ، كنتَ لا تُمارِى ولا تُدارِى(٤).
يعنى بقولِه: لا تُدارِى. لا تخالِفُ رفيقَك وشريكَك [٠٤/١ ١ و] ولا تُنازِعُه ولا
(٥)
تُشارُه(٥) .
وإنما أصلُ ﴿فَذَّرَهْ تُمْ﴾: فتدَارَ أْتُم . ولكنَّ التاءَ قريبةٌ(٦) مِن مَخرِجِ الدالِ -
(١) درهت عن القوم: دفعت عنهم، ومدره القوم، بالكسر: الدافع عنهم. اللسان ( د ر هـ).
(٢) العنجه والعنجهى، بالضم: المتكبر ذو العظمة. التاج (ع ج هـ).
(٣) كذا فى النسخ . والصواب: عثمان بن عفان، وزهير بن أبى أمية. انظر الآحاد والمثانى، والمسند ،
والإصابة ٥٧٢/٢ .
(٤) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٦٩٢) عن أبى كريب به ، وسقط منه ذكر مجاهد .
وأخرجه أحمد ٢٥٨/٢٤، ٢٥٩ (١٥٥٠٠) عن أسود بن عامر ، عن إسرائيل به .
واختلف فى إسناده ، فقيل : عن مجاهد ، عن السائب . وقيل : عن مجاهد ، عن قائد السائب ، عن
السائب . وقيل : عن مجاهد ، عن قيس بن السائب . وقيل غير ذلك .
وقال ابن عبد البر: مضطرب جدًّا، منهم من يجعل الشركة مع رسول اللَّه ◌ٍَّ السائب بن أبى السائب،
ومنهم من يجعلها لأبى السائب أبيه، ومنهم من يجعلها لقيس بن السائب، ومن يجعلها لعبد الله بن السائب،
وهذا اضطراب لا يثبت به شىء، ولا تقوم به حجة. وينظر العلل لابن أبى حاتم (٣٥٠)، والاستيعاب ٥٧٢/٢-
٥٧٤، وأسد الغابة ٣١٥/٢، ٣١٦، ٤٢٣/٤، والتحفة ٢٥٦/٣، ونصب الراية ٤٧٤/٣، والإصابة ٢٢/٣،
٢٣، ٤٧١/٥ - ٤٧٣، وتهذيب التهذيب ٤٤٩/٣.
(٥) لا يشارِى، من المشاراة، وهى الملاجّة، وقيل: لا يشارى، من الشر. اللسان ( ش رى).
(٦) بعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((المخرج)).

١١٩
سورة البقرة : الآية ٧٢
وذلك أن مَخرِجَ التاءِ مِن طرفِ اللسانِ وأصولِ الشَّيَّتَيْنُ ، ومَخرجَ الدالِ مِن
طرفٍ اللسانِ وأطرافِ النَّبِيََّيْن - فَأَدْغِمَتِ التاءُ فى الدالِ ، فجُعِلَت دالاً مشدّدةً ،
كما قال الشاعرُ(١):
تُولِى الصَّحِيعَ إذا ما اسْتَافَها(٢) خَصِرًا (٤).
عَذْبَ المَذَاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ
يُرِيدُ : إذا ما تَتَابَعَ القُبَلُ. فَأُذْغَم إحدى التاءَيْن فى الأخرى .
فلما أُدْغِمَتِ التاءُ فى الدالِ، فجُعِلَت دالاً مثلَها سكَنَت، فجلَبوا (٥) ألفًا
ليَصِلوا إلى الكلام بها ، وذلك إذا كان قبلَه شىءٌ؛ لأن الإدغامَ لا يَكونُ إلا وقبلَه
شىءٌ، ومنه قولُ اللهِ جل ثناؤه: ﴿حََّ إِذَا أَذَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨].
إنما هو : تَدَارَكوا . ولكنَّ التاءَ منها أَدْغِمَت فى الدالِ ، فصارَت دالاً مُشَدَّدةً ،
وجُعِلَت فيها ألفٌ - إذا وُصِلَت بكلامٍ - قبلَها لِيَسْلَمَ الإدغامُ. وإذا / لم يَكُنْ قبلَ
ذلك ما يُواصِلُه، وابتُدِئَ به، قيل: تَدَاركوا وتَثاقَلوا. فأظهروا الإدغامَ . وقد قيل:
يقالُ: ادَّارَكوا وادَّارَأَوا .
٣٥٧/١
وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿فَأَذَارَءْ تُمْ فِيهَا﴾ : فتدافَعْتُم فيها. مِن قولِ القائلِ :
درَّأْتُ هذا الأمرَ عنى. ومِن قولِ اللَّهِ: ﴿وَيَدْرَؤُأْ عَنْهَا الْعَذَابَ ﴾ [النور: ٨]. بمعنى:
يَدْفَعُ عنها العذابَ .
وهذا قولٌ قريبُ المعنى مِن القولِ الأولِ ؛ لأن القومَ إِنما تَدافَعوا قَتْلَ قَتيلٍ،
(١) فى م: ((الشفتين)).
(٢) البيت فى معانى القرآن للفراء ٤٣٨/١.
(٣) فى م، ت٢: ((اشتاقها))، وفى ت١، ت٣: ((استاقها))، والمثبت من معانى القرآن، واستافها: شمها.
التاج (س و ف).
(٤) الخصر: البارد من كل شىء، ويريد هنا ريقها . التاج (خ ص ر).
(٥) فى ت١: ((يجعلها))، وفى ت ٢، ت ٣: ((فجعلنا)).
٠٠

١٢٠
سورة البقرة : الآية ٧٢
فانْتَفَى كلُّ فريقٍ منهم أن يكونَ قاتِلَه، كما قد بيَّنًا قبلُ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا(١).
وبنحوِ الذى قلنا فى معنى قوله: ﴿فَّارَهْ تُمْ فِهَا﴾ . قال أهلُ التأويلِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : حدَّثنى عيسى ، عن ابنٍ
أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿فَأَذَارَهْتُمْ فِيهَا﴾ . قال : اختَلَفْتُم فيها .
حدَّثْنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن
. (٢)
مجاهدٍ مثله(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج: ﴿وَإِذْ
قَدَلْتُمْ نَفْسًا فَدَّارَهْتُمْ فِيهَا﴾. قال بعضُهم: أنتم قتلتُموه. وقال الآخرون: أنتم قتلتموه (١) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
فَادَّارَهْثُمْ فِيهَا﴾. قال: اختلفتُم، وهو التنازُيُ؛ تَنَازَعوا فيه . قال: قال هؤلاء:
أنتم قتلتموه . وقال هؤلاء: لا(٣).
وكان تدارُؤُهم فى النفسِ التى قتلُوها كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال :
حدَّثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ ، قال: صاحبُ البقرةِ
رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ ، قتَله رجلٌ ، فَأَلْقاه على بابٍ ناسٍ آخَرِين، فجاء أولياءُ المقتولِ
فادَّعَوْا دمَه عندَهم، (٢) فانتفَوْا - أو انتَقَلوا) - منه (٥) . شكَّ أبو عاصمٍ .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٧٥.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٤/١ (٧٤٦) من طريق أبي حذيفة به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٧٨/١ إلی عبد بن حميد .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٦٠/١.
(٤ - ٤) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فانتقلوا أو انتقلوا)).
(٥) انتفلت من الشىء وانتفیت منه: تبرأت منه. اللسان ( ن ف ل، ن ف ی).
1