Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١
سورة البقرة : الآية ٥٠
٢٧٨/١
يقولُ اللّهُ: ﴿ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِ الْمَدَآَيِنِ خَشِرِينَ ﴿﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [ الشعراء:
٥٣، ٥٤]. يعنى بنى إسرائيلَ، فتَقدَّم هارونُ فضرَب البحرَ، فأتَى البحرُ أن يَنْفَتِحَ ،
وقال : من هذا الجبار الذی یَضْرِبُنی ؟ حتى أتاه / موسی ، فکناه أبا خالدٍ وضرّبه ،
﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَأَلْطَّوْرِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]. يقولُ: كالجبل
العظيم . فدخَلَت بنو إسرائيلَ، وكان فى البحرِ اثنا عشَرَ طريقًا، فى كلِّ طريقٍ سِبْطٌ -
وكانت الطرقُ انْفَلَقَت بجُدْرانٍ - فقال كلُّ سِبْطٍ : قد قُتْل أصحابُنا . فلمّا رأَى
ذلك موسى، دعا اللَّهَ، فجعَلها(١) لهم قَناطرَ كهيئةِ الطِّيقانِ، فنظَر آخرُهم إلى أولِهم ،
حتى خرَجوا جميعًا، ثم دنا فرعونُ وأصحابُه، فلما نظَر فرعونُ إلى البحرِ مُنْفَلِقًا ،
قال: ألا تَرَوْنَ البحرَ فَرِق منى؟ قد انْفَتَح لى حتى أَدْرِكَ أعْدائى فَأَقْتُلَهم . فذلك قولُ
اللّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿ وَأَزْلَفْنَا ثَّ الْآَخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤]. يقولُ: قَرَّبنا ثمَّ الآخَرين.
يعنى آلَ فرعونَ. فلما قام فرعونُ على أقْواهِ الطُّرُقِ أَبَتْ خيلُه أن تَقْتَحِمَ (١) ، فتَزل
جبريلُ عليه السلامُ على ماديانةٍ(٣)، فشامت(٤) الحُصُنُ(٥) رِيحَ الماديانيةِ(٢)،
فَاقْتَحَمت(٧) فى أَثَرِها، حتى إذا همّ أوَّلُهم أن يَخْرُجُ ودَخَل آخرهم ، أُمِرِ البحرُ أن
يَأْخُذَهم، فَالْتَطَم عليهم .
= وماديانة : فارسية معربة. ينظر المعجم الذهبى ص ٥٣٢.
(١) فى الأصل: ((فجعله)) .
(٢) فى الأصل: (( تتقحم)).
(٣) فى الأصل، ص، ر: ((ماذيانه))، فى م: ((ماذبانة))، وفى ت ٢: ((ماربانه)).
(٤) فى الأصل: ((فشمت)).
(٥) فى م: ((الحصان)).
(٦) فى الأصل: ((المازيانه))، وفى ت ٢: ((الماربانه)).
(٧) فى م: «فاقتحم )) .
(٨) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٧٠/٨، ٢٧٧٢، ٢٧٧٣ - ٢٧٧٥ (١٥٦٦١، ١٥٦٦٩،
١٥٦٧٦، ١٥٦٧٩، ١٥٦٨٤) مفرقا عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به .
٦٦٢
سورة البقرة : الآية ٥٠
وحدَّثنى يُونُسُ بنُ عبدِ الأغْلَی ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ : لما
أَخَذ عليهم فرعونُ الأرضَ إلى البحرِ قال لهم فرعونُ: قُولوا لهم يَدْخُلوا البحرَ إِن
كانوا صادِقِين. فلما رآهم أصحابُ موسى قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴿﴿ قَالَ كَلَّ إِنَّ
مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينٍ﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢]. فقال موسى للبحرِ: أَلْسْتَ تَعْلَمُ أَنِّى رسولُ
اللّهِ؟ قال: بَلَى. قال: وتَعْلَمُ أن هؤلاء عبادٌ مِن عبادِ اللّهِ ، أَمَرَنى أن آتِىَ بهم؟ قال:
بلى . قال: وتَعْلَمُ أن هذا عدوُّ اللهِ؟ قال: بلى. قال: فافرُقْ(١) لى طريقًا ولمن معى.
قال: يا موسى، إنما أنا عبدٌ مملوكٌ، [٢/ ٩٠ و] ليس لى أمْرٌ إلا أن يَأْمُرَنى اللّهُ. فأوْحَى اللهُ
إلى البحرِ إذا ضرَبك موسى بعصاه فانْفَرِقْ، وأَوْحَى إلى موسى أن اضْرِبِ البحرَ. وقرَأ
قولَ اللّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿ فَأَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَبَسَا لَّا تَخَفُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى
[ طه: ٧٧] . وقَرَأْ قوله: ﴿ وَآَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًّا﴾ [الدخان: ٢٤]: سهلًا ليس فيه تَعَدِّ ،
فانْفَرَق اثنتى عشْرةَ فِرْقَةً ، فسلَك كلَّ سِبْطِ فى طريقٍ . قال : فقالوا لفرعونَ : إنهم قد
دخَلوا البحرَ. قال: ادْخُلوا عليهم . قال : وجبريلُ فى آخرِ بنى إسرائيلَ يقولُ لهم:
لِيَلْحَقْ آخرُ كم أولكم. وفى أولِ آلٍ فرعونَ يقولُ لهم: رُوَيْدًا يَلْحَقْ آخركم أولكم.
فجعَل كلُّ سِبْطٍ فى البحرِ يقولون للسِّبْطِ الذين دخلوا قبلَهم: قد هلكوا . فلما دخَل
ذلك قُلُوبَهم أوحى اللَّهُ إلى البحرِ فجعَل لهم قَناطرَ يَنْظُرُ هؤلاء إلى هؤلاء، حتى إذا
خرَجَ آخِرُ هؤلاء، ودخَل آخرُ هؤلاء، أَمَر اللّهُ البحرَ فَأَطْبَقَ على هؤلاء.
ويعنى بقولِه: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. أى: تَنْظُرون إلى فَرْقِ اللّهِ بكم البحرَ،
وإهلاكِه آلَ فرعونَ فى الموضعِ الذى نجّاكم فيه ، وإلى عظيمٍ سُلطانِه فى الذى
أراكم مِن طاعةِ البحرِ إياه، مِن مَصيرِه رُكامًا فِرَقًا كهيئةِ الأُطْوادِ الشامخةِ ، غير زائلٍ
عن حَدِّه ؛ انقيادًا لأمرِهِ، وإذْعانًا لطاعتِه، وهو سائلٌ ذائبٌ قبلَ ذلك .
= وأخرجه المصنف فى تاريخه ٤١٣/١- ٤١٥ عن موسى بن هارون به عن السدى بإسناده المعروف. وتقدم أوله فى ص ٦٤٩.
(١) فى م: ((انفرق)).
٦٦٣
سورة البقرة : الآيتان ٥١،٥٠
يُوقِفُهم بذلك جلَّ ذكرُه على موضعٍ حُجَجِه عليهم، ويُذَكِّرُهم آلاءَه عندَ
أوائلِهم، ويُحَذِّرُهم - بتكذيِهم" نبيّنا محمدًا عَّهِ - أَن يَحِلَّ بهم ما حلَّ
بفرعونَ وآلِهِ فى تكذبِهم موسى صلواتُ اللهِ عليه .
وقد زعم بعضُ أهلِ العربيةِ أن معنى قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ﴾. كمعنى قولٍ
القائلِ: ضُرِئْتَ وأهلُك يَنْظُرون، فما أَتَوْك ولا أغاثوك(٢). يعنى: وهم قريبٌ بِمَزَأَى
ومَسْمَعِ. وكقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿أَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ﴾ [ الفرقان:
٤٥]. وليس هناك رؤيةٌ ، إنما هو علم.
٢٧٩/١
والذى دعاه إلى هذا التأويل أنه وجّه قولَه: ﴿وَأَنْتُمْ / تَنْظُرُونَ﴾. إلى غَرَقِ آلٍ
فرعونَ ، فقال: قد كانوا فى شُغُلِ مِن أَن يَنْظُرُوا مما اكْتَنَفَهم مِن البحرِ من أن يَرَوْا
فرعونَ وغَرَقَه .
وليس الذى تأوَّله تأويلَ الكلام ، إنما التأويلُ: وأنتم تنظرون إلى فَوْقِ اللّهِ عَزَّ
وجلَّ البحرَ لكم - مَمَّا قد وصَفتُ آنِفًا - والْتِطامِ أَمْواج البحرِ بآلِ فرعونَ فى الموضعِ
الذى صيَّر لكم من البحرِ طريقًا يَسًا . وذلك لا شكّ كان نظرَ عِيانٍ لانظرَ علمٍ،
على ما ظنَّه قائلُ هذا القولِ الذى حكَيْنا .
[٩٠/٢ ظ] القولُ فى تَأويلٍ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ وَإِذْ وَعَدْنَا﴾
٠
اخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَه بعضُهم: ﴿ وَعَدْنَا﴾(١). بمعنى أن اللّهَ
تعالى واعَد موسى مُوافَاةً(٤) الطُّورِ لُنَاجاتِهِ، فكانت المُواعَدةُ مِن اللّهِ لموسى، ومِن
موسى لربِّه . وكان مِن حجتهم على اختيارِهم قراءةَ: ﴿ وَعَدْنَا﴾ على: (وعَدْنا)
(١ - ١) فى م، ت ١: ((فى تكذيبهم)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أعانوك)).
(٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر والكسائى وحمزة . السبعة لابن مجاهد ص ١٥٤ .
(٤) فى ر: ((مراقاة))، وفى م: ((ملاقاة)).
٦٦٤
سورة البقرة : الآية ٥١
أن قالوا: كلُّ اتِّعادٍ (١) كان بينَ اثنين للالتقاءِ أو (٢) للاجتماع، فكلُّ واحدٍ منهما
مُواعِدٌ صاحبَه ذلك، فلذلك - زعَموا (٢) - وجَب أن يُقْضَى لقراءةٍ مَن قرأ:
﴿ وَعَدْنَا﴾ بالاختيارِ على قراءةٍ مَن قرأ: (وَعَدْنا).
وقرّأه بعضُهم: (وَعَدْنا) (٤). بمعنى أن اللّه تعالى ذكرُه الواعدُ موسى، والمنفردُ
بالوعدِ دونَه . وكان مِن حجتِهم فى اختيارِهم ذلك أن قالوا : إنما تكونُ المُواعَدةُ بينَ
البشرِ، فأما اللّهُ جل ثناؤُه، فإنه المنفردُ بالوعدِ والوَعيدِ فى كلِّ خيرٍ وشرّ. قالوا :
وبذلك جاء التنزيلُ فى القرآنِ كلِّه، فقال اللَّهُ جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ
وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وقال: ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّيِفَنَّيْنِ ﴾ [الأنفال: ٧] .
قالوا : فكذلك الواجبُ أن يكونَ هو المنفردَ بالوعدِ فى قوله: ( وإِذْ وَعَدْنا مُوسَى) .
قال أبو جعفرٍ : والصوابُ عندَنا فى ذلك (°مِن القولِ)) أنهما قِراءتان قد جاءَت
بهما الأُمّةُ ، وقرَأَت بهما القرأةُ، وليس في القراءةِ بإحداهما إبطالُ معنى الأُخْرِى ،
وإن كان فى إحداهما زيادةُ معنّى على الأَخْرى مِن جهةِ الظاهرِ والتّلاوةِ ؛ فأما مِن
جهةِ المفهومِ بهما ، فإنهما متَّفِقتان، وذلك أن مَن أَخْبَر عن شخصٍ أنه وعَد غيرَه
اللقاءَ بموضعٍ مِن المواضعِ، فمَعْلُومٌ أن الموعودَ ذلك واعدٌ صاحبَه مِن لقائِه بذلك
المکانِ مثل الذی وعده مِن ذلك صاحبه، إذا كان راضيا مجيبًا صاحبه إلى ما وعده
مثلَ الذى وعده من ذلك صاحبُه) ، إذا كان وعدُه إياه ذلك عن اتفاقٍ منهما عليه .
ومعلوم أن موسى صلواتُ اللّهِ عليه لم يَعِدْه ربُّه الطورَ إلا عن رِضا موسى بذلك ؛ إذ
(١) فى م: ((إيعاد)).
(٢) فى ص: (( و)).
(٣) بعده فى م: ((أنه)).
(٤) وهى قراءة أبى عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ١٥٤ .
(٥ - ٥) سقط من: ص.
(٦ - ٦) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢.
٦٦٥
سورة البقرة : الآية ٥١
كان موسى غيرَ مَشْكوكٍ فيه ، أنه كان بكلٌ ما أمَره اللّهُ به راضيًا، وإلى محبتِه فيه
مُسارِعًا، ومعقولٌ أن اللّه تعالى لم يَعِدْ موسى ذلك إلا وموسى عليه السلامُ له(١)
مُسْتَجِیبٌ ، وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الله تعالی ذکرُه كان قد وعَد موسى
الطورَ، ووعَده موسى اللقاءَ، فكان اللهُ عز ذكرُه لموسى واعدًا مُواعِدًا له المناجاةَ على
الطُّورِ، وكان موسى واعدًا لربِّه مُواعِدًا له اللقاءَ، فبأىِّ القراءتَيْن مِن: (( وعَد
وواعَد )) قرَأ القارئُّ، فهو للحقِّ(١) فى ذلك - مِن جهةِ التأويل واللغة - مُصِيبٌ ؛ لما
وصَفْنا مِن العِلَل قبلُ .
ولا معنى لقولٍ [٩١/٢ و] القائلِ: إنما تكونُ المُواعَدةُ بينَ البشرِ، وإن اللّهَ تبارك
وتعالى بالوعدِ والوَعيدِ مُنْفَرِدٌ فى كلِّ خيرِ وشرّ. وذلك أن انفرادَ اللّهِ بالوعدِ والوَعيدِ
فى الثوابٍ والعِقابِ ، والخيرِ والشرّ، والنفع والضَّرِّ، الذى هو بيدِه ، وإليه دونَ سائر
خلقِه - لا يُحِيلُ الكلامَ الجارىَ بينَ الناسِ فى استعمالِهم إياه عن وُجوهِه ، ولا يُغَيِّرُه
عن مَعانيه . والجارى بينَ الناسِ مِن الكلامِ المفهومِ ما وصَفْنا، مِن أنّ كلَّ اتِّعادٍ(٣) كان
بينَ اثنين ، فهو / وعدٌ مِن كُلِّ واحدٍ منهما ، ومُواعَدةٌ بينَهما ، وأن كلِّ واحدٍ منهما
واعِدٌ صاحبه مُواعِدُهُ(٤)، وأن الوعدَ الذى يكونُ به الانفرادُ مِن الواعِدِ دونَ الموعودِ،
إنما هو ما كان بمعنى الوعدِ الذى هو خلافُ الوَعيدِ .
٢٨٠/١
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ وعزّ: ﴿مُوسَ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: وموسى - فيما بلَغَنا - كلِمتان بالقِبْطيةِ، يُعْنَى بهما : ماءٌ
وشجرٌ. فـ ((مو)): هو الماءُ، و((سا)): هو الشجرُ. وإنما سُمِّى بذلك - فيما
(١) فى ر: ((له إليه))، وفى م: ((إليه)).
(٢) فى م: ((الحق)).
(٣) فى م: ((إِيعاد)).
(٤) فى ص، ر، م: ((مواعد)).
٦٦٦
سورة البقرة : الآية ٥١
بلَغَنا - لأن أمَّه لما جعَلَتْه فى التابوتِ - حينَ خافَت عليه مِن فرعونَ - وَأَلْقَتْه
فى اليمِّ، كما أوْحَى اللّهُ إليها، وقيل: إن اليَمَّ الذى ألْقَتْه فيه هو النِّيلُ؛ دفَعَتْه
أمواجُ اليمِّ حتى أدْخَلَته بينَ أشجارٍ عندَ بيتِ فرعونَ، فخرَج جَوارِى آسِيةَ امرأةٍ
فرعونَ يَغْتَسِلْنَ، فوجَدْن التابوتَ، فَأُخَذْنَه، فسُمِّى ( باسم المكانِ " الذى أُصِيب
فيه، وكان ذلك بمكانٍ(١) فيه ماءٌ وشجرٌ، فقيل: ((موسى))، ماءٌ وشجرٌ.
كذلك حدَّثنی موسى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدثنا أسْباطُ ،
عن الشُدِّىِّ(٣).
قال أبو جعفرٍ : وهو موسى بنُ عمرانَ بنِ يصهرَ(٤) بنِ قاهث(٥) بنِ لَاوِی بِنِ
يعقوبَ إسرائيلِ اللّهِ بنِ إسحاقَ ذبيح اللهِ بنِ إبراهيمَ خليلِ اللّهِ، فيما زعَم ابنُ
إسحاقَ ، حدَّثنى بذلك ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ عنه(٧).
" القولُ فى تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ﴾.
قال أبو جعفرٍ : ومعنى ذلك : وإذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً بتمامِها . فالأربعون
الليلةِ(٨) كلُّها داخلةٌ فى الميعادِ .
[٩١/٢ظ] وقد زعم بعضُ نحويِّى البصرةِ أن معناه: وإِذُ واعَدْنا موسى
(١ - ١) فى ر: ((بالمكان)).
(٢) فى م: ((المكان)).
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٩٠/١ عن موسى بن هارون به عن السدى بإسناده. وفيه أن الشجر: شا -
بالشين المعجمة . وتقدم أوله فى ص ٦٤٩.
(٤) فى الأصل: ((يسهر)).
(٥) فى ر: ((فاهث)).
(٦) سيأتى تعليقنا فى تفسير سورة الصافات أن الصحيح فى الذييح أنه إسماعيل عليه السلام .
(٧) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٨٥/١ .
(٨) فى م: ((ليلة)).
(٩) فى م: ((إذا)).
٦٦٧
سورة البقرة : الآية ٥١
انْقِضاءَ أربعين ليلةً، أى رأسَ الأربعين. ومثَّل ذلك بقوله: ﴿وَسْئَلِ اُلْقَرْيَةَ﴾
[ يوسف: ٨٢]. وبقولِهم: اليومَ أربعون منذُ خرَج فلانٌ، واليومَ يومان. أى اليومُ تمامُ
يومين وتمامُ أربعين .
قال أبو جعفر : وذلك خلافُ ما جاءَت به الروايةُ عن أهلِ التأويلِ،
وخلافُ ظاهرِ التِّلاوةِ . فأما ظاهرُ التلاوةِ، فإن اللهَ جل وعز قد أخْبرَ أنه واعَد
موسى أربعين ليلةً، فليس لأحدٍ إحالةُ ظاهرٍ خبرِهِ إلى باطنٍ بغيرِ بُرْهانٍ دال
*
على صحته .
وأما أهلُ التأويل ، فإنهم قالوا فى ذلك ما أنا ذاكرُه، وهو ما حدَّثنى به
المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع بن أنس ، عن أبى
العاليةِ قوله: ﴿ وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَىٌّ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾. قال: يعنى ذا القَعْدةِ وَعشرًا مِن ذى
الحِجَّةِ ، وذلك حينَ خلَّف موسى أصحابَه، واسْتَخْلَف عليهم هارونَ ، فمكث على
الطُّورِ أربعين ليلةٌ ، وأَنْزِل عليه التوراةُ فى الألواح - وكانت الألواحُ مِنْ بَرَدٍ (١) - فقرَّبه
الرِبُّ(٢) نَجِيًّا وكلَّمه، وسمِعِ صَرِيفَ(٣) القلمِ، وبلَغَنا أنه لم يُحدِثْ حَدَثًا فى
الأربعين ليلةً حتى هبَط مِن الطُورِ(٤).
حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن
الربيعِ بنحوِه .
(١) فى م: ((زبرجد)).
(٢) بعده فى م: ((إليه)).
(٣) فى ر: ((صرير)). وهما بمعنى.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٧/١ (٥١١) من طريق آدم به ، دون قوله: وكانت الألواح من برد.
وأخرجه ابن أبى حاتم أيضا ١٥٦٣/٥ (٨٩٥٩). وفيه: من بردى.
٦٦٨
سورة البقرة : الآية ٥١
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: وعَد اللّهُ
موسى - حينَ أهْلَك فرعونَ وقومَه ، ونجَّه وقومَه - ثلاثين ليلةً ، ثم أتّها بعشرٍ، فتمّ
ميقاتُ ربِّه أربعين ليلةً ، يَلْقَاهُ(١) فيها بما (٢) شاء، واسْتَخْلَف موسى هارونَ على بنى
إسرائيلَ، وقال: إنى مُتَعَجِّلٌ إلى ربى، فاخْلُفْنى فى قومى، ولا تَتَبِعْ / سبيلَ
المفسدين . فخرَج موسى إلى ربِّه مُتَعَجّلًا للقائِه شوقًا إليه، وأقام هارونُ فى بنى إسرائيلَ
ومعه السامرىُّ، يَسِيرُ بهم على أَثَرِ موسى ليُلْحِقَهم به(٣) .
٢٨١/١
حدَّثنی موسى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا عمرو بنُ حمادٍ ، قال: حدّثنا أسْباطُ ،
عن الشُّدِّىِّ، قال: انْطَلَق موسى واسْتَخْلَف هارونَ على بنى إسرائيلَ، وواعَدَهم
ثلاثين ليلةً ، وأَّهَا اللَّهُ بعشرٍ(٤) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ثُمَّ أَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ.﴾.
قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ قولِهِ: ﴿ ثُمَّ أَتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾: ثم اتَّخَذْتُم فى
أيامِ مُواعَدَتى موسى العجلَ إلهًا مِن بعدِ أن فارَقَكم موسى مُتَوَجِّهًا إلىَّ للمَوْعِدِ .
والهاءُ فى قولِه : ﴿ مِنْ بَعْدِهِ، ﴾ عائدةٌ علی ذکرٍ موسی .
[٩٢/٢و] فأخْبَر جلَّ ثناؤُه المُخالِفِين نبيّنا محمدًاً لِ لِّ مِن يهودِ بنى إسرائيلَ
المُكَذِّبِين به ، المخاطَبِين بهذه الآيةِ عن فِعلِ آبائهم وأسلافِهم، وتَكَذيِهم رُسُلَهم ،
وخلافِهم أنبياءَهم، مع تَتَابُعِ نِعَمِه عليهم، وسُبوغٍ (٢) آلائِه لديهم، مُعَرِّفَهم بذلك
(١) فى م: ((تلقاه ربه)).
(٢) فى ص: ((ما)).
(٣) ينظر تاريخ الطبرى ٤٢١/١، ٤٢٥. وما سيأتى فى ص ٦٧١.
(٤) سيأتى بتمامه فى ص ٦٧٠ ، ٦٧١ .
(٥) فى ص، ت ٣: ((شيوع))، وفى ت ١، ت ٢: ((وبسيوغ)).
٦٦٩
سورة البقرة : الآية ٥١
أنهم - من " خلافِهم محمدًا ) =َتم ، وتكذيهم به(٢)، ومجحودِهم رسالته، مع
علمِهم بصدقِه - على مثلٍ مِنْهاج آبائهم وأسْلافِهم، ومُحَذِّرَهم مِن نزولِ سَطْوتِه
بهم - بمُقَامِهم على ذلك مِن تكذبيهم - ما نزَل بأوائِلهم المُكذّبِينَ بالرسلِ مِن
المَسْخِ واللَّعْنِ وأنواعِ النَِّماتِ.
وكان سببَ اتخاذِهم العجلَ ما حدَّثنى به عبدُ الكريم بنُّ الهيثم ، قال: حدَّثنا
إبراهيمُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيينةَ، قال: حدَّثنا أبو سعدٍ (١) ، عن عكرمةً ، عن
ابنِ عباسٍ، قال: لما هجَم فرعونُ على البحرِ هو وأصحابُه ، وكان فرعونُ علی فَرَسٍ
أذهَمَ ذَنُوبٍ حِصانٍ، فلما هجَم على البحرِ هاب الحِصانُ أَن يَتَقَّّمَ() فى
البحرِ ، فَتَمَثَّل له جبريلُ على فرسٍ أنثى وَدِيقٍ، فلما رآها "حصانُ فرعونَْ) تقَّم
خلفَها . قال : وعرَف السامرىُّ جبريلَ ؛ لأن أمَّه حينَ خافَت أن يُذْبَحَ خلَّفَتْه فى غارٍ
وأُطْبَقَت عليه، فكان جبريلُ يَأْتِيه فِيَغْذُوه بأصابعِه، فَيَجِدُ فى إحدى(٢) أصابعه
لبنًا ، وفى الأخرى عسلًا ، وفى الأخرى سمنًا ، فلم يَزَلْ يَغْذُوه حتى نَشَأ ، فلما عاينه
فى البحرِ عَرَفه، فقبَض قَبْضةٌ مِن أثرٍ فَرَسِه . قال: أُخَذ مِن تحتِ الحافِ قَبضةً - قال
سفيانُ : وكان ابنُ مسعودٍ يَقْرَؤُها: (فَقَبِضْتُ قَبْضَةٌ مِن أَثَرِ فرسِ الرسولِ ) - قال أبو
سعدٍ: قال عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ: وأُلْقِى فِى رُوعٍ(٧) السامرىِّ أنك لا تُلْقِيها على
(١ - ١) فى ص: ((خلاف محمد)).
(٢) سقط من : الأصل، ص .
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((سعيد)). وينظر ما تقدم فى ص ٦٤٧.
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يقتحم)).
(٥ - ٥) فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الحصان)).
(٦) سقط من: ص، وفى ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بعض)).
(٧) الروع، بالضم: القلب والعقل، ووقع ذلك فى روعى. أى: فى نفسى وخلَدى وبالى. اللسان (روع).
٦٧٠
سورة البقرة : الآية ٥١
شىءٍ فتقولُ: كُنْ كذا وكذا . إلا كان(١) ، فلم تَزَلِ القبضةُ معه فى يده حتى جاوَز
البحرَ، فلما جاوَز موسى وبنو إسرائيلَ البحرَ، وأغْرَق اللَّهُ آلَ فرعونَ قال موسى
لأخيه هارونَ: ﴿اَخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّبِعِ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:
١٤٢]. ومضَى موسى لموعدِ ربِّه، قال: وكان مع بنى إسرائيلَ حَلْىٌ مِن حَلْيِ آلٍ
فرعونَ قد تَعَوَّرُوهُ(١)، فكأنهم تَأْثَّمُوا منه، فأخْرَجوه لتَنْزِلَ النارُ فَتَأْكُلَه، فلما
جمَعوه ، قال السامرىُّ بالقبضةِ التى كانت فى يدِه هكذا، فقذَفها فيه - وأوْمَأ أبو (١)
إسحاقَ بیدِه هکذا - وقال: كُنْ عِجْلًا جسدًا له خُوارٌ. فصار عجلًا جسدًا له
خُوارٌ، فكان تَدْخُلُ الريحُ فى دُبُرِهِ وتَخْرُجُ مِن فيه، ويُسْمَعُ له صوتٌ ، فقال :
﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨]. فعكفوا على العجلِ يَعْبُدُونه، فقال
هارونُ: ﴿يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بٌِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ [٩٢/٢ ظ] فَأَنَبِعُونِى وَأَطِيعُواْ
أَمْرِى ﴿ قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ﴾(٤)
[ طه: ٩٠، ٩١ ] .
/ حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدىِّ: لما أمَر
اللَّهُ موسى أن يَخْرُجَ ببنى إسرائيلَ - يعنى مِن أرضٍ مصرَ - أَمَر موسى بنى إسرائيلَ أن
يَخْرُجوا، وأمَرهم أن يَسْتَعِيروا الحَلْىَ مِن القِبْطِ ، فلما نجِّى اللهُ موسی ومَن معه مِن
بنى إسرائيلَ مِن البحرِ ، وغرّق آلَ فرعونَ، أَتَى جبريلُ إلى موسى يَذْهَبُ به إلى اللَّهِ،
فأقْبَل على فرسٍ، فرآه السامرىُّ فَأَنْكَرِه، ويقالُ(١) : إنه فَرَسُ الحياةِ. فقال حينَ رآه :
إِن لهذا لشأنًا. فأخَذ مِن تربةِ الحافرِ حافرِ الفرسِ، فانطَلَق موسى واسْتَخْلَف هارونَ
٢٨٢/١
(١) فى ر، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يكون)).
(٢) تعوّر الشىءَ: استعاره. اللسان (ع ور).
(٣) فى ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ابن)). وأبو إسحاق هو إبراهيم بن بشار.
(٤) ينظر ما تقدم فى ص ٦٥٨ - ٦٦٠ .
(٥) فى ص، م: ((قال)).
٦٧١
سورة البقرة : الآية ٥١
على بنى إسرائيلَ ، وواعدهم ثلاثين ليلةً ، وأتَمَّها اللَّهُ بعشرٍ، فقال لهم هارونُ : يا بنى
إسرائيلَ : إن الغَنيمةَ لا ◌َحِلُّ لكم ، وإن حَلْىَ القِبْطِ إنما هو غنيمةٌ ، فاجْمَعوها جميعًا،
واحْفِروا) لها حُفْرةً(٢) فادفِنوها، فإن جاء موسى فأحَلَّها أخَذْتُموها، وإلا كان شيئًا لم
تَأْكُلوه. فجمَعوا ذلك الحلْىَ فى تلك الحُقْرةِ، وجاء السامرىُّ بتلك القَبْضةِ فقذَفها ،
فأخْرَج اللَّهُ مِن الحَلْيِ عِجْلًا جسدًا له خُوارٌ، وعدَّت بنو إسرائيلَ موعِدَ موسى ، فعدُّوا
الليلةَ يومًا واليومَ يومًا ، فلما كان تمامُ العشرين، خرَج لهم العِجُ ، فلما رأوه قال لهم
السامرىُّ: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ﴾. يقولُ: ترَك موسى إلهَه هلهنا
وذهَب يَطْلُبُه. فعكَفوا عليه يَعْبُدونه، وكان يَخُورُ ويَمْشِى، فقال لهم هارونُ :
يا بنى إسرائيلَ ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُم بِهِ﴾. يقولُ: إنما اثْتُلِيتُم به. يقولُ(٢) : بالعِجْلِ،
﴿ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾. فأقام هارونُ ومَن معه مِن بنى إسرائيلَ لا يُقاتِلونهم ،
وانْطَلَق موسى إلى إِلهِه يُكَلِّمُه، فلما كلَّمه قال له: ﴿مَآ أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ
قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّاً
٨٤
قَالَ هُمْ أُوْلَآءٍ عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَضَى
٨٣
يَمُوسى
قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُ السَّامِرِىُّ﴾ [طه: ٨٣ - ٨٥]. فأخْبَرَه خبرَهم ، قال موسى :
يا ربِّ، هذا السامرىُّ أَمَرَهم أن يَتَّخِذوا العِجْلَ، أرأيتَ الرُّوحَ مَن نفَخها فيه؟ قال
الربُّ: أنا. قال: ربِّ، أنت إذن أضْلَلْتَهم(٤).
حدّثنا ابنُ حُمیدٍ ، قال : حدثنا سلمةُ ، عن ابنإسحاق ، قال : كان فیماذُ كِرلی
(١ - ١) فى ص: ((جميعها فاحفروا)).
(٢) فى الأصل: ((حفيرة)).
(٣) فى ر: ((أى)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٦٨/٨ (١٥٦٥٠) عن أبى زرعة ، عن عمرو بن حماد به ، بأوله .
وأخرجه المصنف فى تاريخه ٤٢١/١، ٤٢٢ عن موسى بن هارون به، عن السدی بإسناده . وتقدم أوله فى
ص ٦٤٩.
٦٧٢
سورة البقرة : الآية ٥١
أن موسى قال لبنى إسرائيلَ فيما أمَره اللَّهُ عز وجل به: اسْتَعِيروا منهم - يعنى
مِن آلٍ فرعونَ - الأمتعةَ والحَلْىَ والثِّابَ، فإنى مُنَفِّلُكم أموالَهم مع هَلاكِهم.
فلما أَذَّن فرعونُ فى الناسِ، كان مما يُحَرِّضُ به على بنى إسرائيلَ أَن قال
حينَ ((ساروا: لم تَرْضَوْا أن خرجوا١) بأنفسِهم حتى ذهبوا بأموالكم معهم(١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن
حكيم بنِ مُبَيْرٍ، عن سعيدِ [٩٣/٢و] بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان السامرىُّ
رجلًا مِن أهلِ باجَوْمًا ) ، وكان مِن قومٍ يَعْبُدون البقرَ، وكان حُبُّ عبادةِ البقرِ فى
نفسِه، وكان قد أَظْهَرِ الإِسلامَ فى بنى إسرائيلَ، فلما فضَل(٤) هارونُ فى بنى إسرائيلَ
وفصَل موسى إلى ربِّه، قال لهم هارونُ: أنتم قد حُمِّلْتُم أوزارًا مِن زينةِ القومِ - آلِ
فرعونَ - وأمتعةً وحَلْيًّا، فتطهَّروا منها، فإنها ◌َجَسّ. وأَوْقَد لهم نارًا فقال : اقْذِفوا ما
كان معكم مِن ذلك فيها. قالوا : نعم . فجعلوا يَأْتُون بما كان فيهم(٥) مِن تلك الأمتعةِ
وذلك الحَلْيِ فِيَقْذِفون به فيها، حتى إذا تكَشَّر الحَلْىُ فيها ، ورأى السامرىُّ أَثْرَ فرسٍ
جبريلَ، فأخذ ترابًا مِن أثرٍ حافرِه، ثم أَقْبَل إلى النارِ (١)، فقال لهارونَ: يا نبيَّ اللَّهِ، أَلْقِى
ما فى يدى؟ قال: نعم . ولا يَظُنّ هارونُ إلا أنه كبعضٍ ما جاء به غيرُه مِن ذلك
الحلي والأمتعةِ، فقذَفه / فيها وقال: كنْ عِجْلًا جسدًا له خُوَارٌ. فكان للبلاءِ
٢٨٣/١
(١ - ١) فى م: ((سار ولم يرضوا أن يخرجوا)).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤١٩/١.
(٣) باجرما؛ بفتح الجيم وسكون الراء وميم وألف مقصورة : قرية من أعمال البليخ قرب الرقة من أرض
الجزيرة. معجم البلدان ١/ ٤٥٤.
(٤) فى م: ((فضل)). وفصل فلان من عندى فصولا: إذا خرج. اللسان (ف ص ل).
(٥) فى ر، م: (( معهم)).
(٦) فى تاريخ المصنف: ((الحفرة)).
٦٧٣
سورة البقرة : الآية ٥١
والفتنةِ، فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾. فعكَفوا عليه، وأحُّوه حبًّا لم
يُحِبُوا مثلَه شيئًا قطُّ ، يقولُ اللَّهُ جلَّ ذكرُه: ﴿فَنَسِىَ﴾. أى ترَك ما كان عليه مِن
الإسلامِ - يعنى السامرىَّ - ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا
وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩]. قال (١) : وكان اسمُ السامرىِّ موسى بنَ ظَفَرَ، وقَع فى أرضٍ
مصرَ فدخَل فى بنى إسرائيلَ ، فلما رأَى هارونُ ما وقَعوا فيه قال: ﴿يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم
جَ) قَالُواْ لَنْ تَّبْرَحَ عَلَيَّهِ عَلَكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ
٩٠
بِّ وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَِّعُونِ وَأَطِيعُواْ أَمْرِى
إِلَيْنَا مُوسَى ﴾. فأقام هارونُ فى مَن معه مِن المسلمين ◌َمَّن لم يُفْتَتَنْ، وأقام مَن يَعْبُدُ
العِجْلَ على عبادةِ العِجْلِ، وتخَوَّف هارونُ إِن سار بمَن معه مِن المسلمين أن يقولَ له
موسى: ﴿ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ وَلَمْ تَرْقُّبْ قَوْلِ ﴾ [ طه: ٩٤]. و كان له هائبًا
(٢)
مُطِيعًا(٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لما أنْجَى اللَّهُ عز
وجل بنى إسرائيلَ مِن فرعونَ ، وأَغْرَق فرعونَ ومَن معه ، قال موسى لأخيه هارونَ :
﴿اَخْلُفْنِ فِ قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَِّعْ سَكِلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. قال: لما خرَج موسى وأمَر
هارونَ " ما أمَرَه)، وخرّج موسى مُتَعَجّلًا مَشْرورًا إلى اللَّهِ، قد عرَف موسى أن
المرءَ إذا أَنْجَحُ(٢) فى حاجةٍ سيدِه كان يَسْؤُّه أَن يَتَعَتَجَّلَ إليه. قال: وكان حينَ
خرَجوا اسْتَعاروا حَلْيًا وثيابًا مِن آلٍ فرعونَ، فقال لهم هارونُ : إن هذه الثيابَ
والحَلْىَ لا تَحِلُّ لكم، فاجْمَعوا نارًا فَأَلْقُوه فيها فأَحْرِقوه. قال: فجمعوا نارًا .
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٤٢٤، ٤٢٥.
(٣ - ٣) فى ص: ((بما أمره))، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بما أمره به)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((نجح)). يقال: نجح فلان، وأنجح: إذا أصاب طلبته. النهاية
٠١٨/٥
٦٧٤
سورة البقرة : الآية ٥١
قال: فكان السامرىُّ قد نظَر إلى أثرٍ دابَّةٍ جبريلَ، وكان جبريلُ على فرسٍ أنثى،
وكان السامرىُّ فى قوم موسى. قال: فنظَر إلى أثرِهِ فقبَض منه قبضةً،
فيبِسَت عليها يدُه، فلما أَلْقَى قومُ موسى الحَلْىَ فى النارِ، وأَلْقَى السامرىُّ
معهم القَبْضةَ، صوَّر اللَّهُ جلَّ وعزَّ [٩٣/٢ ظ] ذلك لهم عِجْلًا ذهبًا، فدخَلَتْه
الريح، فكان له خُوَارٌ، فقالوا: ما هذا؟ فقال السامرىُّ الخبيثُ: ﴿هَذَا
إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ﴾. الآية إلى قولِه: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾
[ طه: ٨٨- ٩١]. قال: حتى إذا أتَى موسى الموعدَ قال اللَّهُ: ﴿مَآ أَعْجَلَكَ عَن
قَوْمِكَ يَمُوسَى قَالَ هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ
اَلْعَهْدُ ﴾ [طه: ٨٤ - ٨٦].
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاج، عن ابنٍ مُرَئِج ،
عن مُجاهِدٍ فى قولِه: ﴿ ثُمَّ أُمَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. قال: العِجْلُ حَسِيلُ(١)
البقرةِ. قال: حَلْىٌّ اسْتَعارُوه مِن آلٍ فرعونَ، فقال لهم هارونُ : أَخْرِ جوه فتَطَهَّروا منه
وأخْرِقوه . وكان السامرىُّ(٢) أخَذ قَبْضةٌ مِن أثرٍ فرسٍ جبريلَ، فطرَحه فيه فانْسَبَك ،
و کان له کالجوفِ تَهْوِی فیه الرياح .
حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا آدمُ ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ ،
عن أبى العاليةِ، قال: إنما سُمِّى العِجْلَ؛ لأنهم عَجِلوا فاتَّخَذوه قبلَ أن يَأْتِيَهم
موسى(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو الباهلىُّ ، قال: حدَّثنا أبو عاصم، قال: حدَّثنی
(١) الحسيل: ولد البقرة الأهلية، وعم به بعضهم فقال: هو ولد البقرة. اللسان (ح س ل).
(٢) بعده فى م: ((قد)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٨/١ (٥١٢) من طريق آدم به .
٦٧٥
سورة البقرة : الآيتان ٥٢،٥١
٢٨٤/١
عيسى، / وحدَّثنى المُنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شئْلٌ،
جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ثُمَّ أَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾: حسيلُ
البقرةِ . قال : حَلْىٌ اسْتَعارُوه من آلٍ فرعونَ ، فقال لهم هارونُ : أخرِجوه فتطهَّروا منه
وأخْرِقُوه . وكان السامِرىُّ أَخَذ قبضةً من أثرٍ فرسٍ جبريلَ فطرَحه فيه فانْسَبَك ،
و کان له کالجوفِ تَهْوِی فیہ الریاحُ ) .
وتأويلُ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾. يعنى: وأنتم واضعو العبادةِ
فى غيرِ موضعِها؛ لأن العبادةَ لا تَنْتَغِى إلا للَّهِ تعالى ذكرُه، وعبَدْتُم أنتم العجلَ ظلمًا
منكم، ووضعًا للعبادةِ فى غيرِ موضعِها .
وقد دلِلْنا فى غيرِ هذا الموضع مما مضَى مِن كتابِنا، أن أصْلَ كلِّ ظُلم وضْعُ
الشىءٍ فى غيرٍ مَوْضعِه، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه فى هذا الموضع .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ
٥٢
قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ قولِه: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِّنْ بَعْدٍ ذَلِكَ ﴾. يقولُ: ثم (٢)
ترَكْنا مُعاجَلتَكم بالعقوبةِ مِن بعدِ ذلك. أى: مِن بعدِ اتخاذِ كم العجل إلهًا .
كما حدَّثنى به المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا [٩٤/٢ و] آدمُ العَشْقلانُ، قال:
(١ - ١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، بنحو حديث القاسم، عن الحسن،
حدثنى المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد،
بنحوه)). وقوله: ((الحسن)). صوابه: الحسين، كما تقدم.
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٠٨، ١٠٩، ١١٠٤/٤ (٥١٣، ٥٢٤، ٦١٩٦) مفرقا من
طريق ورقاء، عن ابن أبى نجيح إلى قوله : فتطهروا منه .
(٢) ينظر ما تقدم فى ص ٥٥٩.
(٣) سقط من: ص، م.
٦٧٦
سورة البقرة : الآيتان ٥٢، ٥٣
حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾.
يعنى: مِن بعدِ ما اتَّخَذْتُم العجلَ(١).
وأما تأويلُ قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فإنه يعنى به: لتَشْكُروا. ومعنى:
((لعل)) فى هذا الموضع معنى ((كى)) (١) . وقد بيَنْتُ فيما مضى قبلُ أن أحدَ معانى
((لعل)) معنى ((كى)) بما فيه الكفايةُ عن إِعادتِه فى هذا الموضعِ.
فمعنى الكلام إذن: ثم عَفَونا عنكم مِن بعدِ اتخاذِكم العجلَ
إلهًا ("لتَشْكُرُوا لِىُّ" على عَفْوى عنكم، إذ كان العفوُ يُوجِبُ الشكرَ على
أهلِ اللَّبِّ والعقلِ .
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ
◌َْتَدُونَ
قال أبو جعفرٍ: يعنى بقولِه: ﴿ وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ﴾: واذْكُروا أيضًا إذ
آتَيْنا موسى الكتابَ والفُرقانَ. ويعنى بالكتابِ التوراةَ ، وبالفُرقانِ الفصلَ بينَ الحقِّ
والباطلِ .
كما حدَّثنى المثنى ، قال: حدَّثنا آدمُ ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن
أبى العاليةِ فى قوله: ﴿ وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَالْفُرْقَانَ﴾. قال: فَرَق فيهُ بينَ
الحقِّ والباطلِ(١) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٨/١ (٥١٥) من طريق آدم به .
(٢) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) ينظر ما تقدم فى ص ٣٨٧.
(٤ - ٤) فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لتشكرونى)).
(٥) فی ص: ((الله فيه))، وفى م: ( به ).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٩/١ (٥٢١) من طريق آدم به .
٦٧٧
سورة البقرة : الآية ٥٣
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو الباهلىُّ ، قال: حدَّثنا أبو عاصم ، قال: حدَّثنا عيسى ،
عن ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿وَ إِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَالْفُرْقَانَ﴾.
قال: الكتابُ هو الفُرقانُ ، فُرقانٌ بينَ الحقِّ والباطلِ(١).
.
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ ، قال: حدَّثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبِى تَجِيحٍ،
عن مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنى القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ ، قال: حدَّثنی حجاجٌ ، عن ابنِ جُريْجٍ،
عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَالْفُرْقَانَ﴾. قال : الكتابُ هو
الفُرقانُ ، فَرَق بينَ الحقِّ والباطلِ .
٢٨٥/١
/ حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاج، عن ابنٍ
مُجُريْجِ ، قال: قال ابنُ عباسٍٍ : الفُرْقانُ جِماعُ اسم التوراةِ والإنجيلِ والزَّبورِ
(٢)
والفُرقانٍ (١) .
وقال ابنُ زيدٍ فى ذلك بما حدَّثنى به يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ،
قال: سأَلْتُه - يعنى ابنَ زيدٍ - عن قولِ اللَّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى
اَلْكِثَبَ وَالْقُرْقَانَ﴾. فقال: أما ((الفُرْقانُ)) الذى قال اللَّهُ جلَّ وعَّ: ﴿ يَوْمَ
اَلْفُرْقَانِ يَوْمَ الْثَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]. فذلك يومُ بدرٍ ، يومَ فَرَق اللَّهُ بينَ
الحقِّ [٩٤/٢ظ] والباطلِ، والقضاءُ الذى فرَق به بينَ الحقِّ والباطلِ. قال: فكذلك
أُعْطَى اللَّهُ موسى الفُرقانَ ، فرَق اللَّهُ بينَهم ، وسلَّمه اللَّهُ وأنجاه ، فرَق بينَهم بالنصرِ ،
فكما جعَل اللَّهُ ذلك بينَ محمدٍ و(١)المشركين، فكذلك جعَله بينَ موسى وفرعونَ .
(١) تفسير مجاهد ص ٢٠٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٩/١ إلى عبد بن حميد.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٩/١ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) فى ص: ((ويين)).
٦٧٨
سورة البقرة : الآيتان ٥٣ ، ٥٤
قال أبو جعفرٍ: وأولى ("هذين التأويلين بتأويل الآية ما رُوِى عن ابنِ عباسٍ وأبى
العاليةِ ومُجاهدٍ ، مِن أن الفرقانَ الذى ذكَر اللَّهُ أنه آتاه موسى فى هذا الموضع هو الكتابُ
الذى فَرَق به (٢) بينَ الحقِّ والباطلِ، وهو نعتٌ للتوراةِ وصفةٌ لها . فيكونُ تأويلُ الآيةِ
حينئذٍ: وإذ آتينا موسى التوراةَ التى كتَبْناها(٢) له فى الألواح، وفرَقْنا بها بينَ الحقِّ
والباطلِ . فيكونُ الكتابُ نعتًا للتوراةِ أَقِيم مُقامَها اسْتِغْناءً به عن ذكرِ التوراةِ ، ثم عطَف
عليه الفرقانَ ، إِذْ(١) كان مِن نعتِها. وقد بيَنَّا معنى الكتابِ فيما مضى مِن كتابِنا هذا،
وأنه بمعنى المكتوب(٥) .
وإنما قلْنا : هذا التأويلُ أولى بالآيةِ - وإن كان مُخْتَمِلًا غيرُه مِن التأويلِ - لأن
الذى قبلَه من(١) ذِكْرِ الكتابِ ، وأن معنى الفرقانِ الفَصْلُ - وقد دلَّلْنا على ذلك فيما
مضَى مِن كتابِنا هذا - فإلحاقُّه ، إذ كان كذلك، بصفةٍ ما ولِيه أولَى مِن إلحاقِهِ بصفةٍ
ما بَعُد منه .
وأما تأويلُ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ﴾. فنظيرُ قولِه تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾. ومعناه: لِتَهْتَدوا. فكأنه قال تعالى: واذْكُروا أيضًا إذ آتَيْنا موسى
التوراةَ التى تَفْرِقُ بينَ الحقِّ والباطلِ، لتَهْتَدوا بها وتَتَبِعوا الحقَّ الذى فيها؛ لأنى
جعَلْتُها كذلك هُدًى لمن اهْتَدَى بها واتَبع ما فيها .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه : ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ
(١ - ١) فى ص: ((هذه التأويلات)).
(٢) فى ص: (( فيه)) .
(٣) فى ر: ((اكتتبناها)).
(٤) بعده فى ر: (( الفرقان)).
(٥) ينظر ما تقدم فى ص ٩٥.
(٦) سقط من : م .
٦٧٩
سورة البقرة : الآية ٥٤
أَنْفُسَكُمْ بِخَذِ كُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِيِكُمْ
٥٤
فَذَابَ عَلَيْكُمَّ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ
وتأويلُ ذلك : واذْكُروا أيضًا إذ قال موسى لقومِه مِن بنى إسرائيلَ: يا قومٍ
إنكم ظلَمْتُم أنفسَكم. وظلمُهم إياها كان فعلَهم بها ما لم يكنْ لهم أن يَفْعَلوه
بها، مما أوْجَب لهم العقوبةَ مِن اللَّهِ تعالى، وكذلك كلُّ فاعل فعلًا يَشْتَوْجِبُ
به العقوبةَ مِن اللَّهِ تعالى، فهو ظالمٌ لنفسِه بإيجابِهِ العقوبةَ لها مِنِ اللَّهِ تعالى ،
وكان الفعلُ الذى فعَلوه فظلَموا به أنفسَهم، هو ما أخْبَر [٥٩/٢و] اللَّهُ عنهم
مِن ارتِدادِهم باتخاذِهم العجلَ ربًّا بعدَ فِراقٍ موسى إياهم. ثم أمَرهم موسى
بالمراجعةِ مِن ذنبِهم، والإنابةِ إلى اللَّهِ جلَّ وعزَّ مِن رِدَّتِهم بالتوبةِ إليه ، والتسليم
لطاعتِه فيما / أمَرهم به ، وأخْبَرَهم أن توبتَهم مِن الذنبِ الذى رَكِبوه قَتْلُهم ٢٨٦/١
أنفسَهم - وقد دلّلنا فيما مضى على أن معنى التوبةِ الأُوْبَةُ مما يَكْرَهُه اللَّهُ إلى ما
يَرْضاه مِن طاعتِه (١) - فاسْتَجاب القومُ لما أمَرهم به موسى مِن التوبةِ مما ركِبوا
مِن ذنوبِهم إلى ربِّهم، على ما أمَرَهم به .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ
ابنُ الحجاج، عن أبى إسحاقَ، عن أبى عبد الرحمنِ أنه قال فى هذه الآية: ﴿فَاقْتُلُواْ
أَنفُسَكُمْ﴾. قال: عمَدوا إلى الخَاجرِ، فجعَل يَطْعُنُ بعضُهم بعضًا .
حدَّثنى عباسُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا حجاجُ بنُ محمدٍ ، قال ابنُ جُرَيْجٍ :
أُخْبَرَنى القاسمُ بن أبى بَزَّةَ ، أنه سمِع سعيدَ بنَ جُبيرٍ ومُجاهِدًا قالا : قام بعضُهم إلى
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٥٨٧.
٦٨٠
سورة البقرة : الآية ٥٤
بعض بالخَاجرِ يَقْتُلُ بعضُهم بعضًا، لا يَحِنُّ(١) رجلٌ على رجلٍ قريبٍ ولا بَعيدٍ ،
حتى أَلْوَى(١) موسى بثوبِهِ، فطرَحوا ما بأيديهم، فتكشّف عن سبعين ألفَ قَتِيلٍ،
وإن اللَّهَ أوْحَى إلى موسى أنْ حَسْبِى فقد اكْتَفَيْتُ. فذلك حينَ ألْوَى بثوبِهِ(٣).
حدَّثنى عبدُ الكريم بنُ الهيثم ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشَّارٍ ، قال : حدَّثنا ابنُ
عُيَيْنةَ، قال: قال أبو سعدٍ (٤)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : قال موسى لقومه:
﴿ تُوبُوا إِلَى بَارِيَكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِيِّكُمْ فَابَ عَلَيْكُمَّ إِنَّهُ هُوَ
الثَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. قال: أمَر موسى قومَه - عن أمرٍ ربِّه - أن يَقْتُلوا أنفسَهم. قال:
فاحْتَبِى(٥) الذين عكَفوا على العجلِ فجلَسوا، وقام الذين لم يَعْكُفوا على العجلِ
وأخَذوا الخَنَاجرَ بأيديهم ، وأصابَتهم ظلمةٌ شديدةٌ، فجعَل يَقْتُلُ بعضُهم بعضًا،
فانْحَلَت الظلمةُ عنهم وقد أجْلَوْا عن سبعينَ ألف قتيلٍ، كلَّ مَن قُتِل منهم كانت له
توبةٌ ، وكلُّ مَن تَقِى(٢) كانت له توبةً(٧) .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسْباطُ ،
عن السدىِّ، قال: لما رجَع موسى إلى قومِه قال: ﴿يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِذْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا
حَسَنَا﴾. إلى قولِه: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِيُ﴾ [طه: ٨٦، ٨٧]. فَأَلْقَى مُوسى
(١) فى ر: ((يحزن))، وفى تفسير ابن أبى حاتم: ((يحنو)). وحن عليه: عطف. اللسان (ح ن ن).
(٢) ألوى بثوبه : إذا لمع وأشار. اللسان (ل وى).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٠/١ (٥٢٨) من طريق حجاج به .
(٤) فى م: ((سعيد)). وينظر ما تقدم فى ص ٦٤٧ .
(٥) فى م: ((فاختباً)). والاحتباء : أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ویشده
عليها، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب. النهاية ٣٣٥/١.
(٦) بعده فى ص: (( منهم)).
(٧) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٣١/١ عن المصنف. وينظر ما تقدم فى ص ٦٤٧.