Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
سورة البقرة : الآية ٤٩
وأما تأويلُ قولِه: ﴿وَإِذْ نَيَّنَكُمْ﴾. فإنه عَطْفٌ على قولِه: ﴿ يَبَنِىّ
إِسْرَِّيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ﴾. / فكأنه قال: اذْكُروا نِعْمتى التى أَنْعَمْتُ عليكم، واذْكُروا ٢٧٠/١
إنعامَنا عليكم إذ نَجْناكم مِن آلٍ فرعونَ ، بإنجائِنا لكم منهم .
وأما: (﴿ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾(١) فإنهم أهلُ دينه وقومُه وأَشْياعُه .
وأصلُ ((آل)): أهلٌ، أَبْدِلَت الهاءُ همزةً، كما قالوا: ماءً(٢) . فَأَبْدَلوا الهاءَ
همزةً ، فإذا صغَّروه قالوا: مُوَيَّةٌ. فردُّوا الهاءَ فى التَّصْغِيرِ، وأَخْرَجوه على أصلِه ،
وكذلك إذا صغَّروا ((آلّا))، قالوا: أُهَيْلٌ. وقد حُكِى سَماعًا مِن العربِ فى تَصْغیرِ
((آلِ)): أَوَيْلٌ. وقد يُقالُ: فلانٌ مِن آلِ النساءِ. يُرادُ أنه منهن خُلِق. ويقالُ ذلك
أيضًا بمعنى أنه يُرِيدُهن ويَهْواهن، كما قال الشاعرُ(٣) :
يَكُنَّ لِأَدْنَى لا وِصالَ لِغائبٍ
فإنكَ(٤) مِن آلِ النِّساءِ وأََّا
وأحسنُ أماكنِ ((آل)) أن يُنْطَقَ به مع الأسماءِ المشهورةِ، مثلَ قولهم: آلُ النبيِّ
محمدٍ عَّهِ، وآلُ علىّ، وآلُ العباسِ، وَآلُ عَقيلٍ. وغيرُ مُشْتَحْسَنٍ استعماله مع
المجهولِ وفى أسماءِ الأرْضِين وما أشبه ذلك. غيرُ حسنٍ عندَ أهلِ العلمِ بلسانِ(٥)
العربِ أن يُقالَ: رأيْتُ آلَ الرجلِ، وزارنى (١) آلُ المرأةِ. ولا: رأيتُ آلَ البصرةِ، وَآلَ
(١ - ١) سقط من: ر، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى ر، م: ((ماه)).
(٣) البيت فى الصاحبى ص ٤٣٤ غير منسوب، ونسبه فى الخصائص ٢٧/٣ إلى كثير، وليس فى ديوانه ،
ونسبه فى البحر المحيط ٢٦٢/٢ إلى جميل ، وليس فى ديوانه أيضا.
(٤) فى مصادر التخريج: (( بثينة)).
(٥) فى الأصل: ((بلغات)) .
(٦) فى م: (( رآنى )).

٦٤٢
سورة البقرة : الآية ٤٩
الكوفةِ. وقد ذُكِر عن (١) العربِ سَماعًا أنها تقولُ: رأيتُ آلَ مكةَ، وَآلَ المدينةِ .
وليس ذلك فى كلامِهم بالمستعملِ الفاشى .
وأما ﴿فِرْعَوْنَ﴾ فإنه يقالُ: إنه اسم كانت مُلوكُ العَمالِقَةِ بمصرَ تُسَمَّی به،
كما كانت ملوكُ الرومِ يُسمَّى بعضُهم قيصَرَ، وبعضُهم هِرقْلَ، وكما كانت ملوكُ
فَارسَ تُسَمَّى الأكاسِرةَ، [٨٤/٢ ظ] واحدُهم كِشْرَى، وملوكُ اليمنِ تُسَمَّى
التَّبَابِعةَ ، واحدُهم تُبَعْ .
وأما فرعونُ موسى الذى أَخْبَر اللّهُ تعالى ذكرُه عن بنى إسرائيلَ أنه نجاهم منه ،
فإنه يقالُ: إِن اسمَه "الذى هو اسمُهُ" الوَليدُ بنُ مُصْعبٍ. كذلك ذكَر محمدُ بنُ
إسحاقَ أنه بلَغه عن اسمِه . حدَّثنا بذلك محمدُ بنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ ، عن
- (٣)
ابنِ إِسحاقَ(٢) .
(" وقد قيل: إن اسمَهُ" مصعبُ بنُ الرّيَّانِ .
وإنما جاز أن يقالَ: ﴿وَإِذْ نَيَّنَكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾ . والخطابُ به لمن
لم(٥) يُدْرِدْ فرعونَ ولا المُتَُّّيْنَ منه؛ لأن المُخَاطَبِين بذلك كانوا أبناءَ مَن نَجَّهم مِن
فرعونَ وقومِه ، فأضاف ما كان مِن نعمِه على آبائهم إليهم، وكذلك ما كان مِن
كُفرانِ آبائهم، على وجهِ الإضافةِ، كما يقولُ القائلُ لآخرَ: فعَلْنا بکم کذا وكذا(٦)،
(١) بعده فى ص، م: ((بعض)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٨٧/١ .
(٤ - ٤) فى م: ((أن اسمه الوليد بن)).
(٥) سقط من: ص، ر، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٦) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.

٦٤٣
سورة البقرة : الآية ٤٩
وفعَلْنا بكم كذا، وقتَلْناكم وسبَيْناكم. والمخْبِرُ إما أن يكونَ يعنى قومَه وعشيرتَه
بذلك، أو أهلَ بلدِهِ ووطنِهِ ، كان المَقَولُ له ذلك أدْرَكَ ما فُعِل بهم مِن ذلك أو لم
يُدْرِكْه، كما قال الأخطلُ يُهاجِى جَرِيرَ بنَ عَطِيَّةَ () :
بإِرَابَ(٤) حيث يُقَسّمُ الأَنْفالَا(٥)
ولقد سَمَا(٢) لكمُ الهُذَيْلُ(٣) فنالكم
فُرْسانُه ◌ُزْلًا ولا أَْفالاً(٨)
فِى فَيْلَقِ (١) يَدْعُو الأراقِمَ() لم تَكُنْ
ولم يَلْقَ(٩) جَرِيرٌ هُذَيلًا ولا أدرَ كه، ولا أدرَكُ إِرَابَ ولا شهِدَه، ولكنه لما كان
يومًا مِن أيامٍ قومِ الأَخْطَلِ على قومٍ جَريٍ ، أضاف الخطابَ إليه وإلى قومِه، فكذلك
خطابُ اللهِ عز وجل مَن خاطَبه بقولِه: ﴿ وَإِذْ نَّنَكُمْ مِنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾. لمَّا
كان فعلُه ما فعَل مِن ذلك بقومٍ مَن خاطَبه بالآيةِ وآبائهم ، ١ أضاف فعْلَه ذلك الذى
فعَله بآبائِهم إلى المُخَاطَبِين بالآيةِ"(١) وقومهم.
(١) ديوان الأخطل ص ٣٩١ .
(٢) سما لهم: نهض لقتالهم، وتساموا : تباروا. اللسان (س م و).
(٣) الهذيل: هو الهذيل بن هبيرة التغلبى . النقائض ص ٧٧.
(٤) إراب : ماء من مياه بنى يربوع، كانت فيه لتغلب وقعة على بنى يربوع. معجم ما استعجم ١٣٣/١.
(٥) فى الأصل، ص: ((الأثقالا))، وفى ت ١، ت ٣: ((الأثقال)) والنفل: الغنيمة والهبة. اللسان
( ن ف ل).
(٦) الفيلق: الكتيبة الكثيرة السلاح. اللسان (ف ل ق).
(٧) الأرقم من الحيات ما فيه بياض وسواد، والجمع أراقم. اللسان (رق م).
والأراقم هنا : هم من بنى تغلب ، جشم ومالك وعمرو وثعلبة ومعاوية والحارث بنو بكر بن حبيب ،
مركاهن بأمهم وهم فى قطيفة لها فقالت: ينظر إلى ولدى هؤلاء. فقال: والله لكأنما رمونى بعيون الأراقم.
النقائض ص ٧٨.
(٨) الكفل من الرجال: الذى يكون فى مؤخر الحرب، وإنما همته فى التأخير والفرار. اللسان (ك ف ل).
(٩) فى ص: ((يلحق)).
(١٠ - ١٠) سقط من : ص، ر .

٦٤٤
سورة البقرة : الآية ٤٩
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ يَسُومُونَكُمْ سُوَّهَ اَلْعَذَابِ ﴾ .
٢٧١/١
قال أبو جعفرٍ: / وفى قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾. وجهان مِن التأويل؛ أحدُهما: أن
يَكونَ خبرًا مُسْتَأَنَفًا عن فِعْلِ فرعونَ ببنى إسرائيلَ، فيَكونَ معناه حينئذٍ: واذْكُروا
نعمتى عليكم إذ نَجَّناكم(١) مِن آلٍ فرعونَ، وكانوا مِن قبلُ يَسُومُونكم سُوءَ العذابِ .
وإذا كان ذلك تأويلَه كان موضعُ ﴿يَسُومُونَّكُمْ﴾ رفعًا(١).
والوجهُ الثانى: أن يَكونَ ﴿ يَسُومُونَكُمْ﴾ حالاً، فيكونَ تأويلُه [٨٥/٢و] حينئذٍ:
وإذ نجئناكم مِن آلٍ فرعونَ سائميكم سُوءَ العذابِ. فيكونَ حالًا مِن ﴿ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿ يَسُومُونَكُمْ﴾. فإنه: يُورِدُونَكم، ويُذِيقُونكم ، ويُولُونكم .
يقالُ منه: سامه خُطََّ ضَيْم. إذا أولاه ذلك وأذاقه "، كما قال الشاعرُ():
* إن سِيمَ خَشْفًا(٥) وجهُه تَرَبَّدًا(٦) ؛
وأما تأويلُ قولِه: ﴿ سُوَّءَ الْعَذَابِ ﴾. فإنه يعنى: ما ساءَهم مِن العذابِ. وقد قال
بعضُهم : أشدَّ العذابِ. ولو كان ذلك معناه لقيل: أسوأَ العذابِ .
فإن قال لنا قائلٌ: وما ذلك العذابُ الذى كانوا يُسومُونهم ؟
قيل: هو ما وصَفه اللّهُ تعالى ذكْرُه فى كتابه فقال: ﴿يُذَتِحُونَ أَبْنَآءَ كُمْ
(١) فى ص: ((نجيتكم)).
(٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وجها)).
(٣) سقط من: ر، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) هو عمرو بن سالم الخزاعى، من أبيات قالها يستنصر فيها النبى معيقوم على قريش وبنى بكر. والأبيات فى
سيرة ابن هشام ٢/ ٣٩٤، ٣٩٥.
(٥) الخسف: الإذلال ، وأن يحملك الإنسان ما تکره. التاج (خ س ف).
(٦) تربد وجهه : تغير من الغضب . التاج ( رب د).
(٧) بعده فى ر، م، ت ٢، ت ٣: ((الذى كان يسوءهم))، وفى ت١: ((الذى يسوءهم)).

٦٤٥
سورة البقرة : الآية ٤٩
وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَ كُمْ ﴾.
وقد قال محمدُ بنُ إسحاقَ فى ذلك ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا
سلمةُ ، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ ، قال: كان فرعونُ يُعَذِّبُ بنى إسرائيلَ، فَيَجْعَلُهم
حَدَمًا وخَوَلًا(١)، وصنَّفهم فى أعمالِه(٢) ؛ فصِنفٌ يَيْنون، وصِنْفٌ يَزْرَعون له، فهم
فى أعمالِهِ، ومَن لم يَكُنْ منهم فى صَنْعةٍ له مِن عملِهِ، فعليه الجزيةُ ، فسامَهم كما
قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿سُوَءَ الْعَذَابِ﴾(١).
وقال الشّدِّىُّ: جعَلهم فى الأعمالِ القَذِرةِ ، وجعَل يُقَتِّلُ أبناءهم ، ويستحبى
نساءَهم. حدَّثنى بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال :
حدَّثنا أشْباطُ، عن السُّدِّىِّ(٤) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ يُذَتِجُونَ أَبْنَآءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَ كُمْ﴾.
فأضاف اللّهُ جل ثناؤه ما كان مِن فعلِ آلِ فرعونَ ببنى إسرائيلَ مِن سَوْمِهم
إياهم سُوءَ العذابِ، وذَبْحِهم أبناءَهم، واسْتِخيائِهم نساءَهم ، إليهم دونَ فرعونَ -
وإن كان فعلُهم ما فعَلوا مِن ذلك كان بقوةٍ فرعونَ وعن أمرِه - لمباشرتِهم ذلك
بأنفسهم ، فبِّٹ بذلك أن كلَّ مباشرٍ قتل نفس أو تعذیبَ حێٍّ بنفسِه ، وإن كان عن
أمْرٍ غيرِهِ ، ففاعلُه المُتَولِّى ذلك هو المستحقُّ إضافةَ ذلك إليه، وإن كان الآمِرُ قاهرًا
الفاعلَ المأمورَ بذلك- سلطانًا كان الآمرُ، أو لِصًّا حاربًا(٥)، أو مُتَغَلِّبًا فاجرًا - كما
أضاف جل ثناؤه تذبيحَ أبناءٍ بنى إسرائيلَ واستحياءَ نسائِهم إلى آلٍ فرعونَ دون فرعونَ ،
وإن كانوا بقوةٍ فرعونَ وأمرِه إياهم بذلك [٨٥/٢ظ] فعلوا ما فعلوا، مع غلبته إياهم
(١) الخَوَل: حشم الرجل وأتباعه ، ويقع على العبد والأمة. ينظر النهاية ٨٨/٢.
(٢) فى الأصل: ((أعمالهم)).
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٨٧/١ . وتقدم أوله فى ص ٦٤٢ .
(٤) سيأتى مطولا فى ص ٦٤٩.
(٥) فى م: ((خاربا)). والحارب: المشلح، وهو قاطع الطريق. ينظر اللسان (ح ر ب، ش ل ح).

٦٤٦
سورة البقرة : الآية ٤٩
وقهرِه لهم، فكذلك كلّ قاتلِ نفسًا بأمرٍ غيرِه ظلمًا ، فهو المقتولُ به عندَنا قِصاصًا ،
وإن كان قتلُه إياه پا کراهِ غيرِه له على قتله .
٢٧٢/١
وأما تأويلُ ذَبْحِهم أبناءً بنی إسرائیلَ ، واستحیائِهم نساءهم ، فإنه كان فيما
ذُكِر لنا عن ابنِ عباسٍ وغيرِهِ کالذى حدَّثنا به العباسُ بنُ الوليدِ الآمُلیُ وتَمیمُ بنُ
المُنْتَصرِ الواسطىُّ، قالا: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، قال: / أخْبَرَنا الأصبغُ بنُ زیدٍ ،
قال : حدّثنا القاسمُ بنُ ابی (١) أیوب ، قال: حدّثنی سعیدُ بنُ جبیرٍ ، عن ابنِ عباسٍٍ،
قال: تذاكَر فرعونُ وجلساؤُه ما كان اللّهُ تعالى ذكرُهُ وعَد إبراهيمَ خليلَه عليه السلامُ
أن يجْعَلَ فى ذريته أنبياءَ ومُلوكًا ، فأتمروا وأجْمَعوا أمرهم على أن يَبْعَثَ رجالًا معهم
الشِّفَارُ(٢) ، يَطُوفون فى بنى إسرائيلَ، فلا يَجِدون مولودًا ذكرًا " إِلا ذَبَحوه ، ففعلوا ،
فلمَّا رَأَوْا أن الكبارَ مِن بنى إسرائيلَ يَمُوتون بآجالِهم، وأن الصغارَ يُذَبَّحون، قال:
تُوشِكون أن تُفْنُوا بنى إسرائيلَ، فتَصيروا إلى أن تُباشِروا مِن الأعمالِ والخِدْمةِ ما
كانوا يَكْفُونكم، فاقْتُلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فَيَقِلَّ (٤) أبناؤُهم، ودَعُوا عامًا .
فحمَلَتْ أمُّ موسى بهارونَ فى العامِ الذى لا يُذْبَحُ فيه الغِلْمانُ، فولَدَته عَلانيةٌ
آمنةٌ(٥)، حتى إذا كان القابلُ حمَلَت بموسى(٩).
وقد حدَّثنا عبدُ الكريم بنُ الهَيْثم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشارِ الَّمَادىُّ،
(١) سقط من النسخ، وينظر تهذيب الكمال ٣٣٦/٢٣ .
(٢) الشفار جمع شفرة، وهو السكين العظيم وما عُرِّض من الحديد وحُدِّد. القاموس المحيط (ش ف ر).
(٣) سقط من: ص، ر.
(٤) فى ص، ت ٣: ((فتقتل))، وفى ت ١: ((فيقتل)).
(٥) فى ص، ر، م، ت١، ت٢، ت٣: ((أمه)). وغير واضحة فى الأصل، والمثبت موافق لما فى تفسير ابن
كثير ٢٧٩/٥، والدر المنثور ٢٩٦/٤، وغيرهما كما سيأتى.
(٦) سيأتي تخريجه فى تفسير الآية ٤٠ من سورة طه ، فى حديث الفتون الطويل.

٦٤٧
سورة البقرة : الآية ٤٩
قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُبَيْنَةً، قال: حدَّثنا أبو سعدٍ (١)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ،
قال: قالت الكَهَنةُ لفرعونَ: إنه يُولَّدُ فى هذا العام مولودٌ يَذْهَبُ بُمُلْكِك. قال:
فجعَل فرعونُ على كلِّ ألفٍ امرأةٍ مائةَ رجلٍ، وعلى كلِّ مائةٍ(٢) عشرةً، وعلى كلِّ
عشرةٍ رجلًا، فقال: انْظُروا كلُّ امرأةٍ حاملٍ فى المدينةِ، فإذا وضَعَت حَمْلَها
فانْظُروا إليه، فإن كان ذكرًا فاذْبَحوه، وإن كان أنثى فخَلُّوا عنها(٣). وذلك
قولُه: ﴿ يُدَتِحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِ ذَلِكُمْ بَلَءٌ مِّن رَّبِّكُمْ
عَظِيمٌ﴾(٤).
حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا آدمُ ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ،
عن أبى العاليةِ فى قوله: ﴿ وَإِذْ نَيَّنَكُمْ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَّكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ ﴾ .
قال : إن فرعونَ ملَكهم أربعمائة سنةٍ ، فقالت الكَهَنةُ: إنه سيُولَدُ العامَ بمصرَ غلامٌ
يَكونُ هلاكُك(٥) على يديه. فبعث فى أهلِ مصرَ نساءٌ قَوابِلَ ، فإذا ولَدَت امرأةٌ غلامًا
أُتِى به فرعونُ [١٨٦/٢] فقتله، ويَسْتَحْبِى الْجَوَارِىّ(٢) .
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجّاج، قال حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى
جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع بن أنسٍ فى قوله: ﴿وَإِذْ نَيَّنَكُمْ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾
الآية . قال : إن فرعونَ ملَكهم أربعمائةٍ سنةٍ ، وإنه أتاه آتٍ ، فقال: إنه سيَنْشَأُ فى
(١) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((سعيد)). وهو أبو سعد سعيد بن المرزبان البقال الأعور. وليس هو أبا سعيد
عبد الكريم بن مالك الجزرى، فقد جاء مصرحا بأنه أبو سعد الأعور فى تفسير ابن أبى حاتم ٢٧٧٣/٨
(١٥٦٧٥).
(٢) بعده فى الأصل: ((امرأة)).
(٣) فى الأصل: ((عنه)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٩/١ إلى المصنف. وأبو سعد البقال ضعيف.
(٥) فى ص، ر: ((هلاكه)) .
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٥/١ (٥٠٥) من طريق آدم به .

٦٤٨
سورة البقرة : الآية ٤٩
مصرَ غلامٌ مِن بنى إسرائيلَ ، فيظهر عليك ، ويكونُ هَلاكُك علی یدیه . فبعث فى
أهلِ مصرَ نساءً. فذكّر نحوَ حديثِ آدمَ .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُّ حمادٍ ، قال: حدَّثنا
أشباطُ بنُ نصرٍ، عن الشّدِّىِّ، قال: كان مِن شأنٍ فرعونَ أنه رأى رؤيا(١)
فى مَنامِه، أن نارًا أَقْبَلَت مِن بيتِ المقدسِ حتى اشْتَمَلَت على بيوتِ مصرَ،
فأخْرَقَت القِبْطَ وترَكَت بنى إسرائيلَ، وأُخْرَبَت بيوتَ مصرَ، فدعا السَّحَرةَ
والكَهَنةَ(٢) والقافَةً والحازَةَ، فسألهم عن رُؤْياه، فقالوا له: يَخْرُجُ مِن هذا البلد
الذى جاء بنو إسرائيلَ منه - يَعْنون بيتَ المقدسِ - رجلٌ يَكونُ على وجهِه
هَلاكُ مصرَ. فأمَر ببنى إسرائيلَ ألا يُولَدَ لهم غلامٌ إلا ذبَحوه، ولا تُولَدَ لهم
جاريةٌ إلا تُرِكَت. وقال للقِبْطِ: انْظُرُوا تَمْلوكيكم الذين يَعْمَلون خارجًا
فأدْخِلوهم، واجْعَلوا بنى إسرائيلَ يَلُون تلك الأعمالَ القَذِرةَ. فجعَل بنى
إسرائيلَ فى أعمالٍ غلمانِهم، وأدْخَلوا غلمانَهم، فذلك حينَ يقولُ اللّهُ تبارك
وتعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِ اَلْأَرْضِ﴾. يقولُ: تَجَر فى الأرضِ، ﴿ وَجَعَلَ
٢٧٣/١ أَهْلَهَا / شِيَعًا﴾ يعنى بنى إسرائيلَ حينَ جعَلهم فى الأعمالِ القَذِرةِ، ﴿يَسْتَضْعِفُ
طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ يُذَيِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ ﴾ [القصص: ٤]. فجعَل لا يُولَدُ لبنى إسرائيلَ ١ مَوْلوةٌ إلا
ذُبِح، فلا يَكْبَرُ الصغيرُ، وقذَف اللّهُ فى مَشْيَخةٍ بنى إسرائيلَ الموتَ، فَأَشْرَع فيهم،
فدخَل رءوسُ القِبْطِ على فرعونَ، فكلَّموه ، فقالوا: إن هؤلاء القومَ" قد وقَع فيهم
الموتُ، فيُوشِكُ أن يَقَعَ العملُ على غِلمانِنا بذبح أبنائِهم ، فلا تَبْلُغُ الصِّغارُ وتَفْنَى
(١) سقط من : ر، م.
(٢) بعده فى م: ((والعافة)).
(٣ - ٣) سقط من: ص.
(٤) سقط من: ص، ر، م، ت١، ت٢، ت٣.

٦٤٩
سورة البقرة : الآية ٤٩
الكِبارُ، فلو أنك كنتَ تُبْقِى مِن أولادِهم . فأمَر أن يُذَبَّحوا سنةً ويُتْرَكوا سنةً، فلما كان
فى السنةِ التى لا يُذَبَّحون فيها، وُلِد هارونُ فتُرِك، فلما كان فى السنةِ التى يُذَبَّحون
(١)
فيها حمَلت بموسی
٠
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ ، قال: ذُكِر لى أنه لما
تَقارَب زمانُ موسى أتى مُنَجِّمو فرعونَ وحُزَاتُه (١) [٢/ ٨٦ظ] إليه، فقالوا(٢): تَعَلَّمْ (٤) أنَّا
◌َجِدُ فى علمِنا أن مولودًا مِن بنى إسرائيلَ قد أظلَّك زمانُه الذى يُولَدُ فيه، يَسْلُبُك
مُلْكَك، ويَغْلِبُك على سلطانِك، ويُخْرِبُك مِن أرضِك، ويُبَدِّلُ دينَك. فلما
قالوا له ذلك أمر بقتلِ كلِّ مولودٍ يُولَدُ مِن بنى إسرائيلَ (°مِن الغِلْمانِ، وأَمَر
بالنساءِ يُسْتَحْيَيْنَ، فجمَع القَوابلَ مِن نساءِ أهلِ(١) تَمْلكتِهِ، فقال لهن: لا يَشْقُطُ
على أيِدِيكُنَّ غلامٌ مِن بنى إسرائيلَ) إلا قَتَلْتُموه(٢). فكنَّ يَفْعَلْنَ ذلك، وكان
يَذْبَحُ مَن فوقَ ذلك مِن الغلمانِ ، ويَأْمُرُ بالحَالَى فَيُعَذَّبْنَ حتى يَطْرَحْنَ ما فى
(٨)
بُطونِهنّ(٨).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ
(١) فى الأصل: ((موسى)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٦/١ (٥٠٦) من طريق عمرو به.
وأخرجه المصنف فى تاريخه ٣٨٨/١ عن موسى بن هارون به عن السدى بإسناده المعروف . وسيفرق
المصنف بقيته فيما يأتى .
(٢) فى م: ((أحزابه)).
(٣) بعده فى ر، م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((له)).
(٤) فى م: ((نعم)) .
(٥ - ٥) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٧) فى ص، م: ((قتلتنه)) .
(٨) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٨٧/١. وتقدم أوله فى ص ٦٤٥.

٦٥٠
سورة البقرة : الآية ٤٩
أبى نَجيح، عن مُجاهدٍ، قال: لقد ذُكِر أنه كان لَيَّأْمُرُ بالقَصَبِ فَيُشَقُّ حتى يُجعَلَ
أمثالَ الشِّفَارِ ، ثم يُصَفُّ بعضُه إلى بعضٍ، ثم يُؤْتَى بالحَالَى مِن بنى إسرائيلَ، فيُوقَفْنَ
عليه فيَحُزُّ أَقْدامَهن، حتى إن المرأةَ منهن لَتَمْصَعُ(١) بولدِها فِيَقَعُ(٢) بينَ رِجْلَيْها،
فَتَظَلُّ تَطَؤُّه تَتَّقِى(٢) به حَدَّ القَصَبِ عن (٤) رِجْلَيْها)، لِمَا بَلَغْ مِن جَهدِها، حتى أَسْرَف
فى ذلك، وكاد يُفْنِيهم، فقيل له: أَقْتَيْتَ الناسَ، وقطَعْتَ النَّسْلَ، وإنهم خَوَلُك
وعُمَّالُك(١) . فأمَرَ (٧) أن يُقْتَلَ الغِلْمانُ عامًا ويُسْتَحْيَوْا عامًا، فؤُلِد هارونُ فى السنةِ التى
يُسْتَحْيَا فيها الغِلْمانُ، وؤُلِد موسى فى السنةِ التى فيها يُقْتَلون(٨).
فالذى قاله مَن ذكَرْنا قولَه مِن أهلِ العلم كان ذَبحَ آلٍ فرعونَ أبناءَ بنى إسرائيلَ
واستحياءَهم نساءَهم. فتأويلُ قولِه إذن - على ما تأوَّله الذين ذكَرْنا قولَهم -
وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾: يَسْتَبِقُونَهن فلا يَقْتُلونهن.
وقد يَجِبُّ على تأويلِ مَن قال بالقولِ الذى ذكَّرْنا عن ابنِ عباسٍ وأبى العاليةِ
والربيعِ بنِ أنسٍ والسُّدئِّ فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ . أنه تَوْكُهم
الإناثَ مِن القتلِ عندَ ولادتِهن إياهن - أن يكونَ جائزًا أن تُسَمَّى الطفلُ(١٠) مِن
(١) مصعت المرأة بولدها: ألقت به. التاج (م ص ع).
(٢) بعده فى: ص، ر، م، ت ٢: ((من)).
(٣) فى الأصل: ((وتتقى)).
(٤) فى الأصل: ((من)).
(٥) فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((رجلها).
(٦) فى ص: ((غلمانك)).
(٧) فى الأصل، ص، ر، ت١، ت٢، ت٣: ((فتأمر)). والمثبت موافق لما فى تاريخ المصنف.
(٨) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٨٧/١، ٣٨٨ .
(٩) فى الأصل، ت ٢: ((نساءهم)).
(١٠) فى م، ت ٢: ((الطفلة)).

٦٥١
سورة البقرة : الآية ٤٩
الإناثِ فى حال صِباها وبعدَ ولادتِها ) امرأةٌ ، والصَّبايا الصغارُ وهن أطفالٌ نساءً؛
لأنهم تأوَّلوا قولَ اللّهِ جل وعزّ: ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾: يَسْتَبِقون الإناثَ مِن
الوِلْدانِ عندَ الولادةِ فلا يَقْتُلونهن .
وقد أَنْكَر ذلك مِن قولِهم ابنُ جُرَيْج، فقال بما حدَّثنا به القاسمُ ، قال: حدَّثنا
الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابن جريج قوله: ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ
نِسَآءَكُمْ﴾ . قال : يَسْتَرِقُون نساءً كم .
فحاد ابنُ مجرَيْج بقولِه هذا عما قاله "مَن ذكَرْنا قولَه) فى قوله: ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ
نِسَآءَكُمْ﴾. إنه اسْتِخْياءُ / الصَّبايا الأطفالِ (١)، إذ لم يَجِدْهن يَلْزَمُهن اسمُ نساءٍ،
ثم دخَل فيما هو أعظمُ مما أَنْكَر بتأويلِه ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ﴾: ويَسْترِقُون. وذلك تأويلٌ
غيرُ [١٨٧/٢] موجودٍ فى لغةٍ عربيةٍ ولا أعْجَميةٍ، وذلك أن الاسْتِحياءَ إنما هو اسْتِفْعَالٌ
مِن الحياةِ، نظيرُ الاسْتِبْقاءِ مِن البَقاءِ، والاسْتِشْقاءِ مِن السَّقّْي، وهو مِن معنى
الاسْتِرقاقِ بمعزِلٍ .
٢٧٤/١
وقد تأوَّل(٤) آخرون قولَه: ﴿يُّدَتِجُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾. بمعنى: يُذَبِّحون
رجالكم (أبناءَ آبائِكمْ). وأَتْكَروا أن يَكونَ المَذْبوحون الأطفالَ، وقد قرَن بهم
النساءَ، فقالوا: فى إخبارِ اللّهِ جل ثناؤه أن المستحيَيْن هم النساءُ، الدَّلالةُ الواضحةُ
على أن الذين كانوا يُذَبَّحون هم الرجالُ دون الصِّئْيانِ؛ لأن المُذَبَّحِين لو كانوا هم
(١) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((ولادها)).
(٢ - ٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) بعده فى ص، ر، م: ((قال)).
(٤) فى ر، م: ((قال)).
(٥ - ٥) فى م: ((آباء أبنائكم)).

٦٥٢
سورة البقرة : الآية ٤٩
الأطفالَ لَوَجَب أن يكونَ المُشْتَخْيَوْن هم الصَّبايا. قالوا: وفى إخبارِ اللهِ عز وجل
أنهم النساءُ ما يُبينُ عن (١) أن المُذَبَّحِين هم الرجالُ.
وقد أعْفَل قائلو هذه المقالةِ - مع خروجهم مِن تأويلِ أهلِ التأويلِ مِن الصحابةِ
والتابعين - موضعَ الصوابِ ، وذلك أن اللّه جل ثناؤُه قد أَخْبَر عن وَحيه إلى أمِّ موسى أنه
أمرها أن تُوضِعَ موسى ، فإذا خافت عليه أن تُلْقِيَه فى التابوتِ ، ثم تُلْقِيَه فى اليَمِّ ، فمعلومٌ
بذلك أن القومَ لو كانوا إنما كانوا(٢) يَقْتُلون الرجالَ ويَتْزُ كون النساءَ، لم يَكُنْ بأمُّ موسى
حاجةٌ إلى إلقاءِ موسى فى اليَمِّ ، أو لو أن موسى كان رجلًا لم تَجْعَلْه أمّه فى التابوتِ .
ولكن ذلك عندَنا على ما تأوَّله ابنُ عباسٍ ومَن حكَيْنا قولَه قبلُ، مِن ذبح آلٍ
فرعونَ الصِّبيانَ وتركِهم مِن القتلِ الصَّبايا. وإنما قيل: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ إِذْ()
كان الصَّبايا داخلاتٍ مع أُمهاتِهن - وأمهاتُهن لا شكَّ نساءٌ - فى الاسْتِحياءِ؛
لأنهم لم يكونوا يَقْتلون صغارَ النساءِ ولا كِبارَهن، فقيل: ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾
يعنى بذلك الوالداتِ والمولوداتِ، كما يُقالُ: قد أقبلَ الرجالُ. وإن كان فيهم
صِبيانٌ. فكذلك قولُه: ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾. وأما مِن الذكورِ فإنه لمّا لم يَكُنْ
يُذْبَحُ إلا المولودون قيل: ﴿يُذَتِجُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾ ولم يَقُلْ: يُذَبِّحون رجالكم.
٤٩
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى ذكره: ﴿ وَفِ ذَلِكُمْ بَلَآءُ مِّن ◌َزَبِّكُمْ عَظِيمٌ
قال أبو جعفرٍ: أما قولُه: ﴿وَفِ ذَالِكُمْ بَلَّءُ مِّنِ زَيِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. فإنه يعنى :
وفى الذى فعَلْنا بكم مِن إنجائِنا كم (٢) مما كنتم فيه مِن عذابِ آلِ فرعونَ إيا كم - على
(١) سقط من: ص، ر، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) سقط من : م .
(٣) فى الأصل: ((إذا)).
(٤) فى ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إنجائنا إياكم)).

٦٥٣
سورة البقرة : الآية ٤٩
ما وصَفْتُ - بلاءٌ لكم مِن ربِّكم [٨٧/٢ظ] عظيمٌ.
ويعنى بقولِه ﴿بَلَّءٌ﴾: نعمةٌ، كما حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ ، قال:
حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنى مُعاويةُ بنُ صالح، عن علىٍّ بنِ أبى طَلْحةَ، عن ابنٍ
عباسٍ قوله: ﴿بَلَّهُ مِن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. قال: نعمةٌ(١).
وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا
أشْباطُ، عن الشُّدئِّ فى قولِه: ﴿وَفِ ذَلِكُمْ بَلٌَّ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾: أما
البلاءُ فالنعمةُ(٢) .
وحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال: حدَّثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن
مُجاهدٍ: ﴿ وَفِ ذَلِكُمْ بَلَّهُ مِّن رَّيَّكُمْ عَظِيمٌ﴾. قال: نعمةٌ مِن ربّكم عظيمةٌ(٣).
حدَّثنى المثنى ، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ،
عن مُجاهِدٍ مثلَ حديثٍ سُفيانَ .
/ حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ جُرَيْج: ٢٧٥/١
﴿وَفِ ذَالِكُمْ بَلَآءُ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. قال: نعمةٌ عظيمةٌ .
وأصلُ البلاءِ فى كلامِ العربِ الاختبارُ والامتحانُ، ثم يُسْتَعْمَلُ فى الخيرِ
والشرّ؛ لأن الامتحانَ والاختبارَ قد يَكونُ بالخيرِ كما يكونُ بالشرٌّ، كما قال اللّهُ جل
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٦/١ (٥٠٧) من طريق أبى صالح به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٦/١ عقب الأثر (٥٠٧) من طريق عمرو به. وينظر ما تقدم
فى ص ٦٤٨.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٩/١ إلى وكيع. وذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٦/١ عقب الأثر
(٥٠٧) معلقا .

٦٥٤
سورة البقرة : الآيتان ٤٩، ٥٠
ثناؤُه : ﴿وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨].
يقول: اخْتَبَوناهم. وكما قال جل ثناؤه: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيِّرِ فِتْنَةً﴾
[الأنبياء: ٣٥]. ثم تُسَمِّى العربُ الخيرَ بلاءً، والشرّ بلاءً، غيرَ أن الأكثرَ فى الشرّ أن
يُقالَ: بَلَوْتُهُ أَبْلُوه بلاءً ، وفى الخيرِ: أَبْلَيْتُه أَبْلِيه إبلاءً وبلاءً . ومِن ذلك قولُ زُهَیْرِ بنِ
أبى سلمى(١):
فأبْلَاهما خيرَ البلاءِ الذى يَبْلُو
جزَى اللهُ بالإِحسانِ ما فعَلا بكم
فجمَع بينَ اللغتَيْنْ؛ لأنه أراد : فَأَنْعَم اللّهُ عليهما خيرَ النِّعَم التى يَخْتَبِرُ بها
عبادَه .
القولُ فى تأويل قولِه جلُّ وعزَّ: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾.
أما تأويلُ قولِه: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا﴾. فإنه عطفٌ على: ﴿ وَإِذْ نَّنَكُمْ﴾،
بمعنى : واذْكُروا نِعْمتىَ التى أنعمتُ عليكم، واذْكُروا إذ نَيناكم مِن آلٍ فرعونَ،
وإذ فرَقْنا بكم البحرَ.
ومعنى قوله: ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ﴾: فصَلْنا بكم البحرَ؛ لأنهم كانوا اثْنَىْ عشَرَ
سِبْطًا، ففرَّق البحرَ اثنَىْ عشَرَ طريقًا، فسلَك كلُّ سِبْطٍ منهم طريقًا منها ، فذلك
فَوْقُ اللّهِ جلَّ ثناؤُه بهم البحرَ، وفصلُه بهم بتفريقهم(١) فى طرُقِه الاثْنَىْ عشَرَ(١).
كما حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أشْباطُ ، عن الشّدىِّ:
[٨٨/٢و] لما أتَى موسى البحرَ كَنَاه أبا خالدٍ، وضرَبه فانْفَلَق ، فكان كلُّ فِرْقٍ كالطُّؤْدِ
(١) شرح ديوان زهير ص ١٠٩.
(٢) فى الأصل، ص: ((بتفرقهم).
(٣) فى الأصل: ((العشر)).

٦٥٥
سورة البقرة : الآية ٥٠
العظيم، فدخَلَت بنو إسرائيلَ، وكان فى البحرِ اثنا عشَرَ طريقًا، فى كلِّ طريقٍ
** (١)
سِبْطُ.
وقد قال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معنى قوله : ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ ﴾ : فرَقْنا
بينَ الماءِ وبينَكم، يريدُ بذلك: فصَلْنا بينكم وبينَه وحجَزْنا حيث مرَرْتُم فيه .
وذلك خلافُ ما فى ظاهرِ التلاوةِ ؛ لأن اللّهَ جلَّ ثناؤه إنما أَخْبَر أنه فرَق البحرَ
بالقومِ، ولم يُخْبِرْ أنه فرق بينَ القَوْمِ وبينَ البحرِ فِيَكونَ التأويلُ ما قاله قائلُ(٢) هذه
المقالةِ. وفرقُه البحرَ بالقوم إنما هو تفريقُه البحرَ بهم على ما وصَفْنا مِن افتراقٍ سُبْلِه(١)
بهم على ما جاءت به الآثارُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَنَّنَكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ
نَنْظُونَ
٥٠
إِن قال لنا قائلٌ: كيف غرّق اللّهُ آلَ فرعونَ ونجى بنى إسرائيلَ ؟
قيل : كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمَةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن
محمدِ بنِ كعبِ القُرَظِىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدَّادِ بنِ الهادِ ، قال: لقد ذُكِر لى أنه
خرَج فرعونُ فى طلبٍ موسى على سبعين ألفًا مِن دُهْمِ الخيلِ سوى ما فى جندِه مِن
شِيَةِ الخيلِ، وخرَج موسى حتى إذا قابَله البحرُ فلم يكنْ له عنه مُنْصَرَفٌ، طلَع
فرعونُ فى جندِه مِن خلفِهم، ﴿فَلَمَّا تَرَءَ الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا
لَمُدْرَكُونَ ﴿ قَالَ﴾ موسى ﴿كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينٍ﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢]. أى:
(١) سيأتى بتمامه فى ص ٦٨١ .
(٢) فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قائلو)).
(٣) فى ص، م: (( سبيله)).
(٤) الشِّيَة : سواد فى بياض أو بياض فى سواد . اللسان (وش ى).

٦٥٦
سورة البقرة : الآية ٥٠
للنجاةِ - وقد وعَدَنى ذلك، ولا خُلْفَ لوعدِه (١) .
٢٧٦/١
/ حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ،
قال: أوْحَى اللّهُ جلَّ وعزَّ - فيما ذُكر لى - إلى البحرِ: إذا ضرَبك موسى بعصاه
فانفلِقْ له . قال: فبات(٢) البحرُ يَضْرِبُ بعضُه بعضًا فَرَقًا(٢) مِن اللّهِ وانتظارَه(٤) أمرَه،
فأُؤْحَى اللّهُ إلى موسى: ﴿أَنِ اضْرِبِ بِّعَصَاكَ الْبَحْرٌ﴾، فضرَبه بها، وفيها
سُلطانُ اللّهِ الذى أَعْطاه، ﴿فَانْفَلَقَ(٥) فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَطَّوْدِ اَلْعَظِيمِ﴾
[ الشعراء: ٦٣]. أى: كالجبل على نَشَزِ مِن الأَرْضَِ. يقولُ اللَّهُ لموسى:
﴿ فَأَضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِىِ الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَفُ دَرَّكَا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]. فلما
اسْتَقَرَّ لهُ البحرُ على طريقٍ قائمةٍ بَسٍ سلَك فيه موسى ببنى إسرائيلَ ، وأَتْبَعه [٢]
٨٨ظ] فرعونُ بجنودِه(٨) .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن
محمدِ بنِ كعبِ القُرَظِىّ، عن عبدِ اللهِ بنِ شَدَّادِ بنِ الهادِ الليثىِّ، قال: حُدِّثْتُ أنه لما
دخَلت بنو إسرائيلَ(١)، فلم يَثْقَ منهم أحدٌ ، أقبلَ فرعونُ وهو على ◌ِصانٍ له مِن الخيلِ
(١) فى ر، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لموعوده)).
والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٢٠/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٦٩/٨ (١٥٦٥٥) من
طريق سلمة به .
(٢) فى م: ((فئاب)).
(٣) الفرق: الخوف . اللسان (ف رق).
(٤) فى م: ((انتظار)).
(٥) فى الأصل، ص: ((فانفرق )) .
(٦) فى م: ((ييس)). والنشر: المتن المرتفع من الأرض. اللسان (ن ش ز).
(٧) فى ر، م: ((لهم)) .
(٨) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٢٠/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٧٢/٨، ٢٧٧٣ (١٥٦٧٠،
١٥٦٧٧) من طريق سلمة به .
(٩) بعده فى ص، م: ((البحر)).

٦٥٧
سورة البقرة : الآية ٥٠
حتى وقَف على شَفِيرِ البحرِ ، وهو قائمٌ على حالِهِ ، فهاب الحصانُ أن يَنْقُذَ ، فعرّض له
جبريلُ عليه السلامُ على فرسٍ أنثى وَدِيقٍ (١) ، فقرَّبَها منه فشمَّها الفحلُ، فلمَّا شمَّها
قدَّمها(١)، فتقَدَّم معه (٢) الحصانُ عليه فرعونُ، فلما رأَى جندُ(٤) فرعونَ فرعونَ قد
دخَل، دخَلوا معه ، وجبريلُ أمامَه، وهم يَتْبَعون فرعونَ، وميكائيلُ على فرسٍ مِن
خلفِ القومِ يَشْخَذُهم(٥)، يقولُ: الْحَقُوا بصاحبِكم. حتى إذا فصَل جبريلُ مِن البحرِ
ليس أمامَه أحدٌ ، ووقَف مِيكائيلُ على ناحيتِه الأخرى ليس خلفَه أحدٌ ، طبَّق عليهم
البحرُ، ونادَى فرعونُ حينَ رأَى مِن سلطانِ اللهِ وقُدرتِه ما رأَى، وعرَف ذلَّه(٦)،
وخَذَلَتْه نفسُه -: ﴿("لَا إِلَهَ إِلَّ الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ، بَنُواْ إِسْرَّهِيلَ وَأَنّأْ مِنَ
(٨)
اُلْمُسْلِمِينَ﴾ [ يونس: ٩٠].
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أُخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن أبى
إسحاقَ الهَمْدانيّ، عن عمرو بنٍ مَيْمونِ الأُؤْدِىِّ فى قوله: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ
فَأَنَّنَكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ﴾. قال: لمّ خرَج موسى يبنى إسرائيلَ
بلَغ ذلك فرعونَ ، فقال : لا تَتْبَعوهم حتى يَصِيحَ الديكُ. قال: فواللهِ ما صاح ليلتئذٍ
ديكٌ حتى أصْبَحوا ، فدعا بشاةٍ فذُبِحَت ، ثم قال : لا أَفْرُغُ مِن كبدِها حتى يَجْتَمِعَ
إِلىَّ ستُمائة ألفٍ مِن القِبْطِ . فلم يَفْرُعُ مِن كبدِها حتى اجتمع إليه ستُّمائة ألفٍ من
(١) الفرس الوديق: هى التى تشتهى الفحل . النهاية ١٦٨/٥.
(٢) فى م: ((تبعها))، وقدَّمها: أى زجرها وأمرها بالتقدم. ينظر اللسان (ق د م).
(٣) فى م: (( معها)).
(٤) فى الأصل: ((جنود))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((خيل)).
(٥) فى م: ((يسوقهم)). ويشحذهم يسوقهم بمعنى.
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((زلته)).
(٧ - ٧) فى ر، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((آمنت بالذى))، وفى م: ((آمنت أنه لا إله إلا الذى)).
(٨) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٤٢٠، ٤٢١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٧٥/٨، ٢٧٧٦
(١٥٦٨٧) من طريق سلمة به .
( تفسير الطبرى ٤٢/١ )

٦٥٨
سورة البقرة : الآية ٥٠
القبطِ ، ثم سار، فلما أتى موسى البحرَ قال له رجل من أصحابِه يُقالُ له : يُوشَعُ بنُ
نُونٍ : أين أمَرَكْ ربُّك يا موسى؟ قال: أمامَك. يُشِيرُ إلى البحرِ، فأقْحَم يُوشَعُ فرسَه
فى البحرِ حتى بلَغ الغَمْرَ ، فذهَب به ، ثم رجَع، فقال: أين أمَرَك ربُّك يا موسى؟
فواللهِ ما كذَبْتَ ولا كُذِبْتَ، ففعَل ذلك ثلاثَ مراتٍ، ثم أُوْحَى اللّهُ إلى موسى:
﴿ أَنِ أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرِّ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَطَّوْرِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: مثلَ
جبلٍ. ثم سار موسى ومَن معه، وأنْبَعَهم فرعونُ فى طريقهم، حتى إذا تَتَامُّوا فيه
أَطْبَقه اللّهُ عليهم، فلذلك قال: ﴿وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ﴾. قال
مَعْمَرٌ: قال قتادةُ: كان مع موسى ستُمائةِ ألفٍ ، وأَتْبَعَه فرعونُ على ألفِ ألفٍ
ومائتى(٣) ألفٍ حِصانٍ (٣).
حدَّثنا عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشَّارِ الَّمَادىُّ، قال:
حدَّثنا سفيانُ ، قال: قال (أبو سعدٍ)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : أوْحَى
٢٧٧/١ اللّهُ إلى موسى أن أشرٍ بعبادى [٥٨٩/٢] / ليلًا إنكم متبعون . قال : فسرَی موسی ببنى
إسرائیلَ ليلًا ، فاتبعهم فرعونُ فى ألفِ الفِ حصانٍ سِوَی الإناثِ ، و کان موسی فی
ستِّمائة ألفٍ ، فلمَّا عايَنَهم فرعونُ ، قال: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْدِمَةٌ قَلِلُونَ ﴿﴿ وَلِنَّهُمْ لَنَا
(١) الغمر: معظم البحر. تاج العروس (غ مر).
(٢) فى م: ((مائة)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ٤٥/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٦/١، ١٠٧ (٥٠٨) عن الحسن بن
يحيى به . وأخرجه أيضا ٢٧٧١/٨ (١٥٦٦٧) من طريق إسرائيل، عن أبى إسحاق به ، ببعضه. وينظر تاريخ
المصنف ٤١٤/١.
وأخرج ابن أبى حاتم أيضا ٢٧٧٤/٨، ٢٧٧٥ (١٥٦٨٢، ١٥٦٨٦) من طريق يونس وإسرائيل ، عن أبى
إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن ابن مسعود نحوه .
(٤ - ٤) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((أبو سعيد)). وينظر ما تقدم فى ص ٦٤٧ .

٦٥٩
سورة البقرة : الآية ٥٠
وَإِنَّا لَجَمِيعُ حَذِرُونَ﴾ [ الشعراء: ٥٤ - ٥٦]. فسرَى موسى ببنى إسرائيلَ
لَغَافِظُونَ
حتى هجَموا على البحرِ، فالْتَفَتوا، فإذا هم برَهَج (١) دوابٌ فرعونَ فقالُوا: يا موسى:
أُوَذِينَا مِن قَبْلٍ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: ١٢٩]. هذا البحرُ
أمامَنا، وهذا فرعونُ قد رَهِقَنا (٢) بِمَن معه: ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ
وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِ اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: ١٢٩]. قال: فَأَوْحَى اللّهُ
جل ثناؤه إلى موسى ﴿ أَنِ اضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرِّ﴾. وأَوْحَى إلى البحرِ أنِ اسْمَعْ
لموسى، وأَطِعْ إذا ضرّبك. قال: فبات(٢) البحرُ له أَفْكَلٌ - يعنى: له رِعْدةٌ - لا
يَدْرِى مِن أَىِّ جَوانِهِ يَضْرِبُه. قال: فقال يُوشَعُ لموسى: بماذا أُمِرْتَ؟ قال: أُمِوْتُ أن
أَضْرِبَ البحرَ. قال: فاضْرِبْه . قال : فضرَب موسى البحرَ بعصاه، فانْفَلَق، فكان
فيه اثنا عشَرَ طريقًا، كلُّ طريقٍ كالطَّوْدِ العظيم، فكان لكلِّ سِبْطٍ منهم طريقٌ
يَأْخُذون فيه ، فلمَّا أَخَذوا فى الطريقِ ، قال بعضُهم لبعضٍ : ما لنا لا نَرَى أصحابَنا؟
قالوا لموسى : أين أصحابُنا لا نَرَاهم ؟ قال : سِيروا فإنهم على طريقٍ مثلٍ طريقِكم.
قالوا : لا نَوْضَى حتى نَرَاهم .
قال سفيانُ : قال عمارُ الدُّهْنُ: قال موسى : اللهمَّ أعِنِّى على أخلاقِهم
السيئةِ . قال: فأوْحَى اللهُ إليه أن قُلْ بعصاك هكذا. وأؤْمَأْ إبراهيمُ بيدِه يُدِيرُها على
البحرِ ، قال موسى بعصاه على الحيطانِ هكذا، فصار فيها كِواءٌ) يَنْظُرُ بعضُهم إلى
بعض .
(١) الرهج: الغبار. اللسان (رهـ ج).
(٢) رهق فلان فلانا: تبعه فقارب أن يلحقه. اللسان (ر هـ ق).
(٣) فى م: ((فتاب)).
(٤) فى م: كوى. وكواء وكُوَّى: جمع كُوَّة، وهى الخرق فى الحائط. اللسان (ك وى).

٦٦٠
سورة البقرة : الآية ٥٠
قال سفيانُ: قال أبو سعدٍ (١)، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ: فساروا حتى
خرَجوا مِن البحرِ ، فلما جازآخِرُ قومٍ موسى هجَم فرعونُ على البحرِ هو وأصحابُه،
وكان على فرسٍ أدهمَ ذَنُوبٍ (١) حِصانٍ، فلما هجَم على البحرِ هاب الحِصانُ أن
يَتَقَخَّمَ (١) فى البحرِ ، فمثَل له جبريل عليه السلامُ على فرسٍ أنثى وَدِيقٍ، فلما رآها
الحِصانُ تَقَخَّم خلفَها، وقيل لموسى: انْؤُكِ البحرَ رَهْوًا - قال: طُرُقًا على حالِه -
قال: ودخَل فرعونُ وقومُه البحرَ، فلمَّا دخَل آخِرُ قومٍ فرعونَ، وجاز آخرُ قومٍ
موسى ، أَطْبَق البحرُ على فرعونَ وقومِه فأُغْرِقوا(٤) .
وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسْباطُ ، عن
الشّدىِّ، أن اللّهَ أمَر موسى أن يَخْرُجَ ببنى إسرائيلَ، فقال: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا
إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾. فخرَج موسى [٨٩/٢] وهارونُ فى قومِهما، وأُلْقِى على القِيْطِ
الموتُ، فمات كلُّ بِكْرٍ رَجُلٍ، فَأَصْبَحوا يَدْفِنونهم، فشُغِلوا عن طلبِهم حتى طلَعَت
الشمسُ، فذلك حينَ يقولُ اللّهُ جل وعزَّ: ﴿فَأَتْبَعُوهُم ◌ُشْرِقِينَ﴾ . وكان موسى
على سَاقةِ بنى إسرائيلَ، وكان هارونُ أمامَهم يَقْدُمُهم، فقال المؤمنُ لموسى: يا نبيَّ
اللّهِ ، أين أُمِرْتَ؟ قال: البحرَ. فأراد أن يَقْتَحِمَ ، فمنَعه موسى ، وخرج موسى فى
ستِّمائةٍ ألفٍ وعشرين ألفَ مُقاتِلٍ - لا يَعُدُّون ابنَ العشرين لصِغَرِه، ولا ابنَ الستين
لِكِبَرِهِ، وإنما عَدُّوا ما بينَ ذلك سوى الذريةِ ، وتبعهم فرعونُ على مُقَدِّمتِه هامانُ فی
ألفِ ألفٍ وسبعمائة ألفِ حِصانٍ ، ليس فيها مادِيانةٌ (١ - يعنى الأنثى - وذلك حينَ
(١) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((سعيد)). وينظر ما تقدم فى ص ٦٤٧.
(٢) الذنوب: وافر شعر الذنب. النهاية ٢ / ١٧٠.
(٣) فى م: ((يقتحم)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨/ ٢٧٧١، ٢٧٧٣ (١٥٦٦٥، ١٥٦٧٥) من طريق ابن عيينة به ،
مختصرا. وينظر ما سيأتى فى ص ٦٦٩ - ٦٧١.
(٥) فى الأصل: ((ماذيانه))، وفى م: ((ماذبانه))، وفى ت ١، ت ٣: ((مادبانه))، وفى ت ٢: ((ماربانه)) .=