Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
سورة البقرة : الآية ٤٥
وَالصَّلَوةَ﴾. قال: يَقولُ: اسْتَعينوا بالصبرِ والصلاةِ على مَرْضاةِ اللّهِ، واعْلَموا أنهما
مِن طاعةِ اللهِ تعالى ذكرُه(١).
/ وقال ابنُ مجرَيْج بما حدَّثنا به القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى ٢٦١/١
حجاجٌ، قال: قال ابنُ مجرَيْج فى قوله: ﴿ وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾. قال:
إنهما مَعونتان على رحمةِ اللهِ(٢) .
وحدَّثنى يُونُسُ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةَ﴾ الآية. قال: قال الْمُشْرِكون: واللّهِ يا محمدُ إنك
لَتَدْعُونا إلى أمرٍ كبيرٍ. قال: إلى الصلاةِ والإيمانِ باللّهِ(٣).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه : ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِينَ
٤٥
قال أبو جعفرٍ: يعنى جلّ وعزّ بقولِه: ﴿ وَإِنَّهَا﴾: وإن الصلاةَ. والهاءُ والألفُ
فى ﴿ وَإِنَّهَا﴾ عائدتان على الصلاةِ .
وقد قال بعضُهم: إن قوله: ﴿ وَإِنَّهَا﴾. بمعنى: إن إجابةَ محمدٍ عَ لَّه .
ولم [٧٨/٢ظ] يَجْرِ لذلك بلفظِ الإجابةِ ذِكْرٌ فتُجْعَلَ الهاءُ والألفُ كنايةً عنه ، وغیرُ
جائزٍ تركُ الظاهرِ المفهومِ مِن الكلامِ إلى باطنٍ لا دَلالةَ على صحتِه .
ويعنى بقولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ لَكَبِيرَةٌ﴾: لَشديدةٌ ثقيلةٌ .
كما حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يزيدُ(٤)، قال: أَخْبَرَنا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٢/١ (٤٨١) من طريق آدم به .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٢٤/١، عن ابن جريج .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٨/١ إلى المصنف.
(٤) فى م: (( ابن زيد)).

٦٢٢
سورة البقرة : الآية ٤٥
جُوَئِيرٌ، عن الضحاكِ فى قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ﴾. قال: إنها
الثقيلةٌ(١).
ويعنى بقوله: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ﴾: إلا على الخاضِعين لطاعتِه، الخائِفِين
سَطَواتِه ، المُصَدِّقِين بوعده ووَعِيدِه .
کما حدَّثنی المثنى بنُ إبراهيمَ ، قال: حدّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنی
معاويةُ بنُ صالح، عن علىٍّ بنِ أبى طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ﴾:
يعنى المُصَدِّقين بما أَنْزَل اللّهُ(٢).
وحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا آدمُ العَشْقلانيُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن
الربيع، عن أبى العاليةِ فى قوله: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ﴾: يعنى الخائِفين(١).
وحدَّثنى مُحمَّدُ بنُ عَمْرٍو(٤) قال: حدَّثنا أبو عاصم، قالٍ: حدَّثنا (° عيسى، عن
ابنِ أبى نجيح، عن مُجاهدٍ: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ﴾. قال: المؤمنين حقًّا (٦).
وحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةً، قال: حدَّثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجِيحٍ،
عن مُجاهدٍ مثلَه .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٣/١ (٤٨٧) معلقا عن يزيد به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٣/١ (٤٨٩) من طريق عبد اللّه بن صالح به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٣/١ (٤٩١) من طريق آدم به .
(٤) فى م: (( جعفر)).
(٥ - ٥) فى م: ((سفيان عن جابر)).
(٦) تفسير مجاهد ص ٢٠١ ، ومن طريقه عبد بن حميد - كما فى تغليق التعليق ١٧٢/٤ - وابن أبى حاتم
فى تفسيره ١٠٣/١ (٤٩٠) وينظر تفسير الثورى ص ٤٥.

٦٢٣
سورة البقرة : الآيتان ٤٥، ٤٦
وحدّثنی یونُسُ بنُ عبدِ الأُعلَی ، قال : أخبرنا ابنُ وهب قال: قال ابنُ زيدٍ :
الخشوعُ الخوفُ والخشيةُ للهِ عز وجل. وقرَأْ قولَ الله تبارك وتعالى: ﴿خَشِعِينَ مِنَ
الذَّلِ﴾ [الشورى: ٤٥]. قال: قد أَذَلَّهم الخوفُ الذى نزَل بهم وخشَعوا له .
وأصلُ الخشوعِ التَّواضعُ والتَّذللُ والاسْتِكانَةُ، ومنه قولُ الشاعرٍ (١):
سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ
لمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبِيرِ تواضَعَتْ
يعنى : والجبالُ خُشَّعٌ مُتَذَلِلةٌ لِعِظَمِ المُصيبةِ بِفَقْدِه .
فمعنى الآيةِ : واستَعِينوا أيُّها الأحبارُ مِن أهلِ الكتابِ بحبسٍ أنفسِكم على
طاعةِ اللهِ جل وعز، وكفِّها عن مَعاصى اللّهِ ، وبإقامةِ الصلاةِ المانعةِ مِن الفَحْشاءِ
والمُكرِ، المُقُرّبةِ مِن رضا اللهِ ، العظيمةِ إقامتُها إلا على المُتَّواضِعِين للّهِ المُسْتَكِينين
لطاعتِه المُذَلِّلِين مِن مَخافِهِ .
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُونَ﴾
٢٦٢/١
قال أبو جعفرٍ : إن قال لنا قائلٌ: وكيف أخْبَر اللّهُ جلَّ وعزَّ عمَّن قد
وصَفه [٢/ ٧٩و] بالخشوع له بالطاعةِ أنه يَظُنُّ أنه مُلاقِيه، والظنّ شكٌّ، والشاكُ فى
لقاءِ اللّهِ جلَّ ثناؤه عندَك باللّهِ كافرٌ؟
قيل : إن العربَ قد تُسَمِّى اليقينَ ظنًّا، والشكَّ ظنًّا، نظيرَ تسميتِهم الظَّلمةَ
◌ُدْفَةً، والضياءَ شُدفةً ، والمُغيثَ صارخًا ، والمُسْتَغِيثَ صارخًا، وما أشْبَهَ ذلك مِن
الأسماءِ التى تُسمّى بها الشىءَ وضدَّه، ومما يَدُلَّ على أنه يُسَمَّى به اليقينُ، قولُ دُرَيْدِ
ابنِ الصِّمَّةِ() :
(١) هو جرير، والبيت فى ديوانه ٢/ ٩١٣.
(٢) الأصمعيات ص ١٠٧، وشرح ديوان الحماسة ٢/ ٨١٢.

٦٢٤
سورة البقرة : الآية ٤٦
سَراتُهمُ(١) فى الفارسيِّ المُسَرَّدِ(٢)
فقلتُ لهم ظُنُّوا بأَلْفَىْ مُدَجَّجٍ
يعنى بذلك : تَيَقُّنوا ألفَىْ مُدَجَّج تأتيكم .
وقولُ عَمِيرةَ بنِ طارقٍ(٣) :
وأَجْعَلَ منى الظنَّ غَيْبًا مُرَجَمَا
بأن تَغْتَزوا(٤) قومى وَأَفْعُدَ فيكم
يعنى: وأجْعَل منى اليقينَ غيبًا مُرَجَّمًا .
والشواهدُ مِن أشعارِ العربِ وكلامِها على أن الظنَّ فى معنى اليقينِ أكثرُ مِن أن
تُخْصَى، وفيما ذكَرْنا لَمَن ◌ُفِّق لفهمِه كِفايةٌ .
ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُم ◌ُّوَافِعُوهَا﴾
[الكهف: ٥٣]. وبمثلِ الذى قلْنا فى ذلك جاء تفسيرُ المُفُسِّرِين.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المُنَّى بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا آدمُ ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ ،
عن أبى العاليةِ فى قوله: ﴿ يَطُّونَ أَنَهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ﴾. قال: الظنّ ههنا يقينٌ(٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن
(١) السراة: جمع سرى ، والسرى الرئيس، وهو جمع عزيز لا يكاد يوجد له نظير؛ لأنه لا يجمع فعيل على
فعلة . المصباح (س ر ی).
(٢) السّرد: اسم جامع للدروع وسائر الحلق، والمسرد: تداخل الحلق بعضها فى بعض. اللسان (س ر د).
(٣) الأضداد لابن الأنبارى ص ١٤، والنقائض ٧٨٥/٢،٥٣/١.
(٤) فى الأصل: ((تعتزوا))، وفى م: ((يعتزوا))، وفى ت ١، ت ٢: ((تعبروا)). وغير منقوطة فى ص والمثبت
من مصادر التخريج .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤٩٣) من طريق آدم به .

٦٢٥
سورة البقرة : الآية ٤٦
جابرٍ، عن مُجاهدٍ، قال: كلُّ ظنٍّ فى القرآنِ يَقيْنٌ، ﴿إِنّ ◌َظَنَنْتُ ﴾ [الحاقة: ٢٠]،
و﴿ظَنُّواْ﴾(١).
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ الحَفَرُّ، عن
سفيانَ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ ظٍّ فى القرآنِ فهو عِلْمُ(١).
حدَّثنی موسى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أَشْباطُ ،
عن الشّدِّىِّ: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَهُم مُّلَقُواْ رَبِهِمْ﴾: أمَّا ﴿ يَظُنُّونَ﴾ فَيَسْتَثْقِنون(٣).
حدَّثنى القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاجٌ، قال : قال ابنُ
جُرَيْجِ: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ﴾: علِموا أنهم ملاقو ربِّهم. قال: هى
كقوله: ﴿إِّ ◌َنْتُ أَنِّ مُكَقٍ حِسَايَةٍ﴾. يقولُ: عِلِمْتُ (٤).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللهِ :
﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ﴾. قال: لأنهم لم يُعاينوا، فكان ظنُّهم يقينًا ،
وليس ظنًّا فى شكِّ. [٢/ ٧٩ظ] وقرأ: ﴿ إِنّ ◌َنَنْتُ أَنّ مُكٍَ حِسَانِيَةٍ﴾.
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَيِهِمْ ﴾
٢٦٣/١
قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿مُلَقُواْ رَتِهِمْ﴾. فأُضِيف
المُلاقون إلى الربِّ جلَّ وعزَّ، وقد علِمْتَ أن معناه: الذين يَظُنُّون أنهم يَلْقَوْن ربَّهم؟
وإذا كان المعنى كذلك، فمِن كلام العربِ تركُ الإضافةِ وإثباتُ النونِ ، وإنما تُشْقِطُ
(١) ذكره ابن كثير فى التفسير ١٢٥/١ عن المصنف.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٢٦/١ عن المصنف. وقال ابن كثير: وهذا سند صحيح. وأخرجه الثورى
فى تفسيره ص ٤٥، قال : قال مجاهد ...
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٤/١ عقب الأثر (٤٩٤) من طريق عمرو به .
( تفسير الطبرى ٤٠/١ )
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٢٦/١ عن ابن جريج .

٦٢٦
سورة البقرة : الآية ٤٦
النونَ وتُضِيفُ فى الأسماءِ المبْنِيَّةِ مِن الأفعالِ إذا كانت بمعنى ((فَعَل))، فأما إذا كانت
بمعنى (( يَفْعَل))، و((فاعِل ))، فشأنُها إثباتُ النونِ وتركُ الإضافةِ .
قيل : لا تَدَافُعَ بينَ جميع أهلِ المعرفةِ بلغاتِ العربِ وأَلْشُنِها فى إجازةِ إضافةِ الاسم
الَنىِ من ((فَعَل)) و((يفعَلُ))، وإسقاطِ النونِ، وهو بمعنى ((يَفْعَل))، و((فاعِل)) - أغْنِى
بمعنى الاسْتِقْبالِ وحالِ الفعلِ - ولما يَنْقَضِ، فلا وجه لمسألةِ السائلِ عن ذلك لمَ قيل.
وإنما اخْتَلَفِ أهلُ العربيةِ فى السببِ الذى مِن أجلِهِ أُضِيفَ وَأُسْقِطَت النونُ؛
فقال نخوتُّو البصرةِ: أَسْقِطَت النونُ مِن ﴿مُلَقُواْ رَبِهِمْ﴾ وما أُشْبَهَه مِن الأفعالِ التى
فى لفظِ الأسماءِ، وهى فى معنى ((يفعل))، أو فى ١٢ معنى ما لم يَنْقَضِ من
الفعل١) ، اسْتِثْقالًا لها، وهى مُرادةٌ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ
اٌلْوَّتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وكما قال: ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِتْنَةٌ لَّهُمْ﴾ [القمر:
٢٧]. ولمَّا يُؤْسِلْها بعدُ، وكما قال الشاعرُ:
هل أنتَ باعثُ دينارٍ لحاجتِنا أوَ عبدَ رَبِّ أخا عَوْنِ بنِ مِخْراقٍ
فأضاف ((باعث(٤))) إلى ((الدينارِ)) ولمَّا يَبْعَثْ، ونصَب ((عبدَ ربِّ)) عطفًا
على موضعِ ((دينارٍ))؛ لأنه فى معنى(٥) نصبٍ وإن خُفِض، وكما قال الآخر(١):
يَأْتِيهِمُ مِن وَرائِهِم نَطَفُ(٧)
والحافظو عورةِ العَشِيرةِ لا
(١) فى ص، ر، م: ( وفى)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، ر، م.
(٣) الكتاب لسيبويه ١/ ١٧١، وذكر الاختلاف فى نسبته فى الخزانة ومما قيل: إنه مصنوع. ثم قال: والله
أعلم بالحال . الخزانة ٢١٩/٨.
(٤) فى الأصل، م، ت ١، ت ٢: ((باعثا)).
(٥) فى م: (موضع)) .
(٦) الكتاب ١٨٦/١، وينظر الخلاف فى نسبته فى الخزانة ٢٨٣/٤.
(٧) النطف : العيب والشر والفساد . القاموس المحيط (ن ط ف).

٦٢٧
سورة البقرة : الآية ٤٦
بنصبٍ ((العورةِ)) وخفضِها، فالخفضُ على الإضافةِ، والنصبُ على حذفٍ
النونِ اسْتِثْقالا وهى مُرادةٌ . وهذا قولُ نخونِّى البصرةِ .
وأما نحويُّو الكوفةِ فإنهم قالوا: جائزٌ فى ﴿مُلَقُواْ رَبِّهِمْ ﴾ الإضافةُ ، وهو فى
معنى ((يَلْقَوْن))، وإسقاطُ النونِ منه؛ لأنه فى لفظِ الأسماءِ، فله فى الإضافةِ إلى
الأسماءِ حظُّ الأسماءِ، وكذلك حكمٌ [٢/ ٨٠و] كلُّ اسم كان له نَظيرًا . قالوا : وإذا
أَثْبِتت فى شىءٍ من ذلك النونُ وتُركت الإضافةُ ، فإنما تفعلُ ذلك به لأن له معنى
((يفعل)) الذى لم يكنْ ولم يَجِبْ بعدُ. قالوا: فالإضافةُ فيه للفظِ، وتركُ الإضافةِ
للمعنى .
فتأويلُ الآيةِ إذن : واسْتَعِينوا على الوَفاءِ بعَهْدى بالصبرِ عليه والصلاةِ ، وإن
الصلاةَ لكبيرةٌ إلا على الخائِفِين عِقابى، المتُواضِعِين لأُمْرِى، المُوقِنِين بلِقائى والرجوعِ
إلىَّ بعدَ تَماتِهم .
وإنما أخْبَرِ اللّهُ جل ثناؤه أن الصلاةَ كبيرةٌ إلا على مَن هذه صفته؛ لأن مَن كان
غيرَ مُوقِنٍ بَمَعادٍ ، ولا مُصَدِّقٍ بَمَرْجِعٍ ولا ثَوابٍ ولا عِقابٍ، فالصلاةُ عندَه عَناءٌ
وضَلالٌ؛ لأنه لا يَرْجُو بإقامتها إدراكَ نفعٍ، ولا دفعَ ضُرٍّ، وحُقَّ لمن كانت هذه
الصفةُ صفته أن تكونَ الصلاةُ عليه كبيرةً ، وإقامتُها عليه ثقيلةً ، وله فادحةً .
وإنما حقَّت على المؤمنين المُصَدِّقِين بلقاءِ اللّهِ عزَّ وجلَّ، الراچِين عليها جَزِيلَ
ثَوابِه ، الخائِفين بتَضْييعِها أليمَ عقابِهِ، لِمَا يَرْجُون بإقامتِها فى مَعادِهم مِن الوصولِ
إلى ما وعَد اللّهُ عليها أهلَها، ولِمَا يَحْذَرون بتَضْبِيعِها / ما أَوْعَد مُضَيِّعِيها. فأمَرِ اللّهُ ٢٦٤/١
تعالى ذكرُه أحبارَ بنى إسرائيلَ الذين خاطَبهم بهذه الآياتِ أن يَكونوا مِن مُقِيمِيها ،
الراجين ثوابَها ، إذا كانوا أهلَ يقينٍ أنهم إلى اللّهِ جلَّ وعزَّ راجِعون ، وإياه فى القيامةِ
مُلاقُون .

٦٢٨
سورة البقرة : الآيتان ٤٧،٤٦
(٤٦
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ
قال أبو جعفرٍ: والهاءُ والميمُ اللتان فى قولِه: ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ مِن ذكرِ الخاشِعِين،
والهاءُ التى فى ﴿إِلَيْهِ﴾ مِن ذكرِ الربِّ جلَّ وعزَّ فى قولِه: ﴿قُلَقُواْ رَبِّهِمْ﴾
فتأويلُ الكلمةِ: وإنها لكبيرةٌ إلا على الخاشِعينِ المُوقِنِينِ أنهم إلى ربِّهم
راجعون .
ثم اخْتُلِف فى تأويلِ ((الرجوع)) الذى فى قوله: ﴿ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾؛
فقال بعضُهم بما حدَّثنى به المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ ، قال: حدَّثنا أبو
جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ فى قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾. قال:
يَسْتَئِقِنون أنهم يَرْجعون إليه يومَ القيامةِ () .
[٨٠/٢ظ] وقال آخرون: معنى ذلك أنهم إليه يَرْجعون بموتِهم.
وأولى التأويلَيْ بالآيةِ القولُ الذى قاله أبو العاليةِ ؛ لأن اللّهَ جلَّ ثناؤه قال فى الآية
التى قبلَها: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَحْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ
يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]. فأخْبَر جلَّ ثناؤه أن مَرْجِعَهم إليه بعد
نَشْرِهم وإحيائِهِم مِن قَماتِهم، وذلك لاشكَّ يومَ القيامةِ، فكذلك تأويلُ قولِه :
﴿ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ .
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَءِيلَ أَذْكُرُوْ نِعْمَتِىَ الَّتِىّ أَنْعَمْتُ
عَلَيْكُمْ﴾ .
قال أبو جعفر : وتأويلُ ذلك فى هذه الآيةِ نظيرُ تأويله فى التى قبلَها فى قولِه :
﴿أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَّتِىِ أَنْعَمْثُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٌّ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ . وقد ذكَرْتُه
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٤/١ (٤٩٥) من طريق آدم به .

٦٢٩
سورة البقرة : الآية ٤٧
(١)
هنالك
.
٤٧١
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل وعز: ﴿ وَأَنِي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ
قال أبو جعفرٍ: وهذا أيضًا مما ذكَّرهم اللَّهُ جل جلالُهُ مِن آلائِه ونعمِه عندَهم .
ويَعْنِى بقولِه: ﴿ وَأَنِ فَضَّلْتُّكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾: أنى فضَّلْتُ أَسْلافَكم. فَنَسَب نِعَمَه
على آبائِهم وأسْلافِهم إلى أنها نِعَمٌ منه عليهم؛ إذ كانت مآثِرُ الآباءِ مآثِّرَ للأبناءِ،
والنعمُ عندَ الآباءِ نِعَمًا عند الأبناءِ؛ لِكونِ الأبناءِ مِن الآباءِ. وأُخْرَج جل ذكرُه قولَه :
﴿ وَأَتِ فَضَّلْتُّكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ مُخْرَجَ العُمومِ وهو يُريدُ به خصوصًا؛ لأن المعنى :
وأنى فضَّلْتُكم على عالَم مَن كنتم بينَ ظَهْرَیه وفى زمانِه .
كالذى حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى الصَّنْعانىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ ،
عن مَعْمٍَ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ،
عن قتادةً: ﴿ وَأَنِي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ قال: فضَّلهم على عالَمِ ذلك الزمانِ(٣).
حدَّثنى المثنى ، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى
العاليةِ: ﴿ وَأَنِ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾. قال: بما أُعْطُوا مِن المُلُّكِ والرّسلِ والكتبِ
على عالَم مَن كان فى ذلك الزمانِ ، فإن لكل زمان عالمً(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا [٨١/٢ر] أبو عاصم، قال: حدَّثنا
عيسى، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مُجاهِدٍ، قال: على مَن هم بينَ ظَهْرَانَيْهُ(٤).
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٥٩٣ .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٤٤/١، ٤٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٨/١ إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤٩٧) من طريق آدم به .
(٤) تفسير مجاهد ص ٢٠١ ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٨/١ إلى عبد بن حميد.

٦٣٠
سورة البقرة : الآية ٤٧
/ حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنٍ
جُرَيْج، قال: قال مُجاهِدٌ فى قولِه: ﴿ وَأَنِ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ قال : على مَن هم
بِينَ ظَهرَانَتْهُ(١).
وحدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهب ، قال : سأَلْتُ ابنَ زيدٍ عن
قولِ اللّهِ جل ثناؤه: ﴿ وَأَنِ فَضَّلْتَّكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾. قال: عالَم ذلك الزمانِ. وقرَأُ قولَ
اللّهِ تبارك وتعالى: ﴿ وَلَقَدٍ أُخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]. قال:
هذه لمَن أطاعَه واتَّبَع أمرَه، وقد كان فيهم القِرَدةُ، وهم أَبْغَضُ خلقِه إليه . قال :
وقال لهذه الأمةِ: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. قال: هذه
لمن أطاعه وائَّبَع أمرَه جل وعز واجْتَنَب مَحارمَه .
قال أبو جعفر: والدليلُ على صحةٍ ما قلْنا مِن أن تأويلَ ذلك على الخصوصِ
الذى وصَفْنا ما حدَّثنى به يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، وحدَّثنا الحسنُ
ابنُ يحيى ، قال : أُخْبَرَنا عبد الرزاقِ ، قال : أُخْبَرَنا مَعْمَرٌ ، جميعًا عن بَهْزِ بنِ حَكيمٍ،
عن أبيه، عن جدَّه، قال: سمِعْتُ رسولَ اللّهِ مَّمِ يقولُ: ((أَلَا إِنَّكم وَفَّيْتُم سَبْعين
أُمَّةً)): قال يعقوبُ فى حديثه: ((أنْتُم آخِرُها)). وقال الحسنُ: ((أنْتُم خَيْرُها وأْرَمُها
على اللَّهِ)) .
فقد أَنْبَأ هذا الخبرُ عن النبيِّ عَّهِ أن بنى إسرائيل لم يكونوا مُفَضَّلِين على أمةٍ
محمدٍ عليه الصلاةُ والسلامُ، وأن معنى قوله: ﴿ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [الجاثية:
٢٦]. وقوله: ﴿ وَأَنِ فَضَّلْتَّكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾. على ما بيَّنا مِن تأويله، وقد أتَتِنا على
بيانِ تأويلٍ قولِه: ﴿ اٌلْعَلَمِينَ﴾. بما فيه الكفايةُ فى غيرِ هذا الموضع، فأغْنَى ذلك عن
(١) فى الأصل، ص: ((ظهریه)) .
٢٦٥/١

٦٣١
سورة البقرة : الآية ٤٨
إعادته(١).
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه : ﴿ وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾.
وتأويلُ قولِه: ﴿ وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾: واتَّقوا يومًا لا
تَجْزِى فيه نفسٌ عن نفس شيئًا. وجائزٌ أيضًا أن يَكونَ تأويلُه: واتَّقُوا يومًا لا تَجْزِيه
نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، كما قال الراجزُ(٢):
قد صبَّحَتْ صبَّحَها السلامُ
بِكَبِدٍ خالَطَها سَنامُ
فى ساعةٍ يُحَبُّها الطَّعامُ
وهو يعنى: يُحَبُّ فيها الطعامُ. فَحُذِفَت [٨١/٢ظ] الهاءُ الراجعةُ على
((اليوم))؛ إذ فيه اجتزاء بما ظهَر مِن قوله: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ﴾ الدالِّ على
المحذوفِ منه - عما حُذِف؛ إذ كان معلومًا معناه .
وقد زعم قومٌ مِن أهلِ العربيةِ أنه لا يَجوزُ أن يَكونَ المحذوفُ فى هذا الموضع إلا
الهاءَ .
/ وقال آخرون: لا يجوزُ أن يكونَ المحذوفُ إلا ((فيه)).
٢٦٦/١
وقد دلَّلْنا فيما مضى على جَوازِ حذفٍ كلِّ ما دل الظاهرُ من الكلام)
(٤)
عليه(٤).
(١) ينظر ما تقدم فى ص ١٤٤ .
(٢) الرجز فى الكامل للمبرد ٣٤/١.
(٣ - ٣) سقط من: ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) ينظر ما تقدم فى ص ١٣٩ .

٦٣٢
سورة البقرة : الآية ٤٨
وأما المعنى فى قوله: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُّ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾. فإنه تحذيرٌ
مِن اللّهِ تعالى ذكرُه عبادَه الذين خاطَبَهم بهذه الآيةِ، عقوبتَه أن تَحِلِّ بهم يومَ
القيامة ، وهو اليومُ الذی لا تجزِی فیه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، ولا يَجْزِی فیه والدّ عن
ولدِه، ولا مولودٌ هو جازٍ عن والدِه شيئًا .
وأما تأويلُ قولِه: ﴿لَّا تَجْزِى نَفْسُ﴾. فإنه يعنى: لا تُغْنِى.
كما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ ،
عن السُّدِّىِّ: ﴿ وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾: أما ﴿ تَجْرِى﴾ فَتُغْنِى(١).
وأصلُ الجزاءِ فى كلام العربِ القَضاءُ والتَّغْوِيضُ، يقالُ: جزَيْتُه قَرْضَه ودَيْنَه ،
أَجْزِيه جَزاءً . بمعنى: قضَيْتُه دَيْنَه . ومِن ذلك قيل: جزَى اللّهُ فلانًا عنى خيرًا أو شرًّا .
بمعنى : أثابه عنى، وقضاه عنى ما لزِمنى له بفعله الذى سلَف منه إلىّ .
وقد قال قومٌ مِن أهلِ العلم بلغةِ العربِ: يُقالُ: أْزَيْتُ عنه كذا . إذا أَعَنْتَه
عليه، وجزَيْتُ عنك فلانًا . إذا كافَأْتَه.
وقال آخَرون منهم: بل : جزَيْتُ عنك: قضَيْتُ عنك، وأَجْزَيْتُ : كَفَيْتُ .
وقال آخَرون منهم: بل هما بمعنَى واحدٍ ، يُقالُ: جزَتْ عنك شاةٌ وأجْزَتْ ،
وجزَى عنك درهم وأُجْزَى، ولا تَجْزِى عنك شاةٌ ولا تُجْزِى. بمعنِّى واحدٍ. إلا أنهم
ذكروا أنَّ: جزَت عنك، ولا تُجْزِى عنك، مِن لغةِ أهلِ الحجازِ، وأن: أْزَأُ وتُجْزِئُ،
مِن لغةٍ غيرِهم . وزعَموا أن تميمًا خاصَّةٌ مِن بين قبائل العربِ تقولُ : أجْزَأَتْ عنك
شاةٌ ، وهى تُجْزِئُ عنك .
وزعَم آخَرون أن ((جَزَى)) بلا همزٍ: قضَى، و((أجْزَأ)) بالهمزِ: كافَاً .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٤/١ (٤٩٨) من طريق عمرو بن حماد به .

٦٣٣
سورة البقرة : الآية ٤٨
فمعنى الكلام إذن : واتَّقُوا يومًا لا تَقْضِى نفسٌ عن نفسِ شيئًا ، ولا تُغْنِى عنها
غِنَّى .
فإن قال قائلٌ: وما معنى: لا تَقْضِى نفسٌ عن نفسٍ شيئًاً ) ، ولا تُغْنِى عنها
غِنِّى ؟
قيل: هو أن أحدَنا اليومَ رَّما قضَى عن ولدِه أو والدِه أو ذى الصَّداقةِ والقَرابةِ
دَيْنَه، وأما فى الآخرةِ - فإنه فيما أتَتْنا به الأخبارُ [٢/ ٨٢و] عنها - يَسُرُّ الرجلَ أن
يَبْرُدَ(١) له على ولدِه أو والدِه حقٌّ، وذلك أن قضاءَ الحقوقِ فى القيامةِ مِن الحسناتِ
والسيئاتٍ .
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ونصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأُؤْدىُّ، قالا(٣): حدّثنا
المحاريىُ، عن أبى خالدِ الدالانيّ(٤) يزيدَ بنِ عبدِ الرحمن، عن زيدِ بنِ أبِى أُنْيْسةً، عن
سعيدِ بنِ أبى سعيدِ المَقَبُرىِّ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللّهِ عَ له: ((رَحِمَ اللَّهُ
عَبْدًا كانت عندَه لأَخِيهِ مَظْلِمَةٌ فِى عِرْضٍ - قال أبو كُرَيْبٍ(٥) فى حديثه : أو مَالٍ -
جاءَه(٦) فاسْتَحَلَّهُ قبلَ أَن يُؤْخَذَ منه وليس ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمْ، فإِن كانت له حَسَنَاتٌ
أَخَذُوا مِن حَسَنَاتِهِ، وإن لم تكنْ لَه حَسَنَاتٌ حَمَلُوا عليه من سَيِّئَاتِهم)) (١).
(١) سقط من ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) برد لى حقى على فلان: وجب ولزم وثبت. تاج العروس (ب ر د).
(٣) فى ر، م: ((قال)).
(٤) فى م: ((الدولابی)).
(٥) فى م: ((بكر)).
(٦) فى م، ت١، ت٢: ((أو جاه)).
(٧) أخرجه الترمذى (٢٤١٩) عن نصر بن عبد الرحمن به. وأخرجه الترمذى أيضا، وأبو يعلى (٦٥٣٩) من
طريق المحاربى به. وأخرجه الطيالسى (٢٤٤٠، ٢٤٤٦)، وأحمد ٣٧٧/١٥، ٣٣٧/١٦ (٩٦١٥،
١٠٥٧٣)، والبخارى (٢٤٤٩) من طريق سعيد المقبرى به.

٦٣٤
سورة البقرة : الآية ٤٨
وحدَّثنى أبو عثمانَ الْمُقُدَّميُّ، قال: حدَّثنا الفَرَوىُّ (١)، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن
المَقْبُرِىِّ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ عَِّ بنحوِهِ(١).
حدَّثْنَا خَلَّادُ بنُّ أَسْلَمَ ، قال: حدَّثنا أبو همامِ الأُهْوازىُّ، قال: أَخْبَرَنا عبدُ اللّهِ
ابنُ سعيدٍ، عن سعيدٍ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ يَِّ بنحوِه.
٢٦٧/١
/ حدَّثنى موسى بنُ سهلِ الرَّمْلُّ، قال: حدَّثنا نُعَيْمُ بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا
عبدُ العزيزِ الدَّراوَزدىُّ، عن عمرو بنِ أبى عمرٍو، عن عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال :
قال رسولُ اللّهِ مَّهِ: ((لا يَمُوتَنَّ أحدُكم وَعليه دَيْنٌ، فَإِنَّه ليس هناك دِينارٌ ولا
دِرْهَمٌ؛ إِنَّمَا تَقْتَسِمُون هُناك(٢) الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ)). وأشار رسولُ اللّهِ مَّه بيدِه
يمينًا وشمالاً .
حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا سلمُ بنُ قادم، قال: حدَّثنا أبو معاويةً
هاشمُ بنُ عيسى، قال: أُخْبَرَنى الحارثُ بنُ مُسلم، عن الزهرىِّ، عن أنسٍ بنٍ
مالكٍ، عن رسولِ اللّهِ مَّهِ بنحوِ حديث أبى هريرةً(٤) .
قال أبو جعفرٍ: فذلك معنى قوله: ﴿لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾. يعنى أنها
(١) فى ر، م، ت ٣: ((القروى)). وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٤٧١.
(٢) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣٤٤/٦ من طريق إسحاق بن محمد الفروى به .
وأخرجه ابن حبان (٧٣٦٢) من طريق خالد بن أبى يزيد ، عن زيد بن أبى أنيسة ، عن مالك به .
وخالفه أبو خالد الدالانى ، فرواه عن زيد ، عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة ، كما سبق .
وأصحاب مالك يروونه عنه، عن سعيد، عن أبى هريرة. أخرجه البخارى (٦٥٣٤)، وغيره. وينظر علل
الدار قطنى ٣٥٦/١٠ - ٣٥٨، ومسند الطيالسى (٢٤٤٠).
(٣) فى ر، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((هنالك)).
(٤) إِسناده ضعيف ؛ هاشم بن عيسى ، هو ابن أبى هريرة ، قال العقيلى: منكر الحديث ، وهو وأبوه مجهولان
بالنقل . وأخرجه الطبرانى فى الأوسط (٥١٥٩) عن محمد بن الحسين الأنماطى، عن سلم به . وينظر المجمع
٣٥٥/١٠ .

٦٣٥
سورة البقرة : الآية ٤٨
لا تَقْضِى عنها شيئًا لزِمها لغيرِها؛ لأن القَضاءَ هنالك مِن الحسناتِ والسيئاتِ على ما
وصَفْنا. وكيف يَقْضِى عن غيرِهِ غُرْمًا (١) لزِمه مَن كان يَشُرُّه أن يَثْبُتَ له على ولدِه أو
والدِهِ حٍّ فيَأْخُذَه منه ولا يَتَجافَى له عنه؟
وقد زعم بعضُ نحوِّى البصرةِ أن معنى قوله: ﴿لَّا تَجْزِى نَفْسُّ عَن نَّفْسٍ
شَيْئًا﴾ : لا تَجْزِى منها أن تكونَ مكانَها .
وهذا قولٌ يَشْهَدُ ظاهرُ القرآنِ على فَسادِه؛ وذلك أنه غيرُ معقولٍ فى كلامِ
العربِ أن يَقولَ القائلُ: مَا أَغْنَيْتَ عنى شيئًا. [٢/ ٨٢ظ] بمعنى: ما أَغْنَيْتَ منى أن
تكونَ مكانى. بل إذا أرادوا الخبرَ عن شىءٍ أنه لا يَجْزِى مِن شىءٍ ، قالوا : لا يَجْزِى
هذا مِن هذا. ولا يَسْتَجِيزون أن يقولوا: لا يَجْزِى هذا مِن هذا شيئًا .
فلو كان تأويلُ قولِهِ: ﴿لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَنْ نَّفْسِ شَيْئًا﴾. ما قاله مَن حكَيْنا
قولَه، لقال: واتَّقوا يومًا لا تَجْزِى نفسٌ عن نفسٍ. كما يقالُ: لا تَجْزِى نفسٌ مِن
نفسٍ. ولم يَقُلْ: ﴿لَا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾. وفى صحةِ التنزيلِ بقوله: ﴿لَّا
تَجْزِى نَفْسُ عَنْ نَّفْسِ شَيْئًا﴾ أوضحُ الدَّلالةِ على صحة ما قلنا ، وفسادٍ قولٍ مَن ذكَوْنا
قوله فى ذلك .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: و((الشَّفاعةُ)) مصدرٌ مِن قولِ الرجلِ: شفَع لى فلانٌ إلى فلانٍ
شَفاعةً . وهو طلَبُه إليه فى قضاءِ حاجتِه، وإنما قيل للشفيعِ: شَفيعٌ وشافعٌ . لأنه ثنَّى
الْمُسْتَشْفِعَ به(٢) ، فصار له شَفْعًا، وكان ذو الحاجةِ قبلَ اسْتِشْفاعِه به فى حاجتِهِ فَردًا ،
-
(١) فى ر، م: ((ما))، وفى ت ٢، ت ٣: ((عن ما)).
(٢) فى م: ((له)).

٦٣٦
سورة البقرة : الآية ٤٨
فصار صاحبه له فيها شافعًا ، وطلبه فیه وفی حاجتهِ شَفاعةً ، ولذلك سُمِّی الشفیُ فی
الدارِ والأرضِ شفيعًا؛ لمصيرِ البائعِ به شَفْعًا .
فتأويلُ الآيةِ إذن : واتَّقوا يومًا لا تَقْضِى نفسٌ عن نفس حقًّا لزِمها للّهِ عزَّ وجلَّ
ولا لغيره، ولا يَقْبَلُ اللّهُ منها شفاعةً شافع، فيَتْرُكَ لها ما لزِمها مِن حقٌّ .
وقيل : إن الله جل ثناؤه خاطَب أهلَ هذه الآيةِ بما خاطَبهم به فيها ؛ لأنهم كانوا
مِن يهودٍ بنى إسرائيلَ، وكانوا يقولون: نحن أبناءُ اللّهِ وأَحَاؤُه وأولادُ أنبيائِه،
وسيَشْفَعُ لنا عندَه آباؤنا. فَأُخْبَرَهم اللّهُ تعالى ذكرُه أن نفسًا لا تَجْزِى عن نفسٍ شيئًا
فى القيامةِ ، ولا يُقْبَلُ منها شفاعةُ أحدٍ فيها حتى يُسْتَؤْفَى لكلِّ ذى حقٍّ منها حقُّه.
كما حدَّثنى عباسُ بنُ أبى طالبٍ، قال: حدَّثنا حجاجُ بنُّ نُصَيْرٍ، عن شعبةً،
عن العَوَّامِ بنِ مُزَاحِمٍ(١) - / رجلٌ مِن بنى قيسٍ بِنِ ثَعْلَبَةَ - عن أبى عثمانَ النَّهْدئِّ،
عن عثمانَ بنِ عفانَ، أن رسولَ اللّهِ مَ لَّهِ قال: ((إِنَّ الجَمَّاءَ لَتَقْتَصُّ مِن القرْنَاءِ يَوْمَ
(٢)
القيامةِ »(٢) .
٢٦٨/١
وكما قال اللّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَ نُظْلَمُ
(١) هكذا فى النسخ، وهو قول ابن معين. وفى ر: ((مراحم)). والصواب: مراجم. بالراء والجيم. ينظر
المؤتلف للدارقطنى ٤/ ٢٠٧٨، وتعجيل المنفعة ٢/ ٨٨.
(٢) إسناده ضعيف ؛ حجاج بن نصير ضعيف . وأخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ٥٤٢/١
(٥٢٠)، والبزار (٣٨٧)، والعقيلى فى الضعفاء ٢٨٥/١، وابن عدى فى الكامل ٦٤٩/٢، والدارقطنى فى
العلل ٦٤/٣ من طرق عن حجاج بن نصير به .
وأخرجه العقيلى ٢٨٥/١، ٢٨٦، وابن عدى ٢/ ٦٥٠، والدار قطنى ٦٥/٣ من طريق غندر، عن العوام،
عن أبى السليل، عن سلمان ، موقوفًا . وهو الصواب . قال ابن عدى: قال لنا ابن صاعد: وليس هذا من حديث
عثمان عن النبى معَّته، إنما رواه أبو عثمان، عن سلمان من قوله. وينظر العلل لابن أبى حاتم (٢١٤٢، ٢١٦٦)،
وعلل الدار قطنى .
ومعناه فى صحيح مسلم (٢٥٨٢) عن أبى هريرة مرفوعا .

٦٣٧
سورة البقرة : الآية ٤٨
نَفْسُُّ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرَدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧] .
فَآَيَسَهم اللّهُ جل ذكرُه مما كانوا أَطْمَعوا فيه أنفسَهم مِن النجاةِ مِن عذابٍ
اللّهِ - [٨٣/٢و] مع تكذييهم بما عرَفوا مِن الحقِّ، وخلافِهم أمرَ اللهِ تعالى ذكره فى
اتباعِ محمدٍ عَ ◌ٍّ، وما جاءهم به مِن عندِه - بشفاعةِ آبائهم وغيرِهم مِن الناسٍ
كلِّهم، وأخْبَرَهم أنه غيرُ نافعِهم عندَه إلا التوبةُ إليه مِن كفرِهم، والإنابةُ مِن
ضَلالِهم ، وجعَل ما سنَّ فيهم مِن ذلك إمامًا لكلُّ مَن كان على مِثل منهاجِهم ؛ لئلا
يَطْمَعَ ذوو الإلحادِ فی رحمةِ اللهِ .
قال أبو جعفر: وهذه الآيةُ وإن كان مَخْرَجُها عامًّا فى التِّلاوةِ ، فإن المرادَ بها
خاصّ فى التأويلِ؛ لتَظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ عَمِ أنه قال: ((شَفَاعَتِى لَأَهْلِ
الكَبَائِرِ مِن أُمَّتِى))(١). وأنه قال: ((ليس مِن نَبِىِّ إِلَّ وقد أُعْطِىَ دَغْوَةً، وإنّى احْتَبَأْتُ
دَعْوَتَى شَفَاعَةً لِأُمَّتِى، وهى نائِلَةٌ منهم من لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا))(٢). فقد تبَيَّ بذلك
أن اللّهَ جل ثناؤه قد يَصْفَحُ لعبادِه المؤمنين بشفاعةِ نبيّنا محمدٍ عَ لِّ لهم عن كثيرٍ مِن
عُقوبةِ إِجْرامِهم بينهم وبينَه ، وأن قولَه: ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ﴾. إنما هى لمن مات
على كفرِه غيرَ تائبٍ إلى اللّهِ عز وجل. وليس هذا مِن مَواضِع الإطالةِ فى القول فى
الشَّفاعةِ والوَعْدِ والوَعيدِ فتَشْتَقْصِىَ الحِجاجَ فى ذلك، وسنأتى على ما فيه الكفايةُ
فى مَواضِعِه إن شاء اللّه تعالى.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾
قال أبو جعفرٍ: و((العَدْلُ)) فى كلامِ العربِ - بفتح العينِ - الفِذْيةُ .
(١) أخرجه الطيالسى (٢١٣٨)، وأحمد ٤٣٩/٢٠ (١٣٢٢٢)، وأبو داود (٤٧٣٩)، والترمذى
(٢٤٣٥)، وغيرهم من حديث أنس .
(٢) أخرجه البخارى (٦٣٠٤، ٧٤٧٤)، ومسلم ( ١٩٨، ١٩٩) من حديث أبى هريرة بنحوه .

٦٣٨
سورة البقرة : الآية ٤٨
كما حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: أنبأنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو
جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ: ﴿ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ قال: يعنى
(١)
فِداءٌ .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا
أشْباطُ، عن الشُّدىِّ: ﴿ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾: أما ﴿ عَدْلٌ﴾ فَيَعْدِلُها ، مِن
العَدْلِ. يقولُ: لو جاءت بملْءِ الأرضِ ذهبًا تَفْتَدِى به ما تُقُبِّل منها .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾. قال : لو جاءت بكلِّ شىءٍ لم يُقْبلْ
(٢)
منها(٢) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيْجٍ،
قال: قال مُجاهِدٌ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾. قال: بَدَلٌ، والبَدَلُ
يـ (٣)
الفِدْيةُ(٣) .
حدَّثنی یونُسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب، قال : قال ابنُ زيدٍ :
وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾. قال: لو أن لها مِلْءَ(٤) الأرضِ ذهبًا لم يُقْبَلْ منها؛ لم
يُؤْخَذْ منهاْ فِداءٌ. قال: ولو جاءَت بكلِّ شىءٍ لم يُقْبَلْ منها .
حدَّثنا نَجِيحُ بنُ إبراهيمَ ، قال: أخبرنا علىُ بنُ حَكيم، قال : أخبرنا حُميدُ بنُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٥/١ (٥٠١) من طريق آدم به .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٤٥/١ .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٨/١ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤) فى ص: ((مثل)).
(٥ - ٥) سقط من: ر، م.
٠٠

٦٣٩
سورة البقرة : الآية ٤٨
عبد الرحمن، عن أبيه، / عن [٨٣/٢ظ] عمرٍو بن قيسِ المُلَائىٌّ، عن رجلٍ مِن بنى ٢٦٩/١
أُميةَ مِن أهلِ الشامِ، أَحْسَن عليه الثناءَ، قال: قيل: يا رسولَ اللّهِ ، ما العَدْلُ؟ قال:
(( العَدْلُ الفِذْيَةُ))(١).
قال أبو جعفر : وإنما قيل للفِذْيةِ مِن الشىءِ والَبدَلِ منه: عَدْلُه ؛ لمعادَلتِه إياه وهو
مِن غيرِ جنسِه، ومَصِيرِه له مثلًا مِن وَجهِ الجَزَاءِ، لا مِن وجهِ المشابهةِ فى الصورةِ
والخِلْقةِ، كما قال تعالى ذكره: ﴿ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ .
[الأنعام: ٧٠]. بمعنى: وإن تَقْدِ كلَّ فِذْيةٍ لا يُؤْخَذْ منها. يقالُ منه: هذا عَدْلُه
وعَدِيلُه . وأما العِدْلُ - بكسرِ العينِ - فهو مِثْلُ الحِعْلِ المَحمولِ على الظهرِ، يقالُ
مِن ذلك : عندى غلامٌ عِدْلُ غُلامِك، وشاةٌ عِدْلُ شاتِك. بكسر العينِ ، إذا كان
غلامًا يَعْدِلُ غلامًا، وشاةً تَعْدِلُ شاةً، وكذلك ذلك فى كلِّ مثْلِ للشىءٍ مِن
جنسِه، فإذا أُريد أن عندَه قيمتَه مِن غيرٍ جنسِه نُصِبَت العينُ ، فقيل: عندى عَدْلُ
شاتِك مِن الدراهم. وقد ذُكِر عن بعضِ العربِ أنه يَكْسِرُ العينَ مِن العَدْلِ الذى هو
بمعنى الفِديةِ " والمعادلةِ) ما عادلَتْه مِن جهةِ الجَزَاءِ؛ وذلك لتَقارُبِ معنى العَدْلِ
والعِدْلِ عندَهم . وأما واحدُ الأَعْدالِ فلم يُشْمَعْ فيه إلا عِدْلٌ بكسرِ العينِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿وَلَ هُمْ يُنْصَرُونَ
٤٨٠
وتأويلُ قولِه جلَّ جلاله: ﴿ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ . يعنى: إنهم يومَئذٍ لا يَنْصُرُهم
ناصرٌ، كما لا يَشْفَعُ لهم شافعٌ، ولا يُقْبَلُ منهم عَدْلٌ ولا فِديةٌ، بَطَلَت
هنالك المحاباةُ، واضْمَحَلَّت الرّشَا والشَّفاعاتُ، وازْتَفَع مِن القومِ التعاوُنُ
(١) إسناده ضعيف ؛ عمرو بن قيس من أتباع التابعين ، وشيخه مجهول . وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٦٨/١ إلى المصنف. وينظر تفسير ابن كثير ١٢٧/١.
(٢ - ٢) فى ر، م، ت٢: ((لمعادلة))، وفى ت١، ت٣: ((المعادلة)).

٦٤٠
سورة البقرة : الآيتان ٤٨، ٤٩
والتَّناصُرُ، وصار الحُكمُ إلى العَدلِ الجَارِ الذى لا يَنْفَعُ لديه الشُّفَعَاءُ
والنُّصَراءُ، فَيَجْزِى بالسيئةِ مثلَها، وبالحسنةِ أَضْعافَها، وذلك نظيرُ قولِه جل
مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ﴿ بَلَ هُ الْيَوْمَ
ثناؤه: ﴿وَقِفُوْ لَِهُم ◌َّسْئُولُونَ
مُسْتَسْلِمُونَ ﴾ [الصافات: ٢٤ - ٢٦].
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ فى معنى: ﴿لَا نَصَرُونَ﴾. ما حُدِّثْتُ به عن
المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضَّخَاكِ ، عن ابنِ
عباسٍ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَصَرُونَ﴾: ما لكم (١) لا تَمَانَعون منا، هَيْهاتَ(١) ، ليس ذلك
(٣)
لكم اليوم(٣).
وقد قال بعضُهم فى معنى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: وليس لهم مِن اللّهِ يومئذٍ
نَصِيرٌ يَنْتَصِرُ لهم مِن اللّهِ إذا عاقَّتَهم .
وقد قيل: ﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ بالطلبِ فيهم والشَّفاعةِ والفِدْيةِ .
قال أبو جعفرٍ: [٨٤/٢ ر] والقولُ الأولُ أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لما وصَفْنا مِن أن اللّهَ
جل ثناؤه إنما أَعْلَم المخاطَبِين بهذه الآيةِ أن يومَ القيامةِ يومٌ لا فِذْيةَ فيه(٤) لمن اسْتَحَقَّ مِن
خلقه ◌ُقوبته، ولا شفاعةً فیه، ولا ناصر له، وذلك أن ذلك قد كان لهم فى الدنيا ،
فأخْبَر أن ذلك يومَ القيامةِ مَعْدومٌ لا سبيلَ لهم إليه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ وعزَّ : ﴿ وَإِذْ نَيَّنَكُمْ مِنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ ﴾
•
(١) بعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((اليوم)).
(٢) فى الأصل: ((أيهات))، على إبدال الهاء همزة، مثل هراق وأراق .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٣/٥ إلى المصنف.
(٤) سقط من: ص، ر، م، ت١، ت٢، ت٣.