Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١
سورة البقرة : الآية ٣٠
فإن قال قائلٌ : فإن كان أوْلَى التأويلاتِ بالآيةِ هو ما ذكَرْتَ، مِن أن الله تعالى
ذِكْرُهِ أَخْبَر الملائكةَ بأن ذريةَ خليفتِهِ فى الأرضِ يُفسِدون فيها ويَسفِكون فيها
الدماءَ، فمِن أجلِ ذلك قالتِ الملائكةُ: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾. فأين ذِْرُ
إخبارِ اللَّهِ تعالى ذِكْرُه إياهم بذلك [٤٤/٢ظ] فى كتابِهِ؟
٢١٠/١
قيل له: اكْتُفى بدَلالةِ ما قد ظهَر مِن الكلام عليه عنه، كما قال الشاعر:
" فلا تَدْفِنونى إنَّ دَفْنِى مُحَرَّمٌ) عليكم ولكنْ خامِرِى(٢) أَّ عامٍ
فحذَف قولَه : دعُونى للتى يُقالُ لها ( إذا أُريدُ) صيدُها: خامِرِى أَّ عامٍ(٥).
إذا كان فيما ظهَر مِن كلامِه دلالةٌ على معنى مرادِه، فكذلك ذلك فى قوله: ﴿ قَالُوا
أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ لمّا كان فيه دلالةٌ على ما ترَك ذكرَه بعد قوله ﴿ إِنِ
جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ مِن الخبرِ عما يَكونُ مِن إفسادِ ذريته فى الأرضِ ، اكْتَفَی
بدلالتِه ، فحذَف وترَك ذِكْرَه، كما ذكّرْنا مِن قولِ الشاعرِ ، ونظائرُ ذلك فى القرآنِ
وأشعارِ العربِ و کلامها أکثر من أن يُخصی ، فلِمَا ذگونا مِن ذلك(١) اختَوْنا ما اخترنا
مِن القولِ فى تأويل قوله: ﴿قَالُواْ أَتَّجَعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاَءَ ﴾.
(١) فى نسبة البيت خلاف، وأكثر الرواية تنسبه إلى الشَّنْفَرى - ينظر الشعر والشعراء ١/ ٨٠، والأغانى
٢١/ ١٨٢، وشرح الحماسة للمرزوقى ٤٨٧/٢، وأمالى ابن الشجرى ٣٦٠/١ - وبعضها ينسبه إلى
تأبط شرا. ينظر الحيوان ٦/ ٤٥٠، وأمالى المرتضى ٧٣/٢.
(٢ - ٢) رواية الحيوان: فلا تقبرونى إن قبرى محرم.
(٣) رواية الأصفهانى، والمرزوقى: ((أبشرى)).
(٤ - ٤) فى م: ((عند)).
(٥) أم عامر هى الضبع، ويضرب بها المثل فيُشَبَّه بها الأحمق فيقال: خامرى أم عامر، ينظر عقلاء المجانين
ص ٢٥، ٢٦، ومجمع الأمثال ١/ ٤٢٢.
(٦) بعده فى ص: (( ما ذكرنا)).
٥٠٢
سورة البقرة : الآية ٣٠
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبْحُ بِحَمْدَِ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.
أما قولُه: ﴿ وَحْنُ نُسَمِّحُ بِحَمْدِكَ﴾. فإنه يَعْنِى: إنا نعظّمُك بالحمدِ لك
والشكرِ، كما قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَسَبِّحْ مَحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣]. وكما
قال: ﴿ وَالْمَلَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ﴾ [الشورى: ٥]. وكلُّ ذكرٍ للَّهِ عندَ العربِ
فَتَسْبيحٌ وصلاةٌ ، يقولُ الرجلُ منهم: قضَيْتُ سُبْحَتِى مِن الذكرِ والصلاةِ. وقد
قيل : إن التسبيحَ صلاةُ الملائكةِ .
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرِ بنِ أبى المغيرةِ ، عن
سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: كان النبىُّ ◌َهِ يُصَلِّى، فمرَّرجلٌ مِن المسلمين على رجلٍ مِن
المنافقين، فقال له: النبىُّ عَّ له يُصَلَّى وأنت جالسٌ! فقال له: امْضٍ إلى عملِك إن
كان لك عملٌ . فقال: ما أَظُنُّ إِلا سيَمُرُ عليك مَن يُنْكِرُ عليك . فمرَّ علیه عمرُ بنُ
الخطابِ، فقال له: يا فلانٌ، النبىُ عَّهِ يُصَلِّى وأنت جالسٌ! فقال له مثلَها،
فقال: هذا مِن عمَلى. فوثَب عليه، فضرَبه حتى انْتَهَر (١)، ثم دخَل المسجدَ ، فصلَّى
مع النبيِّ يَ ◌ّهِ، فلما انْفَتل النبىُّ عَ لَّه قام إليه عمرُ، [٤٥/٢ر] فقال: يا نبيَّ اللَّهِ،
مرَرْتُ آنفًا على فلانٍ وأنت تُصَلِّى، فقلتُ له: النبىُّ بِّهِ يُصَلِّى وأنت جالسٌ!
فقال: مُؤَّ(٤) إلى عملِك إن كان لك عملٌ. فقال النبيُّ ◌َِّ: ((فَهَلَّ ضَرَبْتَ عُثْقَةُ)) .
فقام عمرُ مُشْرِعًا، فقال: ((ياعمرُ، ارجِعْ، فإن غضبَك عِزٌّ، ورضاك محُكم، إن للَّهِ
(١ - ١) فى ر: ((نسبح بحمدك)).
(٢) السبحة : الدعاء ، وصلاة التطوع، والنافلة . التاج ( س ب ح) .
(٣) فى ص، ت١، ت٢: ((ابتهر))، وفى م: ((انتهى)). والبُهرُ: انقطاع النفس من الإعياء، وقد انبهر
وابتهر : أى تتابع نَفَسه. التاج (ب هـ ر) .
(٤) فى م: ((سر)).
٥٠٣
سورة البقرة : الآية ٣٠
فى السماواتِ السبع ملائكةً يُصلُّونَ له غِنَّى (١) عن صلاةٍ فُلانٍ)). فقال عمرُ:
يا نبيَّ اللَّهِ، وما صلاتُهم؟ فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، فأتاه جبريلُ، فقال: يا نبىَّ اللَّهِ،
سأَلَك عمرُ عن صلاةِ أهلِ السماءِ؟ قال: ((نَعَمْ)). قال: اقْرَأْ على عمرَ السلامَ،
وأخْبِرْه أن أهلَ سماءِ الدنيا سجودٌ إلى يومِ القيامةِ يَقُولون: سبحانَ ذى المُكِ
والملكوتِ. وأهلَ السماءِ الثانيةِ ركوعٌ(١) إلى يومِ القيامةِ يَقُولون: سُبْحانَ ذى(١)
العزةِ والجَبَروتِ . وأهلَ السماءِ الثالثةِ قيامٌ إلى يومِ القيامةِ يقولون: سبحانَ الحىِّ
الذى لا يموتُ(٤).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وسهلُ بنُ موسى الرازىُّ، قالا: حدَّثنا ابنُ عُلَيَةً ،
قال: أَخْبَرَنا الجُزَيْرُّ، عن أبى عبدِ اللَّهِ الجَشْرىِّ، عن عبدِ اللهِبن الصامتِ ، عن أبى
ذَرٍّ ، أن رسولَ اللَّهِ وَِّ عادَه - أو أن أبا ذَرّ عاد النبيَّ ◌َّهِ - فقال: يارسولَ اللَّهِ،
بأبى أنت، / أُّ الكلام أحبُّ إلى اللَّهِ جل وعز؟ فقال: ((ما اصطَفى اللَّهُ لملائكتِه؛ ٢١١/١
سبحانَ ربي وبحمدِه، سبحانَ رِّی وبحمدِه))(٥) .
فى أشكالٍ لما ذكَوْنا مِن الأخبارِ ، كرِهْنا إطالةَ الكتابِ باسْتِقْصائِها .
(١) فى الأصل: (غَناء)). وهما بمعنى.
(٢) فى الأصل، ص، ر: ((قيام)).
(٣) كذا فى الأصل، م، والحلية، وكتب فوقه فى الأصل: ((رب)) وفى ص، ر، ت١،
ت ٢ : ((رب )).
(٤) إسناده مرسل، ولا يصح وصله. أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٢٧٧/٤ من طريق ابن حميد به .
وأخرجه ابن عساكر فى تاريخه ص ٦٢ ( ترجمة عمر طبعة الرسالة ) من طريق يعقوب به ، مختصرا .
وأخرجه ابن عدى ٦/ ٢٢٨٩، وابن عساكر ص ٦١، ٦٢ من طريق يعقوب ، عن جعفر، عن سعيد، عن
ابن عباس ، وعن أنس ، مختصرا. وصوب ابن عدى المرسل .
(٥) أخرجه الترمذى (٣٥٩٣) من طريق ابن علية به. وأخرجه أحمد ١٤٨/٥، ١٦١، ١٧٦ (الميمنية)،
ومسلم (٢٧٣١)، من طرق عن الجريرى به نحوه. وينظر العلل للدار قطنى ٢٤٥/٦، ٢٤٦.
٥٠٤
سورة البقرة : الآية ٣٠
وأصلُ التسبيح للَّهِ عندَ العربِ التنزيهُ له مِن إضافةٍ ما ليس مِن صفاتِه إليه ،
والتثْرِئَةُ له مِن ذلك، كما قال أعْشَى بنى ثَعْلبةً (١):
أَقُولُ لمَّا جاءنى فخْرُه
سبحانَ مِن عَلْقَمةَ الفاخِرِ
يريدُ: سبحانَ اللَّهِ مِن فْرٍ علقمةً. أى: تنزيهًا(٢) للَّهِ مما أتَى علقمةُ مِن
الافْتِخارِ. على وجهِ النكيرِ(٣) منه لذلك.
وقد اختَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك التسبيحِ والتقْدِيسٍ فى هذا الموضعِ؛
فقال بعضُهم: قولُهم(٤): ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾: نُصَلِّى لك.
ذكرُ مَن قال ذلك
[٤٥/٢ظ] حدَّثنی موسى، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن
السدىِّ فى خبرٍ ذكره عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ
الهمدانيٌ، عن ابنٍ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ عَ لِ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
بِحَيْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ﴾ قال: يَقُولون(٥): نُصَلِّى لك(١).
وقال آخرون: نُسَبِّحُ لك التسبيحَ المعلومَ .
(١) ديوانه ص ١٤٣.
(٢) فى ر: (( تبرئة)).
(٣) فى ص، ر: ((التكبر))، ت ٢: ((التنكير)).
(٤) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢: ((قوله)).
(٥) فى الأصل: ((يقول)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٦/١ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة. وأخرجه ابن أبى
حاتم فى تفسيره ٧٩/١ (٣٣٠) من طريق عمرو، عن أسباط ، عن السدى من قوله .
٥٠٥
سورة البقرة : الآية ٣٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةً فى قوله: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾. قال: التسبيحُ: التسبيح(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَّ﴾.
والتقْديسُ هو التطهير والتعظيمُ، ومنه قولُهم : سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ. يعنى بقولهم :
سُبُوحٌ. تنزيهٌ للَّهِ جلَّ وعزَّ، وبقولِهم: قُدُّوسٌ. طهارةٌ له وتعظيمٌ. ولذلك قيل
للأرضِ : أرضٌّ مُقَدَّسةٌ. يعنى بذلك المُطَهَّرةَ.
فمعنى قولِ الملائكةِ إذن: ﴿ وَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدَِ﴾: نُتَزِّهُك ونُبَّتُك مما
يُضيفُه إليك أهلُ الشركِ بك، ونُصَلِّى لك. ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَّ﴾. نَنْسِبُّك إلى ما هو
مِن صفاتِك من الطهارةِ من الأدناسِ، وما أضاف إليك أهلُ الكفرِ بك .
وقد قيل: إن تقديسَ الملائكةِ لربِّها صلاتُها له، كما حدَّثنا به الحسنُ بنُ
يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ فى قولِه :
وَنُقَدِّسُ لَكَّ﴾. قال: التقديسُ: الصلاةُ(٢) .
وقال بعضُهم: ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَّ﴾: نُعَظِّمُكُ ونُمَجِّدُك.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا هاشمُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو
(١) تفسير عبد الرزاق - كما فى الدر المنثور ٤٦/١ - وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٩/١ (٣٢٩) عن
الحسن بن يحيى به . وعزاه السيوطى إلى عبد بن حميد .
(٢) تفسير عبد الرزاق - كما فى الدر المنثور ٤٦/١ - وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٩/١ (٣٣٢) عن
الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطى إلى عبد بن حميد .
٥٠٦
سورة البقرة : الآية ٣٠
سعيدِ المُؤدِّبُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، عن أبى صالح فى قوله: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكُّ﴾. قال: نُعَظِّمُك وَثُمَجِّدُكُ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصم، قال: حدَّثنى عيسى،
وحدَّثنى المُنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِئْلٌ، جميعًا عن ابن أبى
تَجِيح، عن مُجاهِدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَتُقَدِّسُ لَكُ﴾. قال: نُعَظِّمُك
وتُكَّوكَ(٢).
[٤٦/٢ و] / حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن ابنٍ
إسحاقَ: ﴿وَغَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكْ﴾: لا نعصِى ولا نأتى شيئًا
تَکرهُه(٣) .
٢١٢/١
مُحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبى روقٍ ، عن الضحاكِ فى قولِه :
( وَنُقَدِّسُ لَكٌ﴾. قال: التقديسُ: التطهيرُ(٤).
وأما قولُ مَن قال: التقديسُ: الصلاةُ، أو(١) : التعظيمُ. فإن معنى قولِه ذلك
راجعٌ إلى نحوٍ (١) المعنى الذى ذكَرْنا مِن التطهيرِ، من أجلِ أن صلاتَها لربِّها تعظيمٌ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ص ١١٣ (٣٣٤، ٣٣٥ - تحقيق د.أحمد عبد الله العمارى) من طريق
سفيان ، عن إسماعيل به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٦/١ إلى عبد بن حميد .
(٢) تفسير مجاهد ص ١٩٩، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ص ١١٣ (٣٣٣ - تحقيق د.أحمد
عبد الله العمارى) من طريق ابن أبى نجيح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٦/١ إلى عبد بن حميد.
وينظر تفسير الثورى ص ٤٤.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٠٣/١، وتقدم بتمامه فى ص ٤٩٦.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ١٠٣، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٩/١ (٣٣١) عن أبى زرعة، عن
منجاب، عن بشر، عن أبى روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس .
(٥) فى ر، ت ١، ت ٢: (( و)).
(٦) سقط من : ر، م.
٥٠٧
سورة البقرة : الآية ٣٠
منها له، وتطهيرٌ مما يَنسِبُه إليه أهلُ الكفرِ به .
ولو كان(١) مكانَ: ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَّ﴾: ونُقَدِّسُك. كان فصيحًا مِن الكلامِ،
وذلك أن العربَ تقولُ: فلانٌ يُسَبِّحُ اللَّهَ وَيُقَدِّسُه، ويُسَبِّحُ للَّهِ وَيُقَدِّسُ له.
بمعنّى واحدٍ، وقد جاء بذلك القرآنُ، قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿كَىْ نُبِّحَكَ
كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣]. وقال فى موضع آخرَ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى
اُلْأَرْضِ ﴾ [ الجمعة: ١].
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ قَالَ إِنّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم: يعنى بقولِه: ﴿أَعْلَمُ مَا لَا
فَعْلَمُونَ﴾ مما اطلع عليه مِن إِبليسَ، وإضمارِهِ المعصيةَ للَّهِ وإخفائِه الكَثْرَ، مما اطلَع
علیه تعالی ذ کژه منه ، وخفی علی ملائکتِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ
عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ إِنِّ أَعْلَمُ مَا لَا
نَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: إنى قد اطلَعتُ مِن قلبٍ إبليسَ على ما لم تَطَلِعوا عليه مِن
كِبْرِه (" واغترارِه؟ .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ فى خبرِ ذكره عن أبى مالك، وعن أبى صالح، عن ابنٍ [٤٦/٢ظ] عباسٍ،
(١) فى ص، م: ((قال)) .
(٢ - ٢) فى الأصل: ((واعتزازه)). وتقدم الأثر بتمامه فى ص ٤٨٢ وما بعدها .
٥٠٨
سورة البقرة : الآية ٣٠
وعن مُرةَ، عن ابنٍ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ عَ لَهِ: ﴿إِنِّ أَعْلَمُ مَا لَا
نَعْلَمُونَ﴾ يعنى: مِن شأنٍ إِبليسَ(١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، وحدَّثنا محمدُ
ابنُ بشارٍ ، قال: حدَّثنا مؤمَّلٌ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ ، عن ابنِ أبى نجيحٍ ، عن
مُجاهِدٍ : ﴿ إِنِّيَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾. قال: عِلِمٍ من إبليسَ المعصيةَ وخلَقَه
(٢)
لها .
حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال :
حدَّثنا سفيانُ، عن علىِّ بنِ بَذِيمةً، عن مُجاهِدٍ مثلَه(٣) .
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: حدَّثنا ابنُ يمانٍ ، عن سفيانَ، عن علىٍّ بنِ بذيمةً، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ
عبد الرحمنِ، عن القاسم بنٍ أبى بَزَّةً، عن مُجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿إِنِّيَّ أَعْلَمُ مَا لَا
نَعْلَمُونَ﴾. قال: علِم من إبليسَ المعصيةَ وخلقه لها .
/حدَّثنى جعفرُ() بنُ محمدِ البُزُورىُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ بشرٍ، عن حمزةَ
٢١٣/١
(١) تقدم بتمامه فى ص٤٨٦ - ٤٨٨.
(٢) أخرجه ابن عيينة فى تفسيره - كما فى الدر المنثور ٤٦/١ - وعنه سعيد بن منصور في سننه (١٨٤ -
تفسير) عن ابن أبى نجيح وغيره، عن مجاهد. وهو فى تفسير مجاهد ص ١٩٩.
وأخرجه عثمان بن سعيد الدارمى فى الرد على الجهمية ص ٦٠ من طريق ابن جريج، عن مجاهد. وعزاه
السیوطی إلی عبد بن حميد .
(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد فى السنة (٩٣٨) عن أبيه، عن محمد بن بشر به. وأخرجه ابن أبى حاتم فى
تفسيره ٧٩/١ (٣٣٤) من طريق على بن بذيمة به .
(٤) فى الأصل: (( يعقوب)).
٥٠٩
سورة البقرة : الآية ٣٠
الزياتِ ، عن ابنِ أبى نجيح، عن مُجاهدٍ فى قوله: ﴿إِنَّّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾.
قال : علِمٍ مِن إبليسَ كتْمانَه الكِبْرَ ألا يسْجُدَ لآدمَ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصم، قال: حدَّثنا عيسى بنُ
ميمون(١)، قال: وحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثْنَا شِبْلٌ،
جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾.
قال: علِمٍ مِن إبليسَ المعصيةَ(١).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: حدَّثنا وكيع، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ
(٣)
مثلَه(٣) .
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا سُويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ ، قال :
قال مجاهدٌ فى قوله: ﴿ إِنّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾. قال: علِمٍ مِن إبليسَ المعصيةَ،
وخلقه لها . وقال مرةً : آدمَ .
وحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا حجاجُ بنُّ المنهالِ، قال: حدَّثنا المعتمِرُ بنُّ
سليمانَ ، قال: سمِعتُ عبد الوهابِ بنَ مجاهدٍ يُحدِّثُ عن أبيه فى قوله: ﴿ إِنِّ
أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ()﴾. قال: علِمٍ مِن إبليسَ المعصيةَ وخلَقه لها، وعلِمٍ مِن آدمَ
الطاعةَ وخلقه لها .
حدّثنا الحسنُ بنُ یحیی ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابنِ
(١) بعده فى ر: (( عن ابن أبى نجيح عن مجاهد )).
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد فى السنة (٨٩١) من طريق شبل به ، بزيادة : وخلقه لها .
(٣) أخرجه وكيع - كما فى الدر المنثور ٤٦/١ - ومن طريقه عبد الله بن أحمد فى السنة (٩٣٨).
(٤) فى ص: (( يعلمون)).
٥١٠
سورة البقرة : الآية ٣٠
طاوسٍ، عن أبيه والثورىٌّ، عن عليٍّ بنِ بَذِيمةَ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ إِنِّيَّ أَعْلَمُ مَا
لَا نَعْلَمُونَ﴾. قال: علِمٍ مِن إبليسَ المعصيةَ وخلقه لها(١).
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ (١) إسحاقَ: ﴿ إِنِّ أَعْلَمُ مَا لَا
نَعْلَمُونَ﴾ أى: فيكم ومنكم - ولم يبدِها لهم - [٤٧/٢و] مِن المعصيةِ والفسادِ
وسَفْكِ الدماءِ () .
وقال آخرون: معنى ذلك: إنى أعلمُ ما لا تعلمونَ من أنَّه يكونُ من تلك (٤)
الخليفةِ أهلُ الطاعةِ والولايةِ للَّهِ جلَّ ذْرُه .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿إِنِّ
أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ ﴾: فكان فى علم اللَّهِ أنه سيَكونُ مِن (تلك الخليفةِ ) أنبياءُ ورسلٌ
وقومٌ صالحون وساكنو(١) الجنةِ(٧).
وهذا الخبرُ من اللَّهِ تعالى ذكرُه يُنبئُ عن أن ملائكته التى قالت: ﴿أَتَّجْعَلُ فِيهَا
مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾. استَفْظَعَت أن يكونَ للَّهِ جلَّ ثناؤُهُ خَلْقٌ يَعْصِيه،
وعَجِبَتْ منه إذا أُخْبِرت أن ذلك كائنٌ فلذلك قال لهم ربُّهم: ﴿إِنِّيَّ أَعْلَمُ مَا لَا
(١) تفسير عبد الرزاق - كما فى الدر المنثور ٤٦/١- وأخرجه عبد الرزاق أيضًا فى الأمالى (١٩٥).
(٢) فى ر: ((أبى)).
(٣) تقدم مطولاً فى ص ٤٩٦.
(٤) فى م: (( ذلك .
(٥ - ٥) فى م: ((ذلك الخليفة))، وفى ت ١: ((تلك الخليقة)).
(٦) فى الأصل، وتفسير ابن أبى حاتم: ((ساكن))، وفى ر، ت ١: ((ساكنون)).
(٧) جزء من الأثر المتقدم فى ص ٤٩١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٩/١ (٣٣٥) من طريق سعيد بن
بشير ، عن قتادة . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٦/١ إلى عبد بن حميد .
٥١١
سورة البقرة : الآيتان ٣٠ ، ٣١
نَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِى بذلك واللَّهُ أعلمُ: إنكم لتَعْجَبون مِن أمرٍ(١) وتَسْتَفْظِعونه، وأنا
أعلمُ أنه فى بعضِكم، وتصِفون أنفسَكم بصفةٍ أعلمُ خلافَها مِن بعضِكم،
وتُعَرِّضون بأمرٍ قد جعَلْتُه لغيرٍكم. وذلك أن الملائكةَ " قالت لربّها؟ - لمّ أخبرها
ربُّها بما هو كائنٌ مِن ذريةِ خليفتِه من الفسادِ وسَفْكِ الدماءِ - قالت لربِّها : ربَّنا ،
أجاعلٌ أنت فى الأرضِ خليفةٌ مِن غيرِنا، ("يكونُ مِن ذرَّتِه٢ من يَعْصِيك أم منا ، فإِنا
نَعَظِّمُك ونصَلِّى لك ونُطِيعُك ولا نَعْصِيك؟ - ولم يكنْ عندَها علمٌ بما قد انطوى
كَشْحًا عليه إِبليسُ من استكبارِه على ربّه - فقال لهم ربُّهم: إنِّی أعلمُ غيرَ الذی
تقُولونَ من بعضِكم . وذلك هو ما كان مستورًا عنهم من أمرٍ إبليس وانطوائِه علی ما
كان قد انْطَوَى عليه مِن الكِبْرِ ، وعلى قِيلِهم ذلك، ووصْفِهم أنفسَهم بالعمومِ من
الوصف ، ◌ُوتِبوا .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ
٢١٤/١
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميْدٍ ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُمِّىُ، عن جعفر بن أبى المغيرةِ،
عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قال: بعَث ربُّ العِزَّةِ تعالَى ذِكْرُه إبليسَ (٤) ،
فأخَذ مِن أَديم الأرضِ مِن عذْبِها ومِلْحِها، فخلَق منه آدمَ، ومِن ثَمَّ سُمِّى آدمَ؛ لأنه
خُلِقٍ مِنْ أَديمِ [٤٧/٢ ظ] الأرضِ (٥).
(١) فى م: ((أمر الله)).
(٢ - ٢) سقط من: ر، ت ١، ت ٢.
(٣ - ٣) فى الأصل: ((تكون ذريته تعصيك واجعله)).
(٤) فى م: (( ملك الموت)).
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٩٠، ٩١، وفيه زيادة، وينظر تفسير عبد الرزاق ٤٣/١.
وأخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٣٨٠/٧ من طريق يعقوب القمى به نحوه .
وأخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٨١٦) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس =
٥١٢
سورة البقرة : الآية ٣١
حدَّثنا أحمدُ بنُّ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: حدَّثنا
عمرُو بنُ ثابتٍ ، عن أبيه، عن جدِّه، عن علىٍّ، قال: إن آدمَ خُلِقٍ مِن أَديمٍ
الأرضِ، فيه الطَّيِّبُ والصالحُ والرّدِىءُ، فكلُّ ذلك أنت راءٍ فى ولدِه، الصالح
(١)
والردىءَ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا مِشْعَرٌ، عن
أبى حَصِينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: خُلِقِ آدمُ مِن أدِيمِ الأرضِ، فسُمِّىَ
(٢)
آدمَ(٢).
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبى حَصِينٍ،
عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال : إنما سُمِّىَ آدمَ لأنه خُلِقٍ مِن أَدِيمِ الأرضِ(٣) .
حدَّثنى موسى ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أشْباطُ ، عن الشُّدِّىِّ
فى خبرٍ ذكره عن أبى مالك ، وعن أبى صالح، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنٍ
مسعودٍ، وعن ناسٍٍ مِن أصحابِ النبيِّ مَِّ، أن مَلَكَ الموتِ لَّ بُعِث ليأْخُذَ مِن
= مختصرًا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/١ إلى المصنف وابن سعد وابن أبى حاتم وابن عساكر
مطولًا . وأخرجه ابن سعد ٢٦/١ - ومن طريقه ابن عساكر ٣٧٩/٧، ٣٨٠ - من طريق آخر، عن يعقوب ،
عن جعفر، عن سعيد، عن ابن مسعود . وابن جبير لم يدرك ابن مسعود .
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٩١/١ . وعمرو بن ثابت ضعيف .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٩١. وأخرجه ابن سعد ٢٦/١ من طريق مسعر به.
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٩١. وأخرجه ابن سعد ٢٦/١ - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ٧/
٣٨٧ - من طريق شعبة به. وأخرجه ابن عساكر ٣٨٦/٧ من طريق الثورى، عن أبى حصين أو غيره ، عن
سعيد بن جبير. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٩/١ إلى عبد بن حميد. وأخرجه ابن عساكر أيضا ٣٨٧/٧
من طريق إسرائيل، عن أبى حصين، عن سعيد، عن ابن عباس، بزيادة ستأتى من طريق آخر عن سعيد فى
تفسير الآية ١١٥ من سورة طه .
٥١٣
سورة البقرة : الآية ٣١
الأرضِ تُرْبةَ آدمَ ، أخَذ مِن وجهِ الأرضِ وخلَط ، فلم يَأْخُذْ مِن مكانٍ واحدٍ ، وأخذ
مِن تربةٍ حمراءَ وبيضاءَ وسوداءَ، فلذلك خرَج بنو آدمَ مُخْتَلِفين، ولذلك سُمِّىَ آدمَ ؛
لأنه أُخِذُ مِن أَدِيمِ الأرضِ(١).
وقد رُوِى عن رسولِ اللَّهِ مََّلَّهِ خبرٌ يُحَقِّقُ ما قال مَن حكَيْنا قولَه فى معنى
(( آدمَ))، وذلك ما حدَّثنى به يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن عوفٍ،
وحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ وعمرُ بنُ شَبَّةَ ، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا
عوفٌ، وحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى عَدِيٍّ ومحمدُ بنُ جعفرٍ
وعبدُ الوهَّابِ الثَّقَفىُ، قالوا: حدَّثنا عوفٌ، وحدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَدىُّ،
قال : حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبانٍ ، قال: حدَّثْنا عَنْبَسةُ، عن عوفِ الأغرابىِّ، عن
قَسامةَ بنِ زُهَيْرٍ، عن أبى موسى الأُشْعَرىِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ مِ: ((إنَّ اللَّهَ
خَلَقَ آدَمَ مِن قَبْضَةٍ قَبَضَها مِن جَميع الأرْضِ، فجاء بنو آدمَ على قَدْرٍ
الأرْضِ، جاء منهم الأخْمرُ والأسْودُ والأبيضُ، وبينَ ذلك، ( والسهْلُ
والحَزْنُ) ، والخَبَيْثُ وَالطيِّبُ))(٢).
(١) تقدم تخريجه فى ص ٤٨٨ .
(٢ - ٢) فى الأصل: ((الحزن والسهل)).
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٩١/١ بزيادة فى آخره. وأخرجه الترمذى (٢٩٥٥)، وأبو الشيخ فى
العظمة (١٠١٤) من طريق ابن بشار به. وأخرجه أحمد ٤/ ٤٠٦،٤٠٠ (اليمنية)، وأبو داود
(٤٦٩٣)، وابن حبان (٦١٨١)، وأبو الشيخ (١٠١٥) من طريق يحيى بن سعيد به. وأخرجه
أحمد ٤٠٠/٤ (اليمنية) عن محمد بن جعفر به.
وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٤٣/١، وابن سعد ٢٦/١، وأحمد ٤٠٠/٤، ٤٠٦ (الميمنية)، وعبد بن
حميد (٥٤٨)، وأبو داود (٤٦٩٣)، وابن حبان (٦١٦٠)، والحاكم ٢/ ٢٦١، وأبو نعيم فى الحلية ٣/ ١٠٤،
٨/ ١٣٥، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٨١٥،٧١٥)، وابن عساكر فى تاريخه ٣٧٤/٧ من طرق أخرى
عن عوف به. وقال الترمذى : حسن صحيح. وقال الحاكم : صحيح الإسناد .
( تفسير الطبرى ٣٣/١ )
٥١٤
سورة البقرة : الآية ٣١
٢١٥/١
قال أبو جعفرٍ: فعلى التأويلِ الذى تأوَّل ((آدمَ)) مَن تأوَّله بمعنى أنه خُلِقٍ
مِن أدِيم الأرضِ، يَجِبُ أن يكونَ أصلُ ((آدمَ)) فعلًا / سُمِّىَ به أبو البَشرِ،
كما سُمِّىَ أحمدُ بالفِعلِ [٤٨/٢ و] من الإخمادِ ، وأسعدُ مِن الإسعادِ ، فلذلك لم
يُجْرَ(١). وَيَكونُ تأويلُه حينَئذٍ: آدَمَ الَمَلَكُ الأرضَ. يعنى به: بلَغْ أَدَمَتَها - وَأَدَمَتُها:
وجهُها الظاهرُ لرَأْيِ العينِ، كما (٢) جِذْدةُ كلِّ (٢ذى جِلد٣ٍ) له أَدَمَةٌ ، ومِن ذلك سُمِّىَ
الإدائمُ إِدامًا؛ لأنه صار كالجِلْدةِ العليا مما هى منه - ثم نُقِل مِن الفعلِ فجُعِل اسمًا
للشخص بعينه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلُّ وعزَّ: ﴿الْأَسْمَّءَ كُلَّهَا﴾ .
قال أبو جعفرٍ : اخْتَلَف أهلُ التأويل فى الأسماءِ التى علَّمَها آدمَ ثم عرَضها
على الملائكةِ؛ فقال ابنُ عباس بما حدَّثنا به أبو كرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُّ
سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضَّحّاكِ ، عن ابنِ عباسٍ،
قال(٤) : علَّم اللَّهُ آدمَ الأسماءَ كلَّها، وهى هذه الأسماءُ التى يَتَعَارَفُ بها الناسُ؛
إنسانٌ ، ودابةٌ ، وأرضّ، وسهلٌ، وبحرٌ، وجبلٌ، وحمارٌ، وأشباهُ ذلك مِن الأمم
(٥)
وغيرِها (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال: حدَّثنا أبو عاصم ، قال: حدَّثنا عيسى ، وحدَّثنی
المُتَّى ، قال: حدَّثنا أبو محُذَيْفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجِيح، عن مُجاهدٍ
(١) أى لم يُصْرف، والإجراء الصرف. ينظر المصطلح النحوى ص ١٦٦.
(٢) بعده فى م: (( أن )) .
(٣ - ٣) فى ص: (( شیء).
(٤) فى ت١، ت٢: ((فلما)).
(٥) تقدم بتمامه فى ص ٤٨٢ - ٤٨٥.
٥١٥
سورة البقرة : الآية ٣١
فى قولِ اللَّهِ تعالى ذِكرُه: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ اُلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. قال: ( ما خلَق اللهُ
١٥)
كلَّه) .
حدَّثنا ابنُ وَكِيع، قال: حدَّثنا أبى، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ ، عن مُجاهِدٍ :
﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَّءَ كُلَّهَا﴾. قال: عَلَّمه اسمَ كلِّ شىءٍ(٢).
حدَّثنا علىُّ بنُ الحسنِ(٢) ، قال: حدَّثْنا مُسلمٌ الجَزْمِىُ، عن محمدِ بنِ مُصْعَبٍ،
عن قَيْسٍ بنِ الربيع، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهدٍ ، قال: علَّمه اسمَ الغُرابِ والحَمامةِ ،
واسمَ كلٌّ شىءٍ(٤).
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: حدَّثنا أبى، عن شَريكِ، عن سالم الأَقْطَسِ، عن سعيدِ
ابنِ جُبَيْرٍ، قال: علّمه اسمَ كلّ شىءٍ، حتى البعيرِ والبقرةِ والشاةِ .
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثْنا أبى، عن شَريكِ، عن عاصمِ بنِ كُلَيْبٍ،
عن سعيدٍ (١) بنِ مَعْبَدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: علَّمه اسمَ(٢) القَصْعةِ والفَشْوةِ()
(٩).
والفُسَيَّةِ(١).
(١ - ١) فى م، ت١، ت٢: ((علمه اسم كل شىء)).
والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ٩٧/١، وهو فى تفسير مجاهد ص ١٩٩.
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٩٧/١. وأخرجه ابن أبى حاتم ٨٠/١ (٣٣٨) من طريق سفيان، عن ابن أبى
نجيح ، عن مجاهد ، بلفظ : علمه كل دابة وكل طير وكل شىء .
(٣) فى ص، ت١: ((الحسين)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٢/١ (٣٥١) من طريق قيس به .
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٩٨. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٩/١ إلى وكيع.
(٦) فى الأصل : (( سعد )) .
(٧) بعده فى ت١: (( كل شىء حتى)).
(٨) فى ت ٢: ((القوس)).
(٩) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠/١ (٣٣٧) من طريق عاصم به . وسعيد بن معبد مجهول .
٥١٦
سورة البقرة : الآية ٣١
حدَّثنا ابنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ ، قال: حدَّثنا شَريك، عن عاصم
ابنِ كُلَيْبٍ، [٤٨/٢ظ] عن الحسنِ بن سعدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَّءَ
كُلَّهَا﴾. قال: حتى الفَسْوَةِ والفُسَيَّةِ(١).
حدَّثنا على بنُ الحسنِ ، قال: حدَّثنا مسلمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُصْعب ،
عن قيسٍ ، عن(٢) عاصمٍ بِنِ كُلَيْبٍ، عن سعيدِ بنِ مَعْبَدٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِ اللَّهِ :
﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ، حتى الهَنَةِ والهُنَيَّةِ،
والفَسْوةِ والضَّرْطِةِ(١) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا على بنُ مُشْهِرٍ، عن عاصمِ
ابنِ كُلَيْبٍ ، قال : قال ابنُ عباسٍ: علَّمه القَصْعةَ مِن القُصَيْعَةِ، والفَسْوةَ مِن
(٤)
الفُسَيَّةِ(٤) .
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: حدَّثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ
قَولَه: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ / اٌلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. حتى بلَغ: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
٣٢
٢١٦/١
قَالَ يَكَدَمُ أَنْبِتْهُم بِأَسْمَاءِهِمْ﴾: فأنْبَأْ كلِّ صنفٍ مِن الخلقِ باسمِه، وألجأه إلى
(٥)
جنسِه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ،
عن قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَعَلَّمَ ءَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. قال: علَّمه اسمَ كلِّ
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١ / ٩٧.
(٢) فى الأصل، ص: ((ابن)).
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٩٧.
(٤) عاصم بن كليب لم يدرك ابن عباس كما فى الأسانيد قبله .
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٩٨. وينظر تاريخ دمشق ٣٩٩/٧.
٥١٧
سورة البقرة : الآية ٣١
شىءٍ؛ هذا جبلٌ، وهذا بحرٌ، وهذا كذا، وهذا كذا، لكلِّ شىءٍ، ثم عرَض
تلك الأسماءَ(١) على الملائكةِ، فقال: ﴿أَنَِّئُونِ بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءٍ إِن كُنْتُمْ
صَدِقِينَ﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاجٌ، عن جَریرِ بنِ
حازمٍ ومباركٍ ، عن الحسنِ، وأبى بكرٍ ، عن الحسنِ وقتادةَ، قالا: علَّمه اسمَ كلِّ
شىءٍ؛ هذه الخيلُ، وهذه البِغالُ، والإبلُ، والجنّ، والوحشُ، وجعَل يُسَمِّى كلّ
شیءٍ باسمِهُ) .
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن غيرِ(٤)
الربيعِ ، قال : اسمَ كلِّ شيءٍ.
وقال آخرون: علَّم آدمَ أسماء الملائكةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ
قولَه : ﴿وَعَلَّمَ ءَدَمَ الْأَسْمَّءَ كُلَّهَا﴾. قال: أسماءَ الملائكةِ(٥).
وقال آخرون: إنما علَّمه أسماءَ ذُرِّيَّتِه .
(١) فى م: ((الأشياء)).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٩٨/١. وهو فى تفسير عبد الرزاق ٤٢/١، ٤٣.
(٣) تقدم بتمامه فى ص ٤٩٣.
(٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٢ .
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ٩٩/١ عن عبدة المروزى، عن عمار بن الحسن به .
٥١٨
سورة البقرة : الآية ٣١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى يونسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَعَلَّمَ
ءَادَمَ اٌلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. قال: أسماءَ ذُرّيته كلِّهم(١) أجْمَعين(٢) .
قال أبو جعفر: وأولَى هذه الأقوالِ بالصوابِ وأَشْبهُها بما دلَّ على صحتِه ظاهرٌ
الثّلاوةِ، قولُ مَن قال فى قولِه: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. أنها أسماءُ ذرِّيَّتِه
وأسماءُ [٢/ ٤٩و] الملائكة، دون أسماءِ سائرٍ أجناسِ الخلقِ، وذلك أن اللَّه تعالى
ذكرُه قال: ﴿ُثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ﴾. يغنى بذلك أعيانَ الْمُسَمَّيْن بالأسماءِ
التى علَّمها آدمَ. ولا تَكادُ العربُ تَكْنى بالهاءِ والميم إلا عن أسماءِ بنى آدمَ
والملائكةِ. فأما إذا كَنَتْ عن أسماءِ البَهائم وسائرِ الخلقِ سوى مَن وصَفْنا،
فإنها تَكْنِى عنها بالهاءِ والألفِ، أو(٢) بالهاءِ والنونٍ، فقالت: عرَضَهنّ، أو
عرَّضَها. وكذلك تَفْعَلُ إذا كَنَتْ عن أصنافٍ مِن الخَلْقِ؛ كالبَهائمِ والطيرِ
وسائرٍ أصنافِ الأمم، وفيها أسماءُ بنى آدمَ أو (٤) الملائكةِ، فإنها تَكْنى عنها بما
وصَفْنا مِن الهاءِ والنونِ، و(٥)الهاءٍ والألفِ. وربما كَنَتْ عنها إذا كان ذلك(١)
كذلك، بالهاءِ والميم، قال تعالى ذكرُه: ﴿ وَاللَّهُ خَلَ (٢) كُلَّ دَآبَةٍ مِّن مَّأْءٍ فَمِنْهُمْ
مَّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُم ◌َن يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعْ﴾
(١) سقط من: م، ت١، ت٢، وفى ص، ر: ((كلها)).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٩٩/١ مطولا .
(٣) فى ت١: ((و)).
(٤) فى ر، م، ت١: (( و)).
(٥) فى م: ((أو)).
(٦) سقط من: ص، ر، م، ت١، ت٢.
(٧) فى الأصل: ((خالق)). وهى قراءة حمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ٤٥٧ .
٥١٩
سورة البقرة : الآية ٣١
[ النور: ٤٥]. فكنَى عنها بالهاءِ والميم، وهى أصنافٌ مختلفةٌ، فيها الآدمىُّ وغيرُه .
وذلك وإن كان جائزًا، فإن الغالبَ المُسْتَفيضَ فى كلام العربِ ما وصَفْنا، مِن
إخراجِهم كنايةَ أسماءِ أجناسِ الأمم - إذا اخْتَلَطَت - بالهاءِ والألفِ، و(١) الهاءِ
والنونِ ؛ فلذلك قلتُ : أَولى بتأويلِ الآيةِ أن تَكونَ الأسماءُ التى عَلَّمها آدمَ أسماءَ
أعيانِ بنى آدمَ وأسماءَ الملائكةِ. وإن كان ما قال ابنُ عباسٍ / جائزًا، على مثالٍ ما جاء ٢١٧/١
فى كتابِ اللَّهِ جل ثناؤه مِن قوله: ﴿ وَاللَّهُ خَقَ(١) كُلَّ دَآبَّةٍ مِّنِ مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى
بَطْنِهِ﴾ الآية. وقد ذُكِر أنها فى حرفٍ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: (ثم(٣) عرَضَهن)(٤).
وأنها فى حرفٍ أُتَىِّ : (ثم عرّضها) (9).
ولعلَّ ابنَ عباسٍ تأوَّل ما تأوَّل مِن قولِهِ: علَّمه اسمَ(٥) كلِّ شىءٍ، حتى الفَشْوةِ
والفُسَيَّةِ . على قراءةٍ أُتَّ ، فإنه فيما بلغنا كان يَقْرَأُ قراءةً ◌ُتَّىّ . وتأويلُ ابنِ عباسٍ -
على ما يُحكِى عن أبىٍّ من قراءته - غيرُ مُشْتَنْكَرٍ، بل هو صحيحٌ مُسْتَقِيضٌ فى كلامٍ
العربِ، على نحوِ ما تقَدَّم وصْفِى ذلك .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَبِكَةِ﴾ .
قال أبو جعفرٍ : قد تقَدَّم ذكْرُنا التأويلَ الذى هو أولى بالآيةِ على قراءتِنا وَرَسْمِ
مُصْحَفِنا، وأن [٢ / ٤٩ظ] قولَه: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾. بالدَّلالةِ على بنى آدمَ والملائكةِ،
أَوْلَى منه بالدَّلالةِ على أجناسِ الخلقِ كلِّها ، وإن كان غيرَ فاسدٍ أن يكون دالا على
(١) فى م: ((أو)).
(٢) فى الأصل، ر، ت١: ((خالق)).
(٣) فى النسخ: (( و)).
(٤) ينظر البحر المحيط ١٤٦/١.
(٥) زيادة من : م .
٥٢٠
سورة البقرة : الآية ٣١
جميع أصنافِ الأُمِ ، للعللِ التى وصَفْنا .
ويعنى بقوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾: ثم عرَض أهلَ الأسماءِ على الملائكةِ.
وقد اخْتَلَف المفسّرون فى تأويلِ قولِه: ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ﴾ نحوَ
اختلافِهم فى قولِهِ: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. وسأذْكُوُ ( قولَ بعضٍ) مَن
انتَهى إلينا عنه فيه قولٌ .
حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ
عُمارَةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّخَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى
اُلْمَلَئِكَةِ﴾: ثم عرض هذه الأسماءَ على الملائكة. يعنى أسماء جميع الأشياءِ التى
علَّمها آدمَ مِن أصنافِ الخلقِ (١).
حدثنی موسی ، قال : حدّثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّئِّ فی خبرٍ
ذكَره عن أبى مالكِ ، وعن أبى صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ ،
وعن ناسٍ من أصحابِ النّبِىِّ عَلَّهِ: ﴿ثُمَّ عَضَهُمْ﴾: ثم عرَضَ الخَلْقَ
على الملائكةِ(٢) .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ: أسماءَ ذريتِهِ كلِّها
أخَذَهم مِن ظهرِهِ، ثم عرَضَهم على الملائكةِ(٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
(١ - ١) فى ص، م: ((قول))، وفى ر، ت١، ت٢: ((بعض قول)).
(٢) تقدم بتمامه فى ص ٤٨٥.
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٠٥/١ عن السدى به. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٨٠/١ (٣٤١) من
طريق عمرو، عن أسباط ، عن السدى من قوله. وتقدم بتمامه فى ص٤٨٨ .
(٤) تقدم تخريجه فى ص٥١٨ .