Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١
سورة البقرة : الآية ٢٩
فأكمّل خَلْقَهن فى يومين، ففرَغْ من خلْقِ السماواتِ والأرضِ فى ستةِ أيامٍ ، ثم
استوَى فى اليوم السابع فوقَ سَماواتِه ، ثم قال للسّماواتِ والأرضِ: ﴿أَثْنِيَا طَوَعًا
أَوْ كَرْهًا﴾ لِمَا أردتُ(١) بكما، فاطمَئِنَّا عليه طوعًا أو كرهًا ﴿ قَالَتَآ أَنَيْنَا
طَائِعِينَ﴾(١).
فقد أخبَر ابنُ إسحاقَ أن اللّه تعالى ذكرُه استوَى إلى السماءِ بعد خلقِه الأرضَ
وما فيها وهنّ سبعٌ من دخانٍ ، فسَوّاهُنَّ كما وصَف .
وإنما استَشهدْنا لقولِنا الذى قُلْنا فى ذلك بقولِ ابنِ إسحاقَ ؛ لأنه أوضحُ بيانًا
عن خبرٍ (٢) السماواتِ أنهنَّ كن سبعًا من دخانٍ قبلَ استواءِ ربِّنا إليها لتسويتها(٤).
من غيرِهِ ، وأحسنُ شرحًا لما أردنا الاستدلالَ به ، من أن معنى السماءِ التى قال تعالى
ذكرُه فيها: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بمعنى الجمعِ على ما وصفْنَا، وأنَّه إنما قال جلَّ ثناؤه:
فَسَوَّهُنَّ﴾. إذْ كانت السماءُ بمعنى الجمع، على ما بيًّّا .
فإن قال لنا قائلٌ: فما صِفةُ تسويةِ اللّهِ السماواتِ التى ذكرها فى قوله :
﴿ فَسَوَّهُنَّ﴾. إِذْ كنَّ قد كنّ خُلِقِن سبعًا قبل تسويته إياهُنَّ؟ وما وجْهُ ذكْرٍ خلْقِهنّ
بعد ذكْرٍ خلْقِ الأرضِ، أَلأَنَّها (*) خُلِقَتْ قبلَها أم لمعنّى(١) غيرِ ذلك؟
قيل : قد ذكَرْنا ذلك فى الخبرِ الذى رَوَيْناه عن ابن إسحاقَ ، ونزيدُ ذلك
توكيدًا بما نضُهُم إليه من أخبارِ بعضِ السلفِ المتقدِّمين وأقوالِهم.
(١) فى الأصل: ((أردته)).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣٤/١ إلى قوله: مبصرا. وينظر تفسير الآيات ٩ - ١٢ من سورة فصلت .
(٣) فى ص: (( خلق )) .
(٤) فى ص، ر، م: (( بتسويتها)) .
(٥) فى ص: ((لا أنها))، وفى ر: ((لأنها)).
(٦) فى ص، م: ((بمعنى)).
٤٦٢
سورة البقرة : الآية ٢٩
١٩٤/١
/ فحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا
أسباطُ، عن السدىِّ فى خبرٍ ذكره عن [٣٢/٢ظ] أبى مالك، وعن أبى صالحٍ،
عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابٍ
النبىّ ◌َّهِ: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ أُسْتَوَىَ إِلَى
السَّمَآءِ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾. قال: إن اللّه تعالى ذكرُه كان عرشُه على
الماءِ، ولم يخلُقْ شيئًا غيرَ ما خلَق قبلَ الماءِ، فلمَّا أراد أن يَخْلُقَ الخُلقَ أُخرَج من
الماءِ(١) دخانًا، فارتفَع فوق الماءِ فسَما عليه، فسمّاهُ سماءً، ثم أييَس الماءَ فجعَله
أرضًا واحدةً، ثم فتقَها فجعَل سبعَ أَرَضينَ فى يومين، فى الأحدِ والاثنين،
فخلَق الأرضَ على حوتٍ، والحوتُ هو النونُ الذى ذكَر اللهُ فى القرآن :
﴿نَّ وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]. والحوثُ فى الماءِ، والماءُ على ظَهْرٍ صَفَاةٍ،
والصفاةُ على ظهرِ مَلَكِ، والمَلَكُ على صخرةٍ، والصخرةُ فى الريحِ - وهى
الصخرةُ التى ذكَر لقمانُ(٢) - ليست فى السماءِ ولا فى الأرضِ، فتحرّك
الحوثُ فاضطرَب، فتزلزلتِ الأرضُ، فَأَرْسَى عليها الجبالَ فقرّتْ، فالجبالُ
تفخَرُ على الأرضِ، وذلك قوله: ﴿("وَأَلْقَى فِىِ الْأَرْضِ) رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ
بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]. وخلَق الجبالَ فيها، وأقواتَ أهلِها، وشجرَها ، وما ينبغى
﴿ أَبِّتَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِلَّذِى
لها فى يومين؛ فى الثلاثاءِ والأربعاءِ، وذلك حينَ يقولُ :
خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيِّنٍ وَتَجْعَلُونَ لَهُ : أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴿﴿ وَجَعَلَ فِهَا رَوَسِىَ مِن
فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا﴾. يقولُ: أَنبتَ شجرَها. ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أَفْوَتَهَا﴾. يقولُ:
(١) فى ص: ((النار)).
(٢) يشير إلى الآية ١٦ من سورة لقمان .
(٣ - ٣) فى النسخ، والتوحيد، وتفسير ابن أبى حاتم، والدر المنثور: ((وجعل لها))، والمثبت هو صواب
تلاوة الآية ، وهى كذلك فى تاريخ المصنف .
٤٦٣
سورة البقرة : الآية ٢٩
أقواتَها لأهلِها. ﴿فِيّ أَرْبَعَةِ أَيَّامِ سَوَآءُ لِّلِسَِّلِينَ﴾. يقول: "مَن سأل فهكذا)
الأمرُ. ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ٩- ١١]. وكان ذلك الدخانُ
من تَنَفُّسِ الماءِ حينَ تنفَّس، فجعَلها سماءً واحدةً، ثم فتقَها فجعَلها سبعَ
سماواتٍ فى يومين؛ فى الخميسِ والجمُعةِ، وإنما سُمَِّ يومَ الجمُعةِ لأنه مجمِع
فيه خلْقُ السماواتِ والأرضِ، ﴿ وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾. قال: خلَق فى
كلِّ سماءٍ خلْقَها من الملائكةِ والخَلْقِ الذى فيها، من البحارِ وجبالِ البَرَدِ وما
لا يُعلَمُ، ثم زيَّنَ السَّماءَ الدُّنْيا بالكواكبِ، فَجَعَلها زينةً وحِفْظًا تَحْفَظُ من
الشياطين، فلمّا فَرَغَ من خلْقِ ما أحبّ، استوَى على العرشِ، فذلك حينَ
يقولُ: ﴿ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِ سِنَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣،
هود: ٧]. يقولُ: ﴿كَانَنَا رَتْقًا فَفَتَقْنَهُمَّا﴾ [الأنبياء: ٣٠].
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، [٣٣/٢و] قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ،
عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم ◌َا فِ الْأَرْضِ
جَمِيعًا ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ﴾. قال: خلَق الأرضَ قبلَ السماءِ، فلمّا خَلَق
الأرضَ ثارَ منها دخانٌ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿ثُمَّ أُسْتَوَىَ إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّهُنَّ
سَبْعَ سَمَوَاتٍ ﴾. قال: بعضُهن فوقَ بعضٍ، وسبعُ أَرَضين بعضُهن تحتَ(٣)
(١ - ١) فى م: ((قل لمن يسألك هكذا)).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٥٣،٥٢ عن موسى وغيره، عن عمرو به، إلى آية سورة النحل.
وأخرجه ابن خزيمة فى التوحيد ص ٢٤٣، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٨٠٧) من طريق
عمرو به .
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٤/١ (٣٠٦) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدى
من قوله .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١ / ٤٣،٤٢ إلى ابن المنذر.
(٣) فى ر: (( فوق)).
٤٦٤
سورة البقرة : الآية ٢٩
(١)
بعض
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولهِ: ﴿ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ قال: بعضُهن فوق بعضٍ ، بين كلِّ
سماءين مَسِيرةُ خمسِمائةٍ عامٍ .
حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ
صالحٍ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولهِ حيثُ ذكَر خلْقَ الأرضِ قبلَ
١٩٥/١ السماءِ، ثم ذكَر السماءَ قبلَ الأرضِ -: وذلك أن اللّهَ / خلق الأرضَ بأقواتِها
من غيرٍ أن يدْحُوَها قبلَ السماءِ، ثم استوَى إلى السماءِ فسوّاهُنّ سبعَ
سماواتٍ، ثم دَحًا الأرضَ بعد ذلك، فذلك قوله عز وجل: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ
ذَلِكَ دَحَنَهَا﴾ [ النازعات: ٣٠].
حدثنى المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ اللّهِ بنُ صالح، قال: حدَّثنى أبو معشرٍ،
عن سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ أنه قال : إن اللّهَ بدَأ الخلْقَ يومَ
الأحدِ ، فخلَق الأرَضِين فى الأحدِ والاثنينِ، وخلَق الأقواتَ والرواسِىّ فى
الثلاثاءِ والأربعاءِ، وخلق السماواتِ فى الخميسِ والجمُعةِ، وفرَغ فى آخرِ ساعةٍ
من يوم الجمعةِ، فخلَق فيها آدمَ على عَجَلٍ، فتلك الساعةُ التى تقومُ فيها
ي(٣)
الساعة
(١) تفسير عبد الرزاق - كما فى الدر المنثور ٤٢/١ - وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٥/١ (٣١١)، وأبو
الشيخ فى العظمة (٨٨٥) من طريق الحسن بن يحيى به .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٢/١ إلى عبد بن حميد .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٤/١ إلى المصنف وعبد الرزاق .
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ١ /٤٤، ٥٥،٥٤ مفرقا .
٤٦٥
سورة البقرة : الآية ٢٩
فمعنى الكلام إذن : هو الذى أنعَم عليكم ، فخلَق لكم ما فى الأرضِ جميعًا ،
وسخَّره لكم ، تفضّلًا منه بذلك عليكم ؛ ليكونَ لكم بلاغًا فى دنياكم، ومتاعًا إلى
موافاةٍ آجالِكم، ودليلًا لكُم على وحدانيةِ ربِّكم، ثم علا إلى السماواتِ السبعِ
وهنَّ دخانٌ، فسواهن وحَبَكهن، وأجرَى فى بعضِهنّ شمسَه وقمرَه
ونجومَه) ، وقدَّر فى كلِّ واحدةٍ منهنَّ ما قدَّر من خلْقِه.
[٣٣/٢ ظر القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
٢٩
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَهُوَ﴾ نفسَه، وبقولِه: ﴿بِكُلِّ شَىٍّ عَلِيمٌ﴾ أن
الذى خلقكم وخلَق لكم ما فى الأرضِ جميعًا، وسؤَّى السماواتِ السبعَ بما
فيهن، فأحكمهن مِن دخانِ الماءِ وأتقَن(١٢) صُنْعَهن، لا يخفَى عليه أيُّها
المنافقون والملحدون والكافرون به مِن١٤ أهلِ الكتابِ - ما تُبْدون وما تكتُمون
فى أنفسِكم، وإن أبدَى منافقوكم بألسنتِهم قولَهم: ﴿ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِلْيَوْمِ
اَلْآَخِرِ﴾. وهم على التكذيبِ به مُنْطَوون، وكذَّبتْ أحبارُكم بما أتاهم به
رسولى من الهدى والنورِ، "وهم" بصحته عارِفون، وجحَدوا (٧) وكتَموا ما
= وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٨٨٤) من طريق محمد بن بكير، عن أبى معشر به .
وأخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٨١١) من طريق ابن أبى ذئب ، عن سعيد بن أبى سعيد، عن أبيه،
عن عبد الله بن سلام. وأخرج أحمد ٤٥٠/٥ (الميمنية) آخره من طريق آخر عن عبد الله بن سلام.
(١) فى الأصل، ص: (( بعضها)).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((شمسها وقمرها ونجومها)).
(٣) فى ت ١: ((أيقن)).
(٤) فى ص: (( و)).
(٥) فى ص: ((أحبارهم )) .
(٦ - ٦) سقط من : ص.
(٧) الأصل ، ر: ((جحدوه)) .
( تفسير الطبرى ٣٠/١ )
٤٦٦
سورة البقرة : الآيتان ٢٩، ٣٠
قد أخَذْتُ عليهم تبيانَهُ(١) لخلقِى من أمرٍ محمدٍ عَلَّهِ (" وتُوَّتِه٢ - المواثيقَ، وهم
به عالمون ، بل أنا عالمٌ بذلك ("من أمْرِكم٢) وغيرِه من أمورٍ كم وأمورٍ غيرِ كم؛ أى ١
بكلِّ شىءٍ علیم .
وقولُه: ﴿عَلِيمٌ﴾. بمعنى عالم. ورُوِى عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ: هو الذى
قد كَمُلَ فى علْمِه .
حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللّهِ بنُ صالح، قال: حدَّثنى معاويةُ
ابنُ صالحٍ، عن علىٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : العالِمُ الذى قد كَمُلَ فی
(٥)
عِلْمِه(٥).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ
زعم بعضُ المنسوبين إلى العلمِ بلُغاتِ العَربِ من أهلِ البصرةِ (٢) أن تأويلَ
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾: وقال ربُّك. وأنّ ﴿إِذْ﴾ من الحروفِ الزَّوائدِ،
وأن معناها الحذفُ. واعتَلَّ لقولِه الذى وصَفْنا عنه فى ذلك ببيتِ الأُسودِ بنِ
(٧)
يَعْفُرُ(٧):
فإذا وذلك لا مَهاهَ لِذِكْرِهِ والدهرُ يُعْقِبُ صالحاً بفسادٍ
(١) فى م: ( ببيانه )).
(٢ - ٢) سقط من: ص.
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) فی ص، ر، م: (( إنى )).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى مجموع الفتاوى ٢٢٠/١٧ - من طريق عبد الله بن صالح به .
وینظر تفسير ابن كثير ٨/ ٥٤٧.
(٦) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٣٦/١، ٠٣٧
(٧) البيت فى المفضليات، ص ٢٢٠، واللسان (م هـ هـ ).
٤٦٧
سورة البقرة : الآية ٣٠
١٩٦/١
(١)
/ ثم قال : ومعناها : وذلك لا مهاہ لذِكْره. وببيتِ عبدِ منافٍ بن رِبع
(٢)
الهذلى(٢) :
شَلََّ(٤) كما تظْرُدُ الجَمّالةُ(٥) الشُّرُوا(٦)
حتى إذا أسلَكوهم فى قُتائِدَةٍ(٣)
[٣٤/٢و] وقال: معناه: حتى أشْلَكُوهم .
قال أبو جعفرٍ: والأمرُ فى ذلك بخلافٍ ما قال، وذلك أن ((إِذْ))(٧) حرفٌ يأتى
بمعنى الجزاءِ، ويَدُلَّ على مجهولٍ من الوقتِ ، وغيرُ جائزٍ إبطالُ حرفٍ كان دليلاً
على معنَى (٨فى الكلامِ). إذ سواءٌ قيلُ قائلٍ: هو بمعنى البُطولِ(٩)، (٨)وهوٌ) فى
الكلامِ دليلٌ على معنَى مفهومٍ . وقيلُ آخرَ فى جميعِ الكلامِ الذى نطَق به دليلًا على
ما أرِيدَ به: هو بمعنى البُطولِ(٩).
وليس (١ لما ادّعى"١) الذى وصَفْنا قولَه(١١) - فى بيتِ الأسودِ بنِ يَعْفُرَ، أن
((إذا)) بمعنى البُطولِ ١١ - وجة مفهومٌ؛ بل ذلك لو حُذِف من الكلامِ لَبَطَل المعنَى
(١) فى ت ١، ت ٢: ((زريع)).
(٢) ديوان الهذليين ٢ / ٤٢، وسيأتى ٩/١٤، وفى الشعراء.
(٣) قتائدة: جبل بين المنصرف والروحاء. معجم ما استعجم ٣/ ١٠٤٨.
(٤) شل السائق الإبل شلًّا؛ إذا طردها، والشل : الطرد . التاج ( ش ل ل ).
(٥) فى ص: ((الحمالة))، والجمالة أصحاب الجمال.
(٦) شرد جمع شرود من قولهم: شرد الفرس أو البعير. إذا استعصى وذهب على وجهه. التاج (ش رد).
(٧) فى ر، ت ١، ت ٢: ((إذا)).
(٨ - ٨) سقط من: ص.
(٩) فى م: (( التطول)).
(١٠ - ١٠) فى م: ((المدعى)).
(١١) فی ر: ((فى قوله)).
(١٢) فى ت ٢: ((إذ)).
٤٦٨
سورة البقرة : الآية ٣٠
الذى أراده الأسودُ من قولِه :
* فإذا وذلك لا مَهاهَ لذِكْرِه »
وذلك أنه أراد بقولِه: فإذا(١) : فإذا الذى نحن فيه وما قد مضى من عَيْشِنا .
وأشار بقوله: "وذلك) . إلى ما تقدَّم وصْفُه من عيشِه الذى كان فيه. لا مَهاهَ
لِذِكْرِهِ، يعنى: لا طَعْمَ له ولا فضْلَ؛ لإعقابِ الدهرِ صالحَ ذلك بفسادٍ . وكذلك
معنی قول عبد منافٍ بنِ رِبع ١ :
حتى إذا أسلكوهم فى قُنائدةٍ شَلَّ(٤) ....
لو أُسقِط منه ((إذا)) بطل معنى الكلام؛ لأن معناه: حتى إذا أسلكوهم
فى قُتائدةٍ سلَكوا شَلَّ. فدلَّ(٥) قولُه: أسلكوهم شلًّاً). على مَعْنَى
المحذوفٍ، فاسْتُغْنِی عن ذكْرِه بدلالة ((إذا)) علیہ فخُذِف - کما قد ذكرنا
فيما مَضَى من كتابنا(٢) - على ما تفعَلُ العربُ فى نظائرٍ ذلك، وكما قال
النَّمِرُ بنُ تَوْلَبٍ (٢) :
فسوف تصادِفُه أَيْنَما
فإن المنيةً من يخْشَها
وهو يريدُ : أينما ذهَب . وكما تقولُ العربُ: أتيتُك من قبلُ ومن بعدُ . تُرِيدُ:
(١) سقط من: ص، ر، م، ت ١، ت ٢.
(٢ - ٢) فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢: ((ذلك)).
(٣) فى ت ١، ت ٢: ((زريع)).
(٤) فى ت ١، ت ٢: ((سلا)).
(٥) فى ر: ((فذلك)).
(٦) ينظر ما تقدم فى ص ١١١ - ١١٢، ٣٤٤.
(٧) البيت فى الصناعتين ١٨٣، والخزانة ١٠١/١١ وشرح التصريح ٢٥٣/٢.
٤٦٩
سورة البقرة : الآية ٣٠
من قبلِ ذلكَ ومن بعدِ ذلكَ. فكذلك ذلك فى ((إذا))، كما يقولُ القائلُ: إذا
أكرمك أخوك فأكرِمْه، وإذا لا فلا. يريدُ: وإذا لم يُكرِمْكُ(١) فلا تُكرِمْه. ومن ذلك
قولُ الآخرِ(٢).
فإذا وذلك لا يضُرُك ضُرُه(٣)
فى يومٍ أسألُ(٤) نائلاً أو أنكَدَا
نظيرَ ما ذكَرْنا من المعنى فى بيتِ الأُسودِ بنِ يَعْفُرَ. وكذلك معنى قولِ اللّهِ
تعالى ذكرُه: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ﴾. لو أَبْطِلَتْ ((إذْ)) وحذِفتْ من
الكلامِ، لاستحالَ عن(٥) معناه الذى هو به وفيه ((إذْ)).
فإن قال قائلٌ: فما معنى ذلك، وما الجالبُ لـ ((إذ))، إذا(١) لم يكنْ فى
الكلامِ قبلَه ما يُعطَفُ به عليه ؟
قيل له : قد ذكّرنا فيما مضى أن اللّه تعالى ذكرُه [٣٤/٢ظ] خاطَب الذين
خاطَبهم بقولِه: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾ . بهذه الآياتِ والتى
بعدَها مُوَبِّخَهم ومُقَبِّحًا إليهم سوءَ فِعالِهم ومُقامِهم على ضلالِهم مع النعم التى
أَنعَمها عليهم وعلى أسلافِهم، ومُذكِّرَهُم - بتعديدِ نِعَمِه عليهم وعلى أسلافِهم -
بأسَه أن يسلكوا سبيلَ مَن هلَك من أسلافِهم فى معصيتِه، فيسلُكَ بهم سبيلَهم (٧) فى
(١) فى ت ١: (( يكن معك)).
(٢) التبيان ١/ ١٣١.
(٣) فى ص، والتبيان: ((ضرة))، وفى ر: ((ضيرة)).
(٤) فى ص، م: (( أثل )).
(٥) فى ت ١، ت ٢: ((من)).
(٦) فى ص، م: ((إذ)).
(٧) فى ت ١: ((سبيله)).
٤٧٠
سورة البقرة : الآية ٣٠
عقوبتِه، ومُعرِّفَهم ما كان منه من تعطّفِه على التائبِ منهم ، استعتابًا منه لهم ، فكان
١٩٧/١ مما عدَّدَ من نِعَمِه عليهم، أنه خلق لهم ما فى الأرضِ / جميعًا، وسخّر لهم ما فى
السماواتِ ؛ من شمسِها وقمرِها ونجومِها وغيرِ ذلك من منافعها التى جعلها لهم
ولسائرٍ بنى آدمَ معهم منافعَ، فكان فى قوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ
أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيَكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. معنى(١):
اذكروا نعمتى(١) عليكم إذ خلَقتُكم ولم تكونوا شيئًا، وخلَقتُ لكم ما فى الأرض
جميعًا، وسؤَّيتُ لكم ما فى السماءِ. ثم عطَف بقولِه: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ على
المعنى المقتضَى بقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ إِذ كانَ مُقتضيًا ما وصفتُ من
قوله : اذكُروا نِعمتى إذْ فعلتُ بكم وفعلتُ ، واذكُروا فِعلِى بأبِيكم آدمَ ، إِذْ قلتُ
للملائكةِ : إنى جاعلٌ فى الأرضِ خليفةٌ .
فإن قال قائلٌ: فهل لذلك من نظيرٍ فى كلامِ العربِ نعلَمُ به صحةً ما
قلتَ ؟
قيل: نعم ، أكثرُ مِن أن يُحصَى، من ذلك قولُ الشاعرِ(١):
أجِدَّك لن تَرَى بِثُعَيْلِباتٍ(٤). ولا بَهْدَانَ(٥) ناجيةٍ(٦) ذَمُولًا(٧)
(١) فى ر: ((معناه)).
(٢) بعده فى م: (( التى أنعمت)).
(٣) البيتان للمرار بن سعيد الفقعسى، وهما فى مجالس ثعلب ١٥٩/١، واللسان (ب ی د، ن ش غ، ط ف ل).
(٤) فى ص: ((بتعيلنات)). وثعيلبات تصغير جمع ثعلبة: موضع. معجم البلدان ١/ ٩٢٧.
(٥) بيدان: جبل أحمر مستطيل من أخيلة حمى ضريّة. معجم البلدان ٧٨٣/١.
(٦) الناجية: الناقة السريعة . التاج ( ن ج و).
(٧) الذميل: ضرب من سير الإبل، وقيل: هو السير اللين ما كان، وقيل: هو فوق العنق. اللسان
( ذ م ل ).
٤٧١
سورة البقرة : الآية ٣٠
ببعضِ نواشغ ( الوادى محُمُولًا
ولا متدارَكِ () والشمسُ طِفْلٌ
فقال: ولا مُتدارَكٍ. ولم يتقدَّمْه فعلٌ بلفظِه يُعطَفُ(٢) به عليه، ولا حرفٌ
مُعرَبٌ إعرابَه فيُرَدَّ ((متدارك)) عليه فى إعرابِه، ولكنه لما تقدَّمه فعلٌ مجحودٌ
بـ ((لن))(٤) يَدُلُّ على المعنى المطلوبِ فى الكلامِ من) المحذوفِ، استغْنَى بدَلالةِ ما
ظَهَر منه عن إظهارِ ما حُذِف، وعامَل الكلامَ فى المعنى والإعرابِ معاملتَه أن(٦) لو
كان ما هو محذوفٌ منه ظاهرًا؛ لأن قولَه :
* أجِدَّك لن تَرَى بِتُعَيْلِباتٍ ).
معناه: أجِدَّك لستَ براءٍ. فردَّ ((مُتداركًا)) على مَوضع ((تَرَى))، كأن
((لست)) والباءً) موجودتان فى الكلام. فكذلك قولُه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾.
لمّ سلَف قبلَه تذكيرُ اللّهِ جلّ وعزَّ المخاطَبين به ما سلَف قِبِلَهم وقبلَ آبائِهم من
أيادِيه وآلائِه، وكان قولُه: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ [١٣٥/٢] لِلْمَلَتَبِكَةِ﴾ مع ما بعدَه
من النِّعَمِ التى عدَّدَها عليهم، ونَبَّههم على مواقعِها - ردَّ ((إذْ)) على موضع
﴿وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمٌّ﴾. لأن معنى ذلك: اذكُرُوا هذه من نِعَمِى(٨)،
وهذه التى قلتُ فيها للملائكةِ. فلمّا كانت الأولى مُقتضيةً ((إذ))، عطَف
(١) فى اللسان: ((متلاقيا)).
(٢) النواشغ : مجارى الماء فى الوادى. التاج (ن ش غ).
(٣) فى ر: (( يفعله)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢: (( بأن)).
(٥) فى م: (( وعلى)).
(٦) فى ص: ((إذ)).
(٧) فى ر، ت ١، ت ٢: ((الياء)).
(٨) فى ص: ((نعمتى)).
٤٧٢
سورة البقرة : الآية ٣٠
( بـ((إذ)" على موضعِها فى الأولى، كما وصَفْنا من فِعْلِ(٢) الشاعرِ فى: ولا
مُتداركٍ .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ لِلْمَلَتَبِكَةِ﴾ .
والملائكةُ جمعُ مَلْأَكٍ(٢) ، غيرَ أن أحدَهم بغيرِ الهمزِ أكثرُ وأشهرُ فى كلامٍ
العرب منه بالهمزِ، وذلك أنهم يقولون فى واحدِهم: مَلَكٌ من الملائكةِ .
فيحذِفون الهمزَ منه، ويُحرِّكون اللامَ التى كانت مُسَكّنَةً لو هُمزَ الاسمُ، وإنما
يُحرِّكونها بالفَتْح لأنهم ينقُلونَ حركةً الهمزةِ التى فيه بسقوطِها(*) إلى الحرفِ
الساكنِ قبلَها، فإذا جمَعوا واحدَهم ردُّوه (٥) فى(١) الجمعِ إلى
الأصلِ " وهمَزُوا)، فقالوا: ملائكةٌ. وقد تفعَلُ العربُ نحوَ ذلك كثيرًا فى
كلامِها ، فتركُ الهمزَ فى الكلمةِ التى هى مهموزةٌ فيجرِى كلامُهم بتَزْكِ هَمْزِها
فى حالٍ، وبهمزِها فى أُخرى، كقولِهم: رأيتُ فلانًا. فجرَى كلامُهم بهمزٍ
١٩٨/١ ((رأيتُ))، ثم قالوا: نرَى / وترَى ويَرى. فجرَى كلامُهم فى ((يفعل)) ونظائرِها
بتركِ الهمزِ، حتى صار الهمزُ معها شاذًا، مع كونِ الهمزِ فيها أصلًا. فكذلك
ذلك فى ((مَلَك وملائكة))، جرَى كلامُهم بتركِ الهمزِ من واحدِهم، وبالهمزِ
(١ - ١) فى م: ((وإذ)).
(٢) فى م: ((قول)).
(٣) فى ص، ر، م: (( ملك)).
(٤) فى ص: ((فسقوطها))، وفى ر: ((لسقوطها)).
(٥) فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢: ((ردوا)).
(٦) سقط من : ص ، م.
(٧ - ٧) فى الأصل: ((فهمزوا)).
٤٧٣
سورة البقرة : الآية ٣٠
فى جميعِهم، وربما جاء الواحدُ منهمٌ ٢) مهموزًا ، كما قال الشاعرُ:
(٢)
فلستَ بجنِّيٌ(٢) ولكنْ مَلْأَكًا(٤) تحدَّر من جوِّ السماءِ يَصُوبُ
وقد يقالُ فى واحدِهم: مألكٌ. فيكونُ ذلك مثلَ قولِهِم: جبَّد وجذَب ،
وشَأْمَلَ وشئْأَل(٥) . وما أشبه ذلك من الحروفِ المقلوبةِ ) ، غيرَ أن الذى يجبُ إذا
سُمِّىَ واحدُهم: مألكٌ(٢)، أن يُجمَعَ إذا مجمِعَ على ذلك: مالكُ، ولستُ أحفظُ
جمعَهُم كذلك سماعًا، ولكنهم قد يَجمعون : ملائِكُ، وملائِكَةٌ، كما يُجْمَعُ
أشعثُ : أشاعتُ وأشاعِثَةٌ، ومِسْمَعْ: مَسامعُ ومَسامِعَةٌ . قال أميةُ بنُ أبى الصَّلْتِ فى
جمعهم كذلك(4) :
ملائِكُ ذُلِّلُوا وَهُمُ صِعابُ
[٣٥/٢ظ] وفيها مِنْ عبادِ اللّهِ قومٌ
وأصلُ الملأكِ (٩) الرسالةُ، كما قال عدىُّ بنُ زِيدِ العِبَادِىُّ(١١):
(١) سقط من: ص، ر، م، ت١، ت٢ .
(٢) تقدم تخريج البيت فى ص ٣٥٠.
(٣) فى م: ((لإنسى)).
(٤) فى م: ((لملأك)).
(٥) فى ص: (( شمل)).
(٦) قلب الشىء: حوله ظهرًا لبطن. والقلب المكانى باب من أبواب التصريف ، يقع فيه تقديم بعض حروف
الكلمة على بعض ، وأكثر ما يتفق القلب فى المعتل والمهموز، وأكثر ما يكون بتقديم الآخر على متلوّه . وأنواعه
كثيرة. ينظر التاج (ق ل ب)، وفهارس سيبويه، وفهارس المقتضب، والخصائص ٢/ ٨٨، وشرح الرضى
على الشافية ٢١/١ فما بعدها. وينظر أيضا القلب والإبدال لابن السكيت نشرة هفنر؛ ضمن مجموعة الكنز
اللغوى .
(٧) فى ص : (( ملك)).
(٨) ديوانه ص ٦٢.
(٩) فى ص: ((الملك)).
(١٠) البيت فى الأغانى ١١٤/٢، والعقد الفريد ٢٦١/٥، وكتاب ليس فى كلام العرب لابن خالويه =
٤٧٤
سورة البقرة : الآية ٣٠
أنه قد طال حَبْسِى وانتظارِى
أبلغِ النعمانَ عنى ملأًا(١)
وقد يُشَدُ: مَأْكًا، على اللغةِ الأخْرَى. فمن قال: ملأَكًا. فهو ((مَفْعَل))،
من: ("لأَّك إليه يَلَُّْ(٤)٣)، إذا أرسَل إليه رسالةً، مَلْأَكَةً(٥). ومن قال: مَأْلَكًا. فهو
((مَفْعَل))، من: أَلَكتُ إليه ألِكُه(٣)، إذا أرسلتَ إليه، مأْلكةً وَأَلُوكًا. كما قال لَبِيدُ
ابنُ(٧) ربيعةً(٨):
بأَلوكِ فَذَلْنا ما سأَلْ
وغُلام أرسلَتْه أُه
فهذا من : ألَكت . ومنه قولُ نابغةٍ بنى ذُبيانَ (٩) :
(١٠ سأُهْدِيه (١١) إليك إليك عِّى"(١)
ألِكْنِى يا عُيَينَ إليك قولًا
وقال عبدُ بنى الحَشْحاسِ(١٢) :
بآيةٍ ما جاءت إلينا تهادِيًا
أَلِكْنى إليها عَمْرَك اللهَ يا فتى
= ص ٤٧. والرواية فيهن جميعًا: ((مألكا)).
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((مألكا)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((انتظار)).
(٣ - ٣) فى ص: ((لاك إليه يلك)).
(٤) فى م: ((يلتك)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢: (( ملکه)).
(٦) فى م: ((ألك)).
(٧) بعده فى م: ((أبى)).
(٨) شرح ديوان لبيد ص ١٧٨.
(٩) ديوانه ص ١٩٧.
(١٠ - ١٠) فى م: ((ستهديه الرواة إليك عنى)).
(١١) فى الديوان: ((سأبديه )).
(١٢) تقدم البيت وتخريجه فى ص ١٠٤.
٤٧٥
سورة البقرة : الآية ٣٠
يعنى بذلك: أبْلِغها رسالتى. فسُمِّيتِ الملائكةُ ملائكةٌ بالرسالةِ ؛ لأنها رسُلُ
اللّهِ بينَه وبينَ أنبيائِه ومَن أُرسِلتْ إليه مِن عبادِه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ وعز: ﴿ إِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ﴾ .
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ (١) قوله: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ ﴾ ؛ فقال بعضُهم: إنى
فاعلٌ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاجٌ، عن
جريرِ بنِ حازمٍ(٢) ومبارك، عن الحسنِ، وأبى بكرٍ - يعنى الهُذَلىَّ - عن الحسنِ
وقتادةَ، قالوا : قال اللّهُ تعالى ذِكْرُه لملائكتِهِ: ﴿إِنِ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾
قال لهم : إنى فاعلٌ (٣) .
وقال آخرون : إنى خالقٌ .
/[٥٣٦/٢] ذِكرُ من قال ذلك
١٩٩/١
حُدِّثت عن المِنِجابِ بنِ الحارثِ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ،
قال: كلُّ شيءٍ فى القرآنِ ((جعَل)) فهو ((خلَق)) (٤).
(١) سقط من : م.
(٢) فى ص: (( خازم)).
(٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ١٠١،٩٨ مطولا. وسيأتى بتمامه فى ص ٤٩٢ .
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦/١ (٣١٥) من طريق سعيد بن سليمان، عن مبارك، عن الحسن به.
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٤/١ إلى المصنف عن الحسن وحده .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٤/١ إلى المصنف من قول الضحاك.
٤٧٦
سورة البقرة : الآية ٣٠
..
قال أبو جعفرٍ : والصوابُ فى تأويلِ قولِهِ: ﴿ إِنِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ
إِنِّى مُستخلِفٌ فيها(١) خليفةٌ، ومُصَيّ فيها خُلَفاءً(٢) . وذلك شبيبة بتأويلٍ قولِ الحسنِ
وقتادةً .
وقيل : إن الأرضَ التى ذكرها اللّهُ جل ثناؤُه فى هذه الآيةِ هى مكةُ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ سابطٍ ، أن
النبىَّ مَ ◌ّهِ قال: «دُحِيتِ الأرضُ مِن مكّةَ، وكانتِ الملائكةُ تَطُوفُ بالبيتِ،
فهى أولُ من طاف به، وهى الأرضُ التى قال اللّهُ: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ
خَلِيفَةً﴾. وكان النبيُّ إذا هلك قومُه ونَجَا هُوَ والصالحون، أتاها(١) هو ومَن معه
فعبدوا اللّهَ بها حتى يموتوا، فإنَّ قبرَ نوحٍ وهودٍ وصالحٍ وشعيبٍ بينَ زمزمَ والرُّکنِ
(٤)
والمقَامِ)) (٤) .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ : ﴿خَلِيفَةٌ﴾.
والخليفةُ الفَعِيلةُ، من قولِك: خلَف فلانٌ فلانًا فى هذا الأمرِ() ، إذا قام مَقامَه
فيه بعدَه، كما قال تعالى ذكرُه. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَلَيْفَ فِى الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ
(١) فى ر، م، ت ١، ت ٢: ((فى الأرض)).
(٢) فى ص، ر: ((خلقا)).
(٣) فى م: (( أتى)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦/١ (٣١٧) من طريق عطاء به مختصرًا، وعزاه السيوطى أيضًا فى
الدر المنثور ٤٦/١ إلى ابن عساكر، وينظر مختصر تاريخ دمشق ١٥٦/٢٧، ١٥٧.
وقال ابن كثير فى تفسيره ١/ ١٠٠: وهذا مرسل، وفى سنده ضعف ، وفيه مدرج، وهو أن المراد بالأرض
مكة ، والله أعلم ، فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك .
(٥) فى ر: ((الإقرار)).
٤٧٧
سورة البقرة : الآية ٣٠
لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]. يَعْنى بذلك أنه أبدَلكم فى الأرضِ منهم،
فجعلَكم خُلفاءَ بعدَهم، ومن ذلك قيل للسلطانِ الأعظم: خليفةٌ . لأنه خلَف
الذى كان قبلَه، فقام بالأمرِ مَقامَه، فكان منه خَلَفًا) ، يقالُ منه: خَلَف الخليفةُ
يخلُفُ خِلافةٌ وخِلِّفَى(٣) .
وكان ابنُ إسحاقَ يقولُ بما حدَّثنا(٣) به ابنُ مُميدٍ، قال: حدَّثْنا سلمةُ، عن
ابنِ إسحاقَ : ﴿ إِ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - يقولُ: ساكنًا وعامرًا يَسكُنُها
ويَعْمُرُها - ليسَ خَلْقًا (٤) منكم (٥).
وليس الذى قال ابنُ إسحاقَ فى معنى ((الخليفةِ)) بتأويلها(١) ، وإن كان
اللّهُ [٣٦/٢] تعالى ذكرُه إنما أخبَر ملائكته أنه جاعلٌ فى الأرض خليفةٌ يَسكُنُها ،
ولكن معناها ما وصفتُ قبلُ .
فإن قال لنا قائلٌ: فما الذى كان فى الأرضِ قبلَ بنى آدمَ لها عامرًا ، فكان بنو
آدمَ منه بدلاً، وفيها منه (٧) خَلَفًا ؟
قيلَ : قد اختلف أهلُ التأويلِ فى ذلك؛ فحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا
عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ ، عن ابنِ
(١ - ١) سقط من: ت ١، ت ٢.
(٢) الخليفى، بكسر الخاء وتشديد اللام المكسورة وفتح الفاء: الخلافة ، وقيل: هو مبالغة فى الخلافة لا
نفسها، ويدل على كثرة الجهد فى أمور الخلافة وتصريف أعنتها . التاج (خ ل ف ).
(٣) فی ر: (( حدثكم )).
(٤) فى ر: ((خلفا)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٦/١ (٣١٦) من طريق سلمة به. وسيأتى بتمامه فى ص ٤٩٦.
(٦) فى ص: (( بتأويلهما )) .
(٧) فى الأصل: ((منهم)).
٤٧٨
سورة البقرة : الآية ٣٠
عباسٍ ، قال: أولُ من سكَن الأرضَ الجنّ، فأفسَدوا فيها، وسفَكوا الدماءَ، وقتَل
بعضُهم بعضًا . قال: فبعث اللهُ إِليهم إبليسَ فى جندٍ مِن الملائكةِ، فقتلهم إبليسُ
ومن معه (١)، حتى ألحقُوهم (١) بجزائرِ البحورِ وأطرافِ الجبالِ، ثم خلَق اللهُ آدمَ
فأسكَنه إياها، فلذلك قال: ﴿إِنِ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِفَةٌ﴾(٤).
"فعلى هذا) القولِ: ﴿إِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ من الجِّ
يَخْلُفونهم(٦) فيها فيسكُنونها ويَعْمُرُونها .
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن
أبيه ، عن الربيع بنِ أنسٍ فى قولِهِ: ﴿ إِ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ ﴾ الآية. قال: إِن
٢٠٠/١ اللّهَ خَلَقَ الملائكةَ يومَ الأربعاءِ، / وخلق الجنَّ يومَ الخميسِ، وخلق آدمَ يومَ الجمُعةِ ،
قال : فكفَر قومٌ مِن الجنِّ، فكانتِ الملائكةُ تهبِطُ إليهم فى الأرضِ فتُقاتِلُهم ، فكانت
الدماءُ وكان الفسادُ فى الأرضِ().
(٨)
وقال آخرون فى تأويل قوله: ﴿إِنِ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِفَةٌ﴾. أى: خُلَفَاءُ
(١) بعده فى ر، م، ت ١، ت ٢: ((فيها)).
(٢) فى الأصل: (( معهم )).
(٣) فى ص، ر، م، ت ١، ت ٢: (( ألحقهم)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٠١/١ عن المصنف .
وأخرجه الحاكم ٢٦١/٢ من طريق مجاهد عن ابن عباس به بنحوه، وقال: صحيح الإسناد .
(٥ - ٥) فى ر: ((فعنى بها)).
(٦) فى الأصل: ((يخلقونه)).
(٧) أخرجه المصنف فى تاريخه ١ / ٨٤. وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٨٨٢) من طريق ابن أبى جعفر به.
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٥/١ إلى المصنف وابن أبى حاتم وأبى الشيخ عن أبى العالية . وهو عند ابن أبى
حاتم ٧٧/١ (٣٢٢) .
(٨) فى ر: ((خلقا))، وفى م: ((خلفا)).
٤٧٩
سورة البقرة : الآية ٣٠
يخلُفُ بعضُهم بعضًا، وهم ولدُ آدمَ الذين يَخْلُفون أباهم آدمَ ، ويَخْلُفُ كلُّ قرٍ
منهم القرنَ الذى سلَف قبلَه. وهذا قولٌ محُكِى(١) عن الحسن البصرىِّ.
ونظيرٌ له ما حدَّثنا به محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزّبيرىُّ، قال:
حدَّثنا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن ابنِ سابطٍ فى قوله : ﴿ إِنِِّ جَاعِلٌ فِی
الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ قال: يَعُنُون به
(٢)
بنى آدمَ (١).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال اللَّهُ للملائكةِ:
إنى أُرِيدُ أن أخلُقَ فى (٣) الأرضِ خَلْقًا، وأجعلَ فيها خليفةٌ. وليس للّهِ يومئذٍ خَلْقٌ إلا
الملائكةُ، والأرضُ ليس فيها خلقٌ(٤).
[٣٧/٢ ] وهذا القولُ يَحْتَمِلُ ما حُكِى عن الحسنِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ أراد ابنُ
زيدٍ أن اللّه تعالى ذِكْرُه أخبَر الملائكةَ أنه جاعلٌ فى الأرضِ خلیفةً له، يَحْكُمُ
فيها بينَ خلْقِه بحُكْمِه، نظيرَ مَا حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا عمرُو
ابنُ حمادٍ ، قال : حدثنا أسباطُ ، عن السدئِ فی خبرٍ ذكره عن أبى مالك ، وعن أبى
صالحٍ، °عن ابنِ عباسٍ، وعن ◌ُرَّةً، عن ابن مسعودٍ،°) وعن ناسٍ مِن أصحابٍ
النبيِّ عَلَه، أن اللّهَ جلَّ ثناؤه قال للملائكةِ: ﴿إِنِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ .
قالوا: ربَّنا وما يَكُونُ ذلك الخليفةُ؟ قال يكونُ له ذريةٌ يُفْسِدُون فى الأرضِ
(١) فى الأصل: (( يحكى)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٠١/١ عن الثورى به. وينظر ما سيأتى فى ص ٤٩١.
(٣) سقط من : الأصل .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٠١/١ عن ابن زيد. وهو جزء من الأثر الآتى فى ص ٤٩٥ .
(٥ - ٥) سقط من: ص.
٤٨٠
سورة البقرة : الآية ٣٠
وَيَتَحَاسَدُونَ وَيَقْتُلُ بعضُهم بعضًا (١).
فكان تأويلُ الآية على هذه الرواية التى ذكرناها عن ابن مسعودٍ وابنِ عباسٍ :
إنى جاعلٌ فى الأرضِ خليفةٌ مِّى يَخْلُفُنى فى الحكمِ بينَ خَلْقِى، وذلك الخليفةُ هو
آدمُ وَمَن قامَ مَقَامَه فى طاعةِ اللَّهِ، والحكم بالعدلِ بينَ خَلْقِهِ . وأما الإفسادُ وسفكُ
الدماءِ بغيرِ حَقِّها فمن غيرِ خلفائِه، ومن غيرِ آدمَ ومَن قام مَقامَه فى عبادِ اللّهِ ؛ لأنهما
أُخبرًا أن اللّه تعالى ذِكْرُه قال لملائكتِه إذْ سألوه: ما ذاك الخليفةُ؟ : إنه خليفةٌ تكونُ له
ذريةٌ يُفْسِدون فى الأرضِ ويتحاسَدون ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا. فأضاف الإفسادَ
وسفْكَ الدماءِ بغيرِ حقِّها إلى ذريةِ خَليفتِه دونَه ، وأُخرَج منه خليفته .
وهذا التأويلُ وإن كان مخالفًا فى معنى الخليفةِ ما حُكِى عن الحسنِ من وجهٍ ،
فموافقٌ له من وجهٍ ، فأما موافقتُه إياه فصْفُ متأوّلِيه إضافةً الإفسادِ فى الأرضِ
وسَفْكِ الدماءِ فيها إلى غيرِ الخليفةِ . وأما مخالفتُه إياه ، فإضافتُهم الخلافةَ إلى آدمَ
بمعنى استخلافِ اللّهِ إياه فيها. وإضافةُ الحسنِ الخلافةَ إلى ولدِه، بمعنى خلافةٍ
بعضِهم بعضًا ، وقيامِ قْنٍ منهم مَقامَ قَوْنٍ قبلَهم ، وإضافةِ الإفسادِ فى الأرض وسَفْكِ
الدماءِ إلى الخليفةِ .
والذى دعًا المتأوَّلين قولَه: ﴿إِنِ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾
التأويلَ(٢) [٢/ ٣٧ظ] الذى ذُكِر عن الحسنِ - إلى ما قالوا فى ذلك؛ أنّهم قالوا : إن
(١) ذكره ابن کثیر فی تفسيره ١٠١/١ عن السدی به .
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٧/١ (٣٢٤) من طريق السدى ، عمن حدثه ، عن ابن عباس وحده،
نحوه . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٥/١ إلى عبد بن حميد. وسيأتى مطولا فى ص ٤٨٦- ٤٨٨،
٥١٠،٥٠٩.
(٢) فى م: (( فى التأويل)) ..