Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
سورة البقرة : الآيتان ١٩، ٢٠
على السائرين فى الصَّيِّبِ الذى وَصَف جلٌّ ذكرُه، وذلك للمنافِقِين مَثَلٌ. ومعنى
إظلام ذلك أن المنافقين كلما لم يَرَوْا فى الإسلامِ ما يُعْجِبُهم / فى دنياهم - عندَ ابتلاءٍ ١٥٩/١
اللَّهِ مؤمِنى عبادِه بالضَّرَّاءِ، وتَمْحيصِه إياهم بالشدائدِ والبلاءِ، مِن إخفاقِهم فى
مَغْزاهم، (أو إدالةِ" عدوّهم منهم، أو إدبارٍ مِن دنياهم عنهم - أقاموا على
نفاقِهم، وثبتوا على ضَلالتِهم، كما قام السائرون [٧/٢ظ] فى الصَّيِّبِ الذى وصَف
جل ذكره إذا أظلَمُ(١) وخبَتَ(١) ضَوْءُ البرقِ ، فحار فى طريقه فلم يَعْرِفْ مَنهجَه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمَّ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: وَمَا خَصَّ اللَّهُ جلَّ ذِكرهُ السمعَ والأبصارَ بأنَّه لو شاء أذهَبَها مِن
المنافقين دونَ سائرٍ أعضاءِ أجسامِهم - لِلذى جرَى مِن ذكرِها فى الآيَتَيْن، أغنى
قولَه: ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِى ءَاذَانِهِم مِّنَ الضَّوْرِقِ﴾. وقوله: ﴿ يَكَادُ الْبَّقُ يَخْطَفُ
أَبْصَرَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ ﴾ فجرَى ذكرُها فى الآيَتَيْنِ على وجهِ المَثَلِ . ثم
عقَّب جلّ ثناؤه ذكرَ ذلك بأنه لوشاء أَذْهَبه مِن المنافِقِين، عقوبةً لهم على نفاقِهم
وكفرِهم، وعيدًا مِن اللهِ لهم، كما توَعَّدهم فى الآيةِ التى قبلَها بقولِه: ﴿وَاللّهُ مُحِيطٌ
(٤)
بِالْكَفِرِينَ﴾ واصفًا بذلك جلّ ذكره نفسَه أنه المُقْتَدِرُ عليهم وعلى جمعِهم ،
لإِخْلالِ سُخْطِه بهم ، وإنزالِ نِقْمتِهِ عليهم، ومُحَذِّرَهم بذلك سَطْوتَه، ومُخَوِّفَهم
(٥)
عقوبتَه ، لِيَتَّقُوا بأسَه ، ويُسارِعوا إليه بالتوبةِ .
كما حدَّثنا ابنُ محُمَيْدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ
(١ - ١) فى ص: ((وإدالة))، وفى م: ((وإنالة)). والإدالة: الغلبة. اللسان ( دول).
(٢) بعده فى الأصل: ((عليهم)).
(٣) فى ص: ((خف))، وفى ر، م: ((خفت))، وخبت وخفت بمعنى.
(٤) فى الأصل، ص: ( جمیعھم ) .
(٥) بعده فى ص، ر، م، ت١، ت٢: ((به)).

٣٨٢
سورة البقرة : الآية ٢٠
إسحاقَ ، عن محمدٍ بن أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، عن عكرمةً، أو عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ﴾: لِمَا
ترَكوا مِن الحقِّ بعدَ معرفتِه (١) .
حدَّثنى المثنى ، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن
الربيعِ بنِ أنسٍٍ ، قال: ثم قال - يغنى : قال اللهُ - فى أسماعِهم - يعنى أسْماعَ
المنافِقِين - وأبصارِهم التى عاشُوا بها فى الناسِ: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ
وَأَبْصَرِهِمْ﴾ (٢).
وإنما معنَى قوله: ﴿ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ﴾: لأذهب سمعَهم
وأبصارَهم. ولكنَّ العربَ إذا أدخلوا الباءَ فى مثلِ ذلك قالوا : ذهبتُ ببصرِه . وإذا
حذَفوا الباءَ قالوا: أذهبتُ بصرَه. كما قال جلّ ذكرُه: ﴿ ءَائِنَا غَدَآءَنَا﴾ [الكهف:
٦٢]. ولو أدخلتِ الباءُ فى الغداءِ لقيل: آتِنا بغدائِنا .
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ فوحَّد، وقال:
وَأَبْصَرِهِمَّ﴾ فجمَع، وقد علِمْتَ أن الخبرَ فى السمعِ خبرٌ عن سمعٍ جماعةٍ ،
كما الخبرُ فى الأبصارِ خبرٌ عن أبصارٍ جماعةٍ ؟
قيل : قد اخْتَلَف أهلُ العربية فى ذلك، فقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: وتَحَد
السمعَ لأنه عَنَى به المصدرَ وقصَد به الخَوْقَ، وجمَع الأبصارَ لأنه عَنَى [٨/٢ر] بها(١)
الأعينَ .
(١) سيرة ابن هشام ٥٣٣/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٩/١ (٢١٣) من طريق سلمة به. وتقدم
أول هذا الأثر فى ص ٣٣٦ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٩/١ (٢١٢) من طريق أبى جعفر، عن الربيع ، عن أبى العالية .
(٣) فی ص، ر، م، ت ١، ت٢: (( به ).

٣٨٣
سورة البقرة : الآية ٢٠
وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يَزْعُمُ أن السمعَ وإن كان فى لفظٍ واحدٍ ، فإنه
بمعنى جماع. ويَحْتَجُ فى ذلك بقولِ اللهِ جلّ وعزّ: ﴿ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ
طَرَّفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]. يُرادُ(١): لا تَوْتَدُّ إليهم أطْرافُهم. وبقولِه: ﴿ وَيُوَلُونَ
الدُُّرَ﴾ [القمر: ٤٥]. يُرادُ به : أدبارُهم .
قال أبو جعفر: وإنما جاز(١) ذلك عندى لأن فى الكلام ما يَدُلَّ على أنه مُرادٌ به
الجمعُ، فكان دَلالتُه(٢) على المرادِ منه وأدَاءٍ معنى الواحدِ مِن السمعِ عن معنى
جماعةٍ ، مُغْنِيً(4) عن جِماعِه، ولو فُعِل بالبصرِ نظيرُ الذى فُعِل بالسمعِ، أو فُعِل
بالسمعِ نظيرُ الذى فُعِل / بالأبصارِ - مِن الجمع والتوحيدِ - كان فصيحًا صحيحًا؛ ١٦٠/١
لما ذكرنا مِن العلةِ ، كما قال الشاعر :
كُلُوا فِى بَعْضِ(٩) بَطْنِكُمْ تِقُّوا(٧).
فإنَّ زَمانَنا(٨) زَمَنٌ خَمِيصُ
فوحَّد البطنَ، والمرادُ به (٩) البطونُ؛ لما وصَفْنا مِن العلةِ .
(١) فى ص: ((ويراد))، وفى م: ((يريد)).
(٢) بعده فى ص، ت١، ت٢: ((جمع))، وفى ر: (جميع)).
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت٢: ((فى دلالته))، وفى م: ((فيه دلالة)).
(٤) فى ص، ر، ت ١، ت ٢: ((معنيا).
(٥) بعده فی ر: (( حيث قال )).
والبيت من أبيات سيبويه التى لا يعلم قائلها، ينظر الكتاب ١/ ٢١٠، وأمالى ابن الشجرى ١/ ٢،٣١١/
٢٥، ٣٨، ٣٤٣، والخزانة ٧ / ٥٣٧، ٥٥٩.
(٦) فى الأصل، ص، ر، وأمالى ابن الشجرى، والموضع الأول من الخزانة: ((نصف)).
قال صاحب الكشاف - كما فى الخزانة ٥٦٣/٧ - : أكل فى بعض بطنه، إذا كان دون الشبع، وأكل فى
بطنه ، إذا امتلأ وشبع .
(٧) فى الأصل، ص، ر، والموضع الأول من الخزانة: ((تعيشوا)). وذكر صاحب الخزانة أنها رواية .
(٨) فى مصادر التخريج: ((زمانكم)).
(٩) فى ص، م: ((منه)).

٣٨٤
سورة البقرة : الآيتان ٢٠، ٢١
٢٠
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
قال أبو جعفر: وإنما وصَف نفسَه جلّ ذكرُه بالقُدرة على كلِّ شىءٍ فى هذا
الموضع؛ لأنه حذّر المنافقين بأسَه وسطْوتَه، وأخبرهم أنه بهم محيطٌ ، وعلى إذهابٍ
أسماعِهم وأبصارِهم قديرٌ، ثم قال جلّ ذكرُه: فاتَّقونى أيها المنافقون ، واحذَرُوا
خداعِى وخداعَ رسُولى وأهلِ الإيمانِ بى؛ لا (١) أُحِلُّ بكم نِقَمِى، فإنى على ذلك
وعلى غيرِهِ من الأشياءِ قادرٌ (١). ومعنى ﴿قَدِيرٌ﴾: معنى قادرٍ، كما معنى عليم ":
عالمٌ. على ما وصفْتُ فيما تقدّم من نظائِرِهِ مِن زيادةِ معنى ((فعيلٍ)) ((على)) ((فاعلٍ))
فى المدحِ والدَّمُ(٤) .
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُ وا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ
مِن قَبْلِكُمْ﴾ .
فأمَر جلَّ ثناؤه الفريقين اللذين أَخْبر عن أحدِهما أنه سواءٌ عليهم أَنْذِروا (٥) أَمْ لم
يُنذَروا(١) أنهم لا يؤمنون؛ لطبعِه على قلوبهم وسمعِهم ١٢، وعن الآخَرِ أنه يُخادِعُ
اللَّهَ والذين [٨/٢ظ] آمنوا بما يُتدى بلسانِه من قيله: آمنًّا باللهِ وباليومِ الآخِرِ. مع
استبطانِهِ خلافَ ذلك ومرض قلبِه وشكّه فى حقيقةِ ما يُتدى مِن ذلك ، وغيرهم مِن
سائرِ خلقِه المُكلَّفين - بالاستكانةِ والخضوع له بالطاعةِ ، وإفرادِ الرُّبوييَّةِ له والعبادةِ
دونَ الأوثانِ والأصنام والآلهةِ؛ لأنَّه جلَّ ذِكرُه هو خالقُهم وخالقُ مَن قبلَهم مِن
(١) فى فى الأصل: ((لأنى)).
(٢) فی ص، م: (( قدیر)).
(٣) بعده فى ر: ((معنى)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ص ١٢٥ .
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢: ((النذرتهم)).
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢: (( تنذرهم و)).
(٧) بعده فى م: ((وأبصارهم)).

٣٨٥
سورة البقرة : الآية ٢١
آبائِهم وأجدادِهم، وخالقُ أوثانِهم وأصنامِهم وآلهتِهم .
فقال لهم جلَّ ذِكرُه : فالذى خلقكم وخلَق آباءَ كم وأجدادَ كم وسائرَ الخلقِ
غيرَكم، وهو يقدِرُ على ضَرِّكم ونَفِعِكم، أولى بالطاعةِ مَمَّن لا يقدِرُ لكم على نَفْعِ
ولا ضَرِّ .
وكان ابنُ عباسٍ فيما رُوِى لنا عنه يقولُ فى ذلك نظيرَ ما قُلنا فيه ، غير أنه ذُكِر
عنه أنه كان يقولُ فى معنى: ﴿ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمْ﴾: وحّدوا رَبَّكم.
وقد دلَّلنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا على أن معنى العبادةِ ؛ الخضوعُ للَّهِ
بالطاعةِ ، والتذلُّلُ له بالاستكانةِ (١).
والذى أراد ابنُ عباس - إن شاء اللَّهُ - بقولِه فى تأويل قوله: ﴿أَعْبُدُوا
رَبَّكُمْ﴾: "وحّدوه. أى٢): أَفْرِدوا الطاعةَ والعبادةَ لرَبِّكم دونَ سائرٍ خلقِه .
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ
أبى محمدٍ مولى زيدٍ ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال :
قال اللَّهُ جل ذكره: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ﴾: للفريقين جميعًا من الكفارِ
والمنافقين، أى: وحّدوا ربَّكم الذى خلقكم والذين مِن قبلِكم(٣).
وحدَّثنى مُوسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال حدَّثنا أسباطُ ، عن
الشّدِّىِّ فى خبرِ ذكره عن أبى مالكِ، وعن أبى صالح، عن ابنٍ عباسٍ، وعن مُرَّةَ
الهمدانىّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ / النبيِّ عَ له: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ ١٦١/١
(١) ينظر ما تقدم فى ص ١٥٩ .
(٢ - ٢) فى ص: (( وحدوا له)).
(٣) سيرة ابن هشام ٥٣٣/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٩/١، ٦٠ (٢١٥، ٢١٦) من طريق
سلمة به .
( تفسير الطبرى ٢٥/١ )

٣٨٦
سورة البقرة : الآية ٢١
أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. ( يقولُ: خلَقكم وخلَق الذين مِن
(٢)
قبلِکم(٢).
قال أبو جعفر١ٍ) : وهذه الآيةُ مِن أدلِّ الدليلِ على فسادِ قولٍ مَن زعَم أن تكليفَ
ما لا يُطاقُ إلّا بمعونةِ اللهِ غيرُ جائزٍ، إِلَّ بعدَ إِعطاءِ اللهِ المكلَّفَ المعونةَ على ما كلَّفه،
وذلك أن اللَّهَ جلَّ وعزّ أمَر مَن وصَفْنا بعبادتِه والتوبةِ مِن كفرِه ، بعدَ إخبارِه عنهم أنهم
لا يؤمنون، وأنهم عن ضلالتهم [٩/٢و] لا يَرْجِعون.
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
(٢١)
وتأويلُ ذلك: لعلَّكم تَتَّقون بعبادتِكم ربّكم الذى خلقكم، وطاعتِكم إِيَّه
فيما أمَركم به ونهاكم عنه، وإفرادِ كم له بالعبادةِ(١) - سخطَه وغضبه أن يَحُلَّ
عليكم(٤)، وتكونوا مِن المتقين الذين رَضِى عنهم ربُّهم .
وكان مجاهدٌ يقولُ فى تأويلِ قوله: ﴿ تَتَّقُونَ﴾ : تُطيعون .
حدّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنى أبى، عن سفيانَ، عن ابن أبى تَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. قال: لعلكم تُطيعون(٥).
والذى أظنّ أن مجاهدًا أراد بقوله هذا: لعلكم أن تتَّقوا رَبِّكم بطاعتِکم إِيَّاه ،
(١ - ١) سقط من: ص.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٠/١ (٢١٧) من طريق عمرو، عن أسباط ، عن السدى من قوله .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((العبادة لنتقوا))، وفى م: ((بالعبادة لتتقوا)).
(٤) فی ر: (( بگم )).
(٥) تفسير الثورى ص ٤٢، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٠/١ (٢٢٠)، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٤/١ إلى وكيع وعبد بن حميد وأبى الشيخ.

٣٨٧
سورة البقرة : الآيتان ٢٢،٢١
وإقلاعِکم عن ضلالتكم .
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قال جلِّ ثناؤه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أوَ لم يكُنْ عالمً
بما يصيرُ إليه أمرُهم إذا هم عَبدوه وأطاعوه ، حتى قال لهم : لعلّكم إذا فعلتم ذلك أن
تَتَّقُوا. فأخْرَج الخبرَ عن عاقبةٍ عبادتِهم إِيَّه مُخْرَجَ الشكُ؟
قيل : ذلك على غيرِ المعنى الذى توهّمتَ ، وإنما معنى ذلك : اعبدوا ربّكم
الذى خلقكم والذين مِن قبلِكم لتَتَّقوه بطاعتِه وتوحيدِه وإفرادِه بالرُّبوبيةِ والعبادةِ ،
كما قال الشاعرُ(١):
نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنا كُلُّ مَوْثِقٍ
وقُلْتُمْ لِنَا كُفُوا الْحُرُوبَ لَعَلَّنا
كَلَمْحِ سَرَّابٍ فى المَلَ(٣) مُتَألْقٍ
فَلَمَّا كَفَفْنا الحَرَبَ كانَتْ عُهُودُكُمْ
يريدُ بذلك: قلتم لنا كقُّوا لنكفَّ. وذلك أن ((لعل)) فى هذا الموضعِ لو كان
شًا لم يكونوا وثَّقوا لهم كلَّ مَؤْثِقٍ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ وعزّ: ﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ .
وقولُه: ﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا﴾ مردودٌ على ﴿ الَّذِى ﴾ الأُوَّلِ فِى
قوله: ﴿ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىِ خَلَقَّكُمْ﴾ وهما جميعًا مِن نعتِ ﴿رَبَّكُمُ﴾. فكأنَّه
قال: اعبدوا ربّكم الخالِقَكم، والخالقَ [٩/٢ظ] الذين مِن قبلِكم، الجاعلَ لكم
الأرضَ فِراشًا. يعنى بذلك أنه جعَل لكم(٣) الأرضَ مِهادًا تُوطَأُ، وقرارًا يُستقرُّ
/ عليها. يُذكِّرُ ربُّنا جلَّ ذكرُه بذلك مِن قيلِه، عبادَه(٤) نعمَه عندَهم وآلاءَه لديهم؛ ١٦٢/١
(١) البيتان فى أمالى ابن الشجرى ٥١/١ غير منسوبین .
(٢) فى ص، م: ((الفلا)). والفلا والملا: المتسع من الأرض، أو الصحراء الواسعة. اللسان (ف ل و، م ل و).
(٣) فى ص: ((لهم)).
(٤) فى م: ((زيادة)).

٣٨٨
سورة البقرة : الآية ٢٢
لِيذكُروا أياديَه عندَهم، فيُنيبوا إلى طاعتِهِ ، تَعطَّفًا منه بذلك عليهم ، ورأفةً منه بهم ،
ورحمةً لهم، مِن غير ما حاجةٍ منه إلى عبادتِهم ، ولكن ليُتِمَّ نعمتَه عليهم ولعلّهم
یھتدُون .
كما حدَّثنی مُوسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا
أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ فى خبرٍ ذكّره عن أبى مالكِ، وعن أبى صالح، عن ابنٍ
عباسٍٍ، وعن "مُرَّةَ، عن ابنٍ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ عَ لَّهِ:
﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا﴾: فهى فِراشٌ يُمْشَى عليها، وهى المهادُ
(٢)
والقَرارُ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِى جَعَلَ
لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا﴾ قال: مهادًا لكم(١).
وحدَّثنى الُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ،
عن أبيه، عن الرَّبيع بنِ أنسٍ قال: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا﴾ أى:
(٤)
مِهادًا(٤) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل وعزّ: ﴿ وَالسَّمَاءَ بِنَآءَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وإنما سُمِّيت السماءُ سماءً؛ لعُلُوِّها على الأرض، وعلى سُكَّانِها
مِن خلْقِه، وكلُّ شىءٍ كان فوقَ شىءٍ آخرَ، فهو لما تحتَه سماءٌ. ولذلك قيل لسقفٍ
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤/١ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة .
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١/١ (٢٢٢) من طريق عمرو، عن أسباط ، عن السدى من قوله .
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١/١ عقب الأثر (٢٢٢) معلقا .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١/١ عقب الأثر (٢٢٢) من طريق ابن أبى جعفر به .

٣٨٩
سورة البقرة : الآية ٢٢
البيتِ : سماؤُه ؛ لأنَّه فوقَه مرتفِعٌ عليه، وكذلك قيل: سما فلانٌ لفلانٍ: إذا أَشْرِف
له وقصَد نحوَه عاليًا عليه، كما قال الفرزدقُ(١):
سَمَوْنا لِنَجْرَانَ اليَمانِى وأَهْلِهِ
وَنَجْرَانُ (٢) أَرْضْ لَمْ تُدَيَّثْ(٣) مَقاوِلُةُ(٤)
وكما قال نابغةُ بنى ذُثْيانَ(٥):
تُحَيْتَ الخِدْرِ() وَاضِعَةَ القِرَامِ"
"سَمَتْ لِى نَظْرَةٌ" فَرَأيْتُ مِنْها
يريدُ بذلك: أَشْرفتْ لى نظرةٌ وبدَت. فكذلك السماءُ سُمِّيت للأرضِ
سماءً؛ لعُلُوِّها وإشرافِها عليها .
كما حدَّثنى مُوسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا
أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ فى خبرٍ ذكّره عن أبى مالكِ ، وعن أبى صالحٍ ، عن ابنِ عباسٍ،
وعن مُرَّةَ الهمدانيٌّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ عَلَه :
﴿ وَالسَّمَآءَ بِنَآءَ ﴾: ابتنى (١) السماءَ [١٠/٢ و] على الأرضِ كهيئةِ القُّبّةِ، وهى سَقْفٌ
(١٠)
على الأرضِ (١٥).
(١) ديوانه ص ٧٣٥.
(٢) نجران: من مخاليف اليمن من ناحية مكة. معجم البلدان ٤/ ٧٥١.
(٣) تديث: توطأ. وطريق مديث أى مذلل. اللسان ( د ی ث ).
(٤) المقول: الملك من ملوك حمير، والجمع مقاول ومقاولة. اللسان ( ق ول ).
(٥) ديوانه ص ١٥٩.
(٦ - ٦) فى الديوان: ((صفحت بنظرة)).
(٧) الخدر: ستر يمد للجارية فى ناحية البيت. تاج العروس (خ در).
(٨) القرام : الستر الرقيق. اللسان ( ق رم ).
(٩) فى م: ((فبناء))، وفى ص، ر، ت١، ت٢: ((فبنى))، وفى حاشية الأصل: ((فى الأم: فبنى)).
(١٠) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤/١ إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة.
وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١/١ (٢٢٤) من طريق عمرو، عن أسباط ، عن السدى من قوله .

٣٩٠
سورة البقرة : الآية ٢٢
حدَّثنا بشر بنُ معاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ ، قال: حدَّثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ فى قولِه :
وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ﴾ قال: جعَل السماءَ سقفًا لك(١).
وإنما ذكَر السماء والأرضَ جل ثناؤُه فيما عدَّد عليهم مِن نعَمِه التى أَنْعَمها
عليهم ؛ لأنَّ منهما أقواتَهم وأرزاقَهم ومعايشَهم، وبهما قِوالمُ دنياهم. فأَعْلَمهم أن
الذى خلَقهما وخلَق جميعَ ما فيهما وما هم فيه مِن النِّعمِ، هو المستحِقُّ عليهم
الطاعةَ ، والمستوجِبُ منهم الشكرَ والعبادةَ، دونَ الأُصنامِ والأوثانِ التى لا تضُرُّ ولا
تنفَعُ .
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ
رِزْقًا لَّكُمّ﴾.
١٦٣/١
يعنى بذلك أنه جل ثناؤه أَنْزل مِن السماءِ مطرًا، فأَخْرج بذلك المطر عمّا أَثْبتوه(١)
فى الأرضِ مِن زروعِهم / وغروسِهم ثمراتٍ رزقًا لهم؛ غِذاءً وأقواتًا . فنبَّههم بذلك
جلَّ ثناؤه على قدرتِه وسلطانِه، وذَكَّرهم به آلاءَه لديهم ، وأنه هو الذى خلقهم ،
وهو الذى يرزُقُهم ويكفُلُهم(٢) ، دونَ مَن جعَلوه له نِدًّا وعِدْلًا من الأوثانِ والآلهةِ. ثم
زجَّرهم عن أن يجعلوا له نِدًّا مع علمِهم بأنَّ ذلك كما أَخْبَرهم، وأَنَّه لا نِدَّ له ولا عِدْلَ،
ولا لهم نافعٌ ولا ضارٌّ، ولا خالقٌ ولا رازقٌ سواه .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ .
قال أبو جعفرٍ : والأندادُ جمعُ نِدٍّ، والنّدُ العِدْلُ والمِثْلُ، كما قال حسانُ بنُ
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦١/١ عقب الأثر (٢٢٤) معلقا .
(٢) فى ر: (( أثبتوه )) .
(٣) فى ص، ت ٢: ((يكلفهم)).

٣٩١
سورة البقرة : الآية ٢٢
ثابت(١) :
(١)
فَشَؤُكما لخَيَّرِكُما الفِداءُ
أَتَهْجُوهِ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٌ(٣)
يعنى بقولِه : ولستَ له بنِدٌ: لستَ له بمِثْلِ ولا عِدْلٍ. وكلَّ شىءٍ كان نظيرًا
لشیءٍ وله شبيهًا ، فهو له نِدٌّ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:
فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أى: عِدْلًاً(٣).
حدَّثنى الْمُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِئْلٌ، عن [١٠/٢ ظ] ابنِ
أبى تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَنْدَادًا﴾ أى: عِدْلًا(٤).
حدَّثنى مُوسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن
الشّدِّىِّ فى خبرِ ذكَرَه عن أبى مالكِ ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ ، وعن مُرَّةً،
عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبىِّ ◌َّهِ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾.
قال: أَكْفَاءً مِن الرجالِ تُطيعونهم فى معصيةِ اللَّهِ(٥).
حدّثنی یونسُ بنُ عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زیدٍ فی
(١) ديوانه ص ٧٦.
(٢) فى الديوان: ((بكفو)).
(٣) فى م: ((عدلاء)).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥/١ إلى المصنف.
(٤) فى م: ((عدلاء)).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥/١ إلى المصنف ووكيع وعبد بن حميد.
وأخرجه الثورى فى تفسيره ص ٤٢ عن مجاهد. وستأتى بقيته فى ص ٣٩٤.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٤/١، ٣٥ إلى المصنف عن ابن مسعود وحده.

٣٩٢
سورة البقرة : الآية ٢٢
قولِ اللَّهِ: ﴿ فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾. قال: الأندادُ الآلهةُ التى جعَلوها معه،
وجعَلوا لها مثلَ ما جعَلوا له .
وحُدِّثت عن المِنْجابِ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةٍ ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضَّّاكِ ،
عن ابنِ عباسٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال: أَشْباهًا(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانِ القزازُ، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن شَبيبٍ، عن
عكرمةَ: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾: أن تقولوا: لولا كلبُنا لدخَل علينا اللصُّ
الدارَ، ولولا كلئنا(٢) فى الدارِ. ونحو هذا(٢).
فنهاهم اللَّهُ جل ذكره أن يُشرِكوا به شيئًا، وأن يعبدوا غيرَه، أو يَتَّخِذوا له نِدًّا
أو عِدْلًا فى الطاعةِ، فقال: كما لا شريكَ لى فى خلقِكم، وفى رزقِى (٤) الذى
أَزْزُقُكم ، ومِلْكى إيَّكم، ونِعمتى التى أنعمتُها عليكم، فكذلك فَأَفْردوا لى الطاعةَ ،
وأَخْلِصوا لى العبادةَ، ولا تجعلوا لى شريكًا ونِدًّا مِن خَلْقَى، فإنكم تعلمون أن كلَّ
نعمةٍ علیکم فمنِّی .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٢٢)
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى الذين عُنُوا بهذه الآيةِ ؛ فقال بعضُهم:
عُنِى بها جميعُ المشركين مِن مُشرِكى العربِ وأهلِ الكتابِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢/١ (٢٢٨) عن أبى زرعة، عن المنجاب به .
(٢) بعده فى ص، ر، م، ت١، ت٢: ((صاح)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢/١ (٢٢٩) من طريق أبى عاصم، عن شبيب ، عن عكرمة ، عن ابن
عباس ، مطولا . وينظر مسند أحمد ٣٣٩/٣ (١٨٣٩)، وتفسير ابن كثير ٨٧/١.
(٤) فى م، ت٢: ((رزقكم)).

٣٩٣
سورة البقرة : الآية ٢٢
وقال بعضُهم: عُنِى بذلك أهلُ الكتابَينْ التوراةِ والإنجيلِ .
ذكرُ مَن قال : عُنى بها جميعُ عَبَدةٍ
الأوثانِ مِن العربِ وكفارٍ أهلِ الكتابين
١٦٤/١
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمَةُ [١١/٢ وآ بنُ الفضلِ، عن محمدٍ
ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ / مولی زیدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ ، أو عن
سعيدِ بنِ جُبِيٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزَل ذلك فى الفريقَيْنْ جميعًا مِن الكفارِ
والمنافِقين، وإنّما عنَى بقولِه: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أى: لا
تُشرِكوا باللَّهِ غيرَه مِن الأندادِ التى لا تنفَعُ ولا تضُرُّ ، وأنتم تعلمون أنه لا ربَّ لكم
يرزُقُكم غيرُه ، وقد علمتم أن الذى يدعو كم إليه الرسولُ مِن توحيدِه هو الحقُّ لا شكَّ
(١)
فیه(١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةً فى قولِه :
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أى: تعلمون أن اللَّهَ خلَقكم وخلق السماواتِ والأرضَ، ثم
تجعَلون له أندادًا(٢).
ذكرُ من قال: عُنِى بذلك أهلُ الكتابَينْ
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: حدَّثْنا وكيع، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ :
﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه إلهٌ واحدٌ فى التوراة والإنجيل(١).
(١) سيرة ابن هشام ٥٣٣/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢/١ (٢٣١) من طريق سلمة به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢/١ (٢٣٣) من طريق يزيد به.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢/١ (٢٣٢) من طريق سفيان به .

٣٩٤
سورة البقرة : الآية ٢٢
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا قَبِيصةُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ
.(١)
مثلَه(١).
وحدَّثنى المُنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةً، قال: حدَّثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ،
عن مجاهدٍ: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: وأنتم تعلمون أنه لا نِدَّ له فى التوراةِ
والإنجيلِ .
قال أبو جعفر: وأحسَبُ أن الذى دعا مجاهدًا إلى هذا التأويل، وإضافةِ ذلك
إلى أنه خطابٌ لأُهلِ التوراةِ والإنجيلِ دونَ غيرِهم ، الظنُّ منه بالعربِ أنها لم تكُنْ
تعلَمُ أن اللَّهَ خالِقُها ورازِقُها بجحودِها وحدانيةَ رَبِّها، وإشراكِها معه فى العبادةِ
غيرَه، وإن ذلك لقولٌ، ولكنَّ اللَّهَ جلَّ ذكرُه قد أَخْبَرِ فى كتابِه عنها أنها كانت تُقِرُّ
بوحدانيتِه، غيرَ أنها كانت تُشرِكُ فى عبادتِه ما كانت تُشركُ فيها ، فقال تعالى
ذِكرُه: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وقال تعالى ذِ كرُه :
﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْضَرَ وَمَن يُخِجُ الْحَىَّ مِنَ
الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبُِّ آلْأَمْنَّ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ ﴾
[ يونس : ٣١ ].
قال أبو جعفرٍ: والذى هو أولى بتأويل قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ - إذ كان ما
كان عندَ العربِ مِن العلم بوحدانيةِ اللَّهِ جلَّ وعزَّ، وأنه مُبدِعُ الخلقِ وخالِقُهم
ورازِقُهم ، نظيرَ الذى كان مِن ذلك عندَ [١١/٢ ظ] أهلِ الكتابَيْن، ولم يكنْ فى الآيةِ
دَلالةٌ على أن اللَّهَ عَنى بقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أحدَ الحزبَيْن، بل مَخْرَجُ
الخِطابِ بذلك عامّ للناسِ كافَّةً(٢)؛ لأنه تحدَّى الناسَ كلَّهم بقولِه: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ
(١) تفسير الثورى ص ٤٢. وهذا الأثر تتمة الأثر المتقدم فى ص ٣٩١ .
(٢) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((لهم)).

٣٩٥
سورة البقرة : الآيتان ٢٢، ٢٣
أَعْبُدُ وا رَبَّكُمُ ﴾ - أن يكونَ تأويلُه ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ ، مِن أَنَّه معنىٌّ بذلك كلَّ
مُكلَّفٍ عالم بوحدانيةِ اللَّهِ وأنه لا شريكَ له فى خلقِه، يشركُ (١) معه فى عبادتِه(١)،
كائنًا مَن كان مِن الناسِ، عَربيًّا كان أو أعجميًّا، كاتبًا(٢) أو أميًّا، وإن كان الخِطابُ
الكفارِ أهلِ الكتابِ الذين كانوا حَوالَىْ دارِ هجرةِ رسولِ اللَّهِ مَ له، وأهلِ النِّفاقِ
منهم، وممن بينَ ظهرانَيْهم ممن كان مشركًا فانْتَقل إلى النِّفاقِ بِمَقْدَم رسولِ اللَّهِ عَه
علیھم .
١٦٥/١
/ القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّعَّا نَزّْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا
بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ﴾ .
قال أبو جعفر: وهذا مِن اللَّهِ جل ثناؤه احتجاج لنبيّه محمدٍ سَ لَّمِ على مُشرِكى
قومِه مِن العربِ ومُنافقيهم، وكفارِ أهلِ الكتابِ وضُلَّالِهم الذين افْتَتَح بقصصِهم
قولَه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ نُنذِرُهُمْ﴾ وإِيَّاهم
يُخاطِبُ بهذه الآياتِ، (٤ وضُرباءَهم يعنى بها)، قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه لهم: ﴿وَإِن
كُنْتُمْ﴾ أيها المشركون مِن العربِ والكفارِ مِن أهلِ الكتابَيْن، إنْ كنتم فى شكُّ،
وهو الرَّيبُ، ﴿مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمدٍ عَلَه مِن النورِ والبرهانِ وآياتِ الفرقانِ ،
أنه مِن عندِى ، وأَنِّى الذى أنْزلتُه إليه، فلم تؤمنوا به ، ولم تصدّقوه فيما يقولُ ، فأتوا
بحُجةٍ تدفَعُ حُجتَه؛ لأنكم تعلمون أن حجةَ كلِّ ذى نبؤَّةٍ على صدقِه فى دَعْواه
النبوَّةَ أن يأتىَ ببرهانٍ يَعجِزُ عن أن يأتِىَ بمثلِه جميعُ الخلقِ. ومن حجةٍ محمدٍ ◌ّ.
(١) فى الأصل: ((مشرك)).
(٢) بعده فى ص، ر، م، ت١، ت٢: ((غيره)).
(٣) فى ص، ر، ت ٢: (( كتابيا)).
(٤ - ٤) فى م: ((وأخبر بأهم نعوتها)).

٣٩٦
سورة البقرة : الآية ٢٣
على صِدْقِه، وبرهانِه على حقيقةٍ نبوَّتِه ، وأن ما جاء به مِن عندى ، عجزُ جميعِكم
وجميعٍ مَن تستعينون به مِن أعوانِكم وأنصارٍ كم عن أن تأتوا بسورةٍ مِن مثلِه ، وإذا
عجَزتم عن ذلك وأنتم أهلُ البراعةِ فى الفصاحةِ والبلاغةِ والذَّرابةِ (١) ، فقد علمتم أن
غيرَكم عما عجَزتم عنه [١٢/٢و] مِن ذلك أعجَزُ، كما كان برهانُ مَن سلَف مِن
رُسُلى وأنبيائى على صدْقِه، وحُجتُه على نبؤَّتِه مِن الآياتِ ما يعجِزُ عن الإتيانِ بمثلِه
جميعُ خلقى. فتقرَّر حينئذٍ عندَ كم أن محمدًاً مَّهِ لم يتقوَّلْه ولم يختلِفْه؛ لأن ذلك
لو كان منه اختلافًا وتقوُّلًا لم تعجِزوا وجميعُ خَلْقِى(٢) عن الإتيانِ بمثله؛ لأن محمدًا
◌ٍِّ لم يَعْدُ أن يكونَ بشرًا مثلَكم ، وفى مثلِ حالِكم فى الجسمِ وبَشْطةِ الخَلَقِ وذَرايةِ
اللسانِ، فيُمكِن أن يُظنَّ به اقتدارٌ على ما عجَزتم عنه، أو يُتوهَّمَ منكم(٣) عجزٌ عما
اقْتَدر عليه .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ(٤) قوله: ﴿ فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ، ﴾؛
فحدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ
مِّن مِّثْلِهِ﴾ يعنى بذلك: مِن مثلِ هذا القرآنِ حقًّا وصدقًا، لا باطلَ فيه ولا
(٥)
كَذِبَ(٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أُخْبرنا مَعْمٌ، عن
(١) فى م: ((الدرابة)).
والذرابة : حِدَّةُ نحوِ السيف والسنان، وتستعار لطلاقة اللسان مع عدم اللكنة . التاج (ذر ب ).
(٢) فى م: (( خلقه)) .
(٣) فى ص: ((فيكم)).
(٤) سقط من : الأصل .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣/١ (٢٣٨) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥/١
إلی عبد بن حميد .

٣٩٧
سورة البقرة : الآية ٢٣
قتادةَ فى قولِهِ: ﴿ فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ،﴾. يقولُ: بسورةٍ من(١) مثلِ هذا
(٢)
القرآنِ(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو الباهلىُّ ، قال: حدَّثنا أبو عاصم ، قال: حدّثنا عيسى
ابنُ ميمونٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ،﴾:
مثلِ القرآنِ (٣) .
حدَّثنا الْمُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نَجِيحِ،
عن مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن ابنٍ
لجريج، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ،﴾ قال: ﴿مِّثْلِهِ،﴾ مثلِ
القرآنِ .
/ فمعنى قولٍ مجاهدٍ وقتادةَ الذى ذكرناه عنهما أن اللَّهَ جلَّ ذِكْرُه قال لمن ١٦٦/١
حاجَّه لنبيِّه (٢) محمدٍ عَ لِّ مِن الكفارِ: فأتوا بسورةٍ مِن مثلِ هذا القرآنِ، مِن كلامِكم
أَيَّتُها العربُ، كما أتَى به محمدٌ بلغاتِكم ومعانى منطقِكم .
وقد قال قومٌ آخرون: إن معنى قوله: ﴿ فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ، ﴾: مِن مثلِ
محمدٍ مِن البشرِ؛ لأن محمدًا بشرٌ مثلُكم .
والتأويلُ الأوَّلُ الذى قاله مجاهدٌ وقتادةُ هو التأويلُ الصحيحُ؛ لأن اللَّهَ
جلَّ ثناؤُه قال فى سورةٍ أُخرى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَةُ قُلْ فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، ﴾
(١) زيادة من : الأصل.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥/١ إلى عبد الرزاق.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣/١ (٢٣٧) من طريق ابن أبى نجيح به .
(٤) فى م: (( فى نبيه)).

٣٩٨
سورة البقرة : الآية ٢٣
[ يونس: ٣٨]. ومعلومٌ أن السورةَ ليست لمحمدٍ بنظيرٍ ولا شبيهٍ فيجوز أن يقال: فأتوا
بسورة مثلٍ محمدٍ .
فإن قال لنا قائلٌ: [١٢/٢ ظ] إنك ذكرت أن اللَّهَ عَنى بقولِه: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن
مِثْلِهِ،﴾: مِن مثلِ هذا القرآنِ، فهل للقرآنِ مِن مثلٍ فيقالَ: ائتوا بسورةٍ مِن مثلِه؟
قيل : إنه لم يعنِ به : ائتوا بسورة من مثله فى التأليف والمعانى التى باين بها سائرَ
الكلامِ غيرَه. وإنما عَنَى: انتوا بسورةٍ مِن مثلِه فى البيانِ ؛ لأن القرآنَ أَنْزِلِه اللَّهُ بلسانٍ
عربىٍّ، وكلامُ العربِ - لا شكَّ - له مثلٌ فى معنى العربية ، فأما فى المعنى الذى بایَن
به القرآنُ سائرَ كلامِ المخلوقين، فلا مثلَ له مِن ذلك الوجهِ ولا نظيرَ ولا شبيه .
وإنما احْتَبَّ جلَّ ثناؤُه عليهم لنبيّه محمدٍ عَّه بما احْتَجَّ به له عليهم مِن
القرآنِ ، إذ ظهَر عجزُ القومِ عن أن يأتوا بسورةٍ مِن مثلِه فى البيانِ ، إذ كان القرآنُ بیانًا
مثلَ بيانِهم، وكلامًا نزَل بلسانِهم ، فقال لهم جلَّ ثناؤه : وإن كنتم فى ريبٍ مِن أن
ما أَنْزلتُ على عبدِى مِن القرآنِ مِن عندِى، فأتوا بسورةٍ مِن كلامِكم الذى هو مثلُه
فى العربيةِ ، إذ كنتم عربًا ، وهو بيانٌ نظیرُ بیانِكم، وكلامٌ شبيهُ كلامِكم. فلم
◌ُكلِّفهم جلَّ ثناؤه أن يأتوا بسورةٍ مِن غیر اللسانِ الذی هو نظیرُ اللسانِ الذی نزَل به
القرآنُ ، فيقدِروا أن يقولوا: كلَّفْتنا ما لو أحسنَاه أتينا به ، وإنا لا نقدرُ على الإتيانِ به ؛
لأنا لسنا مِن أهل اللسانِ الذى كلَّفتَنا الإتيانَ به، فليس لك علينا بهذا حجةٌ ؛ لأنا
وإن عجزنا عن أن نأتِىَ بمثلِه مِن غيرٍ ألشُنِنا - لأنا لسنا مِن أهلِه - ففى الناسِ خلقٌ
كثيرٌ مِن غيرِ أهلِ لسانِنا يقدِرُ على أن يأتِىَ بمثله مِن اللسانِ الذى كلَّفتنا الإتيانَ به .
ولكنه جلّ ثناؤُه قال لهم: ائتوا بسورةٍ مِن مثلِه؛ لأن مثلَه مِن الألسنِ ألسنُكم ،
(١) سقط من : م.

٣٩٩
سورة البقرة : الآية ٢٣
وأنتم - إن كان محمدٌ اخْتَلقه وافْتَراه - إذا اجتَمَعتم وتظاهرتم على الإتيانِ بمثلٍ
سورةٍ منه مِن لسانِكم وبيانِكم ، أقدرُ على اختلاقِه ورصفِه (١) وتأليفِه مِن محمدٍ
عَظله، وإن لم تكونوا أقدر عليه منه، فلن تعجزوا وأنتم جميع عما قدر عليه محمدٌ
مِن ذلك وهو وحيدٌ(١) ، إن كنتم صادقين فى دَعْواكم وزعمِكم أن محمدًا اقْتَراه
واختلقه وأنه مِن عند غیری .
("القولُ فى تأويلٍ قولِه جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ [١٣/٢ و] مِّن دُونِ اللَّهِ
إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
٢٣
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿ وَأَدْعُواْ شُهَدَاءَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن
كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾؛ فقال ابنُ عباسٍ ما حدَّثنا به محمدُ بنُ محُميدٍ ، قال: حدَّثنا
سَلَمَةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ ، عن عكرمةً، أو عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴾
يعنى : أعوانكم على ما أنتم عليه إن كنتم صادقين(١).
/ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: حدَّثنا أبو عاصم، قال: حدَّثنا عيسى، عن ١٦٧/١
ابنِ أبى (٥) تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ﴾: ناسٌ يَشْهَدون لكم(١).
(١) فى م: ((وضعه)).
(٢) فى م: (( وحده )).
(٣ - ٣) زيادة من : الأصل.
(٤) سيرة ابن هشام ٥٣٣/١، ٥٣٤، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣/١، ٦٤ (٢٤٠) من طريق سلمة
به .
(٥) سقط من: م.
(٦) سقط من: ص، ر، م، ت١، ت٢، ت٣.
والآثر فى تفسير مجاهد ص ١٩٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤/١ (٢٤٢).

٤٠٠
سورة البقرة : الآية ٢٣
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، عن شبلٍ، عن ابن أبى تَجِيحٍ ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا أبو كُريبٍ ، قال: حدَّثنا وكيع، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ ،
قال : قومٌ يَشهَدون لكم .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : حدَّثنا الحسينُ ، قال: حدَّثنا حجاج، عن ابنٍ تجريجٍ ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ﴾ قال: ناسٌ يَشْهَدون. قال ابنُ جُريج:
شُهَدَآءَكُمْ﴾ عليها إذا أتيتم بها أنها مثلُه؛ مثلُ القرآنِ. وذلك قولُ اللَّهِ لمن شكَّ
مِن الكفارِ فيما جاء به محمدٌ عَلَّه (١).
وقولُه: ﴿وَأَدْعُواْ﴾ يعنى: اسْتَنصروا واستَعِينُوا، كما قال الشاعرُ:
دَعَوْا يَا لَكَعْبٍ(٢) واعْتَزَيْنا(*) لِعامِرٍ
فَلَمَّا الْتَقَتْ قُرْسانُنا ورَجِالُهُم
يعنى بقولِه: دَعَوا يا لَكَغْب : اسْتَنصروا كعبًا واستغاثوا بهم.
وأما الشهداءُ، فإنها جمعُ شهيدٍ، كما الشر كاء جمعُ شريكٍ ، والخطباءُ جمعُ
خطيبٍ . والشهيدُ يُسمَّى به الشاهدُ على الشىءٍ لغيرِه بما يُحقِّقُ دَعْواه، وقد يُسمَّى
به المُشاهِدُ للشىءِ ، کما يقال : فلانٌ جلیسُ فلانٍ ، یغْنِی به مُجالِسَه، وندمُه، يَغْنِی
به مُنادِمَه، وكذلك يقالُ : شهيدُه . يَغْنِى به مُشاهِدَه .
(١) ينظر تفسير ابن أبى حاتم ٦٣/١ (٢٣٦).
(٢) البيت للراعى النميرى، وهو فى ديوانه ص ١٤٥.
(٣) فى الديوان: ((لكلب)).
(٤) اعتزی : انتسب، صدقًا کان أو كذبًا. اللسان (ع زو).
(٥) فى ر، م: (( استعانوا)).