Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سورة البقرة : الآية ١
سَلَمةُ بنُ الفضلِ، / قال: حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى الكلْبى، عن ٩٣/١
أبى صالحٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ رِئابٍ ، قال : مرَّ أبو ياسرٍ بنُ
ذَلِكَ الْكِتَبُ
أَخْطَبَ برسولِ اللَّهِ عَ لَهِ وهو يَتْلُو فاتحةَ(١) سورة البقرة ﴿ الَمَّ﴾
لَاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ فأتَى أخاه حُتَّىَّ بنَ أخْطَبَ فى رجالٍ مِن يهودَ، فقال: تَعْلَمُون(١)
واللَّهِ، لقد سمِعْتُ محمدًا يَثْلُو فيما أَنْزَل اللَّهُ عليهِ ﴿الَّ ﴿ ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾
فقالوا: أنت سمِعْتَه؟ قال: نعم. فمشَى حُبَىُ بنُ أَخْطَبَ فى أولئك النفرِ مِن يهودَ
إلى رسولِ اللهِ عَّهِ، فقالوا: يا محمدُ، ألم يُذْكَوْ لنا أنك تَثْلُو فيما أُنْزِل عليك
ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾؟ فقال رسولُ اللّهِ عَهِ: (بَلَى)). قالوا: أجاءك
﴿ الرَ@
بها(٣) جبريلُ مِن عندِ اللَّهِ؟ فقال: ((نَعَمْ)). قالوا: لقد بعَث اللَّهُ قبلَك أنبياءَ ما نَعْلَمُه
بيَّن لنبيِّ منهم ما مُدَّةُ مُلْكِه، وما أَكْلُ(٤) أمَّتِهِ غيرَك. فقال حُبَىُّ بِنُ أَخْطَبَ وأقبلَ
على مَن كان معه ، فقال لهم: الألفُ واحدةٌ ، واللامُ ثلاثونَ، والميمُ أربعون ، فهذه
إحدى وسبعون سنةٌ ، أفتَدْخُلُونَ(٥) فى دينٍ نبيِّ إنما مدةُ مُلْكِه وأَكلُ (٤) أَمَّتِه إحدى
وسبعونَ سنةً؟ قال: ثم أقبلَ على رسولِ اللَّهِ ◌َِّ ، فقال: يا محمدُ ، هل مع هذا
غيرُه؟ قال: ((نَعَمْ )). قال: ماذا؟ قال: ((﴿الَّصَ﴾)). قال: هذه أثقلُ وأطولُ؛
الألفُ واحدةٌ، واللامُ ثلاثون، والميم أربعون، والصادُ تسعون ١١ ، فهذه إحدى
(١) بعده فى ص: ((الكتاب)).
(٢) فى سيرة ابن هشام: ((تعلّموا)). أى: اعلموا.
(٣) فى ص، م: (( بهذا)) .
(٤) فى م، ت ٢: ((أجل)). والأكل: الرزق. ومنه قيل للميت: انقطع أكله. اللسان (أك ل). والمراد مدة
الأمة التى يأكلون فيها رزقهم .
(٥) فى م: ((قال : فقال لهم : أتدخلون)).
(٦) فى م: ((أجل)).
(٧) فى ر، ونسخة من سيرة ابن هشام: ((ستون)).

٢٢٢
سورة البقرة : الآية ١
وستون (١) ومائةُ سنةٍ. هل مع هذا يا محمدُ غيرُه؟ قال: ((نَعَمْ)). قال: ماذا؟ قال :
(﴿الَرَّ﴾)). قال: هذه أثقلُ وأطولُ؛ الألفُ واحدةٌ، واللامُ ثلاثون، والراءُ
مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنةٍ. فهل(١) مع هذا غيرُه يا محمدُ ؟ قال :
((نَعَمْ، ﴿الَّمَرَّ﴾)). قال: فهذه أثقلُ وأطولُ؛ الألفُ واحدةٌ، واللامُ ثلاثون،
والميمُ أربعون، والراءُ مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنةٍ. ثم قال: لقد لُس
علينا أمْرُك يا محمدُ حتى ما نَذْرِى أقليلًا أَعْطِيتَ أم كثيرًا. ثم قاموا عنه، فقال
أبو ياسرٍ لأخيه حُبِىٌّ بنِ أَخْطَبَ ولمن معه مِن الأحبارِ: ما يُدْرِيكم لعلَّه قد جُمِع
هذا كلُّه لمحمدٍ ؛ إحدى وسبعون، وإحدى وستون (١) ومائةٌ، وإحدى وثلاثون
ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائةٍ وأربع " وثلاثون).
فقالوا: لقد تَشابَه علينا أمرُه. فيَزْعُمون أن هؤلاء الآياتِ نزَلَت فيهم ﴿هُوَ
الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَكَ الْكِتَبَ مِنْهُ ءَايَاتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُ الْكِنَبِ وَأَخَرُ مُتَشَبِهَةٌ﴾ (٥
[ آل عمران: ٧] .
قالوا : قد صرّحُ هذا الخبرُ بصحةٍ ماقلنا فى ذلك مِن التأويلِ وفسادٍ ما قاله
مُخالِفونا فيه .
(١) فى ت ٢، ونسخة من سيرة ابن هشام: ((ثلاثون)). وهو مبنى على التقدير السابق للصاد.
(٢) فى ر، م، ت ٢: ((فقال: هل)) .
(٣) فى ر: ((ثلاثين))، وفى ت ٢: (( ثلاثون)) .
(٤ - ٤) فى ص، ر، ت ٢، ونسخة من سيرة ابن هشام: ((سنين)).
(٥) أخرجه البخارى فى التاريخ ٢٠٨/٢ معلقا عن سلمة بن الفضل به. وقال ابن كثير فى تفسيره ١/ ٥٩،
٦٠: حديث ضعيف ... مداره على محمد بن السائب الكلبى، وهو مما لا يحتج بما انفرد به .
واختلف فيه على ابن إسحاق . ينظر تاريخ البخارى، وسيرة بن هشام ٥٤٥/١.
(٦) فى ص: ((صح)).

٢٢٣
سورة البقرة : الآية ١
والصوابُ عندى مِن القول فى تأويلٍ مَّفاتح السورِ التى هى حروفُ المُعْجَم ، أن
اللَّهَ جلَّ ثناؤه جعَلها حروفًا مُقَطَّعَةٌ، ولم يَصِلْ بعضَها ببعضٍ فَيَجْعَلَها كسائرِ الكلامِ
المتَّصِلِ الحروفِ ؛ لأنه عزَّ ذكرُه أراد بلطفِه(١) الدلالةَ بكلِ حرفٍ منه على مَعانٍ كثيرةٍ
لا علی معنی واحدٍ ، کما قال الربيعُ بنُ أنسٍ ، وإن کان الربیئُ قد اقتصر به علی معانٍ
ثلاثةٍ دون ما زاد عليها .
والصوابُ فى تأويلِ ذلك عندى أن كلَّ حرفٍ منه يَحْوِى ما قاله الربيعُ وما قاله
سائرُ المُفَشْرِين غيرُه فيه ، سوى ما ذكّرْتُ مِن القولِ عمَّن ذكَرْتُ عنه مِن أهلِ العربيةِ
أنه كان يُوَجّهُ تأويلَ ذلك إلى أنه حروفُ هِجاءٍ استُغْنِى بذكرِ ما ذُكِر منه فى مَفاتحٍ
السورِ عن ذكْرٍ تَتِمَّةِ الثمانيةِ والعشرين الحرفِ(٢) مِن حروفِ المُغُجَم، بتأويلٍ: أن
هذه الحروفَ ذلك الكتابُ، مجموعةً، / لا ريبَ فيه. فإِنه قولٌ خطأٌ فاسدٌ، ٩٤/١
لخروجِه عن أقوالٍ جميع الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الخالِفِينُ(١) مِن أهلِ
التفسيرِ والتأويلِ، فكفَى دلالةً على خطئِه شهادةُ الحُجَّةِ عليه بالخطأً ، مع إبطالٍ قائل
ذلك قولَه الذى حكَيْناه عنه - إذ صار إلى البيانِ عن رفعٍ ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ -
بقوله مرةً : إنه مرفوعٌ كلَّ واحدٍ منهما بصاحبِهِ . ومرةً أخرى : إنه مرفوعٌ بالراجعِ
مِن ذكرِه فى قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِهِ﴾. ومرةً بقولِه: ﴿هُدِّى لِلْثَّقِينَ﴾ . وذلك
تركّ منه لقوله: إن ﴿الَّمَ﴾ مرافعةٌ ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾. وخروجٌ من القولِ الذى
ادَّعاه فى تأويلِ ﴿الّ ◌َ ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾. وأن تأويلَ ذلك: هذه الحروفُ
ذلك الكتابُ .
(١) فى م: (( بلفظه)) .
(٢) فى ر: ((الحروف))، وفى م: ((حرفا)).
(٣) فى ص: ((المخالفين)).

٢٢٤
سورة البقرة : الآية ١
فإن قال لنا قائلٌ : وكيف يَجوزُ أن يكونَ حرفٌ واحدٌ شاملًا الدلالةَ على معانٍ
كثيرةٍ مختلفةٍ ؟
قيل: كما جاز أن تكونَ كلمةٌ واحدةٌ تَشْتَمِلُ على مَعانٍ كثيرةٍ مختلفةٍ ، نحوَ
قولهم للجماعةِ مِن الناسِ: أُثَّةٌ . وللحينِ مِن الزمانِ: أُمّةٌ. وللرجلِ المُتْعَبِّدِ المُطِيعِ
للَّهِ: أُمَّةٌ . وللدِّينِ والمِلَّةِ: أَمَّةٌ. وكقولِهم للجَزاءِ والقِصاصِ: دِينٌّ. وللسلطانِ
والطاعةِ : دِينٌ. وللتَّذَلِّلِ: دينٌ. وللحسابِ: دِينٌ. فى أشباهٍ لذلك كثيرةٍ يَطولُ
الكتابُ بإحصائِها، مما يَكونُ مِن الكلامِ بلفظٍ واحدٍ، وهو مُشْتَمِلٌ على مَعانٍ
كثيرةٍ، فكذلك قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿الَّمَ﴾ و﴿الَرَّ﴾ و﴿الْقِصّ﴾ وما أشْبَه
ذلك مِن حروفِ المُغُجَمِ التى هى فَوائحُ أوائلِ السورِ ، كلُّ حرفٍ منها دالٌّ على معانٍ
شَتَّى ، شاملٌ جميعُها مِن أسماءِ [٢٦/١ و] اللَّهِ عزَّ وجلَّ وصفاتِه ما قاله المفسّرُون مِن
الأقوالِ التى ذكرناها عنهم ، وهنَّ مع ذلك فَواتحُ السورِ ، كما قاله مَن قال ذلك ،
وليس كونُ ذلك مِن حروفٍ أسماءِ اللَّهِ جل ثناؤُه وصفاتِه، بمانِعِها أن تكونَ للسورِ
فَواتحَ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤه قد افْتَتَح كثيرًا مِن سورِ القرآنِ بالحمدِ لنفسِه والثناءِ عليها ،
وكثيرًا منها بتَمْجيدِها وتعظيمِها ، فغيرُ مستحيل أن يَتَدِىَ بعضَ ذلك بالقَسَمِ بها .
فالتى ابتُدِئ أوائلُها بحروفِ المعجم ، أحدُ معانى أوائلِها أنهنَّ فَواتحُ ما افتتح
بهن مِن سُوَرِ القرآنِ ، وهن مما أَقْسَمَ بهن؛ لأن أحدَ معانيهنَّ أنهنَّ مِن حروفٍ أسماءِ
اللَّهِ تعالى ذكْرُه وصفاتِهِ، على ما قدَّمْنا البيانَ عنها ، ولاشكَّ فى صحةٍ معنى القسم
باللَّهِ وأسمائِه وصفاتِه . وهن مِن حروفٍ حسابِ الجُمَّلِ، وهن للسورِ التى انْتُتِحَت
بهن شِعارٌ وأسماء، فذلك يَحْوِى مَعانىَ جميع ما وصَفْنا مما بيَنَّا مِن وُجوهِه؛ لأن
(١ - ١) فى ر: ((ذكرنا ما)).

٢٢٥
سورة البقرة : الآية ١
اللَّهَ جلَّ ثناؤه لو أراد بذلك أو بشىءٍ منه الدلالةَ على معنًى واحدٍ مما يَحْتَمِلُهُ(١) ذلك،
دون سائرِ المعانى غيرِهِ، لأبان ذلك لهم رسولُ اللَّهِ يَّهِ إبانةً غيرَ مُشْكِلةٍ ، إِذ كان
جلَّ ثناؤه إنما أُنْزَل کتابه على رسوله آلآمِ لُبيِّنَ لهم ما اخْتَلَفوا فيه ، وفی تر کِە پلِّ
إبانةَ ذلك أنه مرادٌ به مِن وُجوهٍ تأويله البعضُ دون البعضِ - أوضحُ الدليلِ على أنه
مرادٌ به جميعُ وجوهِه التى هو لها مُحْتَمِلٌ، إذُ(١) لم يكنْ مُسْتَحِيلًا فى العقلِ وجة
منها أن يَكونَ مِن تأويله ومعناه، كما كان غيرَ مستحيلِ اجتماعُ المعانى الكثيرةِ
للكلمةِ الواحدةِ باللفظِ الواحدِ فى كلامٍ واحدٍ .
ومَن أتَى ما قلْناه فى ذلك ، سُئِل الفرقَ بينَ ذلك وبينَ سائرِ الحروفِ التى تَأْتِى
بلفظٍ واحدٍ ، مع اشتمالِها على المعانى الكثيرةِ المختلفةِ، كالأَمَّةِ والدِّينِ وما أشْبَه ذلك
مِن الأسماءِ والأفعالٍ، فلن يقولَ فى أحدٍ (٣) ذلك قولًا إلا أُلْزِمٍ فى الآخرِ مثلَه.
وكذلك يُسألُ كلُّ مَن تأوَّل شيئًا مِن ذلك على وجهٍ دون الأوجهِ الأُخَرِ التى
وصَفْنا، / عن البرهانِ على دَعْواه، من الوجهِ الذى يَجِبُّ التسليمُ له، ثم يُعارَضُ ٩٥/١
بقولٍ مُخالِفِه فى ذلك ، ويُسْألُ الفرقَ بينَه وبينَه ، مِن أصل، أو مما يَدُلُّ عليه أصلٌ .
فلن يقولَ فى أحدِهما قولًا إلا أُلْزِم فى الآخرِ مثلَه .
وأما الذى زعَم مِن النحويِّين أن ذلك نظيرُ ((بل)) فى قولِ المُشِدِ شِعرًا(٤):
بل* ما هاج أخزانًا وشجوًا قد شَجًا
وأنه لا معنى له، وإنما هو زيادةٌ فى الكلام معناه الطَّرْح. فإنه أخْطَأُ مِن
(١) فى ص، م: ((لا يحتمله)).
(٢) فى ص: ((إذا)).
(٣) فى ص: ((واحد من)).
(٤) تقدم فى ص ٢١٥ .
( تفسير الطبرى ١٥/١ )

٢٢٦
سورة البقرة : الآية ١
وُجوهِ شَتَّى :
أحدُها : أنه وصَف اللَّهَ تعالى ذكرُه بأنه خاطَب العربَ بغيرِ ما هو مِن لغتِها ،
وغيرِ ما هو فى لغةٍ أُحدٍ مِن الآدميّين ، إذ كانت العربُ وإن كانت قد كانت تَفْتَتِحُ
أوائلَ إنشادِها ما أُنْشَدَت مِن الشعرِ بـ ((بل))، فإنه معلومٌ منها أنها لم تكنْ تَبْتَدِئُ
شيئًا مِن كلامِها بـ ﴿الَّمَ﴾ و﴿الَرَّ﴾ و﴿ الْمَصَ﴾ (بمثلٍ معنَى) ابتدائِها ذلك
بـ ((بل)). وإذ كان ذلك ليس مِن ابتدائِها، وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤه إنما خاطَبهم بما
خاطبهم به(١) مِن القرآن بما يَغْرِفون مِن لغاتهم، ويَسْتَغْمِلون بینھم مِن مَنْطِقِهم فى
جميعِ آيِهِ - فلا شكَّ أن سبيلَ ما وصَفْنا مِن حروفِ المُعْجَم التى افتُحت بها أوائلُ
السورِ التى هن لها فَوائحُ ، سبيلُ سائرِ القرآنِ فى أنه لم يَعْدِلْ بها عن لغاتهم التى كانوا
بها عارِفین، ولها بینھم فی منطقهم مُسْتغمِلین؛ لأن ذلك لو كان معدولا به عن
سبيلٍ لغاتهم ومَنْطِقِهم، كان خارجًا عن معنى الإبانةِ التى وصَف اللَّهُ جلَّ ثناؤه بها
پِلِسَانٍ
١٩٤
عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينُّ
١٩٣
القرآنَ ، فقال: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ
عَبٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]. وأنَّى يكونُ مُبِينًا ما لا يَعْقِلُه ولا يفهمُه(٣) أحدٌ
مِن العالمِين، فى قول قائلِ هذه المقالةِ ، ولا يُعْرَفُ فى مَنْطِقٍ أحدٍ مِن المخلوقين فى
قولِه؟ وفى إخبارِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه عنه أنه عربىٌّ مُبيٌّ، ما يُكْذِبُ قائلَ(٤) هذه المقالةِ،
ويُنْبِئُ عنه أن العربَ كانوا به عالِين، وهو لها مُسْتَبِينٌ، فذلك أحدُ أوجهِ خطئِه .
والوجهُ الثانى مِن خطئِه فى ذلك : إضافته إلى اللَّهِ جلَّ ثناؤه أنه خاطَب عبادَه بما
(١ - ١) فى ص، م، ت ٢: ((بمعنى)).
(٢) سقط من: م.
(٣) فى م: ( يفقهه)) .
(٤) سقط من: ص، م.

٢٢٧
سورة البقرة : الآية ١
لا فائدةً لهم فيه، ولا معنَى له مِن الكلام، الذى سواءٌ الخطابُ (١) به وتركُ الخطاب
به ؛ وذلك إضافةُ العَبَثِ الذى هو مَنْفِىٌّ فى قولٍ جميع المُوَحَّدين عن اللَّهِ ، إلى اللَّهِ
تعالی ذکرُه .
والوجهُ الثالثُ مِن خطئِهِ: أن ((بل)) فى كلامِ العربِ مفهومٌ تأويلُها ومعناها ،
وأنها تُدْخِلُها فى كلامِها رجوعًا عن كلام لها قد تقَضَّى، كقولهم: ما جاءنى
أخوك، بل أبوك، وما رأيتُ عمرًا، بل عبدَ اللهِ . وما أشْبَه ذلك مِن الكلام، كما قال
أَغْشَى بنى ثَعْلبةً(٢):
وثلاثَ عشْرةَ واثنتَيْن وأربعًا
ولَأَشْرَبَنَّ ثَمانِيًا وَثَمَانِيًا
ومضَى فى كلمتِه حتى بلغ قولَه :
بالجُلَّسَانِ(٢) وطَيِّبٍ أَرْدانُه(4)
بِالوَنِّ(٥) يَضْرِبُ لى يَكُهُ(١) الإِصْبَعَا
ثم قال :
واذكُرْ فَتَّى سَمْحَ الخَلَيقةِ أَرْوَعا
بل عَدِّ هذا فى قَريضٍ غيرِهِ
فكأنه قال: دَعْ هذا، وخُذْ فى قَريضٍ غيرِه. فـ((بل)) (٧) إنما يَأْتى فى
كلامِ العربِ على هذا النحوِ مِن الكلام. / فأما افتتاحًا لكلامِها مُبْتَدَأ بمعنى ٩٦/١
(١) بعده فى ص: ((فيه)).
(٢) البيتان الأولان فى الشعر والشعراء ٢٥٨/١.
(٣) الجلسان، فارسى معرب، يقال: إنه الورد . ويقال : قبة يصنعونها ويجعلون عليها الورد . المعرب ص
١٥٣، ١٥٤. والبيت فيه .
(٤) الأردان، جمع رُذن: وهو كم القميص. اللسان (رد ن).
(٥) الونُّ: الصنج الذى يضرب بالأصابع. اللسان (ون ن).
(٦) فى ر، م: ((یکد)).
(٧) فى ص، ر، ت٢ : ((قيل)).

٢٢٨
سورة البقرة : الآيتان ٢،١
التطويلِ(١) والحذفِ، مِن غير أن يَدُلَّ على معنًى، فذلك ما(٢) لا نَعْلَمُ أحدًا ادَّعاه مِن
أهلِ المعرفةِ بلسانِ العربِ ومَنْطِقِها ، سوى الذى ذكَرْتُ قولَه، فيكونَ ذلك أصلاً
يُثَبَّهُ به حُروفُ المُعْجَم التى هى فَوائحُ سورِ القرآنِ التى انْتُتِحَت بها ، لو كانت له
مُشْبِهَةً، فكيف وهى مِن الشبهِ به بعيدةٌ ؟
[٢٦/١ ظ] القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ .
قال عامَّةُ المفسرين: تأويلُ قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾ : هذا
الکتابُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى هارونُ بنُ إدريسَ الأَصَمُ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ
المحارِيئُّ، عن ابنٍ مُجُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾. قال: هو هذا
(٣)
الكتابُ(٣).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أَخْبَرَنا خالدٌ الحَذَّاءُ،
عن عكرمةَ، قال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾: هذا الكتابُ(٤).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال :
حدَّثْنا الحَكَمُ بنُ ظُهَيرٍ، عن الشّدِّىِّ فى قولِه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾. قال: هذا
(٥)
الكتابُ(٥).
(١) فى ص، ر: ((البطول))، وفى ت ٢: ((التطول)).
(٢) فى م: (( مما)).
(٣) ذكره ابن کثیر فی تفسيره ٦٠/١ عن مجاهد .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣/١ (٥٣) من طريق ابن علية به .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣/١ عقب الأثر (٥٣) من طريق أسباط، عن السدى. وأخرجه =

٢٢٩
سورة البقرة : الآية ٢
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنى
حجَّاجْ، عن ابنِ جُرَيْج قولَه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾. قال: هذا الكتابُ . قال :
وقال ابنُ عباسٍ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾: هذا الكتابُ(١).
فإن قال قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يكونَ ﴿ذَلِكَ﴾ بمعنى ((هذا))؟ و((هذا))
لاشكَّ إشارةٌ إلى حاضرٍ مُعايَنٍ، و﴿ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى غائبٍ غيرِ حاضرٍ ولا
مُعاینِ؟
قيل: جاز ذلك؛ لأن كلَّ ما تقَضَّى (" وقَرِّب٢) تَقَضِّيه من الإخبارِ ، فهو وإن
صار بمعنى غيرِ الحاضرِ، فكالحاضرِ عندَ المخاطَبِ، وذلك كالرجلِ يُحَدِّثُ الرجلَ
الحديثَ ، فيقولُ السامعُ : إن ذلك واللَّهِ لكما قلتَ. و: هذا واللَّهِ كما قلتَ. و:
هو واللَّهِ كما ذكَوْتَ. فيُخْبِرُ عنه مرةً بمعنى الغائبِ، إذ كان قد تقَضَّى ومضَى،
ومرةً بمعنى الحاضرِ ، لقُرْبٍ جوابِهِ مِن كلامٍ مُخْبِرِهِ، كأنه غيرُ مُنْقَضٍ، فكذلك
◌َ ذَلِكَ﴾ فى قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾. لأنه جلَّ ذكرُه لما قدَّم قبلَ ﴿ذَلِكَ
اُلْكِتَبُ﴾ ﴿الْمَ﴾ التى ذكَرْنا تصَرُّفَها فى وجوهِها مِن المعانى على ما وصَفْنا،
قال النبيِّه عَّهِ: يا محمدُ، هذا الذى ذكَرْتُه وبيَّنْتُه لك ، الكتابُ . ولذلك حسن
وضعُ ﴿ذَلِكَ﴾ فى مكانِ ((هذا))؛ لأنه أَشِير به إلى الخبرِ عما تضَمَّنه قولُه
﴿الَمَ﴾ مِن المعانى، بعدَ تقَضِّى الخبرِ عنه بـ ﴿الَمّ﴾ فصار لقربِ الخبرِ عنه مِن
تقَضِّيه، كالحاضرِ المشارِ إليه، فأخْبَر عنه بـ﴿ذَلِكَ﴾ لانْقِضائِه، ومصيرِ الخبرِ عنه
= الحاكم ٢٦٠/٢ من طريق أسباط، عن السدى، عن مرة، عن ابن مسعود. وقال: صحيح على شرط
مسلم .
(١) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٦٠، وفتح القدير ٣٣/١.
(٢ - ٢) فى ص: ((بقرب))، وفى ر: ((فقرب)).

٢٣٠
سورة البقرة : الآية ٢
كالخبرِ عن الغائبِ. وترجمه المفسّرون أنه بمعنى ((هذا))؛ لقربِ الخبرِ عنه مِن
انقضائِهِ، فكان كالمُشاهَدِ (١) المشارِ إليه بـ ((هذا))، نحوَ الذى وصَفْنا مِن الكلامِ
الجارى بينَ الناسِ فى مُحاوراتِهم، وكما قال جلَّ ذكرُه: ﴿وَأَذْكُرْ إِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ
هَذَا ذِكْرٌ﴾ [ص: ٤٨ - ٤٩]. فهذا ما فى ﴿ ذَلِكَ!
ج
وَذَا الْكِفْلِ وَكُلُّ مِنَ الْأَخْيَارِ (@
إذا عنى بها ) ((هذا)).
وقد يَحْتَمِلُ قولُه جلَّ ذكرُه: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾. أن يكونَ مَغْنِيًّا به السورُ
٩٧/١ التى نزَلَت قبلَ سورة البقرة بمكةً والمدینة ، فكأنه قال جلَّ ثناؤه لنبيّه محمد غانم: / یا
محمدُ ، اعْلَمْ أن ما تضَمَّنَتْه سورُ الكتابِ التى قد أَنْزَلْتُها إليك هو الكتابُ الذى لا
ريب فيه، ثم ترجَمه الْمُفَسِّرون بأن معنى ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الكتابُ ، إذ كانت تلك
السورُ التى نزَلَت قبلَ سورة البقرةِ مِن جملةٍ جميع كتابِنا هذا الذى أَنْزَلَه اللَّهُ عزَّ وجلَّ
على نبينا محمدٍ عالٍ .
وكان التأويلُ الأولُ أولى بما قال الْمُفَسِّرون؛ لأن ذلك أظهرُ معانى قولهم
الذى قالوه فى : ﴿ذَلِكَ﴾ .
وقد وجّه معنى ﴿ذَلِكَ﴾ بعضُهم إلى نظيرِ معنى بيتِ خُفَافٍ بِنِ نُدْبَةَ
(٣)
الشُّلَميِّ(٣) :
فإِن تَكُ خَيْلى قد أُصِيب صَمِيعُها فَعَمْدًا على عَيْنِ تَيَمَّمْتُ مالِكًا (٤
(١) فى ص، ر، ت ٢: ((كالشاهد)).
(٢) فى ر: ((بهذا))، وفى ت ٢: (( به)).
(٣) الأغانى ٢/ ٣٢٩، الخزانة ٤٣٨/٥ - ٤٤٠. وسيأتى البيت الثانى فى تفسير الآية ٨٥ من سورة البقرة .
(٤) هو مالك بن حمار الفزارى. ينظر الأغانى ٣٢٩/٢.

٢٣١
سورة البقرة : الآية ٢
تأمَّلْ خُفافًا إننى أنا ذلِكا
أقولُ له والوفخُ يَأْطِئُ(١) مثته
كأنه أراد: تأْمَّلْنِى أنا ذلك. فَرَعَمَ(٢) أن ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ بمعنى
((هذا)) (" نظيرَ ما أَظْهَر خُفافٌ مِن اسمِه على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ، وهو
مُخْبِرٌ عن نفسِه، فكذلك(٤) أَظْهَر ﴿ذَلِكَ﴾ بمعنى الخبرِ عن الغائبِ، والمعنى فيه
الإشارةُ إلى الحاضرِ المُشاهَدِ .
والقولُ الأولُ أولى بتأويلِ الكتابِ ؛ لما ذَكَوْنا مِن العِلَلِ.
وقد قال بعضُهم: ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ يعنى به التوراةَ والإنجيلَ(٥). وإذا وُجُه
تأويلُ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى هذا الوجهِ، فلا مئونةَ فيه على مُتَأوَّلِه كذلك؛ لأن ﴿ ذَلِكَ﴾
يكونُ حينئذٍ إخبارًا عن غائبٍ على صحةٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِهِ : ﴿لَا رَيْبٌ فِهِ﴾.
وتأويلُ قولِهِ : ﴿لَا رَيْبٌ فِهِ﴾ : لا شكَّ فيه.
كما حدَّثنى هارونُ بنُ إدريسَ الأصمُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ المحارِىُّ،
عن ابنٍ مُجرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿لَا رَيْبٌ فِهِ﴾ قال: لاشكَّ فيه(١) .
حدَّثنى سَلَّامُ بنُ سالم الخُراعىُّ، قال: حدَّثنا خَلَفُ بنُ ياسِينَ الكوفىُ ،
(١) أطر الشىء: عطفه وثناه. تاج العروس (أط ر).
(٢) فى م: ((فرأى)).
(٣ - ٣) فى ص: ((نظيره)).
(٤) فى م: ((لذلك)).
(٥) قال ابن كثير فى تفسيره ٦٧/١: ومن قال إن المراد بـ ﴿ذلك الكتاب﴾ الإشارة إلى التوراة والإنجيل ...
فقد أبعد النجعة وأغرق فى النزع وتكلف ما لا علم له به .
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤/١ إلى المصنف .

٢٣٢
سورة البقرة : الآية ٢
عن عبدِ العزيزِ بنِ أبِى رَؤَّادٍ(١)، عن عطاءٍ: ﴿لَاَ رَيْبُّ فِيهِ﴾ قال: لا شكَّ
(٢)
فيه(٢).
حدَّثنى أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ،
قال: حدَّثنا الحَكَمُ بنُ ظُهَتْرٍ، عن السدىِّ، قال: ﴿لَا رَيْبٌ فِهِ﴾ : لا شكَّ
(٣)
ـيه(٣).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ الهَمْدانُ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ ، قال: حدَّثنا
أَسْباطُ ، عن الشُّدِّىِّ فى خبرِ ذكّرَه عن أبى مالكِ ، وعن أبى صالح، عن ابنِ عباسٍ،
وعن مُرَّةَ الهَمْدانىٌّ، عن ابن مسعودٍ ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبىِّ عَلَه ﴿لَا رَيْبَ
فِهِ ﴾ : لاشكَّ فيه(٤) .
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ
إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيد
ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا رَيْبَ فِهِ﴾: لا شكَّ فيه (٥).
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن
ابنِ مُجُرَيْجٍ، قال : قال ابنُ عباسٍ: ﴿لَا رَيْبَ فِهِ﴾ . يقولُ: لا شكَّ فيه.
(١) فى ص: ((داود)). ينظر تهذيب الكمال ١٣٦/١٨.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٤/١ عقب الأثر (٥٥) معلقا .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٤/١ عقب الأثر (٥٥) من طريق أسباط عن السدى.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦١/١ عن السدى به. وأخرجه الحاكم ٢٦٠/٢ من طريق عمرو بن حماد،
عن أسباط، عن السدى ، عن مرة ، عن ابن مسعود. وقال : صحيح على شرط مسلم .
(٥) سيرة ابن هشام ٥٣٠/١. وذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٤/١ عقب الأثر (٥٥) معلقا . وأخرجه أيضا
٦٣/١ (٢٣٤) - عند قوله: ﴿وإن كنتم في ريب﴾ - من طريق سلمة بن الفضل به.

٢٣٣
سورة البقرة : الآية ٢
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: [٢٧/١و] أُخْبَرَنا
مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا رَيْبُ فِهِ﴾. يقولُ: لا شكَّ فيه(١).
/ وحُدِّثت عن عَمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللّهِ بنُ أبى جعفرٍ، ٩٨/١
عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ قوله: ﴿لَا رَيْبٌ فِهِ﴾ يقولُ: لاشكَّ
(٢)
فیه(٢) .
وهو مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: رابَنى الشىءُ يَرِيبُنِى رَيْبًا. ومِن ذلك قولُ ساعدةَ
ابنِ مُؤَّيَّةَ الهُذَلِيِّ(٣) :
فلا ريبَ أن قد كان ثَمَّ لَحَيمُ
فقالوا ترَكْنا الحَّ قد حصِروا به
ويُرْوَى: حصَروا، وحصِروا. والفتحُ أكثرُ، والكسرُ جائزٌ. يعنى بقولِه :
حصروا به : أطافوا به . ويعنى بقولِه: لا رَيْبَ: لا شكَّ. وبقولِه : أن قد كان ثَمَّ
لَحيم. يعنى قَتِيلًا . يقالُ: قد لحُم . إذا قُتل .
والهاءُ التى فى ﴿فِيهِ﴾ عائدةٌ على الكتابِ ، كأنه قال : لا شكَّ فى ذلك
الكتابِ أنه مِن عندِ اللَّهِ هُدَّى للمُتَّقِين .
القولُ فی تأويلٍ قوله جلَّ ثناؤه : ﴿هُدَى﴾
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٤/١ عقب الأثر (٥٥) معلقا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٤/١ إلى عبد بن حميد. وعزاه أيضا ٣٥/١ فى قوله: ﴿وإن كنتم فى ريب﴾. إلى المصنف وعبد
الرزاق وعبد بن حميد وابن أبى حاتم. وهو عند ابن أبى حاتم ٦٣/١ عقب الأثر (٢٣٥) معلقا .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٤/١ عقب الأثر (٥٥) من طريق ابن أبى جعفر به . وقال ابن أبى حاتم :
لا أعلم فى هذا الحرف اختلافًا بين المفسرين .
(٣) ديوان الهذليين ١/ ٢٣٢.

٢٣٤
سورة البقرة : الآية ٢
حدَّثنى أحمدُ بنُ حازمِ الغفارىُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم ، قال: حدَّثنا سفيانُ،
عن بَيَانٍ، عن الشعبىِّ: ﴿هُدِّى﴾ قال: هُدًى مِن الضلالةِ(١).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسباطُ
ابنُ نصرٍ، عن إسماعيلَ السُّدِّئِّ فى خبرٍ ذكَرَه عن أبى مالكِ، وعن أبى صالحٍ، عن
ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانىٌّ، عن ابن مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابٍ
النبيِّ ◌َِّ: ﴿هُدًى لِلْتَّقِينَ﴾ يقولُ: نورٌ للمتقين(١).
والهُدى فى هذا الموضع مصدرٌ مِن قولِك: هدَيْتُ فلانًا الطريقَ - إِذا أَرْشَدْتَه
إليه، ودلَلْتَه عليه ، وبَيِّنْتَه له - أَهْدِيهِ هُدّى وهِدايةٌ .
فإن قال لنا قائلٌ: أوَ ما كتابُ اللَّهِ نورًا إلا للمُتَّقِين، ولا رَشادًا إلا
للمؤمنین ؟
قيل : ذلك كما وصَفه ربُّنا عزَّ وجلَّ، ولو كان نورًا لغيرِ المتقين، ورَشادًا لغيرِ
المؤمنين، لم يَخْصُصِ اللَّهُ عزَّ وجلَّ المتقين بأنه لهم هدى ، بل كان يَعُُّ به جميعَ
المُذَرِين، ولكنه هُدّى للمتقين، وشفاءٌ لما فى صدورِ المؤمنين، ووَقْرٌّ فى آذانٍ
المكذِّبين، وعمى الأبصارِ الجاحدين، وحجةٌ للَّه بالغةٌ على الكافرين، فالمؤمنُ به
مُهْتدٍ ، والكافرُ به محجوجٌ .
وقولُه: ﴿هُدِّى﴾ يَحْتَمِلُ أوجهًا مِن المعانى:
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٣٤/١ (٥٧) من طريق أبى نعيم به. وأخرجه أيضًا ٣٤/١ (٥٦، ٥٧)
من طريقين عن سفيان به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤/١ إلى وكيع.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦١/١ عن السدى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤/١ إلى المصنف عن
ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٤/١ (٥٨) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط،
عن السدى من قوله .

٢٣٥
سورة البقرة : الآية ٢
أحدُها: أن يكونَ نصبًا، لمعنى القطع(١) مِن ﴿اَلْكِنَبُ﴾؛ لأنه
نكرةٌ و﴿ اَلْكِنَبُ﴾ معرفةٌ، فيكونُ التأويلُ حينئذٍ: الّمّ ذلك الكتابُ هاديًا
للمتقِين. و﴿ذَلِكَ﴾ مرفوعٌ ب﴿الَمَ﴾، ﴿الَمَ﴾ به، و﴿الْكِنَبُ﴾ نعتٌ
ل﴿ ذَلِكَ﴾ .
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ نصبًا على القطع مِن راجع ذكرٍ ﴿اَلْكِتَبُ﴾ الذى
فى ﴿فِهِ﴾ فيكونُ معنى ذلك حينئذٍ : المّ الذى لاريبَ فيه هاديًا .
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ أيضًا نصبًا على هذين الوجهَيْن ، أعْنِى على وجهِ القطع
مِن الهاءِ التى فى ﴿فِهِ﴾، ومِن ﴿اَلْكِنَبُ﴾ على أن ﴿الّمّ﴾ كلامٌ تامّ، كما
قال ابنُ عباسٍ: إن معناه: أنا اللَّهُ أعلمُ. ثم يكونُ ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ خبرًا
مُسْتَأْنَفًا، فيُرْفَعُ حينَئذٍ ﴿اَلْكِنَبُ﴾ ب﴿ذَلِكَ﴾، و﴿ ذَلِكَ﴾
ب﴿ اَلْكِتَبُ﴾، ويكونُ ﴿هُدَّى﴾ قطعًا مِن ﴿اَلْكِنَبُ﴾، وعلى أن
يُؤْفَعَ ﴿ ذلِكَ﴾ بالهاءِ العائدةِ عليه التى فى ﴿فِيهِ﴾، و﴿ اَلْكِنَبُ﴾ / نعتٌ له، ٩٩/١
والهدى قطئٌ مِن الهاءِ التى فى ﴿ فِهِ ﴾ . وإن مُعِل الهدی فی موضعٍ رفعٍ، لم
يَجُزْ أن يكونَ ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ إلا خبرًا مُسْتَأَنَفًا، و﴿الَّمَ﴾ كلامًا تامًّا
مكتفيًا بنفسِه، إلا مِن وجهٍ واحدٍ، وهو أن يُؤْفَعَ حينئذٍ ﴿ هُدَى﴾ بمعنى
المدح، كما قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه: (الم * تِلْكَ آياتُ الكتابِ الحَكِيم » هُدًى
ورَحْمَةٌ للمُحْسِنِينَ ) [لقمان: ١- ٣]. فى قراءةٍ مَن قَرَأْ (رَحْمَةٌ) بالرفع على المدحِ
(٢)
للآياتِ(٢).
والرفعُ فى ﴿ هُدِّى﴾ حينئذٍ يَجوزُ مِن ثلاثةِ أَوجهٍ ؛ أحدُها : ما ذكَوْنا من أنه
(١) يريد بالقطع هنا الحال. ينظر معانى القرآن ١/ ١١، والمصطلح النحوى ص ١٧٠.
(٢) وهى قراءة حمزة وحده، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائى، بالنصب . السبعة
لابن مجاهد ص ٥١٢.

٢٣٦
سورة البقرة : الآية ٢
﴿ اَلْكِتَبُ﴾
مدخ مُشْتَأْنَفٌ. والآخرُ: على أن يُجْعَلَ مُرافعَ (١) ﴿ذَلِكَ
نعتٌ لـ ﴿ ذَلِكَ﴾. والثالثُ: أن يُجْعَلَ تابعًا لموضع ﴿لَا رَيْبَ فِهِ﴾، ويكونَ
ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾ مرفوعًا بالعائدِ فى ﴿فِهِ﴾ ، فيكونَ كما قال تعالى ذكره :
﴿ وَهَذَا كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ ﴾ [الأنعام: ٩٢، ١٥٥].
وقد زعم بعضُ المتّقَدِّمِين فى العلم بالعربيةِ مِن الكوفِيِّين(١) أن ﴿الَّمَ﴾
مرافعُ(٣) ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾ بمعنى: هذه الحروفُ مِن حروفِ المُغُجَمِ، ذلك
الكتابُ الذى وعَدْتُك أن أُوحِيَه إليك. ثم نقَض ذلك مِن قولِه فأسرع نَفْضَه، وهدَم
ما بنَى فَأَسْرَع هَدْمَه، فزعَم أن الرفعَ فى ﴿هُدِّى﴾ مِن وجهَيْن، والنصبَ من
وجهَيْن، وأن أحدَ وجهَي الرفعِ أن يكونَ ﴿اَلْكِتَبُ﴾ نعتًا لِ﴿ ذَلِكَ﴾،
والهُدى فى موضعِ رفعٍ خبرٌ(٤) لـ ﴿ذَلِكَ﴾، كأنك قلتَ: ذلك هدى(٥) لا شكَّ
فيه . قال: وإن جعَلْتَ ﴿لَا رَيْبَ فِهِ﴾ خبرَه، رفَعْتَ أيضًا ﴿ هُدِّى ﴾ بجعله
تابعًا لموضعٍ ﴿لَا رَيْبَ فِهِ﴾، كما قال اللّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنزَلْنَهُ
مُبَارَكٌ﴾ كأنه قال: وهذا كتابٌ هُدّى، مِن صفتِه كذا وكذا. قال: وأما أحدُ
وجهَي النصبِ ، فَأَن تَجْعُلَ الكتابَ خبرًا لـ ﴿ذَلِكَ﴾ وَتَنْصِبَ ﴿هُدَّى﴾ على
القطع؛ لأن ﴿هُدِّى) نكرةٌ اَتَّصَلَت بمعرفةٍ، وقد تمَّ خبرُها فنصَبْتَها (١)؛ لأن
النكرةَ لا تكونُ دليلاً على معرفةٍ، وإن شئتَ نصَبْتَ ﴿هُدَّى﴾ على القطعِ مِن
(١) فى م، ت ٢: ((الرافع)).
(٢) يعنى الفراء فى معانى القرآن ١/ ١٠.
(٣) فى م، ت ٢: ((رافع)) .
(٤) فى ر: ((خبرا)).
(٥) سقط من النسخ، وأثبتناه من معانى القرآن .
(٦) فى م: ((فتنصبها)).

٢٣٧
سورة البقرة : الآية ٢
الهاءِ التى فى ﴿ فِهِ﴾، كأنك قلتَ : لا شكَّ فيه هاديًا .
قال أبو جعفرٍ: فترَك الأصلَ الذى أصَّله فى ﴿الَمّ﴾ وأنها مرفوعةٌ بـ ﴿ذَلِكَ
اَلْكِتَبُ﴾ ونبذه وراءَ ظهرِهِ، واللازمُ كان له على الأصلِ الذى أَصَّله ألا يُجِيزَ
الرفعَ فى ﴿ هُدى ﴾ بحالٍ إلا مِن وجهٍ واحدٍ ، وذلك مِن قِبَلِ الاستئنافِ إذ كان
مدْحًا . فأما على وجهِ الخبرِ لـ ﴿ذَلِكَ﴾، أو على وجهِ الاتباع لموضع ﴿لَاَ رَيْبَ
فِهِ﴾، فكان اللازمُ له على قولِه أن يكونَ خطأً، وذلك أن ﴿الَّمّ﴾ إذا رفَعَتْ
ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾ فلا شكَّ أن ﴿﴿هُدِّى﴾ غيرُ جائزٍ حينئذٍ أن يكونَ خبرًا
لِ ﴿ ذَلِكَ﴾ بمعنى المرافعِ له، أو (١) تابعًا لموضعٍ ﴿لَا رَّبَ فِيهِ﴾؛ لأن موضعَه
حينئذٍ نصبٌ ، لتمامِ الخبرِ قبلَه وانقطاعِه - بُمُخالفتِهِ إِياه - عنه" .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لِلْمُنَّقِينَ
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيع، قال: حدَّثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ
قولَه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال: اتَّقَوْا ما حُرِّم عليهم، وأدَّوْا ما افْتُرِض عليهم .
حدَّثنا محمدُ بنُ محُميدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ،
عن محمد بن أبی محمدٍ مولی زیدِ بن ثابتٍ ، عن [٢٧/١] عكرمةً، أو عن سعیدِ بنِ
جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِلْمُثَّقِينَ﴾. أى: الذين يَخْذَرُون مِن اللَّهِ عزَّ وجلَّ عقوبته
فى تركِ ما يَعْرِفون مِن الهُدَى، ويَرْجُون رحمتَه بالتصديقِ بما جاء منه (٤) .
(١) فی ص، ت ٢: (( و)).
(٢) إعراب القرآن لا يسلك فيه إلا الحمل على أحسن الوجوه ، وأبعدها عن التكلف ، وأسوغها فى لسان
العرب، فكما أن كلام الله أفصح كلام، فكذلك إعرابه يجب أن يحمل على أفصح الوجوه .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦١/١ عن سفيان الثورى به .
(٤) فى ر، م: (( به)).
والأثر فى سيرة ابن هشام ٥٣٠/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٥/١ (٦٢) من طريق سلمة به .

٢٣٨
سورة البقرة : الآية ٢
حدَّثنی موسى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا أسْباطُ ،
١٠٠/١ عن الشدِئِ فی خبر / ذكره عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ، عن ابنِ عباسٍ، وعن
مُرَّةَ الهَمْدانىٌ، عن ابنٍ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ عَ لِ: ﴿هُدِّى
لِلْمُتَّقِينَ﴾: هم المؤمنون(١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بِنُ عَيَّاشِ، قال: سألنى الأعمشُ عن
((المتقين))، قال: فأُجَبْتُه، فقال لى: سَلْ عنها الكَلْبيَّ. فسألْتُه فقال: الذين
يَجْتَنِبون كبائرَ الإثم. قال: فرجَعْتُ إلى الأعمشِ، فقال: نُرَى(٣) أنه كذلك. ولم
(٣)
◌ُتکزه(٣).
حدَّثنَى الْمُثَنَّى بِنُ إبراهيمَ الطبرىُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاج، عن
عبد الرحمنِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: حدَّثنا عمر أبو حفصٍ، عن سعيدِ بنِ أبى
عَرُوبةً، عن قتادةَ: ﴿هُدِّى لِلْمُثَّقِينَ﴾: مَن هم؟ نعَتَهم ووصَفَهم فأثْبَت
صفْتَهم، فقال: ﴿الَِّينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ، وَيُعِمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِنَّا رَزَقْنَهُمْ
يُفِقُونَ﴾(٤).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ
عُمارةً )، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِلْمُثَّقِينَ﴾. قال :
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦١/١ عن السدى به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤/١، ٢٥ إلى
المصنف عن ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٥/١ (٦٣) من طريق عمرو، عن
أسباط، عن السدى من قوله .
(٢) فی ر: ( تری أی))، وفی ت ٢: «یری).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٢/١ عن أبى بكر بن عياش به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٥/١ (٦٤) من طريق ابن أبى عروبة به .
(٥ - ٥) فى م: (( بن عمار)).

٢٣٩
سورة البقرة : الآية ٢
للمؤمنين الذين يتَّقُون الشركَ (١) ويَعْمَلون بطاعتى".
وأوْلَى التأويلاتِ بقولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿هُدِّى لِلْمُثَّقِينَ﴾. تأويلُ مَن وصَف
القومَ بأنهم الذين اتَّقَوا اللَّهَ تبارك وتعالى فى ركوبٍ ما نهاهم عن ركوبِهِ ، فتجَنَّبوا
معاصِيَه ، واتَّقوْه فيما أمَرّهم به مِن فرائضِه ، فأطاعوه بأدائِها ، وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه
أَبْهَم(١) وصفَهم بالتّقْوَى، فلم يَخْصُرْ تَقْواهم إياه على (٤)بعضٍ ما هو جلَّ ثناؤه أهلٌ"
له منهم دونَ بعضٍ، فليس لأحدٍ مِن الناسِ أن يَحْصُرَ معنى ذلك على وصْفِهم
بشىءٍ مِن تقوى اللهِ عزَّ وجلَّ دون شىءٍ ، إلا بحجة یجبُ التسلیمُ لها ؛ لأن ذلك مِن
صفةِ القومِ لو كان مَخْصورًا على خاصٍّ مِن معانى التقوى دونَ العامّ(١)، لم يَدَع اللَّهُ
جلَّ ثناؤه بيانَ ذلك لعبادِه، إما فى كتابِهِ، وإما على لسانِ رسولِه ◌َلَّه، إذ لم يَكُنْ
فى العقلِ دليلٌ على استحالةِ وصفِهم بعموم التقوى .
فقد تبَيَنَّ إذن بذلك فسادُ قولِ مَن زعم أن تأويلَ ذلك إنما هو الذين اتَّقَوا
الشركَ وبرِئوا مِن النّفاقِ ؛ لأنه قد يكونُ كذلك وهو فاسقٌ غيرُ مُسْتَحِقٍّ أن
يكونَ مِن المتَّقِين، إلا أن يكونَ عندَ قائلِ هذا القولِ معنى النفاقِ ركوبَ
الفَواحِشِ التى حرَّمها اللَّهُ جلَّ ثناؤه، وتَضْيِيعَ فرائضِه التى فرضها عليه، فإن
جماعةٌ مِن أهلِ العلم قد كانت تُسَمِّى مَن كان كذلك(٧) مُنافِقًا، فيكونَ ،
(١) بعده فى ص: ((بی)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦١/١ عن أبى روق به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤/١ إلى
المصنف .
(٣) سقط من: ص، وفى م: ((إنما)).
(٤ - ٤) فى ص، م: ((بعضها من أهل)).
(٥) زيادة يقتضيها السياق .
(٦) بعده فى م: ((منها)) .
(٧) فى م: ((يفعل ذلك)).

٢٤٠
سورة البقرة : الآيتان ٢، ٣
وإن كان مُخالِفًا فى تسميتِه مَن كان كذلك بهذا الاسم - مُصِيبًا تأويلَ قولٍ
اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه : ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ .
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ الرازىُّ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ
إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، عن عكرمةَ، أو عن سعید
ابنٍ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍٍ: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾. قال: يُصَدِّقون(١) .
حدَّثنى يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحِ السَّهْمُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال :
حدَّثنى معاويةُ بنُ صالح، عن علىٍّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ يُؤْمِنُونَ﴾:
. (٢)
يُصَدِّقون(٢).
١٠١/١
/ حدَّثنى المُثُنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجّاج، قال: حدَّثنا
عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿ يُؤْمِنُونَ﴾: يَخْشَوْن(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن
مَعْمَرٍ، قال : قال الزُّهرىُّ: الإيمانُ العملُ(٤).
وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُّ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن العَلاءِ
ابنِ الْمُسَيَّبِ بنِ رافع، عن أبى إسحاقَ ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ ، قال:
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/١ إلى المصنف وابن إسحاق .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٢/١ عن على بن أبى طلحة به.
(٣) فى ر: (( يخشعون )) .
والأثر ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٢/١ من طريق أبى جعفر به.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٦٢/١ عن معمر به .