Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
فاتحة الكتاب
الشعراءُ، وتبَلَّدَت - قصورًا عن أن تَأْتَىَ بمثلِه - لديه أفهامُ الفُهماءِ، فلم يَجِدوا
له [٢٣/١ظ] إلا التسليمَ والإقرارَ بأنه مِن عندِ الواحدِ القَهَّارِ، مع ما يَحْوِى مع
ذلك مِن المعانى التى هى ترغيبٌ وترهيبٌ، وأمرٌ وزجرٌ، وقَصَصٌ وجَدَلٌ
ومَثَلٌ، وما أشبه ذلك مِن المعانى التى لم تَجْتَمِعْ(١) فى كتابٍ أُنْزِل إلى الأرضِ
مِن السماءِ. فمهما يَكُنْ فيه مِن إطالةٍ على نحوٍ ما فى أمّ القرآنِ، فلِما وصَفْتُ
قبلُ مِن أن اللَّهَ جلَّ ذكرُه أراد أن يَجْمَعَ برصفِه العجيبِ، ونظْمِه الغريبِ،
المُتْعَدِلِ عن أوزانِ الأشعارِ، وسَجْع الكُهَّانِ، وخُطَبِ الخطباءِ، ورسائلٍ
البلغاءِ، العاجزِ عن رصْفِ مثلِه جميعُ الأنامِ، وعن نظم نظيرِه كلَّ العبادِ -
الدلالةَ على نبوةِ نبيّنا محمدٍ عٍَّ .
وبما فيه مِن تحْميدٍ وتَمْجيدٍ وثناءٍ عليه ، تنبيهَ العبادِ على عظمتِه وسلطانِه وقدرتِه
وعِظَم تَملكتِهِ، لِيَذْكُروه بآلائِهِ، ويَحْمَدوه على نَعْمائِهِ، فَيَسْتَحِقُّوا به منه المزيدَ ،
ويَسْتَوْجِبوا / عليه الثوابَ الجزيلَ .
٨٦/١
وبما فيه مِن نَعْتِ مَن أَنْعَم عليه بمعرفتِه وتفضَّل عليه بتوفيقِه لطاعتِه ، تعريفَ
عبادِه أن كلّ ما بهم مِن نعمةٍ فى دينهم ودُنْياهم فمنه، ليَصْرِفوا رغبتَهم إليه ،
ويَبْتَغوا حاجاتِهم مِن عندِه دونَ ما سواه مِن الآلهةِ والأندادِ .
وبما فيه مِن ذكرِهِ ما أحَلَّ بَمَن عَصَاه مِن مَثُلاتِهِ، وأَنْزَل بَمَن خالَف أمرَه مِن
عقوباتِه ، ترهيبَ عبادِه عن رُكوبِ مَعاصِيه ، والتعرُّضِ لما لا قِبَلَ لهم به مِن سَخَطِه ،
فيَسْلُكَ بهم فى النَّكالِ والنَّقِماتِ سبيلَ مَن ركِب ذلك مِن الهُلَّاكِ.
فذلك وجهُ إطالةِ البيانِ فى سورةٍ أمِّ القرآن ، وفيما كان نظيرًا لها مِن سائرِ سُورٍ
الفرقانِ ، وذلك هو الحكمةُ البالغةُ والحجةُ الكاملةُ .
(١) فى ص، ر، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((تجمع)).

٢٠٢
فاتحة الكتاب
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا المحارِبىُّ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، قال : حدَّثنی
العَلاءُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ يعقوبَ، عن أبى السائبِ مولى زُهْرةَ، عن أبى هريرةَ ،
قال: قال رسولُ اللَّهِ عَهِ: ((إذا قال العَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ .
قال اللَّهُ: حَمِدَنِى عَبْدِى. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: أَثْنَى عَلَىَّ
عَبْدِى. وإذا قال: ﴿ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: مََّدَنِى عبدِى، فهذا لى. وإذا
قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. إلى أن يَخْتِمَ السُّورَةَ. قال: فذاك له))(١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثَنَا عَبْدةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن العَلاءِ بنِ
عبدِ الرحمنِ، عن أبى السائبٍ، عن أبى هريرةَ، قال: إذا قال العبدُ: ﴿ اَلْحَمْدُ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. ثم ذكَر نحوَه، ولم يَرْفَتْه .
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ كثيرٍ، قال :
حدَّثنى العَلاءُ بنُ عبدِ الرحمنِ مولى الحُرَقةِ ، عن أبى السائبِ ، عن أبى هريرةَ، عن
رسولِ اللهِ عَمِ مثلَه (٢).
حدَّثنى صالحُ بنُ مِسْمارِ المَرْوَزِىُّ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ، قال: حدَّثنا
عَنْبَسةُ بنُ سعيدٍ ، عن مُطَرِّفٍ بنِ طَرِيفٍ ، عن سعدِ بنِ إسحاقَ بنِ كعبِ بنِ عُجْرةَ،
عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ◌ِ لَّمِ: ((قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: قَسَمْتُ
الصَّلاةَ بَيْنِى وَبَيْنَ عَبْدِى نِصْفَيْنِ، وله ما سَألَ، فإذا قال العَبْدُ: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ
(١) أخرجه أحمد ٢٣٣/١٣ (٧٨٣٨)، والبخارى فى القراءة خلف الإمام (٧٣)، والبيهقى فى القراءة
خلف الإمام (٥٧، ٥٨) من طرق عن ابن إسحاق به. وأخرجه مسلم (٣٩/٣٩٥، ٤٠)، والنحاس فى
القطع والائتناف ص ١٠١، ١٠٢، وغيرهما من طريق العلاء به. وينظر مسند الطيالسى (٢٦٨٤).
(٢) أخرجه البيهقى ١٦٦/٢، وفى القراءة خلف الإمام (٥٤) من طريق أبى أسامة به .
(٣) سقط من: ر، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٢٠٣
فاتحة الكتاب
رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. قال(١): حَمِدَنِى عَبْدِى. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
قال: أَثْنَى عَلَىَّ عَبْدِى. وإذا قال: ﴿ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: مَجَّدَنِى
عَبْدِى. قال: هَذَا لِى وله ما بَقِى)) (١).
آخرُ تفسيرِ سورةٍ فاتحة الكتابِ
(١) بعده فى م، ت ٢، ت ٣: ((اللَّه)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨/١ (١٩)، والسهمى فى تاريخ جرجان ص ١٤٤ من طريق زيد بن
الحباب به، بنحوه دون آخره. وقال ابن كثير فى تفسيره ١/ ٢٥: وهذا غريب من هذا الوجه .

٢٠٤
سورة البقرة : الآية ١
القولُ فى تفسيرِ السورةِ التى يُذكرُ فيها البقرةُ
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّمّ
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلَفَت تَراجِمةُ القرآنِ فى تأويل قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه :
﴿الَمّ﴾؛ فقال بعضُهم: هى اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ .
ذِكْر مَن قال ذلك
٨٧/١
/ حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قولِهِ: ﴿الَّمّ﴾. قال: اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ(١) .
حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ الآمُلِىُّ، قال: حدَّثنا أبو حُذَيْفةً موسى بنُّ مسعودٍ ،
قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجِيح، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿الَمَ﴾ اسمٌ مِن أسماءٍ
(٢)
القرآنِ(٢) .
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثْنى
حَجَّاجٌ، عن ابنٍ جُرَيْجٍ، قال: ﴿الَمّ﴾ اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ .
وقال بعضُهم: هى فَواتحُ يَفْتَحُ اللَّهُ بها القرآنَ .
(١) تفسير عبد الرزاق - كما فى الدر المنثور ١/ ٢٢- ومن طريقه النحاس فى القطع والائتناف ص ١١١،
ومعانى القرآن ٧٥/١. وعزاه السيوطى إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم. وهو عند ابن أبى حاتم ٣٣/١ معلقا
عقب الأثر (٥٠).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣/١ (٥٠)، والنحاس فى معانى القرآن ٧٥/١ من طريق أبي حذيفة
به.

٢٠٥
سورة البقرة : الآية ١
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى هارونُ بنُ إدريسَ الأَصَمُّ الكوفىُ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ
المحاربى، عن ابنٍ مُرَيْج، عن مُجاهدٍ، قال: ﴿الْمَ﴾ فَوَاتِحُ يَفْتَحُ اللَّهُ بها
القرآنَ(١) .
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمِ الغِفارىُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْم ، قال: حدَّثنا سفيانُ ،
عن مُجاهِدٍ ، قال: ﴿الَّمَ﴾ فَواتِحُ(١).
حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاج، عن يحيى بنِ
آدمَ، عن سفيانَ، عن ابنٍ أَبِى نَجَيح، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿الَّمَ﴾ و﴿حمّ﴾
و﴿اَلْمَصّ﴾ و﴿صَّ﴾ فواتحُ انْتَتَحِ اللَّهُ بها(٢).
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسن (٤)، قال: حدَّثنا الحسينُ ، قال: حدَّثنی حجاجٌ ، عن
ابنِ مجرَيِجٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَ حديثٍ هارونَ بنِ إدريسَ .
وقال بعضُهم : هى اسمٌ للسورةِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٤٣٧/٥ (٨٢٠٤) من طريق ابن جريج به مقتصرًا على قوله :
﴿ المص﴾. قال ابن جريج: قلت: ألم تكن تقول: هى أسماء؟ قال: لا .
(٢) أخرجه النحاس فى معانى القرآن ٧٥/١ من طريق سفيان عن خصيف أو غيره ، عن مجاهد .
(٣) ذكره ابن کثیر فی تفسيره ٥٦/١ عن الثوری به .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣/١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ. وينظر تفسير ابن كثير تحقيق أبى إسحاق
الحوینی ٢/ ٥٢.
(٤) فى ص، ت ١: ((الحسين)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣/١ (٥١) من طريق حجاج به .

٢٠٦
سورة البقرة : الآية ١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: أنْبَأنا عبدُ اللَّهِ بنُ وهبٍ ، قال: سأَلْتُ
عبد الرحمنِ بنَ زيدٍ بنٍ أَسْلَمَ عن قولِ اللَّهِ: ﴿الَّمّ ﴾ ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾،
و﴿الّ ◌َ تَزِلُ﴾، و﴿ الَّمَرَّ تِلْكَ﴾. فقال: قال أبى: إنما هى أسماءُ السُّوَرِ .
وقال بعضُهم: هو اسمُ اللَّهِ الأعظمُ.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُّ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٌّ،
قال: [٢٤/١و] حدَّثنا شعبةُ، قال: سأَلْتُ الشُّدِّئَّ عن ﴿حم﴾ و﴿طمّ﴾
و﴿الّ﴾. فقال: قال ابنُ عباسٍ: هى اسمُ اللَّهِ الأعظم(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى ، قال: حدَّثنى أبو النُّغْمانِ ، قال: حدثنا شعبةُ ، عن
إسماعيلَ السُّدِّىِّ، عن مُرَّةَ الهَمْدانيّ، قال: قال عبدُ اللَّهِ . فذكَر نحوَه(١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن عُبَيدٍ (٤) اللَّهِ بنِ موسى،
عن إسماعيلَ، عن الشعبىِّ، قال: فَوائحُ السُّوَرِ مِن أسماءِ اللَّهِ(١) .
وقال بعضُهم: هو قَسَمٌ أَقْسَم اللَّهُ به، وهو مِن أسمائِه .
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣/١ عقب الأثر (٥٠) معلقًا.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢/١ (٤٤) من طريق يحيى بن عباد، عن شعبة، عن السدى، قال:
بلغنی عن ابن عباس .
(٣) أخرجه الحاكم ٢٦٠/٢ من طريق السدى به. وقال: صحيح على شرط مسلم .
(٤) فى ص، ت ٢: ((عبد)) .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢/١ (٤٧) من طريق إسماعيل بن سالم، عن الشعبى بلفظ: هى =

٢٠٧
سورة البقرة : الآية ١
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالح السَّهْمىُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح،
قال : حدَّثنى مُعاويةُ بنُ صالح، عن علىٍّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ ، قال: هو
قَسَمْ (أَقْسَمه اللَّهُ)، وهو مِن أسماءِ اللَّهِ(١).
/ وحدثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا خالدٌ ٨٨/١
الحَذَّاءُ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الَمْ﴾ قَسَمْ ().
وقال بعضُهم: هو حروفٌ مُقَطَّعَةٌ مِن أسماءٍ وأفعالٍ ، كلُّ حرفٍ مِن ذلك لمعنّی
غيرِ معنى الحرفِ الآخرِ .
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثْنا وَكيٌ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال :
حدَّثنا ( أبى، عن شَريك٤ِ) ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن أبى الضُّحَى ، عن ابنِ عباسٍ :
= اسم من أسماء اللَّه مقطعة بالهجاء، فإذا وصلتها كانت اسما من أسماء اللَّه .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢/١ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر، مطولا.
ورُوى عن الشعبى أنه قال: سر هذا القرآن فواتح السور. كما سيأتى.
وأخرج البيهقى فى الأسماء والصفات (١٦٩) من طريق محمد بن سليمان ، عن عبيد الله بن موسى، عن
إسماعيل بن أبى خالد، عن السدى: فواتح السور من أسماء الله . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢/١ إلى أبى
الشيخ والبيهقى عن السدى .
(١ - ١) فى م: ((أقسم اللَّه به)) .
(٢) أخرجه النحاس فى معانى القرآن ٧٤/١، وابن مردويه - كما فى تخريج أحاديث الكشاف ١/ ٣٤،
والبيهقى فى الأسماء والصفات (١٦٣) من طريق عبد اللَّه بن صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٢/١، ٦٧/٣ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣/١ (٥٢) من طريق ابن علية به .
(٤ - ٤) فى م: ((ابن أبى شريك)).

٢٠٨
سورة البقرة : الآية ١
﴿الَّ﴾. قال: أنا اللَّهُ أعلمُ(١).
وحُدِّثْتُ عن أبى عُبيدٍ ، قال: حدَّثنا أبو اليَقْظانِ ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن
سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قوله: ﴿الّمَ﴾. قال: أنا اللَّهُ أعلمُ(٢).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ الهَمْدانُ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادِ القَنَّدُ ، قال :
حدّثنا أُسْباطُ بنُ نصٍ ، عن إسماعيلَ السُّدِّئِّ فی خبرٍ ذكره عن أبى مالك ، وعن أبى
صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانىٌّ، عن ابنٍ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن
أصحابِ النبيِّ مَ لِ: ﴿الَّ﴾ قال: أما ﴿الَّ﴾ فهو حروفٌ (٢) اشْتُقَّ مِن محُروفٍ
. (٤)
هِجاءٍ أسماءِ اللَّهِ(٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: حدَّثنا عَيّاشُ بنُ زياد الباهلىُّ، قال: حدَّثْنا
شعبةُ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿الَمّ﴾،
و﴿حم ﴾، و﴿ت﴾ قال: اسمٌ مُقَطَّعٌ (١).
(١) أخرجه وكيع - كما فى الدر المنثور ٢٢/١ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢/١ (٤٣).
وأخرجه النحاس فى القطع والائتناف ص ١١١، وفى معانى القرآن ٧٣/١، والبيهقى فى الأسماء
والصفات (١٦٧) من طريق شريك به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٧/٣،٢٢/١ إلى عبد بن حميد وابن
المنذر وأبى الشیخ وابن مردويه .
(٢) ذكره النحاس فى معانى القرآن ٧٣/١ عن أبى اليقظان به . وينظر تفسير البغوى ٥٨/١. وأبو
اليقظان - هو عمار بن محمد - صدوق يخطئ .
(٣) فى م، والأسماء والصفات: ((حرف)).
(٤) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (١٦٨) من طريق عمرو بن حماد به. وأخرجه ابن أبى حاتم فى
تفسيره ٣٢/١ (٤٥) من طريق عمرو به، عن السدى من قوله. وسقط منه ذكر أسباط .
(٥) فى ص، م: ((عباس)). والمثبت موافق لما فى تفسير ابن أبى حاتم.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٢/١ (٤٨) من طريق محمد بن معمر به. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٢/١ إلى ابن مردويه. وذكره البغوى فى تفسيره ٥٩/١ عن سعيد قوله .
.

٢٠٩
سورة البقرة : الآية ١
وقال بعضُهم: هى حروفُ هِجاءٍ موضوعٍ.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن منصورٍ بن أبى نُوَيْرةَ، قال: حدَّثنا أبو سعيدِ المُؤَدِّبُ ، عن
خُصَيفٍ، عن مُجاهدٍ، قال: فَوائحُ السورِ كلِّها: ﴿قَّ﴾ و﴿صََّ﴾ و﴿حمَ﴾
و﴿طسمَ﴾ و﴿الرَّ﴾ وغيرُ ذلك هِجاءٌ موضوعٌ(١).
وقال بعضُهم: هى حروفٌ يَشْتَمِلُ كلُّ حرفٍ منها على معانٍ شتَّى مختلفةٍ .
ذْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن عبدِ اللهِ بنِ
أبى جعفرِ الرازىِّ، قال: حدَّثنى أبى، عن الربيعِ بنِ أنسٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿الَّمَ﴾.
قال : هذه الأحرفُ مِن التسعةِ والعشرين حرفًا ، دارَت فيها الألسُنُ كلَّها ، ليس منها
حرفٌ إلا وهو مِفتاحُ اسم مِن أسمائِه ، وليس منها حرفٌ إلا وهو فى آلائِه وبلائِه،
وليس منها حرفٌ إلا وهو فى ١١ مدةِ قومٍ وآجالِهم. وقال عيسى ابن مريمَ،
وعجِب (٢) : يَنْطِقون فى أسمائِه، ويَعِيشون فى رزقِه، فكيف يَكْفُرون به (٤)؟ قال:
الألفُ مِفتاح اسمِه اللَّهِ، واللامُ مِفتاحُ اسمِه لطيفٍ، والميمُ مِفْتَاحُ اسمِهِ مَجيدٍ ؛ الألفُ
آلاءُ اللَّهِ، واللامُ لُطْفُه، والميمُ مَجْدُه؛ الألِفُ سَنَةٌ ، واللامُ ثلاثون سنةً ، والميمُ أربعون
=(٥)
سنة
.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣/١ إلى ابن المنذر.
(٢) سقط من: م.
(٣) فى ص، م: ((عجيب).
(٤) زيادة من : ر.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣/١، ٥٨٤/٢ عقب الأثر (٣١١٨/٣٣) من طريق ابن أبى جعفر به . =
( تفسير الطبرى ١٤/١ )

٢١٠
سورة البقرة : الآية ١
حدثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: حدَّثنا حَكّامٌ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ
بنحوه .
وقال بعضُهم: هى حروفٌ مِن حسابِ الْجُثُلِ(١). كرِهْنا ذكرَ الذى حُكِى
ذلك عنه ، إذ كان الذى رواه ثَمَّن لا يُعْتَمَدُ على روايته ونقلِهِ، وقد مَضَتِ الروايةُ بنظيرِ
ذلك مِن القولِ عن الربيعِ بنِ أنسٍ .
وقال بعضُهم: لكلِّ كتابٍ سرّ، وسُ القرآنِ فَواتحُهُ(٢).
وأما أهلُ العربيةِ فإنهم اختَلَفوا فى معنى ذلك ؛ فقال بعضُهم: هى حُروفٌ مِن
٨٩/١ حروفِ المُغْجَم، اسْتُغْنِى/ بذكْرِ ما ذُكِر منها فى أوائلِ السورِ عن ذكرٍ بَواقِيهاً) التى
هى تَتِمَّةُ الثمانيةِ والعشرين حرفًا ، كما اسْتَغْنَى المُخبِرُ عمَّن اخبرَ عنه أنه فى حروفٍ
المعجمِ الثمانيةِ والعشرين بذكرِ ((أب ت ث)) عن ذكرٍ بَواقى حروفِها التى هى تَتِمَّةُ
الثمانية والعشرين، قال: ولذلك رُفِع ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ لأن معنى الكلامِ:
= وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢/١ إلى عبد بن حميد عن الربيع مقتصرا على قوله: ألف مفتاح ...
مجيد. وعزاه السيوطى ٢٣/١ إلى المصنف، وابن أبى حاتم عن أبى العالية. وهو عند ابن أبى حاتم ٣٣/١،
٥٨٤/٢ (٣٣، ٣١١٨) من طريق أبى جعفر عن الربيع عن أبى العالية. ولم يذكر فى الدر المنثور قول عيسى
عليه السلام . وينظر تفسير ابن كثير ٥٧/١ .
(١) حساب الجمَّل: ضرب من الحساب يجعل فيه لكل حرف من الحروف الأبجدية عدد من الواحد إلى
الألف على ترتيب خاص. الوسيط (ج م ل).
(٢) أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ - كما فى الدر المنثور ٢٣/١ - عن داود بن أبى هند قال: كنت أسأل الشعبى
عن فواتح السور، قال: يا داود ، إن لكل كتاب سرا، وإن سر هذا القرآن فواتح السور، فدعها وسل عما بدا
لك .
(٣) بعده فى ص: ((منها)).

٢١١
سورة البقرة : الآية ١
الألفُ واللامُ والميمُ مِن الحروفِ المُقَطَّعةِ ، ذلك الكتابُ الذى أَنْزَلْتُه إليك مجموعًا
لا ريب فيه .
فإن قال قائلٌ: فإن ((أب ت ث)) قد صارتْ كالاسم فى حروفِ الهِجاءِ، كما
صارتٍ ((الحمدُ)) اسمًا لفاتحة الكتابِ ؟
قيل له: لمّا كان جائزًا أن يقولَ القائلُ: ابنى فى ((ط ظ)). وكان معلومًا
بقِيلِه ذلك لو قاله أنه يُرِيدُ الخبرَ عن ابنه أنه فى الحروفِ المُقَطّعةِ، عُلم
بذلك أن ((أب ت ث)) ليس لها باسم، وإن كان ذلك آثرَ فى الذكرِ مِن
سائرها .
قال: وإنما خُولِف بينَ ذكْرٍ حروفِ المُعْجَم فى فَواتح السورِ، فَذُكِرَت
فى أوائلِها مختلفةً، وذِكْرِها إذا ذُكِرَت بأوائلِها التى هى ((أ ب ت ث))
مُؤْتَلِفَةً، لِيَفْصِلَ بينَ الخيرِ عنها إذا أُرِيد، بذكرِ ما ذُكِر منها مُخْتِفًا، الدلالةُ
على الكلامِ المتصلِ، وإذا أُرِيد بذكرِ ما ذُكِر منها مُؤْتَلِفًا الدلالةُ على الحروفِ
المُقَطّعةِ بأعيانِها .
واسْتَشْهَد لإجازةِ قولِ القائلِ: ابنى فى ((ط ظ)). وما أشبه ذلك مِن الخبرِ عنه
أنه فی حروف المعجم ، وأن ذلك مِن قیله فی البیانِ یقومُ مقام قوله : ابنی فی (أُب
ت ث)) برَجَزِ بعضِ الرُّجَازِ مِن بنى أسدٍ(١) :
لمّ رأيتُ (أمرَها فى حُطِىّ)
(١) فى م: ((يؤثر)).
(٢) الأبيات الثلاثة الأول فى تهذيب اللغة ٢٨١/١٠، واللسان (ف ن ك).
(٣ - ٣) فى اللسان، ونسخة من تهذيب اللغة: ((أنها فى خطى)).

٢١٢
سورة البقرة : الآية ١
وَفَتَكَتْ(١) فى كَذِبى(٢) وَطَّى(٣)
[٢٤/١ظ] أخذْتُ منها بقُرونٍ(٤) شُعْطٍ (٥)
فلم يَزَلْ ضَرْبِى(٦) بها ومَغْطِى(٧)
حتى علا الرأسَ دمّ يُغَطِّى
فزعم أنه أراد بذلك الخبرَ عن المرأةِ أنها فى ((أبى جاد))، فأقام قولَه:
لما رأيتُ أمرَها فى حُطِّى
مُقامَ خبرِه عنها أنها فى ((أبى جاد )) ، إذ كان ذلك مِن قولِه يَدُلَّ سامعه على ما
يَدُلُّه عليه قولُه: لما رأيتُ أمرَها فى ((أبى جاد)).
وقال آخرون: بل ابتُدَت بذلك أوائلُ السورِ لِيَفْتَحَ لاستماعِه أسماعَ
المشركين، إذ تواصَوْا بالإعراض عن القرآنِ ، حتى إذا اسْتَمَعوا له تُلِى عليهم المؤلّفُ
منه .
وقال بعضُهم: الحروفُ التى هى فَوائحُ السورِ حروفٌ يَسْتَفْتِحُ اللَّهُ بها كلامَه.
("وقال٨) : فإن قيل : هل يكونُ مِن القرآنِ ما ليس له معنى؟ فإن(٩) معنى هذا
(١) فنك فى الكذب: مضى ولجَّ فيه. اللسان (ف ن ك).
(٢) فى ص: (( كدى))، وفى ت ٢: ((كيدى))، وفى نسخة من تهذيب اللغة: ((كدنى)).
(٣) لط حقه : جحده. اللسان ( ل ط ط).
(٤) القرن : الخصلة من الشعر. اللسان (ق رن).
(٥) الشمط فى الشعر: اختلافه بلونين من سواد وبياض. اللسان (ش م ط).
(٦) فى ص: ((صونی)).
(٧) المعط : الجذب . اللسان (مع ط).
(٨ - ٨) سقط من: م، وفى ت ٢: ((وقال آخرون)).
(٩) كذا فى النسخ، ولعل صوابها: ((قيل)).

٢١٣
سورة البقرة : الآية ١
أنه ابتدَأَ (١) بها ليُعْلَمَ أن السورةَ التى قبلَها قد انْقَضَت، وأنه قد أخَذ فى أخرى ،
فجعَل هذا علامةَ انقطاع ما بينَهما، وذلك فى ١١ كلام العربِ، يُنْشِدُ الرجلُ منهم
ــ (٣)
الشعرَ، فيقولُ(٢):
بل * وبَلدةٍ ما الإنسُ مِن آهالِها
ـ (٤)
ويقولُ (٤):
لا بل× ما هاج أحزانًا وشجوًا قد شجًا
و ((بل)) ليست مِن البيتِ ولا تُعَدُّ فى وزنِه، ولكن يَقْطَعُ بها كلامًا ويَسْتَأْنِفُ
الآخرَ.
قال أبو جعفرٍ: ولكلِّ قولٍ مِن الأقوالِ التى قالها الذين وصَفْنا قولَهم فى ذلك
وجة معروفٌ .
فأما الذين قالوا: ﴿الَمّ﴾ / اسم مِن أسماءِ القرآنِ، فلقولِهم ذلك وجهان: ٩٠/١
أحدُهما: أن يَكونوا أرادوا أن ﴿الَمّ﴾ اسمٌ للقرآنِ، كما الفُرقانُ اسم له . وإذا
كان معنى قائلِ ذلك كذلك، كان تأويلُ قولِهِ: ﴿الّ ◌َ ذَلِكَ الْكِنَبُ لَا رَيْبٌ
فِهِ هُدَّى لِلْمُتَّقِينَ﴾ على معنى القَّسَمِ، كأنه قال: والقرآنِ ، هذا الكتابُ لاريب فيه .
والآخرُ منهما : أن يَكُونوا أرادوا أنه اسم مِن أسماءِ السورةِ (٥) تُعْرَفُ به، كما
(١) فى م: ((افتتح)).
(٢) سقط من : ر .
(٣) اللسان (أهـ ل) غير منسوب .
(٤) الرجز للعجاج فى ديوانه ص ٣٤٨.
(٥) بعده فى م: ((التى)).

٢١٤
سورة البقرة : الآية ١
تُعْرَفُ سائرُ الأشياء بأسمائها التى هى لها أماراتٌ (" تُغْرَفُ بها، فيَفْهَمُ السامعُ مِن
القائل يقولُ: قرأْتُ اليومَ ﴿الْمَصّ﴾ و﴿تٍ﴾. أى السورةَ التى قرأها مِن سُورٍ
القرآنِ ، كما يَفْهَمُ عنه إذا قال: لقيتُ اليومَ عَمْرًا وزيدًا . وهما بزيدٍ وعمرٍو عارفان -
من الذى لقِى مِن الناسٍ .
وإن أَشْكَل معنى ذلك على امرى، فقال: وكيف(٢) يَجوزُ أن يكونَ ذلك
كذلك، ونَظائرُ ﴿الَمّ﴾ ﴿الَرَّ﴾ فى القرآنِ جماعةٌ مِن السورِ، وإنما تكونُ
الأسماءُ أماراتٍ إذا كانت مُميّزةٌ بينَ الأشخاصِ، فأما إذا كانت غيرَ مُميّزةٍ فليست
أماراتٍ ؟
قيل : إن الأسماء وإن كانت قد صارت لاشتراكِ كثيرٍ مِن الناسٍ فى الواحد
منها ، غيرَ مميّزَةٍ إِلا بِمَعَانٍ أَخَرَ معها؛ مِن ضَمِّ نسبةِ المُسَمَّى بها إليها ، أو نعتِه أو وصفِه
بما يُفَرِّقُ بينَه وبينَ غيرِهِ مِن أشكالِها، فإنها وُضِعَتِ (١) انتِداءٌ للتمييزِ لا شكَّ ، ثم
اخْتِيج عندَ الاشتراكِ إلى المَعَانِى المُفَرّقةِ بينَ المُسَمَّى بها ، فكذلك ذلك فى أسماء
السورِ، مُجُعِل كلَّ اسم - فى قولِ قائلِ هذه المقالةِ - أمارةً للمُسَمَّى به مِن السورِ،
فلما شارَك المُسَمَّى به فيه غيرَه مِن سُورِ القرآنِ ، احتاج المخبِرُ عن سورةٍ منها أن يَضُمَّ
إلى اسمِها الُسَمَّى به مِن ذلك إلى(٤) ما يُفَرِّقُ به السامعُ بينَ الخبرِ عنها وعن غيرِها
مِن نعتٍ وصفةٍ أو غيرِ ذلك، فيَقُولُ المخْبِرُ عن نفسِه أنه تلا سورةَ البقرةِ ، إذا سماها
باسمِها الذى هو ﴿الَمّ﴾: قرأتُ ﴿الَمْ﴾ البقرة. وفى آلٍ عِمْرانَ: قرأتُ
(١ - ١) فى ص: ((تعرفونها))، وفى ر: ((يعرفن))، وفى ت ٢: ((يعرفونها)).
(٢) بعده فى م: (( و)).
(٣) فى ص: ((وصفت)).
(٤) سقط من : م.
(٥) فى م، ت ٢: ((للسامع)).

٢١٥
سورة البقرة : الآية ١
﴿الّ﴾ آل عمران. أو(١) ﴿الّ ◌َ ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾. و﴿﴿ الَمَّ اللَّهُ لَآ إِلَهَ
إِلَّا هُوَ آلْحَىُّ الْقَيُّوُ﴾. كما لو أراد الخبرَ عن رجلين، اسمُ كلّ واحدٍ منهما عمرٌو،
غيرَ أن أحدَهما تَميمىٌّ والآخرَ أَزْدِىٌّ، لَلزِمه أن يقولَ لمن أراد إخبارَه عنهما: لقِيتُ
عمرًا التميمىَّ وعمرًا الأزديَّ. إذا(٢) كان لا يفرّق(٢) بينَهما وبينَ غيرِهما ثمّن
يُشارِكُهما فى أسمائِهما إلا نسبتُهما(٤) كذلك ، فكذلك ذلك فى قولٍ مَن تأوَّل فى
الحروفِ المُقَطّعةِ أنها أسماءٌ للسورِ .
أما الذين قالوا : ذلك فَوائحُ يَفْتَتِحُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ بها كلامَه . فإنهم وجَّهوا ذلك
إلى نحوِ المعنى الذى حكَيْنا عمَّن حكَيْنا ذلك عنه مِن أهلِ العربيةِ أنه قال : ذلك أدِلَّةٌ
على انْقِضاءِ سورةٍ وابتداءٍ فى أخرى، وعلامةٌ لانقطاع ما بينَهما. كما جُعِلَت
((بل)) فى ابتداءٍ قصيدةٍ دلالةٌ على ابتداءٍ فيها وانقضاءٍ أخرى قبلَها، كما ذكَرْنا عن
العرب إذا أرادوا الابتداءً فى إنشادِ قصيدةٍ قالوا :
بل* ما هاج أحزانًا وشجْوًا قد شَجًا
و ((بل)) ليست مِن البيتِ ولا داخلةً فى وزنِه ، ولكن ليَدُلّ به على قطع كلامٍ
وابتداءٍ آخرَ .
وأما الذين قالوا: ذلك حروفٌ مُقَطَّعةٌ، بعضُها مِن أسماءِ اللَّهِ عزَّ وجلّ،
وبعضُها مِن صفاتِه، ولكلِّ حرفٍ مِن ذلك معنًى غيرُ معنى الحرفِ الآخرِ . فإنهم
(١) فى ر، م: ((و)).
(٢) فى م، ت ٢: ((إذ)).
(٣) فى م، ت ٢: ((فرق)).
(٤) فى ر، م: ((بنسبتهما))، وفى ت ٢: ((بتسميتهما)).

٢١٦
سورة البقرة : الآية ١
نحَوْا بتأويلهم ذلك نحوَ قولِ الشاعرِ (١):
قلْنا لها قِفِى لنا (٢) قالت قافْ
لا تَحْسَبِى أَنَّا نَسِينا الإيجافْ(٣)
يعنى بقولِه: قالت قاف. قالت(٤): وقَفْتُ. فدَّلت بإظهارِ ((القافِ)) مِن
٩١/١ ((وقَفْتُ)) على مُرادِها مِن تَمَامِ الكلمةِ / التى هى: ((وقَفْتُ)). فصرَفوا قولَه:
﴿الَّ﴾. وما أشبه ذلك إلى نحوِ هذا المعنى، فقال بعضُهم: الألفُ ألفُ أنا ،
واللامُ لامُ اللَّهِ ، والميمُ ميمُ أعْلَمُ، وكلُّ حرفٍ منهن دالٌّ على كلمةٍ تامةٍ . قالوا :
فجملةُ هذه الحروفِ المُقَطَّعةِ إذا ظهَر مع كلِّ حرفٍ منهن تَمَامُ حروفِ الكلمةِ : أُنا
اللَّهُ أعلمُ . قالوا: وكذلك سائرُ جميعِ ما فى أوائلِ سُورِ القرآنِ مِن ذلك ، فعلى هذا
المعنى وبهذا التأويلِ. قالوا: ومستفيضٌ ظاهرٌ فى كلامِ العربِ أن يَنْقُصَ المتكلمُ
منهم مِن الكلمةِ الأحرفَ إذا كان فيما بقِى دلالةٌ على ما حذَف منها ، ويَزِيدَ فيها ما
ليس منها إذا لم تكنِ الزيادةُ مُلبِسةً معناها على سامعها، كحذفِهم فى النقصٍ فى
الترخيم مِن حارثِ الثاءَ، فيقولون : يا حارِ . ومِن مالكِ الكافَ ، فيقولون : يا مالٍ .
وما أشْبَةَ [٢٥/١ و] ذلك. وكقولِ راجزِهم(٥):
مَا لِلظَّليم(٦) عالَ(٧) كيف لا يا
(١) الرجز الوليد بن عقبة فى شرح شواهد الشافية ملحق بالشافية ٤/ ٢٧١. والأول منه فى الصاحبى ص ١٦١.
(٢) سقط من: م.
(٣) الإيجاف : حثّ الدابة على سرعة السير. اللسان (وجـ ف).
(٤) بعده فى م: ((قد)).
(٥) الرجز فى تهذيب اللغة ١٥/ ٦٧٠، واللسان (يا)، وشرح شواهد الشافية ٢٦٧/٤.
(٦) الظليم: ذكر النعام. اللسان (ظ ل م).
(٧) فى تهذيب اللغة واللسان: ((عاك)). وفسر الشيخ شاكر ((عال)) بأنها دعاء عليه من عال عوله: أى =

٢١٧
سورة البقرة : الآية ١
بَنْقَدُّ عنه جِلْدُه إذا یا
كأنه أراد أن يقولَ: إذا يَفعلُ كذا وكذا. فاكْتَفَى بالياءِ مِن ((يَفْعَلُ)). وكما
قال آخر منهم (١) :
بالخيرِ خيراتٍ وإن شرًّا فَا
يريدُ : فشرًا .
ولا أُرِيدُ الشرّ إلا أن تا
يُريدُ: إلا أن تَشاءَ. فَاكْتَفَى بالتاءِ والفاءِ فى الكلمتَيْن جميعًا مِن سائرِ
حروفِهما ، وما أشبه ذلك مِن الشواهدِ التى يَطولُ الكتابُ باستيعابِهِ .
وكما حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ وابٍ
عونٍ، عن محمدٍ، قال: لما مات يزيدُ بنُ معاويةَ قال لى عَبِيدَةٌ(٢): إنى لا أُراها إلا
كائنةٌ فتنةٌ فافْزَعْ مِن ضَيْعَتِك، والْحَقْ بأهلِك. قلتُ: فما تَأْمُرُنِى؟ قال : أَحَبُ
إِلىَّ(٢) لك أنْ تا - قال أيوبُ وابنُ عونٍ بيدِه تحتَ خدِّه الأيمنِ يَصِفُ الاضطجاعَ -
حتى تَرَى أمرًا تَعْرِفُه .
قال أبو جعفرٍ: يعنى بـ ((تا)) تَضْطَجِع، فاجْتَزَأُ بالتاءِ مِن ((تَضْطَجِع)). وكما
قال الآخرُ فى الزيادةِ فى الكلام على النحوِ الذى وصَفْتُ(٤):
= ثكلته أمه . وفسرها محققو شرح شواهد الشافية بأنها من قولهم : عال عولا . بمعنى زاد فى جريه . أما عاك
فبمعنى كرّ. اللسان (ع وك).
(١) الكتاب ٣٢١/٣ ونسبه فى شرح شواهد الشافية ٢٦٤/٤ للقيم بن أوس.
(٢) فى ص، م: ((عبدة)). وينظر تهذيب الكمال ٢٦٦/١٩.
(٣) فى ر: ((التى)).
(٤) تأويل مشكل القرآن ص ٢٣٤، والصاحبى ص ٣٨٠.

٢١٨
سورة البقرة : الآية ١
أقولُ إِذْ خَرَّتْ على الكَلْكالِ(١) ياناقتى ما نجلْتِ من مجالٍ
يريدُ: الكَلْكلَ. وكما قال الآخر(٢):
فالْزَمِى الْخُصَّ واخْفِضِى(٣) تَيْتَضِضِّى(٤)
إِنَّ شَكْلِى وإن شَكْلَك شَتَّى
فزاد ضادًا وليست فى الكلمة .
قالوا : فكذلك ما نقَص مِن تمام حروفٍ كلِّ كلمةٍ مِن هذه الكلماتِ التى
ذكَوْنا أنها تَتِمَّةُ حروفٍ ﴿الَمَ﴾ ونظائرِها ، نظيرُ ما نقَص مِن الكلام الذى حكَيْناه
عن العربٍ فى أشعارِها وكلامِها .
وأما الذين قالوا: كلُّ حرفٍ مِن ﴿الّمّ﴾ ونظائرِها دالٌّ على مَعانٍ شَتَّى -
نحو الذی ذکونا عن الربيع بن أنسٍ - فإنھم و جهوا ذلك إلى مثل الذی وجهه إلیه مَن
قال : هو بتأويلِ: أنا اللَّهُ أعلمُ. فى أن كلَّ حرفٍ منه بعضُ حروفِ كلمةٍ تامةٍ
اسْتُغْنِى بِدَلالِتِه على تَمَامِه عن ذكرٍ تمامِه - وإن كانوا له مخالفين فى كلِّ حرفٍ مِن
ذلك ، أهو مِن الكلمةِ التى ادَّعَى أنه منها قائلو القولِ الأولِ أم مِن غيرِها؟ فقالوا : بل
٩٢/١ الألفُ مِن / ﴿الَمْ﴾ُ مِن كلماتٍ شَتَى، هى دالٌ على معانى جميع ذلك وعلى
تمامِه . قالوا: وإنما أفْرد كلَّ حرفٍ مِن ذلك، وقصَّر به عن تمام حروفِ الكلمةِ ، أن
جميعَ حروفِ الكلمةِ لو أَظْهِرَت لم تَدُلَّ الكلمةُ التى تُظْهَرُ - التى(٥) بعضُ هذه
الحروفِ المُقَطَّعةِ بعضٌ لها - إلا على معنًى واحدٍ لا على معنيَيْن وأكثرَ منهما .
(١) الكلكال: الصدر أو ما بين الترقوتين. القاموس المحيط (ك ل ل).
(٢) تأويل مشكل القرآن ص ٢٣٥، واللسان (ب ی ض)، (خ ف ض).
(٣) الخفض : لين العيش وسعته. اللسان (خ ف ض).
(٤) أى: تبيضّى، من البياض، فزاد ضادا أخرى ضرورة لإقامة الوزن . اللسان (ب ی ض).
(٥) سقط من: م.

٢١٩
سورة البقرة : الآية ١
قالوا: وإذا كان لا دلالةَ فى ذلك، لو أُظْهَر جميعَها (١) ، إلا على معناها الذى
هو معنًى واحدٌ ، وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤُه قد أراد الدلالةَ بكلِ حرفٍ منها على مَعانٍ
كثيرةٍ لشىءٍ واحدٍ - لم يَجُزْ إلا أن يُفْرَدَ الحرفُ الدالُّ على تلك المعانى، لِيَعْلَمَ
المخاطَبون به أنه جلَّ ثناؤه لم يَقْصِدْ قصدَ معنى واحدٍ ودلالةٍ علی شیءٍ واحدٍ بما
خاطَبَهم به، وأنه إنما قصَد الدلالةَ به(٢) على أشياءَ كثيرةٍ .
قالوا: فالألفُ مِن ﴿الَّمَ﴾ مُقْتَضِيةٌ معانىَ كثيرةً؛ منها تمامُ اسم الربِّ الذى
هو اللَّهُ، وتمامُ اسم نعماءِ اللَّهِ التى هى آلاءُ اللَّهِ ، والدلالةُ على أجَلِ قوم أنه سَنَّةٌ ، إذ
كانت الألفُ فى حسابِ الجُثَلِ واحدًا. واللامُ مُفْتَضِيَةٌ تمامَ اسم اللَّهِ الذى هو
لَطيفٌ، وتمامَ اسم فَضْلِه الذى هو لُطْفٌ، والدلالةَ على أجَلِ قوم أنه ثلاثون سنةً .
والميمُ مُقْتَضِيةٌ تمامَ اسم اللَّهِ الذى هو مَجيدٌ ، وتمامَ اسم عظمتِه التى هى مَجْدٌ ،
والدلالةَ على أجلٍ قومٍ أنه أربعون سنةً .
فكان معنى الكلام فى تأويل قائلِ القولِ الأولِ ، أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه اقْتَتَح كلامَه
بوَصْفِ نفسِه بأنه العالِمُ الذى لا يَخْفَى عليه شىءٌ، وجعَل ذلك لعبادِهِ مَنْهَجًا
يَشْلُكونه فى مُفْتَتَحِ خُطَيِهم ورسائلِهم ومُهِمِّ أمورِهم، وابتلاءً منه لهم به(١)
ليَسْتَوْجِبوا به عظيمَ الثوابٍ فى دارِ الجزاءِ، كما انْتَتَح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
اَلْعَلَمِينَ﴾ و﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]. وما أُشْبَةَ
ذلك مِن السورِ التى جعَل مَفاتحَها الحمدَ لنفسِه، وكما جعَل مَفاتحَ بعضِها تعظيم
نفسِه وإجلالَها بالتسبيح، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿ سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ،
لَيْلًا ﴾ [الإسراء: ١]. وما أشبه ذلك مِن سائرِ شُورِ القرآنِ التى جعَل مَفاتحَ بعضِها
(١) فى ص: (( جميعا)).
(٢) سقط من: م، ت٢ .

٢٢٠
سورة البقرة : الآية ١
تحميدَ نفسِه، ومفاتحَ بعضِها تمجيدَها، ومفاتحَ بعضِها تعظيمَها وتَنْزِيهَها ، فكذلك
جعَل مفاتح السورِ الأُخَرِ التى أوائلُها بعضُ حروفِ المُعْجَمِ مدائحَ نفسِه أحيانًا بالعلمِ،
وأحيانًا بالعدلِ والإنصافِ، وأحيانًا بالإفضالِ والإحسانِ، بإيجازٍ واختصارٍ ، ثم
اقتصاصَ الأمورِ بعدَ ذلك .
وعلى هذا التأويلِ يَجِبُ أن تكونَ الألفُ واللامُ والميمُ فى أماكنِ الرفع مرفوعًا
بعضُها ببعض، دون قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾، ويكونَ ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾
خبرًا (١) مبتدأً مُتقطعًا عن مَعنى ﴿الَّ﴾ وكذلك ﴿ذَلِكَ﴾ فى تأويلِ قولِ قائلٍ
هذا القولِ الثانى مرفوعٌ بعضُه ببعضٍ، وإن كان مخالفًا معناه معنى قول قائلِ القول
الأولِ .
وأما الذين قالوا : هنَّ حروفٌ مِن حروفٍ حسابِ الجُمَّل دون ما خالَف ذلك
مِن المعانى. فإنهم قالوا: لا نعرِفُ للحروفِ الْمُقَطَّعةِ معنَى يُفْهَمُ سوى حسابِ
الجُعَلِ، وسوى تَهَجّى قولِ القائلِ: ﴿الَّمَ﴾. قالوا: وغيرُ جائزٍ أن يُخاطِبَ اللَّهُ
جلَّ ثناؤه عبادَه إلا بما يَفْهَمون ويَعقِلون عنه ، فلما كان ذلك كذلك - وكان قولُه :
﴿الّمّ﴾. لا يُعْقَلُ لها وجهٌ تُوَجَّهُ إليه إلا [٢٥/١ظ] أحدُ الوجهين اللذيْن ذكَرْنا،
فبطل أحدُ وجهته، وهو أن يكون مُرادًا به تهجّى: ﴿الَمّ ﴾ - صحّ وثبت أنه مرادٌ
به الوجهُ الثانى، وهو حسابُ الجُقَلِ؛ لأن قولَ القائلِ: ﴿الَمّ﴾. لا يَجوزُ أن يَلِيَه
مِن الكلام ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ لاستحالةِ معنى الكلام وخروجِه عن المعقول إذا
أُولِى ﴿الّمّ﴾ ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ﴾ .
واحْتَجُوا لقولِهم ذلك أيضًا بما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُميدِ الرازىُّ، قال: حدّثنا
(١) فى م: ((خبر)).