Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١
فاتحة الكتاب
فإن قال قائلٌ: وما معنى أمرِ اللَّهِ عبادَه بأن يَسألوه المعونةَ على طاعتِه؟ أوَ جائزٌ،
وقد أمَرهم بطاعتِهِ ، ألا يُعِينَهم عليها؟ أم هل يقولُ قائلٌ لربِّه: إياك نَسْتَعِينُ على
طاعتِك . إلا وهو على قولِه ذلك مُعانٌ ؟ وذلك هو الطاعةُ ، فما وجهُ مسألةِ العبدِ ربَّه
ما قد أعطاه (١) إياه ؟
قيل : إن تأويلَ ذلك على غيرِ الوجهِ الذى ذهبتَ إليه، وإنما الداعى ربَّه مِن
المؤمنين أن يُعِينَه على طاعتِه إياه ، داع أن يُعِينَه فيما بقِى مِن عمرِه على ما كلَّفه مِن
طاعتِهِ ، دون ما قد تَقَضَّى ومضَى مِن أعمالِه الصالحةِ فيما خلا مِن عمرِه . وجازت
مسألةُ / العبدِ ربَّه ذلك؛ لأن إعطاءَ اللَّهِ عبدَه ذلك مع تمكينِه جَوارحَه لأداءٍ ما ٧٠/١
كلَّفه مِن طاعتِه واقْتَرَض عليه مِن فرائضِه - فضلٌ منه جل ثناؤُه تفَضَّل به
عليه ، ولُطْفٌ منه لطَف له فيه، وليس فى تركِه التفضُّلَ على بعضٍ عَبِيدِه
بالتوفيقِ، مع اشتغالِ عبدِه بمعصيتِه، وانصرافِه عن محبته، ولا فى بَشْطِه
فضلَه على بعضِهم مع إجهادِ العبدِ نفسَه فى محبتِهِ، ومسارعتِه إلى طاعتِه -
فسادٌ(٢) فى تدبيرٍ ، ولا جَوْرٌ فى حكمٍ، فيجوزَ أَن يَجْهَلَ جاهلٌ موضعَ حُكم
اللَّهِ أمرَه(٣) عبدَه بمسألتِهِ عونَه على طاعتِه .
وفى أمرِ اللَّهِ جل ثناؤه عبادَه أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
نَسَتْعِيْنُ﴾. بمعنى مسألتِهِم إياه المعونةَ على العبادةِ - أدلَّ الدليل على فسادِ
قولِ القائلين بالتفويضٍ مِن أهلِ القَدَرِ الذين أحالوا أن يَأْمُرَ اللَّهُ أحدًا مِن
(١) بعده فى ص، ت١: ((اللَّه)).
(٢) أى : ليس فى تركه التفضل فسادٌ ....
(٣) فى م: (( وأمره)).
( تفسير الطبرى ١١/١ )
١٦٢
فاتحة الكتاب
عبادِه(١) بأمرٍ أو يُكَلِّفَه فرضَ عملٍ، إلا بعدَ إعطائِهِ المعونةَ ( والقدرةَ) على فعلِه
وعلی تر که .
ولو كان الذى قالوا مِن ذلك كما قالوا ، لِبَطْلَت الرغبةُ إلى اللَّهِ فى المعونةِ على
طاعتِه ، إذ كان على قولهم ، مع وجودِ الأمرِ والنهىِ والتكليفِ - حقًّا واجبًا على اللَّهِ
للعبدِ إِعطاؤُه المعونةَ عليه، سأله ذلك عبدُه أو ترَك مسألته(٢) ذلك، بل تَزْكُ إعطائِه
ذلك عندَهم منه جَوْرٌ. ولو كان الأمر فى ذلك على ما قالوا، لكان القائلُ:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إنما يَسْألُ ربَّه ألا يجورَ.
وفى إجماع أهلِ الإسلامِ جميعًا على تَصْويبِ قولِ القائلِ: اللهم إنا
نَسْتَعِينُك. وتخطئتِهم قولَ القائلِ: اللهم لا تَجُرْ علينا - دليلٌ واضحٌ على خطأً ما
قال الذين وصفتُ قولَهم ، إذ كان تأويلُ قولِ القائلِ عندَهم: اللهم إنا نَسْتَعِينُك :
اللهم لا تَتْرُكْ مَعونتَنا التى تركُكها(*) جَوْرٌ منك.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فقُدِّم
الخبرُ عن العبادةِ، وأَخِّرَت مسألةُ المعونةِ عليها بعدَها(٥) ، وإنما تكونُ العبادةُ بالمعونةِ ،
فمسألةُ المعونةِ كانت أحقَّ بالتقديمِ(٦) قبلَ المُعانِ عليه مِن العملِ(٧) ، والعبادةُ بها؟.
قيل: لمَّ كان معلومًا أن العبادةَ لا سبيلَ للعبدِ إليها إلا بمعونةٍ مِن اللَّهِ جل ثناؤه،
(١) فى م، ت٢، ت ٣: ((عبيده).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى م: ((مسألة)).
(٤) فى م: ((تركها)).
(٥) سقط من: ص.
(٦) بعده فى ص: ((بم)).
(٧) فى ر: ((العقل)).
١٦٣
فاتحة الكتاب
وكان مُحالًا أن يكونَ العبدُ عابدًا إلا وهو على العبادةِ مُعانٌ، وأن يكونَ مُعانًا عليها
إلا وهو لها فاعلٌ - كان سواءً تقديمُ ما قُدِّم منهما على صاحبِه، كما سواءٌ قولُك
لرجلٍ(١) قضَى حاجتَك فأُحْسَن إليك فى قضائِها: قضيتَ حاجتى فأحسنتَ إلىَّ.
فقدَّمْتَ ذكرَ قضائِه حاجتك، أو قلتَ : أحسنتَ إلىَّ فقضيتَ حاجتى. فقدَّمْتَ
ذكرَ الإحسانِ على ذكرٍ قضاءِ الحاجةِ ؛ لأنه لا يكونُ قاضيًا حاجتَك إلا وهو إليك
محسنٌ، ولا محسنًا إليك إلا وهو لحاجتِك قاضٍ . فكذلك سواءٌ قولُ القائلِ : اللهم
إِنّا إياك نَعْبُدُ فأعِنَّا على عبادتك. وقولُه: اللهم أعِنَّا على عبادتك فإنّا إياك نعبدُ.
قال أبو جعفرٍ: وقد ظنَّ بعضُ أهلِ الغَفْلةِ أن ذلك مِن المُقَدَّم الذى معناه
التأخيرُ، كما قال امرؤُ القيسِ() :
فلو أنَّ ما أسْعَى لأَذْنَى مَعيشةٍ
كفانى - ولم أُطْلُبْ - قليلٌ مِن المالِ
يُريدُ بذلك: كفانى قليلٌ مِن المالِ، ولم أَطْلُبْ كثيرًا. وذلك مِن معانى
التقديم والتأخيرِ ، ومِن مُشابهةٍ بيتِ امرِئِّ القيسِ بمعْزِلٍ، مِن أجلِ أنه قد يَكْفِيه القليلُ
مِن المالِ ويَطْلُبُ الكثيرَ، فليس وجودُ ما يَكْفِيه منه بُوجِبٍ له تركَ طلبِ الكثيرِ ،
فيكونَ نظيرَ العبادةِ التى بوجودِها وجودُ المعونةِ عليها، وبوجودِ المعونةِ / عليها ٧١/١
وجودُها ، فيكونَ ذكرِ أحدِهما دالا على الآخرِ، فيعتدلَ فى صحةِ الكلامِ تقديمُ ما
قُدِّم منهما قبلَ صاحبِه أن يكونَ موضوعًا فى درجتِه ومرتًَّا فى مرتَبْتِه .
فإن قال: فما وجهُ تَكرارِهِ: ﴿إِيَّاكَ﴾. مع قوله: ﴿ نَسْتَعِينُ﴾ وقد تقدَّم
ذلك قبلَ: ﴿ نَعْبُدُ﴾؟ وهلَّا قيل: إياك نعبُدُ ونستعينُ. إذ كان المُخْبَرُ عنه أنه
المعبودُ هو المْخَبرُ عنه أنه المُسْتعانُ ؟
(١) فى م: ((للرجل إذا)).
(٢) ديوانه ص ٣٩.
١٦٤
فاتحة الكتاب
قيل له(١): إن الكافَ التى مع ((إِيَّا))، هى الكافُ التى كانت تَتَّصِلُ بالفعلِ -
أَغْنِى بقوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ - لو كانت مؤخرةً بعدَ الفعلِ(٢)، وهى كنايةُ اسمٍ
المخاطَبِ المنصوبِ بالفعل، فَكَثِّرت بـ ((إِيَّا)) مُتَقَدِّمةً(٢)، إذ كانت الأسماءُ إذا
انفَرَدَتْ بأنفسِها لا تكونُ فى كلامِ العربِ على حرفٍ واحدٍ ، فلمَّا كانت الكافُ
مِن: ﴿ إِيَّاكَ﴾ هى كنايةَ اسم المخاطَبِ التى كانت تكونُ كافًا وحدَها مُتَّصِلةً
بالفعلِ، إذا كانت بعدَ الفعلِ، ثم كان حظُها أن تُعادَ مع كلِّ فعلِ اتَّصَلَتْ به،
فيقالَ: اللهم إنا نَعْبُدُك، ونَسْتَعِينُك، ونَحْمَدُك، ونَشْكُرُك. وكان ذلك أفصحَ فى
كلامِ العربِ مِن أن يُقالَ: اللهم إنا نَعْبُدُك ونَسْتَعِينُ ونَحْمَدُ. كان كذلك
إذا قُدِّمَت كنايةُ اسم المُخَاطَبِ قبلَ الفعلِ موصولةً بـ((إيا))، كان الأفصحُ إعادتها
مع [١٩/١ظ] كلّ فعلٍ، كما كان الفصيحُ مِن الكلام إعادتها مع كلِّ فعل ، إذا(٤)
كانت بعدَ الفعلِ مُتَّصِلةً به، وإن كان تركُ إِعادتِها جائزًا .
وقد ظنَّ بعضُ مَن لم يُنْعِمِ ) النظرَ أن إعادةَ: ﴿إِيَّاكَ﴾ مع ﴿ نَسْتَعِينُ﴾
بعدَ تقدُّمِها فى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بمعنى قولِ عدىٍّ بنِ زِيدِ العِبَادىِّ(١):
وجاعِلُ() الشمسِ مِصْرًا(٨) لاحَفاءَ به
بينَ النهارِ وبينَ الليلِ قد فصَلا
(١) زيادة من: م، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى ص: ((الفصل)).
(٣) فى ص: ((متعدية)).
(٤) فى م، ت ١: ((إذ)).
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يمعن)).
(٦) أساس البلاغة ص ٩٠٣. وفى المخصص ١٦٤/١٣ (المجلد الرابع)، واللسان والتاج (م ص ر) منسوبا
إلى أمية بن أبى الصلت. واستدركه ابن برى ونسبه إلى عدى بن زيد.
(٧) فى المخصص، واللسان، والتاج: ((جعل)).
(٨) المصر : الحاجز بين الشيئين .
١٦٥
فاتحة الكتاب
وكقولٍ أغْشَى هَهدانَ(١):
بَخْ بَخْ() لوالدِهُ(٤) وللمولود
بينَ الأُشَجِّ وبين قيسٍ باذخٌ(٢)
وذلك مِن قائلِه جهلٌ، مِن أجل أن حظَّ ((إياك)) أن تكونَ مُكرَّرةً مع كلٌ
فعلٍ؛ لما وصَفْنا آنفًا مِن العلةِ، وليس ذلك حُكمَ ((بين))؛ لأنها لا تكونُ إذا اقتَضَت
اثنين إلا تكريرًا إذا أَعِيدَت، إذ كانت لا تَنْفَرِدُ بالواحدِ، وأنها لو أَفْرِدَت بأحدٍ
الاسمين فى حالٍ اقتضائِها اثنين كان الكلامُ كالمستحيل، وذلك أن قائلًا لو قال (٥):
الشمسُ قد فصَلَت بينَ النهارِ. لكان مِن الكلامِ خَلْفًا ) ، لنُقصانِ الكلام عما به
الحاجةُ إليه مِن تمامِه الذى يَقْتَضِيه ((بين)). ولو قال القائلُ: اللهمّ إيّاكِ نَعْبُدُ. لكان
ذلك كلامًا تامًا. فكان معلومًا بذلك أن حاجةَ كلِّ كلمةٍ - كانت نظيرةَ: ﴿إِيَّاكَ
نَعْبُدُ﴾ - إلى ((إياك)) كحاجةٍ: ﴿ نَعْبُدُ﴾ إليها، وأن الصوابَ أن تكونَ(٧)
معها ((إياك))، إذ كانت كلُّ كلمةٍ منها جملةَ خبرٍ مبتدأً، وبيًِّا حُكمُ مُخالفةٍ
ذلك محُكمَ ((بين)) فيما وَفَّق بينَهما الذى وصَفْنا قولَه.
القولُ فى تأويلِ قولِه : ﴿ أَهْدِنَا ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: ومعنى قوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ﴾ فى هذا الموضعِ
عندَنا : وَفِّقْنا للثباتِ عليه. كما رُوِى " ذلك عن ابنِ عباسٍ .
(١) ديوانه ص ١١٣.
(٢) فى ص: ((نازح)). وشرف باذخ: عال. اللسان (ب ذ خ).
(٣) سقط من : ص.
(٤) فى ص: ((لوالدة)) .
(٥) بعده فى ر: ((إن)).
(٦) الخلف : الردىء من القول. التاج (خ ل ف).
(٧) فى م: ((تكرر)).
(٨) بعده فى ص، ت ١، ت ٣: ((فى)).
:
١٦٦
فاتحة الكتاب
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ،
٧٢/١ قال: حدَّثنا / أبو رَوْقٍ ، عن الضحاكِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍٍ، قال: قال جبريلُ
لمحمدٍ: قلْ يا محمدُ: ﴿ أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَفِيمَ﴾. يقولُ (١) : ألْهِمْنا الطريقَ
(٢)
الهادئ(٢).
وإلهامُه إياه ذلك هو توفيقُه له، كالذى قلْنا فى تأويله . ومعناه نظيرُ معنى
قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَسْتَعِيرُ﴾. فى أنه مسألةُ العبدِ ربّه التوفيقَ للثباتِ على العملِ
بطاعتهِ، وإصابةِ الحقِّ والصوابِ فيما أمَره به ونهاه عنه، فيما يَسْتَقْبِلُ مِن عُمُرٍه ،
دون ما قد مضَى مِن أعمالِه، وتقَضَّى فيما سلَف مِن عمُرٍه، كما قولُه: ﴿ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ﴾. مسألةٌ منه ربَّه المُثُونةَ على أداءِ ما قد كلَّفه مِن طاعتهِ فيما بقِى مِن
عمُّرِهِ. فكان معنى الكلام: اللهمَّ إياك نَعْبُدُ وحدك لا شريكَ لك، مُخْلِصِين لك
العبادةَ دونَ ما سواك مِن الآلهةِ والأوثانِ، فأعِنًا على عبادتك، ووفّقْنا لما وقَّقْت له مَن
أَنْعَمْتَ عليه مِن أنبيائِك وأهلِ طاعتِك، مِن السبُلِ(٣) والمنهاجِ.
فإن قال قائلٌ: وأنَّى وجَدْتَ الهدايةَ فى كلامِ العربِ بمعنى التوفيقِ ؟
(٢) قيل له٤) : ذلك فى كلامِها أكثرُ وأظهرُ مِن أن يُخْصَى عددُ ما جاء عنهم فى
ذلك مِن الشواهدِ ، فمِن ذلك قولُ الشاعرِ(٥) :
لا تَحْرِمَنِّى هداك اللَّهُ مَسْألتى
ولا أكُونَنْ كمَن أَوْدَی به السَّفَرُ
٠
(١) سقط من: ر.
(٢) سیأتی بتمامه فى ص ١٧٤.
(٣) فى م: ((السبيل))، وفى ت ٢، ت ٣: ((السبر)).
(٤ - ٤) فى ص، ر: ((قبل)).
(٥) لودفة الأسدى أبيات على نفس الوزن يقولها لمعن بن زائدة. ينظر أمالى المرتضى ٢٢٢/١.
١٦٧
فاتحة الكتاب
بمعنى (١) : وفَّقك اللَّهُ لقضاءٍ حاجتى.
ومنه قولُ الآخرِ (٢) :
("ولا تُعْجِلَنَّى؟ هداك المَلَيكُ فإِن لكلِّ مَقامِ مَقالَاً
فمعلومٌ أنه إنما أراد : وقَّقك اللَّهُ لإصابةِ الحقِّ فى أمْرِى .
ومنه قولُ اللَّهِ عز وجل: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [ البقرة: ٢٥٨،
آل عمران: ٨٦، التوبة: ١٩، ١٠٩، الصف: ٧، الجمعة: ٥]. فى غيرِ آيةٍ مِن تنزيله. وقد
عُلِم بذلك أنه لم يَعْنِ أنه لايُبَيِّنُ للظالمين الواجبَ عليهم من فرائضِه. وكيف
يجوزُ أن يكونَ ذلك معناه، وقد عمَّ بالبيانِ جميعَ المكلّفين مِن خلقِه، ولكنه
عنَى جل ذكرُه أنه لا يُوَفِّقُهم، ولا يَشْرَحُ للحقِّ والإيمانِ صدورَهم .
وقد زعم بعضُهم أن تأويل قوله: ﴿ أَهْدِنَا﴾: زِدْنا هدايةً .
وليس يَخْلُو هذا القولُ مِن أحدِ أمْرَيْن؛ إما أن يكونَ قد ظنَّ قائلُه أن النبىَّ عَلِّ
أُمِر (٤ بمسألةٍ ربِّه) الزيادةَ فى البيانِ، أو (١) الزيادةَ فى المعونةِ والتوفيقِ. فإن كان ظنَّ
أنه أُمِرِ بمسألتِه (١) الزيادةَ فى البيانِ، فذلك ما لا وجهَ له؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤه لا يُكَلِّفُ
عبدًا فرضًا مِن فرائضِه إلا بعدَ تبیینهِ له وإقامة الحجةِ علیه به ، ولو كان معنى ذلك
معنى مسألتِه البيانَ ، لكان قد أُمِرِ أن يَدْعُوَ ربَّه أن يُبَيِّنَ له ما فرَض عليه، وذلك مِن
الدعاءِ خَلْفٌ ؛ لأنه لا يَفْرِضُ فرضًا إلا مبينًا لمن فرضه عليه، أو يكونَ أَمِرِ أن يَدْعُوَ رِبَّه
(١) فى م: ((يعنى به)).
(٢) ديوان الحطيئة ص ٢٢٢، والأغانى ١٨٧/٢، واللسان (ق ول)، (ح ن ن)، وفى الفاخر ص ٣١٤
أن أول من قال ذلك طرفة بن العبد فى شعر يعتذر فيه لعمرو بن هند. ولم نجد البيت فى ديوانه .
(٣ - ٣) فى الديوان، والأغانى، واللسان: ((تحنن على))، وفى الفاخر: ((تصدق على)).
(٤ - ٤) فى ص: ((بمسألته)).
(٥) فى ص، ر، ت١: ((و)).
(٦) فى م: ((بمسألة)).
١٦٨
--
فاتحة الكتاب
أن يَفْرِضَ عليه الفرائضَ التى لم يَفْرِضْها. وفى فسادِ وجهِ مسألةِ العبدِ رِبَّه ذلك ما (١)
يُوَضِّحُ عن أن معنى: ﴿ أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ﴾. غيرُ معنى: بَيِّنْ لنا فرائضَك
وحدودَك .
أو يكونَ ظنَّ أنه أُمِر بمسألةِ ربِّه الزيادةَ فى المعونةِ والتوفيقِ، فإن كان ذلك
كذلك، فلن تَخْلُوَ مسألتُه تلك الزيادةَ مِن أن تكونَ مسألةٌ للزيادةِ فى المعونةِ على ما
قد مضى مِن عملِه، أو على ما يَحْدُثُ ، وفى ارتفاع حاجةِ العبدِ إلى المعونةِ على ما
قد تقَضَّى مِن عملِه، ما يُعْلِمُ أن معنى مسألةِ تلك الزيادةِ إنما هو مسألتُه الزيادةَ لما
يَحْدُثُ مِن عملِه . وإذ كان ذلك كذلك، صار الأمر إلى ما وصَفْنا وقلْنا فى ذلك مِن
٧٣/١ أنه مسألةُ العبدِ / ربَّه التوفيقَ لأداءِ ما كُلِّف مِن "فرائضٍ ربِّه) فيما يَسْتَقْبِلُ مِن
عمُّرِه .
وفى صحةِ ذلك فسادُ قولٍ (١) أهلِ القدَرِ الزاعمين أن كلَّ مأمورٍ بأمرٍ أو مكلّفٍ
فرضًا، فقد أَعْطِى مِن المعونةِ عليه ما قد ارتَفَعَت معه فى ذلك الفرضِ حاجتُه إلى
ربِّه؛ لأنه لو كان [٢٠/١ و] الأمرُ على ما قالوا فى ذلك لَبَطل معنى قولِ اللَّهِ جل
ثناؤه: ﴿إِنَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴿ أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِمَ﴾. وفى صحةٍ
معنى ذلك على ما بيّنا ، فسادُ قولِهم .
وقد زعم بعضُهم أن معنى قوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ﴾: أسْلِكْنا طريقَ
الجنةِ فى المعادِ . أىْ: قدِّمْنا له وامْضٍ بنا إليه. كما قال جل ثناؤه: ﴿فَأَهْدُوهُمْ إِلَى
صِرَطِ اَلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]. أى: أدْخِلوهم النارَ. كما تُهْدَى المرأةُ إلى زوجِها،
(١) فى ص: ((مما)).
(٢ - ٢) فى م، ت ٢، ت ٣: (( فرائضه)).
(٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.
١٦٩
فاتحة الكتاب
يُعْنَى بذلك أنها تُدْخَلُ إليه، وكما تُهْدَى الهديَّةُ إلى الرجل، وكما تَهْدِى الساقَ
القدمُ، نظيرَ قولٍ طَرَفَةَ بنِ العَبْدِ (١) :
وجَرَى فِى رَوْنَقٍ رِهَمُهُ(٢)
لِعِبَتْ بَعْدِى الشّيولُ به
حيث تَهْدِى ساقَه قَدَمُهْ
للفتى عَقْلٌ يَعِيشُ به
أى : تَرِدُ به المواردَ .
وفى قولِ اللَّهِ جل ثناؤُه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ما يُنْبِئُ عن
خطأ هذا التأويل ، مع شهادةِ الحُجَّةِ مِن المفسّرِين على تخطئتِه، وذلك أن جميعَ
المفسّرين مِن الصحابةِ والتابعين مُجْمِعون على أن معنى الصراطِ فى هذا الموضعِ غيرُ
المعنى الذى تأَوَّله قائلُ هذا القولِ ، وأن قولَه: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . مسألةُ العبدِ
ربّه المعونةَ على عباديِه، فكذلك قولُه: ﴿أَهْدِنَا﴾. إنما هو مسألتُهُ) الثباتَ على
الهدى فيما بقِى مِن عمُرِه .
والعربُ تقولُ : هدَيْتُ فلانًا الطريقَ ، وهدَيْتُه للطريقِ ، وهدَيْتُه إلى الطريقِ :
إذا أرْشَدْتَه إليه (٤) ، وسدّدْتَه له . وبكلِّ ذلك قد(٥) جاء القرآنُ، قال اللّهُ جل ثناؤه:
وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنْنَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. وقال فى موضعٍ آخرَ:
اجْتَنَهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١]. وقال: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ
اُلْمُسْتَقِيمَ﴾. وكلَّ ذلك فاشٍ فى منطقِها، موجودٌ فى كلامِها، من ذلك قولُ
(١) ديوانه ص ٧٥، ٨٠.
(٢) فى ص، ت١: ((دهمه))، وفى ر: ((دَهَمُه)). والرهم جمع الرهمة: المطر الضعيف الدائم الصغير
القطر. اللسان (رهـ م).
(٣) فى ص، م: ((مسألة)).
(٤) فى ر: ((إلى الطريق)).
(٥) زيادة من: ر، ت ٢، ت ٣.
٠
١٧٠
فاتحة الكتاب
الشاعر(١):
(١)
ربَّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ
أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذنبًا لستُ مُخْصِيَه
يُرِيدُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لذئْبٍ. كما قال جل ثناؤُه: ﴿ وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنِكَ﴾
[ غافر: ٥٥] .
ومنه قولُ نابغةٍ بنى ذُثْانَ(٢):
قبلَ الوَنَى وَالأَشْعَبَ(٥) النََّّاحا
فيَصِيدُنا العَيْرَ() المُدِلَّ بمحضْرِهِ(٤)
يُرِيدُ : فيصِيدُ لنا. وذلك كثيرٌ فى أشعارِهم وكلامِهم، وفيما ذكَوْنا منه
كفايةٌ . واللَّهُ الموفقُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه عز وجل: ﴿اَلِصِرَطَ الْمُسْتَفِيمَ
٦
قال أبو جعفرٍ: أجْمَعَت الحُكْةُ (١) مِن أهلِ التأويلِ جميعًا على أن الصراطَ
المستقيمَ هو الطريقُ الواضحُ الذى لا اعْوِجاجَ فيه، وكذلك ذلك فى لغةٍ جميع
العربِ، فمِن ذلك قولُ جريرِ بنِ عَطِيةَ الخَطَفى(٨):
أميرُ المؤمنين على صراطٍ
إذا اعوَجَّ المواردُ مستقيمٍ
(١) الكتاب ٣٧/١، والخزانة ٣/ ١١١. وقال: وهذا البيت من أبيات سيبويه الخمسين التى لا يعرف قائلها.
(٢) النابغة قصيدة على نفس الوزن ليس منها هذا البيت . ينظر ديوان النابغة - تحقيق: محمد أبو الفضل
إبراهيم - ص ٢١٣ - ٢١٧ .
(٣) العير: حمار الوحش. اللسان (ع ی ر).
(٤) الحضر: ارتفاع الدابة فى العدو. اللسان (ح ض ر).
(٥) الأشعب : الظبى إذا تفرق قرناه فتباينا بينونة شديدة. اللسان (ش ع ب).
(٦) فى ص، م، ت ١: ((الأمة)).
(٧) سقط من : ر.
(٨) ديوانه ٢١٨/١.
١٧١
فاتحة الكتاب
يريدُ : على طريقِ الحقِّ .
ومنه قولُ الهُذَلِيِّ أبى ذُؤَّيِبٍ(١):
ترَكْناها أدَقَّ مِن الصراطِ
صبَحْنا أرضَهم بالخيلِ حتى
/ ومنه قولُ الراجزٍ() :
٧٤/١
فصدَّ عن نَهْجِ الصِّراطِ القاصدِ (٣)
والشواهدُ على ذلك أكثرُ مِن أن تُحْصَى، وفيما ذكَرْنا غِنَّى عما ترَكْنا .
ثم تَشْتَعِيرُ العربُ الصراطَ فتَشْتَغْمِلُه فى كلِّ قولٍ وعملٍ وُصِف باستقامةٍ أو
اْوِجاجٍ، فتَصِفُ المستقيمَ باستقامتِه، والمُغْوَجّ باعْوِجاجِه. والذى هو أولى بتأويلٍ
هذه الآيةِ عندى، أَغْنِى (٤): ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أن يَكُونَ مَعْنِيًّا به: وَفِّقْنا
للثباتِ على ما ارْتَضَيْتَه وَقَّقْتَ له مَن أنعمْتَ عليه مِن عبادِك، مِن قولٍ وعملٍ ،
وذلك هو الصراط المستقيمُ؛ لأن مَن وُفِّق لما وُفِّق له مَن أَنْعَم اللَّهُ عليه مِن النبيِّين
والصديقين والشهداء والصالحينْ)، فقد وُفِّق للإسلامِ، وتصديقِ الرسلِ،
والتمسكِ بالكتابِ ، والعمل بما أمَره (١) اللَّهُ به، والانْزجارِ عما زجره عنه، واتباع
منهاجٍ(١) النبيِّ يَِّ، ومِنهاجٍ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلىٍّ، رضِى اللَّهُ عنهم
أجمعين، وكلِّ عبدٍ للَّهِ صالح، وكلَّ ذلك مِن الصراط المستقيم .
(١) ليس فى ديوانه، ونسبه القرطبى فى تفسيره ١٤٧/١ إلى عامر بن الطفيل.
(٢) فى ص: ((الآخر)). والرجز فى مجاز القرآن ٢٤/١، وتفسير القرطبى ١٤٧/١.
(٣) فى تفسير القرطبى: ((الواضح)).
(٤) سقط من : ر.
(٥ - ٥) زيادة من: ر.
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٣: ((أمر)).
(٧) فى م، ت ٢، ت ٣: ((منهج)).
١٧٢
فاتحة الكتاب
وقد اختلف تَراجِمةُ القرآنِ فى المعنىِّ بالصراطِ المستقيم، يَشْمَلُ معانىَ
جميعهم فى ذلك ما أخْبَونا (١) مِن التأويلِ فيه .
ومما قالته فى ذلك ما رُوِى عن عليّ بنِ أبى طالبٍ، رضِى اللَّهُ عنه، عن
النبىّ ◌َهِ، أنه قال، وذكَر القرآنَ، فقال: ((هو الصرّاطُ المُسْتَقِيمُ)).
حدَّثنا بذلك موسى بنُ عبدِ الرحمن المشروقىُّ، قال: حدَّثنا حسينٌ الجُعُفىُّ،
عن حمزةَ الزيَّاتِ ، عن أبى المختارِ الطائىِّ، عن ابنِ أخى الحارثِ ، عن الحارثِ ، عن
علىٍّ، عن النبيِّ عٍَّ(١).
وحُدِّثْتُ عن إسماعيلَ بنِ أبي كريمةً، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ سَلَمةً، عن أبى
بِنانٍ، عن عمرٍو بنِ مُرَّةَ، عن أبى البَخْترىِّ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، عن النبيِّ عَ له
مثلَه(٣) .
(١) فى م، ت١: ((اخترنا))، وفى ت ٢: ((أجزنا)). وفى حاشية المطبوعة إشارة إلى أنها كانت: ((أخبرنا)).
(٢) إسناده ضعيف جدا؛ أبو المختار الطائى وابن أخى الحارث مجهولان، والحارث ضعيف .
وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٨٢/١٠، والدارمى ٤٣٥/٢، والترمذى (٢٩٠٦)، والبيهقى فى الشعب
(١٩٣٥، ١٩٣٦)، والبغوى فى تفسيره ٣٩/١، وفى شرح السنة (١١٨١) من طريق حسين به مطولا.
وأخرجه إسحاق بن راهويه فى مسنده - كما فى النكت الظراف ٣٥٧/٧ - وابن نصر فى قيام
الليل ص ٧١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠/١ (٣٢) - مختصرا - والبزار (٨٣٦) - مطولا -
والدارقطنى فى العلل ١٤١/٣، ١٤٢ من طرق عن حمزة الزيات به .
واختلف على حمزة الزيات فيه، والصحيح الوجه الذى أورده المصنف. ينظر علل الدار قطنى ١٣٨/٣ -
١٤٠. وقال الذهبى فى ترجمة أبى المختار من الميزان ٤/ ٥٧١: حديثه فى فضائل القرآن العزيز منكر.
وقال ابن كثير فى فضائل القرآن ص ١٥: والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور ، وقد تكلموا فيه ، بل
قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه تعمد الكذب فى الحديث ، فلا ، واللّه أعلم. وقصارى هذا
الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين على رضى اللَّه عنه ، وقد وهم بعضهم فى رفعه، وهو كلام حسن
صحيح. وقال فى تفسيره ١/ ٤٢: وقد رُوى هذا موقوفا عن على ، وهو أشبه .
وروى من وجه آخر مختصرا عند أحمد ١١١/٢ (٧٠٤)، وليس فيه تفسير الصراط المستقيم.
(٣) أخرجه الخطيب فى الفقيه والمتفقه (١٩٠) من طريق إسماعيل به. وأخرجه البزار (٨٣٥) - مختصرا - =
١٧٣
فاتحة الكتاب
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرِىُّ، قال :
حدَّثنا حمزةُ الزياتُ ، عن أبى المختارِ الطائىّ، عن ابنِ أخى الحارثِ الأُعورِ ، عن
الحارثِ، عن علىٍّ، قال: الصِّراطُ المستقيمُ كتابُ اللهِ تعالى.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قال :
حدَّثنا سفيانُ ، وحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدِ الرازىُّ، قال: حدَّثْنا مِهْرانُ، عن سفيانَ ،
عن منصورٍ ، عن أبى وائلٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: الصراط المستقيمُ كتابُ اللَّه(١).
حدَّثنا محمودُ بنُ خِدَاشِ الطالَقانىُ، قال: حدَّثنا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ
الوُؤاسىُّ ، قال: حدَّثنا علىٌّ والحسنُ ابنا صالح، جميعًا عن عبدِ اللهِ بن محمدِ بنِ
عَقِيلٍ، عن جابرٍ: ﴿ أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ﴾. قال: الإِسلامُ. قال: هو أوسعُ مما
بينَ السماءِ وَ()الأرضِ(٣).
حدَّثنا [٢٠/١ظ] أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا
= والدارمى ٤٣٥/٢، ٤٣٦ من طريق محمد بن سلمة به .
وأخرجه الخطيب (١٩١) من طريق محمد بن حميد، عن الحكم بن بشير بن سلمان ، عن عمرو بن قيس،
عن عمرو بن مرة به .
وأبو سنان صدوق له أوهام ، وقد خولف فيه ، فرواه غير واحد عن عمرو بن مرة ، عن أبى البخترى ، عن ابن
أبى الحارث ، عن الحارث، عن على. ينظر علل الدارقطنى ١٣٧/٣، ١٣٨.
(١) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٥٨، والبيهقى فى الشعب (١٩٣٨) من طريق سفيان به . وصححه الحاكم.
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/١ إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الآنبارى فى المصاحف.
وذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٢/١ عن الثورى به، وقال: وقيل: هو الإسلام. وهذا أخرجه أبو نعيم فى
أخبار أصبهان ١٠٣/٢ من طريق مسعر، عن منصور به .
(٢) فى ص، ر، ت ١، ت ٢: ((إلى)).
(٣) أخرجه الحاكم ٢/ ٢٥٨، ٢٥٩ من طريق الحسن بن صالح به. وقال: صحيح الإسناد .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/١ إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر والمحاملى.
١٧٤
فاتحة الكتاب
بشرُ بنُ عُمارةَ(١) ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ ، عن الضحاكِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ،
قال: قال جبريلُ لمحمدٍ: قلْ يا محمدُ: ﴿أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. يقولُ:
أَلْهِمْنا الطريقَ الهادئَ، وهو دينُ اللَّهِ الذى لا ("عِوَجَ له).
٧٥/١
/ حدَّثنا ("سهلُ بنُ موسى" الرازىُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عوفٍ، عن
الفُراتِ بنِ السائبِ، عن ميمونِ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ أَهْدِنَا
اَلْصِرَطَ الْمُسْتَفِيمَ﴾. قال: ذلك الإسلامُ(٤).
حدَّثنا محمودُ بنُ خِداشِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ربيعةَ الكِلابِىُّ، عن
إسماعيلَ الأزرقِ، عن أبى عُمرَ البزَّارِ، عن ابنِ الحَنَّفيةِ فى قولِه: ﴿أَهْدِنَا
الصِّرَطَ الْمُسْتَقِمَ﴾. قال: هو دينُ اللَّهِ الذى لا يَقْبَلُ مِن العبادِ غيرَه (٥).
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ الهَمْدانىُ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ طلحةَ القَنَّادُ ، قال:
حدَّثنا أسْباطُ ، عن الشّدِّىِّ فى خبرِ ذكَره عن أبى مالكٍ ، وعن أبى صالحٍ ، عن ابنِ
عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانىٌ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ عَ لَّهِ:
﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيِمَ﴾: هو الإِسلامُ().
(١) فى م، ت ٣: ((عمار)).
(٢ - ٢) فى ر: ((اعوجاج فيه)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠/١ (٣١، ٣٦) من طريق أبي كريب به .
(٣ - ٣) فى م: (موسى بن سهل)). وينظر تاريخ المصنف ٣٢/١، ٣٢٩، ٣٣٧.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/١ إلى المصنف . والفرات بن السائب منكر الحديث.
وسيأتى فى تفسير الآية ١٢٦ من سورة الأنعام ، پاسناد محمد بن سعد عن آبائه .
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٣/١ عن ابن الحنفية. وإسماعيل الأزرق ضعيف .
(٦) بعده فى ص، م، ت ١: ((قال)).
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/١ إلى المصنف.
١٧٥
فاتحة الكتاب
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنی
حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ فى قوله: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ
اَلْمُسْتَقِمَ﴾. قال: الطريق(١).
حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ أبو صديفٍ الآمُلِىُّ، قال: حدَّثنا هاشمُ بنُ القاسمِ،
قال: حدثنا " حمزةُ بنُ أبى المغيرةِ) ، عن عاصم، عن أبى العاليةِ فى قولِه :
أَهْدِنَا الْصِرَطَ الْمُسْنَفِيمَ﴾. قال: هو رسولُ اللَّهِ ◌َّهِ وصاحباه مِن بعدِه؛
أبو بكر وعمرُ. قال: فذكَرْتُ ذلك للحسنِ، فقال: صدَق أبو العاليةِ
(٣)
ونصح().
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال عبدُ الرحمنِ
ابنُ زيدِ بنِ أَسْلَمَ: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ﴾. قال: الإِسلامُ(٤) .
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالح، أن
عبد الرحمنِ بنَ جُبَيْرٍ حدَّثه، عن أبيه ، عن نَوَّاسِ بنِ سِمْعانَ الأنصارىِّ ، عن رسولٍ
اللّهِ عِهِ قال: ((ضرَب اللَّهُ مَثَلًا صِراطًا مُسْتَقِيمًا، والصِّرَاطُ الإِسلَامُ))(٥).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤/١ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢ - ٢) كذا فى النسخ، والصواب: حمزة بن المغيرة. ينظر تهذيب الكمال ٧/ ٣٤٠.
(٣) أخرجه المروزى فى السنة (٢٧)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠/١ (٣٤)، وابن حبان فى الثقات
٢٢٩/٦ - تعليقًا - وابن عدى ١٠٢٣/٣، وابن عساكر فى تاريخه ١٧٠/١٨ من طريق هاشم بن
القاسم به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/١ إلى عبد بن حميد .
وأخرجه الحاكم ٢٥٩/٢ - وصححه - من طريق هاشم، عن حمزة، عن عاصم، عن أبى العالية ، عن ابن
عباس . وذكر قول الحسن كذلك .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٣/١ عن عبد الرحمن.
(٥) أخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (١٩)، والطحاوى فى المشكل (٢٠٤٣، ٢١٤١)، وابن أبى حاتم =
١٧٦
فاتحة الكتاب
حدَّثْنا المُتُنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ العَشْقلانىُ ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن معاويةً بن
صالحٍ، عن عبد الرحمنِ بنِ لُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، عن أبيه، عن النَّوَّاسِ بنِ سِمْعانَ
الأنصارىِّ، عن النبيِّ ◌َ لِّ مثلَهُ(١).
قال أبو جعفرٍ: وإنما وصَفه اللَّهُ جل ثناؤه بالاستقامةِ؛ لأنه صوابٌ لا خطأً فيه .
وقد زعم بعضُ أهلِ الغَباءِ أنه سمَّاه اللَّهُ مستقيمًا، لاستقامتِه بأهلِه إلى الجنةِ ، وذلك
تأويلٌ لتأويل جميع أهلِ التفسيرِ خلافٌ، وكفى بإجماع جميعهم على خلافِه
جميعَهم (١) دليلًا على خطئِه .
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾
وقولُه: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. إبانةٌ عن الصراطِ المستقيم، أَّ
الصراطِ هو؟ إذا كان كلَّ طريقٍ مِن طرّقِ الحقِّ "صراطًا مستقيمًا)، فقيل
٧٦/١ لمحمدٍ عَالِ: قلْ يا محمدُ: اهْدِنا ياربَّنا / الصراطَ المستقيمَ، صراطَ الذين أَنْعَمْتَ
= فى تفسيره ٣٠/١ (٣٣)، والآجرى فى الشريعة (١٤)، والرامهرمزى فى الأمثال ص ١٠ من طرق عن
أبى صالح به. وأخرجه الحاكم ٧٣/١ من طريق معاوية بن صالح به. وقال الحاكم: صحيح على شرط
مسلم، ولا أعرف له علة .
وأخرجه ابن أبى عاصم (١٨)، وأحمد ١٨٤/٢٩ (١٧٦٣٦)، والترمذى (٢٨٥٩)، والنسائى فى
الكبرى (١١٢٣٣)، والطحاوى (٢١٤٣)، والطبرانى فى مسند الشاميين (١١٤٧) من طريق خالد بن
معدان ، عن جبير بن نفير به ، مطولا ومختصرا . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/١ إلى ابن المنذر وأبى الشيخ
وابن مردويه . وقال الترمذى : حسن غريب . وقال ابن كثير فى تفسيره ٤٣/١: إسناد حسن صحيح .
(١) فى م: ((بمثله)).
والحديث أخرجه الطحاوى فى المشكل (٢١٤٢)، والآجرى فى الشريعة (١٥)، والبيهقى فى الشعب
(٧٢١٦) من طريق آدم به. وأخرجه أحمد ١٨١/٢٩ (١٧٦٣٤)، والبيهقى (٧٢١٦) من طريق الليث به .
(٢) سقط من: م.
(٣ - ٣) فى ر، ت٢، ت ٣: ((فصراط مستقيم)).
١٧٧
فاتحة الكتاب
عليهم بطاعتِك وعبادتِك، مِن ملائكتِك وأنبيائِك والصِّدِّيقِين والشهداءِ
والصالحين. وذلك نظيرُ ما قال ربنا جل ثناؤُه فى تنزيله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا
وَإِذَا لَّتَيْنَهُمْ مِن لَّدُنَّا أَجْرًا
٦٦
يُوَعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَقْبِيتًا
عَظِيمًا ﴿ وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٨) وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ
الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:
ج
٦٦ - ٦٩].
قال أبو جعفرٍ: فالذى أُمِر محمدٌ عَظئه وأمتُه أن يَسْألوا (١) ربَّهم مِن الهدايةِ
للطريقِ المستقيم، هى الهدايةُ للطريقِ الذى وصَف اللَّهُ جل ثناؤه صفتَه، وذلك
الطريقُ هو طريقُ الذين(٢) وصَفهم اللَّهُ بما وصَفَهم به فى تنزيلِه، ووعَد مَن سَلَكه
فاسْتَقام فيه طائعًا للَّهِ ولرسولِهِ عَّهِ، أن يُورِدَهُ(١) مَواردَهم، واللَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ.
وبنحوِ ما قلْنا فى ذلك رُوِى الخبرُ عن ابنِ عباسٍ وغيرِه .
حدَّثنا محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ
عُمارةً)، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صِرَاطَ
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: طريقَ مَن أَنْعَمْتَ عليهم(٢) مِن الملائكةِ والنبيين
والصِّدِّيقِين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبَدوك(١) .
(١) فى م، ت٢، ت ٣: ((يسألوه)).
(٢) فى م، ت ١: ((الذى)).
(٣) فى ص، ت ١: ((يوردهم).
(٤ - ٤) فى ص: ((قيس بن عمارة))، وفى م: (( بشر بن عمار)).
(٥) بعده فى م: ((بطاعتك وعبادتك)).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣١/١ (٣٧، ٣٨) من طريق محمد بن العلاء به .
( تفسير الطيرى ١٢/١ )
١٧٨
فاتحة الكتاب
حدَّثنى أحمدُ بنُ حازم الغِفارىُّ، قال: أَخْبَرَنا عُبيدُ(١) اللَّهِ بنُ موسى، عن أبى
جعفرٍ، عن ربيعٍ: ﴿صِرَّطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. قال: النبيون(٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ،
قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. قال: المؤمنين(١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: قال وَكيعٌ: ﴿أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ﴾: المسلمين(٤).
حدَّثنى يونسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ فى قولٍ
اللَّهِ: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. قال: النبيُّ عْظَه ومَن معه١٢.
قال أبو جعفرٍ : وفى هذه الآيةِ دليلٌ واضحٌ على أن طاعةَ اللَّهِ جل ثناؤه لا يَنالُها
المُطيعون إلا بإنعام اللَّهِ بها عليهم وتوفيقه إياهم لها، أوَ لا يَسْمَعونه يقولُ:
صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. فأضاف(٩) ما كان منهم مِن اهْتِداءٍ
وطاعةٍ وعبادةٍ إلى أنه إنعامٌ منه عليهم .
فإن قال قائلٌ: وأين تَمامُ هذا الخبرِ؟ فقد علِمْتَ أن قولَ القائل لآخرَ: أَنْعَمْتُ
عليك . مقتضٍ الخبرَ عما أنْعَم به عليه، فأين ذلك الخبرُ فى قوله: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ؟ وما تلك النعمةُ التى أَنْعَمَها عليهم؟
قيل له: قد قدَّمْنا البيانَ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا عن اجْتِزاءِ العربِ فى
(١) فى ص، ت١: ((عبد)). وقد تقدم على الصواب فى ص ١٤٦. وينظر تهذيب الكمال ١٦٤/١٩.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦/١ إلى عبد بن حميد .
(٣) ذكره ابن كثير ٤٤/١ عن ابن جريج عن ابن عباس .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٤/١ عن وكيع .
(٥) ذكره ابن كثير ٤٤/١ .
(٦) بعده فى م: ((كل)).
١٧٩
فاتحة الكتاب
مَنْطِقِها ببعضٍ مِن بعضٍ، إذا كان البعضُ الظاهرُ دالاً على البعضِ الباطنِ
وكافيًا منه، فقولُه (١): [٢١/١ ,] ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. من
ذلك؛ لأن أمْرَ اللَّهِ جل ثناؤه عبادَه مسألته المعونةَ، وطلبَهم منه الهدايةَ للصراطِ
المستقيم، لمّا كان متقدمًا قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعُمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. الذى
هو إبانةً عن الصراطِ المستقيم ، وإبدالٌ منه - كان معلومًا أن النعمةَ التى أَنْعَم اللَّهُ بها
على مَن أَمَرنا (١٢) بمسألتهِ الهدايةً لطريقِهم، هو المنهاجُ القويمُ(٢)، والصراطُ
المستقيمُ، / الذى قد قدَّمْنا البيانَ عن تأويله آنفًا، فكان ظاهرُ ما ظهَر مِن ذلك - مع ٧٧/١
قربٍ تَجَاؤُرِ الكلمتَيْن - مُغْنًِا عن تَكْرارِهِ، كما قال نابغةُ بنى ذُنْيانَ(٤):
كأنك مِن جِمالٍ بنى أُقْشِ يُقَعْقَعُ(٥) خلفَ رِجْلَيْه بشَرٍ ()
يريدُ : كأنك مِن جِمالٍ بنى أُقَيْشٍ ، جملٌ يُقَتْقَعُ خلفَ رجليه بشَنٍّ. فَاكْتَفَى
بما ظهَر مِن ذكرِ الجِمالِ الدالُ على المحذوفِ مِن إظهارٍ ما حذَف .
وكما قال الفَرَزْدَقُ بنُ غالبٍ () :
إِذا صَدِئَ الحديدُ على الكُمَاةِ (٩
تَرَى أَرْباقَهم(٨) مُتَقَلِدِيها
(١) فی ص، ر: « بقوله)).
(٢) فى ر: ((أمر)).
(٣) فى ر: ((القديم)).
(٤) ديوانه ص ١٩٨.
(٥) فى المثل: فلان لا يقعقع له بالشنان . أى لا يخدع ولا يروع. وأصله من تحريك الجلد اليابس للبعير
لیفزع. اللسان (ق ع ع).
(٦) الشن: القربة الخلق. اللسان (ش ن ن).
(٧) ديوانه ص ١٣١.
(٨) الأرباق جمع الرّبق: الحبل والحلقة تشد بها الغنم الصغار لئلا ترضع. اللسان (رب ق).
(٩) الكماة جمع الكمى : البطل الشجاع الجرىء. التاج (ك م ى).
١٨٠
فاتحة الكتاب
يُرِيدُ: مُتَقَلِّدِيها هم. فحذَف ((هم)) إذا كان الظاهرُ مِن قولِه: أرباقَهم. دالًّا
عليها .
والشواهدُ على ذلك مِن شعرِ العربِ وكلامِها أكثرُ مِن أن تُحْصَى ، فكذلك
ذلك فى قوله : ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
القولُ فى تأويل قولِهِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾
قال أبو جعفرٍ: والقَرَأَةُ مُجْمِعةٌ على قراءةِ: ﴿ غَيْرِ﴾. بجرِّ الراءِ منها .
والخفضُ يأتيها مِن وجهين :
أحدُهما، أن يكونَ ﴿غَيْرِ﴾ صفةً لـ ﴿الَّذِينَ﴾ ونعتًا لهم فتَخْفِضَها، إذا
كان ﴿ الَّذِينَ﴾ خفضًا، وهى لهم نعتٌ وصفةٌ. وإنما جاز أن يكونَ ﴿غَيْرِ﴾
نعتًا لـ ﴿الَّذِينَ﴾، و﴿ الَّذِينَ﴾ معرفةٌ، و﴿غَيْ﴾ نكرةٌ؛ لأن
الَّذِينَ﴾ بصلتِها ليست بالمعرفةِ المؤقتةِ، كالأسماءِ التى هى أماراتٌ بينَ
الناسِ ، مثلَ زيدٍ وعمرٍو ، وما أشْبَهَ ذلك، وإنما هى كالنكراتِ المجهولاتِ (١) ، مثلَ
الرجلِ والبعيرِ، وما أشْبَةَ ذلك. فلما كان ﴿ الَّذِينَ﴾ كذلك صفتُها، وكانت
﴿غَيْرِ﴾ مضافةً إلى مجهولٍ مِن الأسماءِ نظيرَ ﴿ الَّذِينَ﴾ فى أنه معرفةٌ غيرُ
مؤقتةٍ، كما ﴿ الَّذِينَ﴾ معرفةٌ غيرُ مؤقتةٍ، جاز مِن أجلِ ذلك أن يكونَ ﴿ غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ نعتًا لـ ﴿ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ " كما يقالُ:
لا أَجْلِسُ إلا إلى العالم غير الجاهل. يُرادُ: لا أجْلِسُ إلا إلى مَن يَعْلَمُ، لا إلى مَن
يَْهَلُ. ولو كان ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ معرفةٌ مؤقتةً، كان غيرَ .
(١) فى ر: ((المجمولات)).
(٢ - ٢) سقط من: ر .