Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
فاتحة الكتاب
وقد عَلِم أن الرمحَ لا يُتَقَلَّدُ، وأنه إنما أراد: وحاملًا رمحًا. ولكن لما كان
معلومًا معناه اكتَفَى بما قد ظهَر مِن كلامِه عن إظهارٍ ما حذف منه . وقد يقولون
للمسافرِ إذا ودَّعوه: مُصاحَبًا مُعافّى. يُعْنى بذلك: سِرْ مُصاحبًا مُعافّى.
فيَحذفون ): سِرْ، واخْرُجْ. إذ كان معلومًا معناه، وإن أُسْقِط ذكرُه .
فكذلك ما حُذِف مِن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
اَلْعَلَمِينَ﴾. لمَّا عُلِم بقولِه جل ذكره: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. ما أراد بقولِه:
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾. مِن معنى أمرِه عبادَه، أَغْنَت دلالةُ ما ظُهِر عليه
مِن القولِ عن إبداءٍ ما محذِف .
وقد روَيْنا الخبرَ(٣) الذى قدَّمنا ذكره مبتدأً فى تأويلِ(٤) قولِ اللّهِ: ﴿اَلْحَمْدُ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. عن ابنِ / عباسٍ وأنه كان يقولُ: إن جبريلَ قال لمحمدٍ: قلْ ٦٢/١
يا محمدُ: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. وبيَنا أن جبريلَ إنما علَّم محمدًا عَلِّ
ما أُمِرِ بتَعليمِه إياه، وهذا الخبرُ يُنْبِئُ عن صحةٍ ما قلنا فى تأويلٍ ذلك(٥).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿رَبِّ﴾ .
قال أبو جعفرٍ: قد مضَى البيانُ عن تأويلِ اسمِ اللَّهِ الذى هو اللَّهُ فى:
﴿ بِسْمِ اللَِّ﴾. فلا حاجةَ بنا إلى تكرارِه فى هذا الموضعِ .
(١ - ١) فى ر: ((وأنه))، وفى م: ((وإنما)).
(٢ - ٢) فى م، ت ٢: ((يحذفون)).
(٣) بعده فى ص: ((عن)) .
(٤) فى م: ((تنزيل)).
(٥) ينظر ما تقدم فى ص ١٣٥ .
(٦) ينظر ما تقدم فى ص ١٢١ وما بعدها .

١٤٢
فاتحة الكتاب
وأما تأويلُ قولِه: ﴿رَبِّ﴾. فإن الربَّ فى كلامِ العربِ مُنصرِفٌ(١) على
معانٍ؛ فالسيدُ المُطاعُ فيهم(٢) يُذْعَى رَبًّا، ومِن ذلك قولُ لَبيدِ بنِ ربيعةً(٢) :
وربَّ مَعَدٍّ بينَ خَبْتٍ (٤) وعَوْعَر (٥)
وأَهْلَكْنَ يومًا رَبَّ كِنْدَةَ وابنَه
يعنى بربِّ كِنْدةَ: سيدَ كِنْدَ. ومنه قولُ نابغةٍ بنى ذُبْيانَ (٦):
" فِدّى لك مِن ربِّ طَرِيفِى(٨) وتالِدِی(*)
[١٧/١ و] تَخُبُّ إلى النُّعمانِ حتى تَنَالَه
والرجلُ المُصْلِحُ الشىءٌ(١) يُدْعَى رَبًّا، ومنه قولُ الفَرَزْدَقِ بنِ
(١١)
غالبٍ(١) :
سِلاءها
فى أديم غيرِ مَربوبٍ
(١٢)
كانوا كسالِئَةٍ حَمْقَاءَ إذ حقَنَت
يعنى بذلك: فى أديم غيرِ مُصْلَحٍ. ومن ذلك قيل: إن فلانًا يَرِبُّ صَنيعتَه
عندَ فلانٍ. إذا كان يُحاوِلُ إصلاحَها وإدامتها . ومِن ذلك قولُ عَلْقمةَ بنِ
،(١٣)
عَبَدةَ (١١) :
(١) فى م، ت١: ((متصرف)).
(٢) فى م: ((فيها)).
(٣) شرح ديوان لبيد ص ٥٥.
(٤) خبت: موضع بالشام ، وقرية بزييد، وماء لكلب. تاج العروس (خ ب ت).
(٥) عرعر: عدة مواضع نجدية وغيرها، وواد بنعمان قرب عرفة. تاج العروس (ع ر ر).
(٦) ديوانه ص ١٧٠.
(٧ - ٧) ص، ر، ت ١: ((فذلك)).
(٨) الطريف والطارف من المال : المستحدث . اللسان (ط رف).
(٩) التالد: المال القديم الأصلى الذى ولد عندك. اللسان (ت ل د).
(١٠) فى م: ((للشىء)).
(١١) ديوانه ص ٢٥.
(١٢) السلاء: السمن. اللسان (س ل أ).
(١٣) ديوان علقمة بشرح الأعلم ص ٤٣، وجمهرة اللغة ١/ ٢٨، والمخصص ١٥٤/١٧ (المجلد =

١٤٣
فاتحة الكتاب
وقبلَك ربَّتْنى - فضِعْتُ - رُبوبُ(٢)
(١ فكنتَ(٢) امرأَ أفْضَتْ إليك ◌ِبابَتِى().
يعنى بقولِه: أَفْضَت إليك. أى وصلَت(٤) إليك رِبابَتى، فصِرْتَ أنت الذى
تَرُبُّ أمرى فتُصْلِحُه، لمّ خرجْتُ مِن رِبابةٍ غيرِك مِن الملوكِ(١) كانوا قبلَك علىَّ،
فضيّعوا أمرى وتركوا تَفَقُّدَه. وهم الرُّبوبُ، واحدُهم ربِّ، والمالكُ للشىءٍ يُدْعَى ربَّه.
وقد يَتَصَرَّفُ أيضًا معنى الربِّ فى وجوهٍ غيرِ ذلك، غيرَ أنها تَعودُ إلى بعضٍ
هذه الوجوهِ الثلاثةِ .
فربُّنا جل ثناؤه السيدُ الذى لا شِبْهَ(٦) له، ولا مِثْلَ فى مثلٍ(٢) سُؤْدُدِهِ، والمُصْلِحُ
أمرَ خلقِه بما أسْبَغ عليهم مِن نعمِه، والمالكُ الذى له الخلقُ والأمرُ.
و (ُبنحوِ الذىٌ) قُلْنا فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. جاءت
الروايةُ عن ابنِ عباسٍ .
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ،
قال : حدَّثنا أبو رَوْقٍ ، عن الضَّحّاكِ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: قال جبريلُ لمحمدٍ : يا
محمدُ قل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. قال ابنُ عباسٍ : يقولُ: قل : الحمدُ
= الخامس)، واللسان (رب ب).
(١ - ١) فى الديوان :
* وأنت امرؤ أفضت إليك أمانتى »
(٢) فى ر: ((فكنتُ)). بضم التاء، وكذا فى اللسان ، والضبط موافق لضبط الجمهرة والمخصص.
(٣) فى الجمهرة، واللسان: ويروى: رَبوب. قال فى اللسان: وعندى أنه اسم للجمع .
(٤) فى م: ((أوصلت)).
(٥) بعده فى م: ((الذين)).
(٦) فى ص: (( شبيه)).
(٧) سقط من: ر، م، ت ٢.
(٨ - ٨) فى ر، ت ٢: ((بالذى)).

١٤٤
فاتحة الكتاب
:
للَّهِ الذى له الخلقُ كلُّه؛ السماواتُ كلُّهن ومَن فيهن، والأرَضُون (١) كلُّهن ومَن
فيهن، وما بينَهن مما " يُعْلَمُ ومما لا يُعْلَمُ) . يقولُ: اعْلَمْ يا محمدُ أن ربَّك هذا لا يُشْبِهُه
.(٣)
شىءٌ ().
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ٌلْعَلَمِينَ
قال أبو جعفرٍ: والعالمونُ جمعُ عالَمٍ، والعالَمُ جمعٌ لا واحدَ له مِن لفظِهِ،
كالأنامِ والرَّهْطِ () والجيش٤ِ)، ونحوِ ذلك مِن الأسماءِ التى هى موضوعاتٌ على
جِماع لا واحدَ له مِن لفظِه .
والعالَمُ اسمٌ لأصنافِ الأممِ ، وكلُّ صنفٍ منها عالَمٌ ، وأهلُ كلِّ قرنٍ مِن كلِّ
٦٣/١ صنفٍ منها عالَمُ ذلك القرنِ وذلك الزمانِ، فالإنسُ عالَمْ، / وكلَّ أهلِ زمانٍ منهم
عالَمُ ذلك الزمانِ ، والجنُّ عالَمٌ ، وكذلك سائرُ أجناسِ الخلقِ، كلَّ جنسٍ منها عالَمُ
زمانِه(٥)، ولذلك مجمِع فقيل: عَون. وواحدُه جمعٌ، لكونِ عالَمِ كلِّ زمانٍ مِن
ذلك عالَمَ ذلك الزمانِ . ومِن ذلك قولُ العَجَّاجِ(١) :
فِخِنْدِفٌ(٧) هامَةُ هذا العالَم
فجعَلهم عالمَ زمانِه .
(١) فى النسخ: ((الأرض)). وسيأتى فى الصفحة التالية .
(٢ - ٢) فى ر: ((تعلم وما لا تعلم)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧/١(١٤) من طريق أبي كريب به دون آخره.
(٤ - ٤) سقط من : ر .
(٥) فى ص: ((ذلك الزمان)).
(٦) ديوانه ص ٢٩٩.
(٧) خندف: امرأة إلياس بن مضر، واسمها ليلى، نسب ولد إلياس إليها، وهى أمهم. اللسان (خ ن د ف).

١٤٥
فاتحة الكتاب
وهذا القولُ الذى قلْناه قولُ ابنِ عباسٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، وهو معنى قولِ عامَّةٍ
المفسّرين .
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةً ،
قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباس: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾:
الحمدُ للَّهِ الذى له الخلقُ كلُّه، السماواتُ والأرَضُونُ(١) ، ومَن فيهن، وما بينَهن ،
(٢)
مما يُعْلَمُ(٢) ومما(*) لا يُعْلَمُ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانِ القَزَّزُ، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن شَبيبٍ، عن
عكرمةً، عن ابنِ عباسٍٍ: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾: الجنُّ والإنسُ.
حدَّثنى علىُّ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال :
حدَّثنا (" محمدُ بنُ مصعبٍ، عن قيسٍ بنِ الربيعِ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن سعيد
ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. قال: ربِّ الجنِّ
(٧)
والإنسِ().
(١) فى م: ((الأرض)).
(٢) فى ص: ((يليهن)).
(٣) فى ر: ((تعلم)).
(٤) سقط من: م، وفى ر: ((ما)).
(٥) سقط من: ر. وينظر تهذيب الكمال ٢٨١/١٣.
(٦ - ٦) سقط من: م. وتقدم فى ص ١٣٧.
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨/١ (١٨) من طريق قيس به. وأخرجه الحاكم ٢٥٨/٢ من
طريق سفيان ، عن عطاء به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣/١ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن
المنذر .
( تفسير الطبرى ١٠/١ )

١٤٦
فاتحة الكتاب
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ بنِ عيسى الأهوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرِىُّ،
قال: حدَّثنا قيس، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ قولَه: ﴿رَبِّ
الْعَلَمِينَ﴾. قال: الجنّ والإنسُ(١).
حدَّثنى أحمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقِيُّ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى مريمَ ، عن ابنٍ لَهِيعةَ،
عن عطاءِ بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ قولَه: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. قال: ابنُ آدَمَ
والجنُّ والإنسُ، كلٌّ أُمَّةٍ منهم عالَمٌ على حِدَتِه(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ ، عن مجاهدٍ :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. قال: الجُّ والإنشُ(٣).
(٣حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، عن
سفيانَ ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ العَقَدىُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، عن سعيدٍ ، عن
قتادةَ: ﴿ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. قال(٤): كلُّ صنفٍ عالَمٌ)(١).
حدَّثنى أحمدُ بنُ حازمِ الغِفارىُّ، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن
أبى جعفرٍ، عن الربيع بنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ فى قوله: ﴿رَبِّ
اَلْعَلَمِينَ﴾. قال: الإنسُ عالَمّ، والجنُّ عالَمٌ، وما سوى ذلك ثمانيةَ عشَرَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣/١ إلى المصنف.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨/١ عقب الأثر (٢٨) معلقا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣/١ إلى
المصنف وعبد بن حميد .
(٣ - ٣) سقط من: ر.
(٤) بعده فى ص: ((رب)).

١٤٧
فاتحة الكتاب
ألفَ عالَمٍ (١)، أو أربعةَ عشرَ ألفَ عالم - هو يَشُكُ - مِن الملائكةِ على
الأرضِ، وللأرضِ أربعُ زَوايا، فى كلِّ زاويةٍ ثلاثةُ آلافٍ عالَم وخمسمائةٍ
عالَمِ، خلَقهم لعبادته ١ .
/ حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ)، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: ٦٤/١
حدَّثنا حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ فى قولِهِ: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. قال: الجنّ
(٤)
والإنسُ(٤).
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزّ وجل: ﴿الََّلِ الرَّحَيَةِ
قال أبو جعفرٍ: قد مضَى البيانُ عن تأويل قوله: ﴿الََِّ الرَّحَيَةِ﴾ فى
تأويلِ: ﴿ يِسْمِ اللَّهِ الَّغَنِ الرَّحَيَةِ﴾ فَأغْنَى ذلك عن إعادته فى هذا
(٥)
الموضعِ(٥) .
ولم نَحْتَجْ إلى الإبانة عن وجهِ تكريرٍ (١) ذلك فى هذا الموضع، إذ كنا لا نَرَى
[١٧/١ ظ] أن: ﴿يِسْمِ اللَّهِ اَلَّمَنِ الرَّحَيَةِ﴾ مِن فاتحةِ الكتابِ آيَةٌ ،
فيكونَ علينا لسائلِ مسألةٌ بأن يقولَ: ما وجهُ تكريرِ ذلك فى هذا الموضعِ وقد مضَى
(١) سقط من: ص ، ر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧/١ (١٥) عن أبيه، عن عبيد الله به. وأخرجه أبو نعيم فى الحلية
٢١٩/٢ من طريق أبى جعفر به .
وذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٦٧/١ - تحقيق أبى إسحاق الحوينى - عن هذا الموضع، وقال :
وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح. اهـ. وأخرج أبو نعيم فى الحلية ٧٠/٤ عن وهب بن
منبه نحو أوله .
(٣) فى ر: ((الحسين)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٩/١ عن ابن جريج.
(٥) ينظر ما تقدم فى ص ١٢٤ .
(٦) بعده فى م: ((اللَّه)).

١٤٨
فاتحة الكتاب
وصفُ اللَّهِ جلّ ثناؤُه به نفسَه فى قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الََّمَنِ الرّحَمِ﴾.
مع قربِ مكانٍ إحدى الآيتَيْن مِن الأخرى، ومُجاورتها صاحبتَها؟ بل ذلك لنا
حجةٌ على خطأً دعْوَى مَن ادَّعَى أن: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِن
فاتحةِ الكتابِ آيةٌ ، إذ لو كان ذلك كذلك، لكان ذلك إعادةَ آيةٍ بمعنى واحدٍ ولفظٍ
واحدٍ مرتين مِن غيرِ فاصلٍ يَفْصِلُ بينَهما . وغيرُ موجودٍ فى شىءٍ مِن كتابِ اللَّهِ
آيتان مُتَجاوِرتان مُكَوَّرتان بلفظٍ واحدٍ ومعنًى واحدٍ ، لا فصلَ بينَهما مِن كلامٍ
يُخالِفُ معناه معناهما، وإنما يأتى بتكريرِ آيةٍ بكمالِها فى السورةِ الواحدةِ، مع
فصولٍ تَفْصِلُ بينَ ذلك، وكلامٍ يُعْتَرَضُ به بغيرِ معنى الآياتِ المكرّراتِ أو غيرِ
ألفاظِها، ولا فاصِلَ بينَ(٢) قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿الََّنِ الرَّحَةِ﴾ مِن:
﴿ بِسْمِ الَّهِ الرََِّ الْحَيَةِ﴾. وقوله: ﴿الََّنِ الرَّحِيمِ﴾ مِن: ﴿اَلْحَمْدُ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ .
فإن قال(٢): فإن: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ فاصلٌ بين(٢) ذلك.
قيل : قد أَنْكَر ذلك جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ، وقالوا: إن ذلك مِن الْمُؤَخَّرِ الذى
معناه التَّقديمُ، وإنما هو: الحمدُ للَّهِ الرحمنِ الرحيمِ ربِّ العالمين مَلِكِ يومِ الدينِ.
واسْتَشْهَدوا على صحةٍ ما ادَّعَوْا مِن ذلك بقوله : (مَلِكِ يومِ الدِّينِ). فقالوا: إن
قولَه: (مَلِكِ يومِ الدِّينِ) تعليم مِن اللّهِ عبدَه أن يَصِفَه بالمَلِكِ فى قراءةٍ مَن قرأ :
(مَلِكِ). وبالمِلْكِ فى قراءةِ مَن قرأ: ﴿مَلِكِ﴾. قالوا: فالذى هو أولى أن يكونَ
مُجاوِرَ وَصْفِه بالمُلْكِ أو المِلْكِ ما كان نظيرَ ذلك مِن الوصفِ، وذلك هو قولُه :
(١) سقط من: ص .
(٢) فى ص: ((من)).
(٣) بعده فى م: ((قائل)).
.

١٤٩
فاتحة الكتاب
رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. الذى هو خبرٌ عن مِلْكِه جميعَ أجناسِ الخلقِ، وأن يكونَ
ءِ
مُجاورَ وصفِه بالعظمةِ والألوهةِ ما كان له نظيرًا فى المعنى مِن الثناءِ عليه، وذلك
ـٌّ﴾. فزعَموا أن ذلك لهم دليلٌ على أن قولَه :
قولُه: ﴿الََّنِ الرَ
﴿ الََِّ الرَّحَيَةِ﴾ بمعنى التقديم قبلَ: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. وإن كان فى
الظاهرِ مؤخّرًا. وقالوا: نظائرُ ذلك مِن التقديم الذى هو بمعنى التأخيرِ، والمؤخّرِ
الذى هو بمعنى التقديم - فى كلام العربِ أفْشَى، وفى مَنْطِقِها أكثرُ مَن أن يُحْصَى ؛
مِن ذلك قولُ جريرٍ بِنِ عَطِيةً(١) :
طاف الخيالُ وأين منك لِاهَا(٢)
فارجِعْ لزَوْرِك بالسلامِ سلامًا
بمعنى : طاف الخيالُ لِمامًا، وأين هو منك؟ وكما قال جل ثناؤه فى كتابِه
العزيزِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: ١].
بمعنى : الحمدُ للَّهِ الذى أنزل على عبدِه الكتابَ قَيِّمًا ولم / يَجْعَلْ له عِوَجًا. وما أشبهَ ٦٥/١
ذلك. ففى ذلك دليلٌ شاهدٌ على صحةِ قولٍ مَن أَنْكَر أن تكونَ: ﴿يِسْمِ اللَّهِ
الَّغْيِ الرَّحِيَةِ﴾ مِن فاتحة الكتابِ آیةٌ .
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
٤
قال أبو جعفرٍ : القُرّاءُ مُخْتَلِفون فى تلاوةِ: ﴿مْلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . فبعضُهم
يَثْلوه: (مَلِكِ يَومِ الدّينِ). وبعضُهم يَثْلُوه: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
وبعضُهم يَتْلُوه : (مالكَ يَومِ الدّينِ). بنصبِ الكافِ (٤) . وقد اسْتَقْصَيْنا حكايةً
(١) بعده فى م، ت ٢: ((فى)).
(٢) شرح ديوانه ص ٥٤١.
(٣) اللمام: الزيارة غِبًّا، ويقال: فلان يزورنا لماما. أى فى الأحايين. اللسان (ل م م).
(٤) أما قراءة (مَلِكِ) فهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وحمزة، وأما قراءة (مالِكِ): فهى =

١٥٠
فاتحة الكتاب
الروايةِ عَمَّن رُوِى عنه فى ذلك قراءةٌ فى كتابٍ ((القِراءاتٍ))، وأُخْبَوْنا بالذى نَخْتارُ
مِن القراءةِ فيه ، والعلةِ المُوجِبةِ صحةً ما اخْتَرْناه مِن القراءةِ فيه، فكرِهنا إعادةَ ذلك فى
هذا الموضعِ، إذ كان الذى قصَدْنا له فى كتابنا هذا البيانَ عن وجوهٍ تأويلٍ آي القرآنِ
دونَ وجوهٍ قراءتها .
ولا خلافَ بينَ جميع أهلِ المعرفةِ بلغاتِ العربِ أَن المَلِكَ مِن الْمُلْكِ مشتقٍّ،
وأن المالكَ مِن المِلْكِ مأخوذٌ ، فتأويلُ قراءةٍ مَن قرَأْ ذلك: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ). أن للَّهِ
المُلْكَ خالصًا يومَ الدينِ دونَ جميعِ خلقِه الذين كانوا قبلَ ذلك فى الدنيا مُلوكًا
جبابرةً يُنازِعونه المُلْكَ، ويُدافِعونه الانفرادَ بالكِبْرِياءِ والعظمةِ والسلطانِ والجَثْرِيةِ ،
فَأَيْقَنوا (١) بلقاءِ اللَّهِ يومَ الدينِ أنهم الصَّغَرةُ الأَذِلَّةُ ، وأن له مِن (١ دونِهم ودونٍ غيرِهم
المُلْكَ والكبرياءَ والعزةَ والبهاءَ، كما قال جل ذكرُه وتقَدَّسَت أسماؤُه فى تنزيلِه:
يَوْمَ هُم بَِزُونَ لَا يَخْفَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾
[غافر: ١٦]. فأخْبَر تعالى أنه المنفردُ يومَئذٍ بالُمُلْكِ دون ملوك الدنيا الذين صاروا يومَ
الدين مِن مُلْكِهم إلى ذلةٍ وصَغارٍ، ومِن دنياهم فى المعادِ إِلى خَسارٍ .
وأما تأويلُ قراءةٍ مَن قرأ: ﴿ملِكِ يَوْمِ الدِّيِنِ﴾ فما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ،
قال : حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ ، عن
الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. يقولُ: لا يَمْلِكُ أحدٌ فى
ذلك اليوم معه حكمًا كمِلْكِهم فى الدنيا. ثم قال: ﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ
الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]. وقال: ﴿ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨].
= قراءة عاصم والكسائى، وأما قراءة ( مالِكَ ) بفتح الكاف فهى رواية المطوعى عن الأعمش، وهى من
الشواذ . ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٧٦.
(١) سقط من: ر.
(٢) سقط من: م، ت ٢.

١٥١
فاتحة الكتاب
وقال: ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
قال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلَيْن بالآيةِ وأصحُ القِراءَتَيْن فى التلاوةِ عندى التأويلُ
الأولُ، و(٢)قراءةُ مَن قَرَأْ (مَلِكِ). بمعنى الْمُلْكِ؛ لأن فى الإقْرارِ له بالانفرادِ بِالْمُلْكِ
إيجابًا لانفرادِه بالمِلْكِ، وفضيلةَ زيادةِ المَلِكِ على المالكِ (٣)، إذ كان معلومًا ألا مَلِكَ
إلا وهو مالكٌ، وقد يكونُ المالكُ لا مَلِكًا .
وبعدُ ، فإن اللَّهَ جل ذكرُه قد أخْبَر عبادَه فى الآيةِ التى قبلَ قولِه: ﴿ملِكِ يَوْمٍ
الدّيْنِ ﴾ أنه مالكُ جميع العالمين، وسيدُهم، ومُصْلِحُهم، ( والناظرُ لهم،
والرحيمُ بهم فى الدنيا والآخرةِ بقولِه: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ
الرَّحْمَنِ
٢
الرَّحِيمِ﴾. فإذ(٥) كان جل ذكره قد أَنْبأهم عن مِلْكِه إياهم كذلك بقولِه :
٦٦/١
رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ فأولى الصفاتِ / مِن صفاتِه جل ذكره أن يَتْبَعَ ذلك ، ما لم
يَحْوِه قولُه: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مع قربِ ما بينَ
الآيَتَيْن [١٨/١و] مِن المُواصَلةِ والمجاوَرةِ، إذ كانت حكمتُه الحكمةَ التى لا
تُشْبِهُها حِكْمةٌ. وكان فى إعادةِ وصفِه جل ذكرُه بأنه: ﴿ مَلِكِ يَوْمِ
الدّيِنِ ﴾ إعادةُ ما قد مضَى مِن وصفِه به فى قوله: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ . مع تقاربٍ
الآيتين وتجاؤُرِ الصفتَيْن، وكان فى إعادةِ ذلك تكرارُ ألفاظٍ مختلفةٍ بمعانٍ متفقةٍ،
لا تُفِيدُ سامعَ ما كُرِّر منه فائدةً به إليها حاجةٌ. والذى لم يَحْوِهِ مِن صفاتِه جل
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩/١ (٢٤) من طريق أبي كريب به مختصرا.
(٢) بعده فی ص، م، ت ١، ت ٢: (هى )).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((الملك)).
(٤ - ٤) سقط من: ر.
(٥) فى ص: ((فإن))، وفى م: ((فإذا))، وفى ت١: ((وإذ)).

١٥٢
فاتحة الكتاب
ذكرُه ما قبلَ قولِه: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدّيْنِ﴾ المعنى الذى فى قوله: (مَلِكِ يَوْمِ
الدِّينِ) وهو وصفُه بأنه الملِكُ .
فبيِّنٌ إذن أن أُوْلَى القراءتَيْن بالصوابِ، وأحقَّ التأويلين بالكتابِ ، قراءةُ مَن
قرَأَه: (مَلِكِ يَوْمِ الدّينِ ) بمعنى إخلاصِ المُلْكِ له يومَ الدينِ، دون قراءةِ مَن قرأ :
◌ُمْلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ بمعنى (١) أنه يَمْلِكُ الحكمَ بينَهم وفَصْلَ القَضاءِ، مُتَفَرِّدًا
به دون سائرِ خلقِه .
فإن ظنَّ ظانٌّ أن قولَه: ﴿اُلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ نبأ عن مِلْكِه إياهم فى
الدنيا دونَ الآخرةِ، فوجب (٣) (٢ وصلُ ذلك٣) بالنباً عن نفسِه أنه مَن(٤) ملكهم فى
الآخرةِ على نحوٍ مِلْكِه إياهم فى الدنيا بقوله: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فقد
أَغْفَل(*) وظنَّ خطأً؛ وذلك أنه لو جاز لظانٌّ أن يَظُنَّ أن قوله: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
محصورٌ معناه على الخبرِ عن رُبوبيتِه (١) عالَمَ الدنيا دونَ عالَم الآخرةِ - مع عدمِ
الدلالةِ على أن معنى ذلك كذلك فى ظاهرِ التنزيلٍ، أو فى خبرٍ عن الرسولِ مَ اقلمه به
منقولٍ ، أو بحجةٍ موجودةٍ فى المعقولِ - جاز(١) لآخرَ أن يَظُنَّ أن ذلك محصورٌ على
عالَمِ الزمانِ الذى فيه نزَل قولُه: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ دون سائرٍ ما يَحْدُثُ بعدَه فى
الأزمنةِ الحادثةِ مِن العالمين، إذ كان صحيحًا بما(1) قدَّمْنا مِن البيانِ أن عالَمَ كلِّ زمانٍ
(١) فى ص: (( الذى بمعنى)).
(٢) فى ص، م: ((يوجب)).
(٣ - ٣) فى م: ((وصله)).
(٤) فى م، ت٢: ((قد)).
(٥) قال الشيخ شاكر: قوله : أغفل. فعل لازم غير متعد، ومعناه: دخل فى الغفلة والنسيان ووقع فيهما،
وهى عربية معرقة وإن لم توجد فى المعاجم .
(٦) فى ر، م، ت ١، ت ٢: ((ربوبية)).
(٧) فى م: ((لجاز)).
(٨) بعده فى م، ت ٢: ((قد)).

١٥٣
فاتحة الكتاب
غيرُ عالَم الزمانِ الذى بعدَه .
فإن غَيِى عن علم صحةِ ذلك بما قد قدَّمْنا ذو غَباءٍ ، فإن فى قولِ اللَّهِ جل ثناؤه:
﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ الْكِنَبَ وَاَلْحُكْمَ وَالنُّبُوَةَ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الَّطِبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى
اُلْعَلَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦]. دلالةٌ واضحةٌ على أن عالَمَ كلِّ زمانٍ غيرُ عالَمِ الزمانِ
الذى كان قبلَه وعالم الزمانِ الذى بعدَه، إذ كان اللَّهُ جل ثناؤه قد فضَّل أمةَ نبيّنا
محمدٍ عَ لِ على سائرِ الأمم الخاليةِ، وأَخْبَرَهم بذلك فى قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ١١٠]. فمعلومٌ بذلك أن بنى إسرائيلَ فى عصرٍ
نبيَِّا يَزٍّ لم يكونوا مع تكذيبهم به ◌َّه أَفضلَ العالمين، بل كان أفضلَ العالمين فى
ذلك العصرِ وبعدَه إلى قيامِ الساعةِ المؤمنون به الُشَِّعون مِنْهاجَه ، دونَ مَن سواهم مِن
الأمم المُكَذِّبةِ الضالَّةِ عن مِنْهاجِه .
وإذ كان بينًا فسادُ تأويلِ مُتَأوَّلٍ لو تأوَّل قولَه: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أنه معنىٌّ به
أن اللَّهَ رَبُّ عَلَى زمنٍ نبيِّنا محمدٍ عَ ◌ِّ، دون عالَمِى سائرِ الأزمنةِ غيرِه - كان
واضحًا فسادُ قولِ مَن زعَم أن تأويلَه: ربُّ عالَم الدنيا دون عالم الآخرةِ . وأن :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ اسْتَحَقَّ الوصلَ به ليُعْلَمَ أنه فى الآخرةِ مِن مِلْكِهم
ورُبوبیتهم مثل الذی کان علیه فى الدنيا .
ويُشْألُ زاعمُ ذلك الفرقَ بينَه وبينَ مُتَحَكِّمِ مثلَه فى تأويلِ قولِهِ : ﴿ رَبِّ
اَلْعَلَمِينَ﴾ تحكّم فقال(١): إنما عنَى بذلك أنه ربُّ عالَمِی زمانِ محمدٍ ێِ دون
عالَمِى غيرِهِ مِن الأزمنةِ الماضيةِ قبلَه والحادثةِ بعدَه، كالذى زعَم قائلُ (١) هذا القولِ
(١) بعده فى م، ت ٢: ((إنه)).
(٢) سقط من: م، ت ٢.
٠٫٠٠٠

١٥٤
فاتحة الكتاب
أنه " عنَى به عالَمِى١) الدنيا دون عالَمِى(٢) الآخرةِ - مِن أصل أو دلالةٍ. فلن يقولَ
فى أحدِهما شيئًا إلا أَلْزِم فى الآخرِ مثلَه.
٦٧/١
/وأما الزاعمُ أنَّ تأويلَ قوله: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدّينِ﴾ أنه الذى يَمْلِكُ إقامةً
يومِ الدينِ ، فإن الذى أَلْزَمْنا قائلَ هذا القولِ الذى قبلَه له لازمٌ ، إذ كانت إقامةُ القيامةِ
إنما هى إعادةُ الخلقِ الذين قد بادوا لهيئاتِهم التى كانوا عليها قبلَ الهلاكِ فى الدارِ(١)
التی أُعَدَّ(٤) لھم فیھا ما أعدَّ، وهم العالمون الذین قد أخبر جل ذ کرُه عنهم انه ربُّھم فی
قوله: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ .
وأما تأويلُ ذلك فى قراءةٍ مَن قرأ : (مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ) فإنه أراد: يا مالكَ يوم
الدينِ. فنصَبه بنيّةِ النداءِ والدعاءِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ
ج
هَذَا﴾ [ يوسف: ٢٩]. بتأويلِ: يا يوسُفُ أَغْرِضْ عن هذا. وكما قال الشاعرُ من بنى
أسدٍ، وهو شعرٌ - فيما يقالُ - جاهلةٌ(٦) :
إن كنتَ أَزْنَنْتَنِى(٢) بها كَذِبًا جَزْءُ فلاقَيْتَ مثلَها عَجِلًا
يريدُ: يا جَزْءُ. وكما قال الآخر(1):
(١ - ١) فى ر، ت ١، ت ٢: ((عُنى به عالموا))، وفى م: ((عنى به عالم)).
(٢) فى ص، م، ت ٢: ((عالم)).
(٣) فى ص: ((دار الدنيا))، وفى ت١: ((الدنيا).
(٤) بعده فى م، ت ٢: ((اللَّه)).
(٥) فی ر: ( به)).
(٦) هو حضرمى بن عامر. ينظر أمالى القالى ٦٧/١، والكامل ٦٧/١ - ولم ينسبه - واللسان (جزا)، (ن
ب ل)، (ز ن ن).
(٧) أزننته بشىء : اتهمته به. اللسان (ز ن ن).
(٨) نسبه فى مجاز القرآن ١/ ١٠٠، واللسان (ق رن) لرجل من بنى أسد. وهو فى الكتاب ٢/ ٨٥،
٢٠٧/٣، ٣٢٦.

١٥٥
فاتحة الكتاب
بَنِى شابَ قَرْناها(١) تَصُرُ(٢) وتَحْلُبُ
كَذَبْتُم وبيتِ اللَّهِ لا تَنْكِحونها
يريدُ : يا(٢) بنى شابَ قَوْناها .
وإنما أوْرَطه فى قراءةِ ذلك بنصبِ الكافٍ مِن: (مَالِكَ) - على المعنى الذى
وصَفْتُ - حيرتُه فى توجيهِ قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وِجُهتَه،
مع جرِّهُ ﴿مْلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وخفضِه. فظنَّ أنه لا يَصِحُ معنى ذلك بعدَ
جرِّ: ﴿مْلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فنصَب: (مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ) ليكونَ :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ له خطابًا، كأنه أراد: يا مالكَ يومِ الدينِ إياك نَعْبُدُ وإياك
نَشْتَعِينُ. ولو كان علِمَ تأويلَ أولِ السورةِ وأن: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
أمرٌ مِن اللَّهِ عبده(٥) بقِيلِ ذلك - كما ذكرنا قبلُ مِن الخبرِ عن ابنِ عباسٍ أن جبريلَ قال
للنبىِّ عَظِّهِ عن اللّهِ: قَلْ يا محمدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ الرَّحْمَنِ
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقلْ أيضًا يا محمدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ
الرَّحِيمِ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾(١) وكان عَقَل عن العربِ أن مِن شأنِها إذا حكَت أو أمَرَت
بحكاية خبرٍ يَتْلُو القولَ - أن تُخاطِبَ ثم تُخْبِرَ (" عن غائبٍ(٢)، وتُخْبِرَ عن غائبٍ ثم
تَعودَ إلى الخطابٍ ؛ لما فى الحكاية بالقولِ مِن معنى الغائبٍ والمخاطَبِ، [١٨/١ ظ]
كقولهم للرجلِ : قد قلتُّ لأخيك: لو قمتَ لقمتُ. و: قد قلتُ لأُخيك: لو قام لَقمتُ .
(١) القرنان : الضغيرتان . اللسان (ق رن).
(٢) صر الناقة : شد ضرعها. اللسان (ص ر ر).
(٣) سقط من: م.
(٤) فى م: ((جر)).
(٥) فى ص: ((عنده).
(٦) تقدم فى ص ١٣٥، ١٤٣، وينظر ما سيأتى فى ص ١٥٩.
(٧ - ٧) فى ص: ((غائبا)).

١٥٦
فاتحة الكتاب
◌َسَهُلُ(١) عليه مخرجُ ما اسْتَصْعَب عليه وِجْهتُهُ مِن جرِّ: ﴿مِلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
ومِن نظيرِ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ مجرورًا، ثم عودِه إلى الخطابِ بـ :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ كما (٢) ذكَرْنا قبلُ - البيتُ السائرُ مِن شعرٍ أبى كبيرٍ الهُذَليّ(١):
يا لَهْفَ نَفْسِى كان جِدَّةٌ(٤) خالدِ ويَيَاضُ وجهِك للترابِ(٥) الأَغْفَرِ
فرجَع إلى الخطابِ بقولِه: وبياضُ وجهِك . بعدَ ما قد مضَى الخبرُ عن خالد
على معنى الخبرِ عن الغائبٍ .
ومنه قولُ لَبيدٍ بنٍ ربيعةً(١):
باتَتْ تَشَكَّى إِلىَّ النفسُ(٧) مُجْهِشَةٌ(٨)
وقد حمَلْتُكِ سبعًا بعدَ سَبْعينًا
فرجَع إلى مخاطبةِ نفسِه ، وقد تقَدَّم الخبرُ عنها على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ.
ومنه قولُ اللَّهِ، وهو أصدقُ قيلٍ وأَثْبَتُ حجةٍ: ﴿حَتََّ إِذَا كُتُمْ فِىِ الْفُلْكِ
وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيجِ طَيِّبَةِ﴾ [ يونس: ٢٢]. فخاطَب ثم رجَع / إلى الخبرِ عن الغائبِ،
ولم يقلْ: وجَرَيْن بكم. والشواهدُ مِن الشعرِ وكلامِ العربِ فى ذلك أكثرُ مِن أن
تُحْصَى، وفيما ذكَرْنا كفايةٌ لمن وُفِّق لفهمِه .
٦٨/١
(١) قوله : لسهل . جواب قوله: ولو كان علم . فى الصفحة الماضية .
(٢) فى ص، م: ((لما)).
(٣) ديوان الهذليين ٢/ ١٠١.
(٤) فى م: ((جلدة)). والجدة: نقيض البلى. اللسان (ج د د).
(٥) فى ص: ((للثواب))، وفى ت٢: ((التراب)).
(٦) شرح ديوانه ص ٣٥٢، واللسان (ج هـ ش)، وقال ابن سلام فى طبقات فحول الشعراء ٦١/١ وقد ذكر
البيت : ولا اختلاف فى أن هذا مصنوع تكثر به الأحاديث
......
(٧) فى شرح الديوان: ((الموت)).
(٨) فى ت ٢، ت ٣: ((مهجته)). وأجهشت النفس: همت بالبكاء. اللسان (ج هـ ش).

١٥٧
فاتحة الكتاب
فقراءةُ(١) : (مَالِكَ يومِ الدينِ). محظورةٌ غيرُ جائزةٍ؛ لإجماعِ(٢) الحُبَّةِ مِن
القرأةِ وعلماءِ الأُمةِ على رفضٍ القراءةِ بها .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ذكره : ﴿ يَوْمِ الدِّينِ
قال أبو جعفرٍ : والدينُ فى هذا الموضعِ بتأويلِ الحسابِ والمجازاةِ بالأعمالِ ، كما
قال كعبُ بنُ جُعَيْلِ() :
ودِنَّاهُمُ مثلَ ما يُقْرِضونا
إذا ما رَمَوْنا رمَيْناهُم
وكما قال الآخر():
واعْلَمْ بأَنَّك ما تَدِينُ تُدانُ
" واعْلَمْ وأَيْقِن أن مُلْكَك زائ٥ٌ)
يعنى : ما تَجْزِى تُجازَى .
ومِن ذلك قولُ اللَّهِ جل ثناؤه: ﴿ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ يعنى بالجزاءِ ﴿ وَإِنَّ
عَلَيْكُمْ لَحَفِظِينَ﴾ [الانفطار: ٩، ١٠]. يُحْصون ما تَعْمَلون مِن الأعمالِ. وقولُه
ا
تعالى: ﴿ فَلَوْلَا إِن كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦]. يعنى غيرَ مَجْزِيِّين بأعمالِكم
ولا مُحاسَبين .
(١) فى ر: ((قال وقراءة)).
(٢) بعده فى ص، م: (( جميع)).
(٣) وقعة صفين ص ٥٧، والكامل ٣٢٧/١، والمخصص ١٥٥/١٧ (المجلد الخامس).
(٤) نسبه فى مجاز القرآن ٢٣/١ لابن نفيل، وفى اللسان (زن أ)، (د ی ن) لخويلد بن نوفل الكلابى ،
ودون نسبة فى الكامل ٣٢٨/١، والمخصص ١٥٥/١٧ (المجلد الخامس).
(٥ - ٥) ورد هذا الشطر فى اللسان (زن أ) هكذا :
* يا حار إنك ميت ومحاسب *
'٠
وفيه أيضا ( د ی ن ):
* يا حار أيقن أن ملكك زائل *

١٥٨
فاتحة الكتاب
وللدین معانٍ فی کلام العرب غیرُ معنی الحساب والجزاء سنَذْ كُرُها فی أما کنِها
إن شاء اللَّهُ .
وبما قلنا فى تأويلٍ قولِه: ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ جاءت الآثارُ عن السلفِ مِن
المفسّرِين، مع تصحيحِ الشواهدِ تأويلَهم الذى تأوَّلوه فى ذلك(١).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا
بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ ، عن الضحاكِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ :
يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: يومُ حسابِ الخَلَائقِ، هو يومُ القيامةِ، يَدِينُهم
بأعمالِهم، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا، إلا مَن عفا عنه، فالأمرُ أمرُه . ثم قال :
أَلَ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾(٢) [الأعراف: ٥٤].
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ الهَمْدانىُ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادِ القَنَّادُ ، قال :
حدَّثنا أسباطُ بنُ نصرِ الهَمْدانىُ، عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الرحمنِ السُّدِّىِّ، عن أبى
مالكٍ، وعن أبى صالح، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانىٌّ ، عن ابنٍ مسعودٍ ،
وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ◌َّهِ: ﴿مْلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: هو يومُ
(٣)
الحسابِ(٢) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبَرنا مَعْمَرٌ،
عن قتادةً فى قوله: ﴿ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: يومَ يَدِينُ اللَّهُ
(١) بعده فى ص، ت ١: ((ما)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩/١ (٢٥) من طريق أبي كريب به، دون آية الأعراف.
(٣) أخرجه الحاكم ٢٥٨/٢ من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدى، عن مرة، عن ابن مسعود، وعن
ناس من الصحابة . وصححه على شرط مسلم. وأخرجه ابن أبى الدنيا فى الأهوال (٣٤) من طريق عمرو،
عن أسباط ، عن السدى من قوله .

١٥٩
فاتحة الكتاب
العبادَ بأعمالِهم(١) .
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنی
حجاجٌ، عن ابنٍ مُجرَيْجٍ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال: يومَ يُدانُ الناسُ
بالحساب .
٦٩/١
/ القولُ فى تأويلِ قولِه عز وجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ
قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ قولِه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: لك اللهم نَخْشَعُ ونَذِلُ
ونَسْتَكِينُ، إقرارًا لك يا ربَّنا بالربوبيةِ لا لغيرِك .
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ
عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ ، عن الضحاكِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباس، قال: قال
جبريلُ لمحمدٍ عَظِهِ: قلْ يا محمدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: إياك نُوَّدُ ونَخافُ ونَوْمجو یا
ربَّنا لا غيرَك (٢) .
وذلك مِن قولِ ابنِ عباس بمعنى ما قلْنا ، وإنما اخْتَرْنا البيانَ عن تأويله بأنه بمعنى :
نَخْشَعُ ونَذِلُّ ونَسْتَكِينُ. دونَ البيانِ عنه بأنه بمعنى: نرجو ونَخافُ . وإن كان
الرجاء والخوفُ لا يكونان إلا مع ذلةٍ ؛ لأن العبوديةَ عندَ جميع العربِ أصلُها الذلَّةُ،
وأنها تُسَمِّى الطريقَ المُذَلَّلَ الذى قد وطِئَتَه الأَقْدَامُ وذلَّلَته السابلةُ مُعَبَّدًا، ومِن ذلك
قولُ طَرَفَةَ بنِ العَبْدِ(٣) :
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤/١ إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد . وسقط من مطبوع تفسير عبد
الرزاق . وأخرجه ابن أبى الدنيا فى الأهوال (٣٣) من طريق مطر، عن قتادة .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩/١ (٢٧) من طريق أبي كريب به .
(٣) ديوانه ص ٣٥.

١٦٠
فاتحة الكتاب
-
وَظِيفًا وظيفًا(١٢) فوقَ مَوْرٍ مُعَبَّدٍ
تُبارِى عِتاقًا(١) ناجياتٍ(٢) وأُثْبَعت
يعنى بالمؤرِ الطريقَ، وبالمعبدِ المذللَ الموطوءَ() . ومِن ذلك قيل للبعيرِ المذلَّلِ
بالركوبِ فى الحَوائج: معبَّدٌ. ومنه سُمِّى العبدُ عبدًا لذلتِه لمولاه. والشواهدُ على
ذلك مِن أشعارِ العربِ وكلامِها أكثرُ مِن أن تُحْصَى، وفيما ذكَرْناه كفايةٌ لمن وُفِّق
لفهمِه إن شاء اللَّهُ تعالى .
القولُ فى تأويلِ قولِهِ: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِبْنُ
٥
قال أبو جعفرٍ: ومعنى قوله: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِبْنُ﴾: وإِيَّاكِ يا(٥) ربَّنا نَسْتَعِينُ
على عبادتِنا إِياك وطاعتِنا فى ١) أمورِنا كلِّها، لا أحدًا سواك، إِذ كان مَن يَكْفُرُ بك
يَسْتَعِينُ فى أمورِهِ معبودَه الذى يَعْبُدُه مِن الأوثانِ [١٩/١و] دونك، فنحن بك
نَسْتَعِينُ فى جميع أمورِنا، مُخْلِصِين لك العبادةَ .
كالذى حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرٌ
ابنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ :
﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرُ﴾ قال: إياك نَسْتَعِينُ على طاعتِك وعلى أمورِنا
كلِّها(٧) .
(١) العتاق: الإبل النجيبة الكريمة. اللسان (ع ت ق ).
(٢) الناجية: الناقة السريعة تنجو بمن ركبها. الصحاح (ن ج و).
(٣) الوظيف : من رسغى البعير إلى ركبتيه فى يديه، وأما فى رجليه فمن رسغيه إلى عرقوبيه. اللسان (وظ ف).
(٤) فى ص: ((الموطن)).
(٥) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.
(٦) فى م، ت ٢، ت ٣: ((لك وفى)).
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩/١ (٣٠) من طريق أبي كريب به .