Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٠٢
تفسير سورة يوسف : ٥٨
القول فى تاويل قوله تعالى ﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ
عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم))،
يوسف، ((وهم)) ليوسف، ((منكرون)»، لا يعرفونه .
٠ ٠٠
٦/١٣
وكان سبب مجيئهم يوسفَ ، فيما ذكر لى ، كما : -
١٩٤٦٣ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال : لما
اطمأن يوسف فى ملكه ، وخرج من البلاء الذى كان فيه ، وخلت السنون المخصبة
التى كان أمرهم بالإعداد فيها السنين التى أخبرهم بها أنها كائنة ، جُهد الناس فى
كل وجه، وضربوا إلى مصر يلتمسون بها الميرة من كل بلدة . وكان يوسف ، حين
رأى ما أصاب الناسَ من الجهد، قد آسى بينهم، (١) وكان لا يحمل للرجل إلا
بعيراً واحداً ، ولا يحمل للرجل الواحد بعيرين، تقسيطاً بين الناس وتوسيعاً عليهم. (٢)
فقدم إخوته فيمن قدم عليه من الناس يلتمسون الميرة من مصر ، فعرفهم وهم له
منكرون ، لما أراد الله أن يبلغ ليوسف عليه السلام فيما أراد. (٣)
١٩٤٦٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط ، عن السدى ،
قال : أصاب الناس الجوعُ، حتى أصاب بلادَ يعقوب التى هو بها ، فبعث
بنيه إلى مصر ، وأمسك أخا يوسف بنيامين . فلما دخلوا على يوسف عرفهم وهم له
منكرون . فلما نظر إليهم قال : أخبرونى ما أمركم ، فإنى أنكر شأنكم ؟ قالوا :
نحن قوم من أرض الشام. قال: فما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نمتار طعاماً . قال :
(١) فى المطبوعة: ((أسا بينهم))، والصواب من المخطوطة. و((آسى بين القوم))، سوى بينهم،
وجعل كل واحد أسوة لصاحبه ، أى مثله
(٢) ((التقسيط)) التفريق، أعطى لكل امرئُ قسطاً، وهو من العدل بينهم.
(٣) فى المطبوعة: ((ما أراد))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب محض.

١٥٤
تفسير سورة يوسف : ٥٨ ، ٥٩
كذبتم، أنتم عيون ، كم أنتم ؟ قالوا: عشرة. قال : أنتم عشرة آلاف ، كل
رجل منكم أميرُ ألف ، فأخبرونى خبركم. قالوا : إنّا إخوة بنو رجل صِدِّيق،
وإنا كنا اثنى عشر، وكان أبونا يحبّ أخاً لنا ، وإنه ذهب معنا البرية فهلك
منا فيها، وكان أحبَّنا إلى أبينا . قال: فإلى من سكن أبوكم بعده ؟ قالوا: إلى أخ
لنا أصغر منه. قال : فكيف تخبرونى أن أباكم صدِّيق ، وهو يحب الصغير منكم
دون الكبير؟ اثتونى بأخيكم هذا حتى أنظر إليه، ((فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم
عندى ولا تقربون. قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون)). قال: فضعُوا بعضكم رهينة
حتى ترجعوا ، فوضعوا شمعون .
١٩٤٦٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن قتادة، ((وهم له منكرون )) ، قال : لا يعرفونه .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَهْزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ
أَنْتُوزِى بِأَخٍ لَّكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّى أُوفِ الكَيْلَ وأَنّا
خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر : يقول: ولما حمّل يوسف لإخوته أباعرهم من الطعام ، فأوقر
لكل رجل منهم بعيرَه، قال لهم: ((اثتونى بأخ لكم من أبيكم))، كيما أحمل لكم
بعيراً آخر، فتزدادوا به حمل بعير آخر، ((ألا ترون أنى أوفى الكيل))، (١) فلا أنخسه
(١) انظر وتفسير ((الإيفاء)) فيما سلف ١٥: ٤٩٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير ((الكيل)) فيما سلف ١٥: ٤٤٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.

١٥٥
تفسير سورة يوسف : ٥٩ ، ٦٠
أحداً = (( وأنا خير المنزلين))، وأنا خير من أنزل ضيفاً على نفسه من الناس بهذه
البلدة ، فأنا أضيفكم. كما : -
١٩٤٦٦ - حدثنى المثنى ، قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وأنا خير المنزلين))، يوسف يقوله ، أنا
خيرُ من يُضيف بمصر. (١)
١٩٤٦٧ - حدثنى ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال :
لما جهز يوسف فيمن جهّز من الناس، حَمّل لكل رجل منهم بعيراً بعدتهم، ثم
قال لهم: ((انتونى بأخ لكم من أبيكم))، أجعل لكم بعيراً آخر، أو كما قال = ((ألا
ترون أنى أوفى الكيل))، أى: لا أبخس الناس شيئاً = (( وأنا خير المنزلين))، أى:
خير لكم من غيرى ، فإنكم إن أتيتم به أكرمت منزلتكم، وأحسنت إليكم،
وازددتم به بعيراً مع عدّتكم، فإنى لا أعطى كلّ رجل منكم إلا بعيراً = ((فإن لم
تأتونی به فلا کیل لكم عندى ولا تقربون )» ، لا تقربوا بلدى .
١٩٤٦٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة
قوله: (( ائتونى بأخ لكم من أبيكم))، يعنى بنيامين ، وهو أخو يوسف لأبيه
وأمه .
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُوزِى بِهِ ، فَلَا كَيْلَ
لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبراً عن قيل يوسف لإخوته: ((فإن لم
تأتونى به ))، بأخيكم من أبيكم = ((فلا كيل لكم عندى)) ، يقول: فليس لكم
عندى طعام أكيله لكم = ((ولا تقربون))، يقول : ولا تقربوا بلادى .
.
(١) فى المطبوعة: ((يوسف يقول))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الصواب

١٥٦
تفسير سورة يوسف : ٦٠ - ٦٢
وقوله: ((ولا تقربون))، فى موضع جزم بالنهى، و((النون)) فى موضع
نصب ، وكسرت لما حذفت ياؤها ، والكلام: ولا تقربُونى.
*
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قَالُواْ سَنُرُ ودُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا
٧/١٣
لَفَعِلُونَ ﴾ وَقَالَ لِفِتْيَنِهِ اجْعَلُوا بِضَعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ
لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا أَنْقَلَبُوّاْ إِلَّ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾(١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : قال إخوة يوسف ليوسف ، إذ قال لهم :
((اثتونى بأخ لكم من أبيكم)): ((قالوا سنراود عنه أباه))، ونسأله أن يخلّيه معنا حتى
نجىء به إليك(١) = ((وإنا لفاعلون))، يعنون بذلك: وإنا لفاعلون ما قلنا لك
إنا نفعله من مراودة أبينا عن أخينا منه، ولنجتهدنَّ. كما : -
١٩٤٦٩ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق :
: وإنا لفاعلون))، لنجتهدنّ.
*
*
*
وقوله: ((وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم فى رحالهم))، يقول تعالى ذكره :
وقال يوسف = (( لفتيانه))، وهم، غلمانه، (٢) كما : -
١٩٤٧٠ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: وقال: ((لفتيانه))، أى : لغلمانه.
((اجعلوا بضاعتهم فى رحالهم))، يقول: اجعلوا أثمان الطعام التى أخذتموها
منهم(٣) = ((فى رحالهم)).
(١) انظر تفسير ((المراودة)) فيما سلف ص: ١٣٨، تعليق: ١، والمراجع هناك
(٢) انظر تفسير ((الفتى)) فيما سلف ص: ٩٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((البضاعة)» فيما سلف ص ٤-٧.

١٥٧
تفسير سورة يوسف : ٦١، ٦٢
...
= و((الرحال))، جمع ((رَحْل))، وذلك جمع الكثير. فأما القليل من الجمع
منه فهو: ((أرْحُل))، وذلك جمع ما بين الثلاثة إلى العشرة .
*
وبنحو الذى قلنا فى معنى (( البضاعة)»، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك :
١٩٤٧١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((اجعلوا بضاعتهم فى رحالهم))، أى: أوراقهم. (١)
١٩٤٧٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال :
ثم أمر ببضاعتهم التى أعطاهم بها ما أعطاهم من الطعام ، فجعلت فى رحالهم وهم
لا يعلمون .
١٩٤٧٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدى
قال : وقال لفتينه وهو يكيل لهم: ((اجعلوا بضاعتهم فى رحالهم لعلهم يعرفونها
إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون))، إلىّ .
#
فإن قال قائل : ولأيّة علة أمر يوسف فتيانه أن يجعلوا بضاعة إخوته فى
رحالهم ؟
قيل : يحتمل ذلك أوجهاً :
أحدها : أن يكون خَشى أن لا يكون عند أبيه دراهم ، إذ كانت السُّنة
سنة جَدْب وَقَحْط، فيُضِرُّ أخذ ذلك منهم به ، وأحب أن يرجع إليه .
= أو : أرادَ أن يتسع بها أبوه وإخوته، مع {قلّة ] حاجتهم إليه، (٢) فردَّه عليهم
من حيث لا يعلمون سبب ردّه ، تكرماً وتفضُّلاً.
(١) ((الأوراق)) جمع ((ورق)) (بفتح فكسر)، و((ورق)) (بفتحتين)، وهو الفضة ،
أو المال كله ما كان .
(٢) فى المخطوطة: ((وأراد))، والصواب ((أو)) كما فى المطبوعة. والذى بين القوسين ليس فى
المخطوطة أيضاً ، فزدته استظهاراً ، لحاجة المعنى إليه .

١٥٨
تفسير سورة يوسف : ٦١ - ٦٣
والثالث : وهو أن يكون أراد بذلك أن لا يخلفوه الوعد فى الرجوع ، إذا وجدوا
فى رحالهم ثمن طعام قد قبضوه وملكهُ عليهم غيرهم، عوضاً من طعامه،(١)
ويتحرّجوا من إمساكهم ثمن طعام قد قبضوه حتى يؤدُّوه على صاحبه، فيكون ذلك
أدعى لهم إلى العود إليه .
...
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَلَمَّا رَجَعُواْ إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ
يَأَبَاذَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ,
لَحْفِظُونَ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما رجع إخوة يوسف إلى أبيهم = ((قالوا
يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل ))، يقول : منع منا الكيل ، فوق"
الكيل الذى كِيلَ لنا، ولم يكل لكل رجُلٍ منّا إلاّ كيل بعير - ((فأرسل معنا أخانا))،
بنيامين يكتل لنفسه كيلَ بعير آخر زيادة على كيل أباعرٍنا = ((وإنا له لحافظون)»،
من أن يناله مكروه فى سفره .
#
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
. ذكر من قال ذلك :
١٩٤٧٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط ، عن السدى :
فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا : يا أبانا إن ملك مصر أكرمنا كرامةً ما لو كان رجل
من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته ، وإنه ارتهن شمعون ، وقال : اثتونى بأخيكم هذا
(١) فى المطبوعة: ((عوضاً من طعامهم))، وإنما فعل ذلك لأن معنى الكلام خى عليه.
وهو كلام بلا شك خفى المعنى ، ومعناه: أن هذا الثمن قد ملكه غيرهم ، وغلبهم على ملكه من أعطاهم هذا
الطعام عوضاً عن الثمن .

١٥٩
تفسير سورة يوسف : ٦٣
الذى عكف عليه أبوكم بعد أخيكم الذى هلك ، فإن لم تأتونى به فلا تقربوا بلادى .
قال يعقوب: ((هل آمنكم عليه إلاّ كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظاً
وهو أرحم الراحمين )) ؟ قال : فقال لهم يعقوب : إذا أتيتم ملك مصر ، فاقرئوه منى
السلام . وقولوا : إن أبانا يصلِّ عليك ، ويدعو لك بما أوليتنا .
١٩٤٧٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثناسلمة، عن ابن إسحق قال : خرجوا
حتى قدموا على أبيهم ، وكان منزلهم ، فيما ذكر لى بعض أهل العلم ، بالعربات
من أرض فلسطين بِغَوْرِ الشأم = وبعض يقول: بالأولاج من ناحية الشّعب،
أسفل من حِسْمى (١) = وكان صاحب بادية له شاءٌ وإبل ، فقالوا : يا أبانا ،
قدمنا على خير رجُلٍ ، أنزلنا فأكرم منزلنا ، وكال لنا فأوفانا ولم يبخسنا، وقد أمرنا
أن نأتِيّه بأخ لنا من أبينا، وقال: إن أنتم لم تفعلوا، فلا تقربُنِّى ولا تدخلُنّ بلدى.
فقال لهم يعقوب: ((هل آمنكم عليه إلا كما أمنتم على أخيه من قبل فالله خير
حافظاً وهو أرحم الراحمين ))؟
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((نكتل)).
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة، وبعض أهل مكة والكوفة: (نَكْتَلْ﴾ ، بالنون،
بمعنى : نكتل نحن وهو .
#
٠ ٥
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: ﴿ يَكْتَلْ﴾، بالياء؛ بمعنى: يكتل هو لنفسه،
كما نكتال لأنفسنا .
#
#
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان متفقتا
المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ . وذلك أنهم إنما أخبروا أباهم أنه
منع منهم زيادةَ الكيل على عدد رؤوسهم ، فقالوا : يا أبانا مُنع منا الكيل = ثم
(١) فى المخطوطة: ((من حسو))، والصواب ما فى المطبوعة.
1
٨/١٣

١٦٠
تفسير سورة يوسف : ٦٣، ٦٤
سألوه أن يرسل معهم أخاهم ليكتال لنفسه ، ، فهو إذا اكتال لنفسه واكتالوا هم
لأنفسهم ، فقد دخل ((الأخ)) فى عددهم. فسواءٌ كان الخبر بذلك عن خاصة
نفسه ، أو عن جميعهم بلفظ الجميع ، إذ كان مفهوماً معنى الكلام وما أُريد به .
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا
كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَّ أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَالُهُ خَيْرٌ حَفِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ
الرَّاحِمِينَ) @)
قال أبو جعفر . يقول تعالى ذكره : قال أبوهم يعقوب: هل آمنكم على أخيكم
من أبيكم ، الذى تسألونى أن أرسله معكم ، إلا كما أمنتكم على أخيه يوسف من
قبل ؟ يقول : من قَبْلُهِ
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: (( فالله خير حفظاً )) .
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة وبعض الكوفيين والبصريين: ﴿فَاللهُ خَيْرٌ حِفْظً)،
بمعنى: والله خيركم حفظاً.
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين وبعض أهل مكة: ﴿فَاللهُ خَيْرُ حَافِظً﴾ . بالألف.
على توجيه ((الحافظ)) إلى أنه تفسير للخير، كما يقال: ((هو خير رجلاً)).
والمعنى: فالله خيركم حافظاً، ثم حذفت ((الكاف والميم))
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا
المعنى ، قد قرأ بكل واحدة منهما أهل علم بالقرآن ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب
وذلك أن من وصف الله بأنه خيرهم حفظاً ، فقد وصفه بأنه خيرهم حافظاً ، ومن

١٦١
تفسير سورة يوسف : ٦٤ ، ٦٥
وصفه بأنه خيرهم حافظاً ، فقد وصفه بأنه خيرهم حفظاً .
= ((وهو أرحم الراحمين))، يقول: والله أرحم راحم بخلقه ، يرحم ضعفى
على كبر سنى، ووحدتى بفقد ولدى فلا يضيعه ، ولكنه يحفظه حتى يردّه علىَّ
لرحمته .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَدْعُهَمْ وَجَدُواْ
يِضَعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يُأَّبَانَا مَا نَبْغِى هَذِهِ بِضْعَتُنَا
رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَاهُ كَيْلَ بَعِيرٍ
ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرًا (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولما فتح إخوة يوسف متاعَهم الذى
حملوه من مصر من عند يوسف = ((وجدوا بضاعتهم))، وذلك ثمن الطعام الذى
اكتالوه منه = ((ردّت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغى هذه بضاعتنا رُدّت إلينا))،
يعنى أنهم قالوا لأبيهم : ماذا نبغى؟ هذه بضاعتنا ردت إلينا، تطبيبًا منهم لنفسه بما
صُنع بهم فى ردًّ بضاعتهم إليهم. (١)
٠ ٠٠
وإذا وُجُّه الكلام إلى هذا المعنى، كانت ((ما)» استفهاماً فى موضع نصب
بقوله: ((نبغى)).
وإلى هذا التأويل كان يوجّهه قتادة .
١٩٤٧٦ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، من قنادة قوله:
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ردت إليه)»، والجيد ما أثبت.
جم١٧١

١٦٢
تفسير سورة يوسف : ٦٥
((ما نبغى))، يقول: ما نبغى وراء هذا، إن بضاعتنا ردت إلينا، وقد أوفى لنا الكيل.
#
وقوله: (( ونمير أهلنا))، يقول: ونطلب لأهلنا طعاماً فنشتريه لهم.
يقال منه: ((مارَ فلانٌ أهله يميرهم مَيْراً))، ومنه قول الشاعر: (١)
بَعَثْنُكَ مَائِرِاً فَكَثْتَ حَوْلاً مَ يَأْتِ غِيَاتُكَ مَنْ نُنِيْثُ
#
= ((ونحفظ أخانا))، الذى ترسله معنا = ((ونزداد كيل بعير))، يقول: ونزداد
على أحمالنا [ من] الطعام حمل بعير ، (٢) يكال لنا ما حمل بعير آخر من إبلنا =
(( ذلك كيل يسير))، يقول : هذا حمل يسير ، كما : -
٩/١٣
١٩٤٧٧ - حدثنى الحارث قال ، حدثنا القاسم قال، حدثنا حجاج، عن
ابن جريج: (( ونزداد كيل بعير)). قال : كان لكل رجل منهم حمل بعير ،
فقالوا : أرسل معنا أخانا نزداد حمل بعير = وقال ابن جريج : قال مجاهد :
((كيل بعير))، حمل حمار. قال: وهى لغة = قال القاسم : يعنى مجاهد أن
((الحمار)) يقال له فى بعض اللغات ((بعير)).
١٩٤٧٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة
قوله: (( ونزداد كيل بعير))، يقول : حمل بعير .
١٩٤٧٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: (( ونزداد
كيل بعير))، نَعُدّ به بعيراً مع إبلنا = ((ذلك كيل يسير)).
...
(١) لم أعرف قائله، ولم أجد البيت فى مكان، وإن كنت أغالنى أعرفه.
(٢) الزيادة بين القوسين يقتضيها السياق.

١٦٣
تفسير سورة يوسف : ٦٦
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى
تُؤْتُونِ مَوِْقًا مِنَ الِهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا"
ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللهُ عَلَى مَانَقُولُ وَكِيلٌ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لبنيه: لن أرسل أخاكم معكم
إلى ملك مصر = ((حتى تؤتون موثقاً من الله))، يقول : حتى تعطون موثقاً من الله =
بمعنى ((الميثاق))، وهو ما يوثق به من يمينٍ وعهد (١) - ((لتأتنى به))، يقول: لتأتنى
بأخيكم = ((إلا أن يحاط بكم))، يقول: إلا أن يُحيط بجميعكم مالا تقدرون معه
على أن تأتونى به . (٢)
٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٩٤٨٠ - حدثنى المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فلما آتوه موثقهم )) ، قال : عهدهم.
١٩٤٨١ - حدثنى المثنى قال، أخبرنا إسحق قال، حدثنا عبد الله، عن
ورقاء ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد ، مثله .
١٩٤٨٢ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء ،
عن ابن أبى نجيح ؛ عن مجاهد قوله: ((إلا أن يحاط بكم))، إلا أن تهلكوا
جميعاً .
١٩٤٨٣ - جدثنى المثنى قال، حدثناأبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد=
(١) انظر تفسير ((الميثاق)) فيما سلف ١٤: ٨٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الإحاطة)) فيما سلف ١٥: ٤٦٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.

١٦٤
تفسير سورة يوسف : ٦٦ ، ٦٧
١٩٤٨٤ - قال، وحدثنا إسحق قال، أخبرنا عبد اللّه، عن ورقاء ، عن ابن
أبی نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٩٤٨٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة: ((إلا أن يحاط بكم))، قال: إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك.
١٩٤٨٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قوله :
((إلا أن يحاط بكم))، إلا أن يصيبكم أمرٌ يذهب بكم جميعاً، فيكون ذلك عذراً لكم عندى.
وقوله: ((فلما آتوه موثقهم))، يقول: فلما أعطوه عهودهم = ((قال))، يعقوب
=: ((اللّه على ما نقول))، أنا وأنتم = ((وكيل))، يقول: هو شهيد علينا بالوفاء
بما نقول جميعاً .(١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَقَالَ يَلْبَنِىَّ لَا تَدْخُلُواْ مِنْ
بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَبٍ مُتَغَرِّقَةٍ وَمَآ أُغْنِى عَنْكُمْ مِنَ
الله مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلٍ
المُتَوَ كُّلُونَ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لبنيه، لما أرادُوا الخروج من
عنده إلى مصر ليمتاروا الطعام : يا بنى لا تدخلوا مصر من طريق واحد ، وادخلوا
من أبواب متفرقة .
٠ ٠ ٠
(١) انظر تفسير ((الوكيل)) فيما سلف ١٥: ٢٢٠، تعليق: ٣، والمراجع هناك.

١٦٥
تفسير سورة يوسف : ٦٧
وذكر أنه قال ذلك لهم، لأنهم كانوا رجالاً لهم جمال وهيأة، (١) فخاف
عليهم العينَ إذا دخلوا جماعة من طريق واحدٍ ، وهم ولد رجل واحد ، فأمرهم أن
يفترقوا فى الدخول إليها ، كما : -
١٩٤٨٧ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا يزيد الواسطى، عن جويبر ،
عن الضحاك: ((لا تدخلوا من بابٍ واحد وادخلوا من أبواب متفرقة))، قال :
خاف عليهم العينَ .
١٩٤٨٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( يا بنىّ لا تدخلوا من باب واحد))، خشى نىُّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم
العينَ على بنيه ، كانوا ذوى صُورة وجَمال .
١٩٤٨٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن قتادة: (( وادخلوا من أبواب متفرقة))، قال: كانوا قد أوتوا صورةٌ
وجمالاً ، فخشى عليهم أنفُسَ الناس .
١٩٤٩٠ - حدثنى محمد بن سعد ، قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ( وقال يا بنى لا تدخلوا من
باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة)»، قال : رهب يعقوب عليه السلام عليهم
العينَ .
١٩٤٩١ -حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال ، أخبرنا
عبيد بن سليمان، قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: (( لا تدخلوا من باب
واحد ))، خشى يعقوب على ولده العينَ .
١٠/١٣
١٩٤٩٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب ، عن أبى معشر ،
عن محمد بن كعب: ((لا تدخلوا من باب واحد))، قال : خشى عليهم العين.
(١) فى المطبوعة: ((وهيبة))، لأنها فى المخطوطة: ((وحدة))، غير منقوطة، وستأتى كذلك بعد،
وسأصصحها دون أن أشير إلى هذا التصحيح فى سائر المواضع .

١٦٦
تفسير سورة يوسف : ٦٧
قال ، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدى قال :
١٩٤٩٣ - ٠ ٠
خاف يعقوب صلى اللّه عليه وسلم عن بنيه العين، فقال: ((يا بنى لا تدخلوا
من باب واحد )). فيقال : هؤلاء لرجل واحد ! ولكن ادخلوا من أبواب متفرقة .
١٩٤٩٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال : لما
أجمعوا الخروجَ = يعنى ولد يعقوب = قال يعقوب: (( يا بنىّ لا تدخلوا من باب
واحد وادخلوا من أبواب متفرقة)) ، خشى عليهم أعين الناس ، لهيأتهم ، وأنهم
لرجل واحدٍ .
*
وقوله: ((وما أغنى عنكم من اللّه من شىء))، يقول: وما أقدر أن أدفع عنكم
من قضاء الله الذى قد قضاه عليكم من شىء صغير ولا كبير ، لأن قضاءه نافذ
فى خلقه(١) = ((إن الحكم إلا الله))، يقول: ما القضاء والحكم إلا اللّه دون
ما سواه من الأشياء ، فإنه يحكم فى خلقه بما يشاء ، فینفذ فيهم حكمه ، ويقضى
فيهم ، ولا يُرَدّ قضاؤه = ((عليه توكلت))، يقول: على الله توكلت فوثقت به فيكم
وفى حفظكم علىّ، حتى يردكم إلىّ وأنتم سالمون معافون، لا على دخولكم مصر إذا
دخلتموها من أبواب متفرقة = ((وعليه فليتوكل المتوكلون))، يقول: وإلى الله
فليفوِّض أمور هم المفوّضون. (٢)
(١) انظر تفسير ((أغنى)) فيما سلف ١٥: ٤٧٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((التوكل)) فيما سلف ٥٤٥:١٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.

١٦٧
تفسير سورة يوسف : ٦٨
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ
أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ اللهِ مِن شَيْءٍ إِلَّ حَاجَةٌ فِى نَفْسٍ
يَعْقُوبَ قَضَمُهَا وَإِنَّهُ، لَذُوعِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
٦٨
لَا يَعْلَمُونَ ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولما دخل ولد يعقوب من حيث أمرهم
أبوهم، وذلك دخولهم مصر من أبواب متفرقة = (( ما كان يغنى))، دخولهم إياها
كذلك = ((عنهم))، من قضاء الله الذى قضاء فيهم فحتمه = (( من شىء إلا حاجة
فى نفس يعقوب قَضَاها))، إلا أنهم قضوا وطراً ليعقوب بدخولهم ، لا من طريق
واحد ، خوفاً من العين عليهم ، فاطمأنت نفسه أن يكونوا أتوا من قبل ذلك ،
أو نالهم من أجله مكروه ، كما : -
١٩٤٩٥ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( إلا حاجة فى نفس يعقوب قضاها))، خيفة
العين على بنيه .
١٩٤٩٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
١٩٤٩٧ -.... قال، أخبرنا إسحق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء،
عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله ..
١٩٤٩٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء ، عن ابن
أبى نجيح، عن مجاهد: (( إلا حاجة فى نفس يعقوب قضاها)»، قال : خشية
العين عليهم .

١٦٨
تفسير سورة يوسف : ٦٨
١٩٤٩٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قوله :
((إلا حاجة فى نفس يعقوب قضاها))، قال: ما تخوّف على بنيه من أعين
الناس، لهيأتهم وعدتهم .
. ..
#
وقوله: (( وإنه لذو علم لما علمناه))، يقولُ تعالى ذكره : وإن يعقوب
لذو علم ، لتعليمنا إياه .
#
وقيل : معناه : وإنه لذو حفظ لما استودعنا صدره من العلم .
واختُلِف عن قتادة فى ذلك :
١٩٥٠٠ - فحدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( وإنه لذو علم لما علمناه))، أى : مما علمناه .
١٩٥٠١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير،
عن سفيان، عن ابن أبى عروبة، عن قتادة: (( وإنه لذو علم لما علمناه))، قال :
إنه لعامل بما عَكم .
١٩٥٠٢ -... قال المثنى قال، إسحق قال، عبد اللّه قال ، سفيان:
((إنه لذو علم))، مما علمناه . وقال: من لا يعمل لا يكون عالماً.
٠
= ((ولكن أكثر الناس لا يعلمون))، يقول جل ثناؤه : ولكن كثيراً من
الناس غير يعقوب ، لا يعلمون ما يعلمه، لأنَّا حَرَ مناه ذلك فلم يعلمه .
٠

١٦٩
تفسير سورة يوسف : ٦٩
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَلَمَّ دَخَلُوْ عَلَى يُوسُفَ
◌َاوَىَ إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّى أَنَاْ أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولما دخل ولد يعقوب على يوسف =
((آوى إليه أخاه))، يقول: ضم إليه أخاه لأبيه وأمه. (١)
٠ ٠ ٥
١١/١٣
وكان إيواؤه إياه، (٢) كما :-
١٩٥٠٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدى:
(( ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه ))، قال: عرف أخاه ، فأنزلهم منزلاً ، وأجرى
عليهم الطعام والشراب. فلما كان الليلُ ، جاءهم بِمُثُل، فقال: لينم كل أخوين
منكم على مِثَال. (٣) فلما بقى الغلام وحده ، قال يوسف : هذا ينام معى على
فراشى . فبات معه، فجعل يوسف يشمُّ ريحه ويضمه إليه حتى أصبح . وجعل
روبيل يقول: ما رأيْنا مثل هذا! أريحُونا منه !
١٩٥٠٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال :
لما دخلوا = يعنى ولد يعقوب = على يوسف، قالوا : هذا أخونا الذى أمرتَنا أن
نأتيك به ، قد جئناك به . فذكر لى أنه قال لهم: قد أحسنتم وأصبتم، وستجدون ذلك
عندى = أو كماقال. ثم قال: إنى أرا كم رجالاً، وقد أردت أن أكرمكم. ودعا[ صاحب]
(١) انظر تفسير ((الإيواء)) فيما سلف ١٥: ٤٢٢،، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) كان الكلام فى المطبوعة هكذا: ((وكل أخوه لأبيه))، فلم يحسن قراءة المخطوطة، فجاء بكلام
لا معنى له، وكان فيها: ((وكل إدواوه إِناه )) غير منقوطة، وهذا صواب قراءته .
(٣) ((المثال)) (بكسر الميم)، وجمعه ((مثل)) (بضمتين)، وهو الفراش، وفى الحديث أنه
دخل على سعد بن أبى وقاص، وفى البيت متاع رث ومثال رث = أى: فراش خلق بال . ويقال : هو
النمط الذى يفترش من مفارش الصوف الملونة .

١٧٠
تفسير سورة يف : ٦٩
ضيافته . (١) فقال: أنزل كل رجلين على حدة، ثم أكرمهما، وأحسن ضيافتهما .
ثم قال: إنى أرى هذا الرجل الذى جئتم به ليس معه ثانٍ، فسأضمه إلىّ ،
فيكون منزله معنى . فأنزلهم رجلين رجلين فى منازل شتَّى ، وأنزل أخاه معه ،
فَآواه إليه . فلما خلا به قال : إنى أنا أخوك ، أنا يوسف ، فلا تبتئس بشىء
فعلوه بنا فيما مضى ، فإن الله قد أحسن إلينا، ولا تعلمهم شيئاً مما أعلمتك. يقول
الله: (( ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إنى أنا أخوك فلا تبئس بما كانوا
يعملون)) .
١٩٥٠٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه ))، ضمه إليه، وأنزله ، وهو
بنيامين .
١٩٥٠٦ -حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا إسمعيل بن
عبد الكريم قال ، حدثنى عبد الصمد بن معقل قال : سمعت وهب
ابن منبه يقول = وسئل عن قول يوسف: (( ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه
قال إنى أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون)) = : كيف أصابه حين أخذه
بالصُّواع، وقد كان أخبره [ أنه] أخوه ، (٢) وأنتم تزعمون أنه لم يزل متنكراً لهم
يكايدهم حتى رجعوا ؟ = فقال: إنه لم يعترف له بالنسبة، ولكنه قال: (( أنا
أخوك))، مكانَ أخيك الهالك = ((«فلا تبتئس بما كانوا يعملون))، يقول :
لا يحزنك مكانهُ .
وقوله: ((فلا تبتئس))، يقول: فلا تستكِنْ ولا تحزن.
٠
(١) فى المطبوعة: ((ودعا ضافته))، ولا أجد لها وجهاً. وفى المخطوطة كما أثبتها، ولكنه لا يستقيم
إلا بالذى زدته بين القوسين .
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((كيف أجابه حين أخذ بالصواع، وقد كان أخبره أخوه))، وامل
الصواب ما أثبت ، مع هذه الزيادة بين القوسين .

١٧١
تفسير سورة يوسف : ٧٠،٦٩
وهو: ((فلا تفتعل)) من ((البؤس))، يقال منه: ((ابتأس يبتئس ابتئاساً)).(١)
...
وبنحو ما قلناه فى ذلك قال أهل التأويل .
« ذكر من قال ذلك :
١٩٥٠٧ - حدثنا بشرقال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
(( فلا تبتئس)) ، يقول : فلا تحزن ولا تيأس.
١٩٥٠٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا إسمعيل بن
عبد الكريم قال ، حدثنى عبد الصمد قال : سمعت وهب بن منبه يقول :
((فلا تبتئس )) ، يقول : لا يحزنك مكانه .
١٩٥٠٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط ، عن السدى :
(( فلا تبتئس بما كانوا يعملون))، يقول : لا تحزن على ما كانوا يعملون.
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام إذاً : فلا تحزن ولا تستكن لشىء سلف
من إخوتك إليك فى نفسك ، وفى أخيك من أمك ، وما كانوا يفعلون قبلَ
اليوم بك .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ
السِّقَايَةَ فِى رَحْلٍ أَخِيهِثُمَّ أَذَّنَ مُوَّذِّنٌ أَيَّتُهَا الْغِيرُ إِنَّكُمْ لَسَرِقُونَ﴾ )
قال أبو جعفر : يقول : ولما حمّل يوسف إبل إخوته ما حمّلها من الميرة ،
وقضى حاجتهم ، (٢) كما : -
١٩٥١٠ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة
(١) انظر تفسير ((ابتأس)) فيما سلف ١٥ : ٣٠٧،٣٠٦
(٢) انظر تفسير (التجهيز)) و((الجهاز)) فيما سلف ص: ١٥٤.

١٧٢
تفسير سورة يوسف : ٧٠
قوله: ((فلما جهزهم بجهازهم))، يقول : لما قضى لهم حاجتهم ووفّاهم كيلهم.
٠ ٠ ٠
وقوله: ((جعل السقاية فى رحل أخيه)). يقول: جعل الإناء الذى يكيل به
الطعام فى رَحْل أخيه .
و((السقاية))، هى المشربة، وهى الإناء الذى كان يشرب فيه الملك ويكيلُ به الطعام.
٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٩٥١١ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثناعفان قال، حدثنا عبد الواحد،
عن يونس، عن الحسن: أنه كان يقول: ((الصواع)) و((السقاية))، سواء ،
هو الإناء الذى يشرب فيه .
١٢/١٣
١٩٥١٢ -
قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن ابى نجييح
.
عن مجاهد: ((السقابة)) و((الصواع))، شىء واحد . كان يشرب فيه يوسف
قال، أخبرنا إسحق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن
١٩٥١٣ - ..
ابن أبى نجيح، عن مجاهد قال: ((السقاية))، (( الصواع))، الذى يشرب فيه يوسف .
١٩٥١٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر ،
عن قتادة: (( جعل السقاية))، قال : مشربة الملك .
١٩٥١٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((السقاية فى رحل أخيه))، وهو إناء الملك الذى كان يشرب فيه .
١٩٥١٦ - حدثی محمد بن سعد قال ، حدثی أبى قال، حدثی عمى قال ،
حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله. ((قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء
به حمل بعير))، وهى ((السقاية))، التى كان يشرب فيها الملك = يعى: مكُوكه .
١٩٥١٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج، عن