Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
تفسير سورة هود : ٩٢
((واتخذتموه وراء كم ظهريًّا))، كما يقول الرجل للرجل: ((خلَّفْتَ حاجتى خلفَ
ظهرك )) = ((فاتخذتموه وراءكم ظهريًّا))، استخففتم بأمره . فإذا أراد الرجل قضاء
حاجة صاحبه جعلها أمامه بين يديه ، ولم يستخفَ بها .
١٨٥٢١ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((واتخذتموه وراء كم ظهريًا))، قال ((الظهْرَى))، الفَضْل، مثل الجمّال
يخرج معه بإبل ظَهَارَّية، (١) فضل، لا يحمل عليها شيئًا ، إلا أن يحتاج إليها.
قال: فيقول: إنما ربكم عندكم مثل هذا، إن احتجتم إليه . وإن لم تحتاجوا
إلیه، فليس بشىء .
٠
وقال آخرون : معنى ذلك: واتخذتم ما جاء به شعيبٌ وراء كم ظهرِيًّا
= فالهاء التى فى قوله: ((واتخذتموه))، على هذا، من ذكر ما جاء به شعيب.
• ذكر من قال ذلك :
١٨٥٢٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن
أى) نجيح، عن مجاهد: ((واتخذتموه وراء كم ظهريًّا))، قال: تركتم ما جاء به
شعيب .
قال ، حدثنا جعفر بن عون، عن سفيان ، عن جابر ،
. .
١٨٥٢٣ -
عن مجاهد قال : نبذوا أمره .
١٨٥٢٤ - حدثنى الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز، عن سفيان ، عن
جابر ، عن مجاهد: (( واتخذتموه وراء كم ظهريًّا)) ، قال : نبذتم أمره .
١٨٥٢٥ - حدثنا محمدبن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((واتخذتموه وراءكم ظهريًّا))، قال
(١) هكذا جاء فى المخطوطة والمطبوعة: ((ظهارية))، ولكن اللغة على أن جمع ((ظهرى))،
«ظهارى))، فزيادة التاء هنا ضعيفة الوجه .

٤٦٢
تفسير سورة هود : ٩٢ ، ٩٣
هم رهط شعيب ، بتركهم ما جاء به وراء ظهورهم، ظهريًّا .
١٨٥٢٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ،
عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، قال =
وحدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء ، عن
١٨٥٢٧ - ٠ ٠
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( واتخذتموه وراء كم ظهريًّا))، قال: استثناؤهم
رهط شعيب ، وتركهم ما جاءَ به شعيب وراء ظهورهم ظهريًّا .
...
قال أبو جعفر : وإنما اخترنا القول الذى اخترناه فى تأويل ذلك ، لقرب
قوله: ((واتخذتموه وراء كم ظهريًّا))، من قوله: ((أرهطى أعز عليكم من اللّه))
= فكانت («الهاء)) فى قوله: ((واتخذتموه)) بأن تكون من ذكر الله، لقرب جوارها
منه ، أشبهَ وأولى .
...
وقوله: ((إن ربى بما تعملون محيط))، يقول: إن ربى محيط علمه بعملكم، (١)
فلا يخفى عليه منه شىء، وهو مجازيكم على جميعه عاجلاً وآجلاً.
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَيَّقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ
إِّى ◌َعَمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره ، مخبرًا عن قيل شعيب لقومه: ((ويا قوم
اعملوا على مكانتكم )» ، يقول : على تمكنكم .
٥
٠
(١) انظر تفسير ((محيط)) فيما سلف ص: ٤٤٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٤٦٣
تفسير سورة هود : ٩٣
يقال منه: ((الرجل يعمل على مكينته، ومكنته ))، أى: على اتثاده
= ((ومَكُن الرجل يمكُنُ مَكْنًا ومكانةً وَمكاناً)).(١)
وكان بعض أهل التأويل يقول فى معنى قوله: ((على مكانتكم))، على
منازلكم .
قال أبو جعفر : فمعنى الكلام إذاً: ويا قوم اعملوا على تمكنكم من العمل
الذى تعملونه، إنىّ عامل على تؤدةٍ من العمل الذى أعمله = ((سوف تعلمون)) ،
أينا الجانى على نفسه ، والمخطئ عليها ، والمصيب فى فعله المحسنُ إلى نفسه.
#
#
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ
هُوَ كَذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ (٢)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره ، مخبرًا عن قيل نبيّه شعيب لقومه :
الذى يأتيه منّا ومنكم، أيها القوم = ((عذاب يخزيه))، يقول: يذله ويهينه(٢)
= ((ومن هو كاذب))، يقول : ويُخزى أيضاً الذى هو كاذب فى قيله وخبره
منا ومنكم = ((وارتقبوا))، أى: انتظروا وتفقدوا، من ((الرِّقْبة)).
يقال منه: ((رقَبْتُ فلاناً أرْقُبُهُ رِقْبَةً)).(٣)
٠
وقوله: ((إنى معكم رقيب))، يقول: إنّى أيضاً ذو رِقْبة لذلك العذاب
معكم، وناظر إليه، بمَنْ هو نازلٌ منا ومنكم؟(٣:
#
(١) انظر تفسير ((المكانة)) فيما سلف ١٢: ١٢٨، ١٢٩، وهنا زيادة فى مصادره لا تجدها
فى كتب اللغة .
(٢) انظر تفسير ((الخزى)) فيما سلف من فهارس اللغة ( خزى).
(٣) انظر تفسير ((الترقب)) و((الرقيب)) فيما سلف ٧: ٥٢٣، ٥٢٤ / ١١ : ٢٣٩.

٤٦٤
تفسير سورة هود : ٩٤ ، ٩٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّ وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ
فَأَصْبَحُواْ فِى دِيْرِهِمْ جَثِمِينَ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره ، ولما جاء قضاؤنا فى قوم شعيب ،
بعذابنا = ((نجينا شعيبًا))، رسولنا ، والذين آمنوا به فصدقوه على ما جاءهم به
من عند ربهم ، مع شعيب من عذابنا الذى بعثنا على قومه = ((برحمة منا))، له
ولمن آمن به واتبعه على ما جاءهم به من عند ربهم = وأخذت الذين ظلموا
صيحة من السماء أخمدتهم، فأهلكتهم بكفرهم بربهم . (١) وقيل إن جبريل عليه
السلام صاح بهم صيحةٌ أخرجت أرواحهم من أجسامهم = (( فأصبحوا فى ديارهم
٦٦/١٢ جائمين))، على ركبهم، وصرعى بأفنيتهم.(٢)
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلَا بُعْدًا
لٌّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودٌ ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : كأن لم يعش قوم شعيب الذين أهلكهم
الله بعذابه ، حين أصبحوا جائمين فى ديارهم قبل ذلك ، ولم يغنوا .
= من قولهم: ((غنيت بمكان كذا))، إذا أقمت به، (٣) ومنه قول النابغة:
٠
٠
(١) انظر تفسير ((الصيحة)) فيما سلف ص: ٣٨٠.
(٢) انظر تفسير( الجثوم)) فيما سلف ص: ٣٨٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير (( غنى بكذا)) فيها سلف ١٢: ٥٦٩، ٥٧٠ / ١٥: ٥٦، ٣٨١

٤٦٥
تفسير سورة هود : ٩٥ - ٩٧
غَنِيَتْ بِذْلِكَ إذْمُ لِ حِيرَةٌ مِنْهَا بِعَطْفِ رِسَالَةٍ وَتَوَدُّدِ (١)
وكما :-
١٨٥٢٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس قوله: ((كأن لم يغنوا فيها))، قال يقول: كأن لم
يعيشوا فيها .
١٨٥٢٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن قتادة ، مثله .
١٨٥٣٠ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، مثله .
٠
= وقوله: ((ألا بعداً لمدين كما بعدت ثمود))، يقول تعالى ذكره: ألا أبعد
اللّه مدين من رحمته، بإحلال نقمته بهم (٢) = (( كما بعدت ثمود))، يقول :
كما بعدت من قبلهم ثمود من رحمته ، بإنزال سخطه بهم .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِنَّايَتِنَا
وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَاِيْهِ > فَأَتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ
وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (٢)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولقد أرسلنا موسى بأدلتنا على توحيدنا ،
وحجةً تُبين لمن عاينها وتأملها بقلب صحيحٍ. (٣) أنها تدل على توحيد الله، وكذب
(١) مضى البيت وشرحه فيما ملف مس : ٥٦.
(٢) انظر تفسير ((البعد)» فيما سلف ص: ٣٨١،٣٦٧٠٣٣٤.
(٣) انظر تفسير ((السلطان فيما سلف ص: ١٤٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير ((مبين)» فيما سلف من فهارس اللغة (بين).
ج ١٥ (٣٠)

٤٦٦
تفسير سورة هود : ٩٦ - ٩٨
كل من ادّعى الربوبية دونه ، وُبُطُول قول من أشرك معه فى الألوهية غيره
= ((إلى فرعون وملئه))، يعنى: إلى أشراف جنده وتُبَّعه(١) = ((فاتبعوا أمر فرعون)،
يقول : فكذب فرعون وملأه موسى ، وجحدوا وحدانية اللّه ، وأبوا قبول ما أتاهم
به موسى من عند الله، واتّبع ملا فرعون أمرّ فرعون دون أمر اللّه، وأطاعوه فى
تكذيب موسى ، وردّ ما جاءهم به من عند اللّه عليه = يقول الله تعالى ذكره :
(وما أمر فرعون برشيد))، يعنى: أنه لا يُرْشد أمر فرعون من قبله منه، فى
تكذيب موسى، إلى خير، (٢) ولا يهديه إلى صلاح، بل يورده نار جهنم. (٣)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ, يَوْمَ الْقِيَامَةِ
فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ (*)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((يقدم)) فرعون = ((قومه يوم القيامة))،
يقودهم ، فيمضى بهم إلى النار ، حتى يوردهموها ، ويصليهم سعيرها = ((وبئس
الورد)»، يقول: وبئس الورد الذى يردونه .
٠
٠٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٨٥٣١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((يقدم قومه يوم القيامة))، قال: فرعون، يقدم قومه يوم
القيامة ، يمضى بين أيديهم ، حتى يهجُمَ بهم على النار .
(١) انظر تفسير ((الملأ)) فيما ملف ص: ٣١٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة حذف قوله: ((منه))، فأفسد الكلام إفساداً.
(٣) انظر تفسير ((رشيد)) فيما سلف ص: ٤٥٠، تعليق: ٣، والمراجع هناك.

٤٦٧
تفسير سورة هود : ٩٨، ٩٩
١٨٥٣٢ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة :
(((يقدم قومه يوم القيامة)). يقول: يقود قومه = ((فأوردهم النار)).
١٨٥٣٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال ، قال ابن عباس قوله: ((يقدم قومه يوم القيامة))، يقول :
أضلّهم فأوردهم النار .
١٨٥٣٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عمن سمع ابن عباس يقول فى قوله: (( فأوردهم
النار))، قال: ((الورد))، الدُّخول .
١٨٥٣٥ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول ، حدثنا عبيد
ابن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((فأوردهم النار ))، كان ابن
عباس يقول: ((الورد)) فى القرآن أربعةُ أوراد: فى (( هود)) قوله: (( وبئس الورد
المورود)) = وفى ((مريم)): ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلَّ وَارِدُهَا﴾، [سورة مريم: ٧١]، وورد
فى ((الأنبياء)): (حَصَبُ جَهَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، [سورة الأنبياء: ١
فى ((مريم)) أيضاً: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إلَى جَهَاْمَ وِرْداً﴾، [سورة مريم: ٨٦].
كان ابن عباس يقول: كل هذا الدخول. والله ليردنَّ جهنم كل برّ وفاجر :
﴿ُمَّ نَجِّى الَّذِينَ أَنَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِئِيًّا﴾، [ سورة مريم: ٧٢].
٢٠٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَأَتْبِعُواْ فِى هَذِهِ ثُ لَعْنَةً وَيَوْمَ
٠
الْقِيَمَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ﴾ (٠)
قال أبو جعفر : يقول الله تعالى ذكره: وأتبعهم الله فى هذه = يعنى فى هذه
الدنيا = مع العذاب الذى عجله لهم فيها، من الغرق فى البحر، لعنته (١) = ((ويوم
--
(١) انظر تفسير ((اللعنة)) فيما سلف ١٢ : ٤٤٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٤٦٨
تفسير سورة هود : ٩٩
القيامة)) ، يقول: وفى يوم القيامة أيضاً يلعنون لعنةً أخرى، كما : ــ
١٨٥٣٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد
ابن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبى بزة، عن مجاهد: ((وأتبعوا فى هذه لعنة
ويوم القيامة))، قال : لعنةٌ أخرى.
١٨٥٣٧ - حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
٦٧/١٢ عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وأتبعوا فى هذه لعنة ويوم القيامة))،
قال : زِيدوا بلعنته لعنةً أخرى ، فتلك لعنتان .
١٨٥٣٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وأتبعوا فى هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ))،
اللعنة فى إثر اللعنة .
... قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد اللّه، عن ورقاء ،
١٨٥٣٩ -
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: ((وأتبعوا فى هذه لعنة ويوم القيامة))،
قال : زيدوا لعنة أخرى ، فتلك لعنتان .
١٨٥٤٠ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد: ((فى هذه))، قال: فى الدنيا = ((ويوم القيامة))،
أردفوا بلعنة أخرى ، زيدوها ، فتلك لعنتان .
٠٠٠
وقوله: ((بئس الرفد المرفود))، يقول: بئس العَوْن المُعان، اللعنةُ المزيدة
فيها أخرى مثلها . (١)
٥
وأصل ((الرفد))، العون، يقال منه: ((رفّد فلانٌ فلانًا عند الأمير يَرفِده
رِفْداً)) بكسر الراء = وإذا فتحت، فهو السَّقى فى القَدح العظيم، و((الرَّفد))
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((أخرى منها))، وكأن الصواب ما أثبت.

٤٦٩
تفسير سورة هود : ٩٩
القدحُ الضخم ، ومنه قول الأعشى :
رُبَّ رَفْدٍ مَرَقْتَهُ ذُلِكَ الْيَوْ مَ وَأَسْرَى مِنْ مَعْشَرٍ أَفْتَلِ (١)
ويقال: ((رَفد فلان حائطه)»، وذلك إذا أسنده بخشبة ، لئلا يسقط .
و ((الرَّفد))، بفتح الراء المصدر. يقال منه: ((رَفَدَه يَرَفِده رَفْداً))، ((والرِّفْد))
اسم الشىء الذى يعطاه الإنسان، وهو ((المَرْفَد)).
٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
« ذكر من قال ذلك :
١٨٥٤١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله قال ، حدثنى معاوية ، عن
على، عن ابن عباس قوله: (( بئس الرفد المرفود ))، قال: لعنة الدنيا والآخرة .
١٨٥٤٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: (( بئس الرفد المرفود ))، قال : لعنهم الله فى الدنيا ، وزيد
لهم فيها اللعنة فى الآخرة .
١٨٥٤٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر.، عن قتادة فى قوله: (( ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ))، قال: لعنة فى
الدنيا ، وزيدوا فيها لعنةً فى الآخرة .
١٨٥٤٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
(١) ديوانه : ١٣، من قصيدة طويلة من جياد شعره، يمدح فيها الأسود بن المنذر اللخمى
أخا النعمان بن المنذر ، الملك . وكان الأسود غزا الحليفين أسداً وذبيان، ثم أغار على الطف ، فأصاب
نعماً وأسرى وسبياً من سعد بن ضبيعة (رهط الأعشى)، وكان الأعشى غائباً، فلما قدم وجد الحى مباحاً ،
فأتاه فأنشده، وسأله أن يهب له الأسرى ويحملهم، ففعل. يقول : رب رجل كانت له إبل يحلبها فى
قدح له ولعياله ، فاستقت الإبل، وذهب ما كان يحلبه فى الرفد ، فكذلك هرقت ما حلب .
و ((الأقتال)) جمع ((قتل)) ( بكسر فسكون). و((القتل))، القرن من الأعداء، وهو أيضاً: المثل
والنظير، وقال الأصمعى فى شرح البيت وقد نقلت ما سلف من شرح ديوانه: ((أقتال))، أشباه
غير أعداء .
وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((أقيال))، وهو هنا خطأ.

٤٧٠
تفسير سورة هود : ٩٩، ١٠٠
((وأتبعوا فى هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود))، يقول : ترادفت عليهم
اللعنتان من اللّه ، لعنة فى الدنيا، ولعنة فى الآخرة .
١٨٥٤٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد ، عن جويبر ، عن
الضحاك قال : أصابتهم لعنتان فى الدنيا ، رَفَدت إحداهما الأخرى ، وهو
قوله: ((ويوم القيامة بئس الرفد المرفود)).
٠ ٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ.
عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: هذا
القصص الذى ذكرناه لكَ فى هذه السورة ، والنبأ الذى أنبأنا که فيها ، من أخبار
القرى التى أهلكنا أهلها بكفرهم بالله، (١) وتكذيبهم رسله = ((نقصه عليك))،
فتخبرك به (٢) = ((منها قائم))، يقول: منها قائمٌ بنيانه، بائدٌ أهله هالك، (٣) ومنها
قائم بنيانه عامر، ومنها حصيدٌ بنيانه، خرابٌ متداع، قد تعنى أثرُه دارس".
#
من قولهم: ((زرع حصيد))، إذا كان قد استؤصل قطعه، وإنما هو
((محصود))، ولكنه صرف إلى ((فعيل))، (٤) كما قد بينا فى نظائره. (٥)
(١) انظر تفسير ((النبأ)) فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ).
(٢) انظر تفسير ((القصص)) فيما سلف ٩: ٤٠٢ / ١١: ٣٩٩ / ١٢ : ١٢٠،
٣٠٧، ٤٠٦ / ١٣ : ٧، ٢٧٤.
(٣) فى المطبوعة: ((بائد بأهله))، والصواب من المخطوطة، وزدت ((قائم)) قبل قوله:
(بنيانه))، وبذلك تستقيم الجملة وتساوى التى تليها .
(٤) انظر تفسير ((حصيد)) فيما سلف ص : ٥٦.
(٥) انظر ما سلف من فهارس مباحث العربية والنحو وغيرهما.

٤٧١
تفسير سورة هود : ١٠٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٨٥٤٦ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((ذلك من أنباء انقرى
نقصُّه عليك منها قائم وحصيد))، يعنىبـ((القائم)) قُرّى عامرة، و((الحصيد))
قری خامدة .
١٨٥٤٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((قائم وحصيد))، قال: ((قائم))، على عروشها = و((حصيد))
مستأصلة .
١٨٥٤٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((منها قائم ))، یری مکانه= (( وحصید ))، لا یری له أثر .
١٨٥٤٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج: ((منها قائم))، قال: خاوٍ على عروشه = ((وحصيد))، ملزق"
بالأرض .
١٨٥٥٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد اللّه ، عن سفيان، عن
الأعمش: ((منها قائم وحصيد))، قال: خرَّ بنيانه .
١٨٥٥١ - حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان ،
عن الأعمش: ((منها قائم وحصيد))، قال: ((الحصيد))، ما قد خرّ بنيانه .
١٨٥٥٢ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: (( منها قائم وحصيد))، منها قائم يرى أثره، وحصيدٌ بَادَ لا يرى أثره.

٤٧٢
تفسير سورة هود : ١٠١
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُواْ
٦٨/١٢ أَنْفُسَهُمْ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ
مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : وما عاقبنا أهل هذه القرى التى اقتصَصنا
نبأها عليك ، يا محمد ، بغير استحقاق منهم عقوبتنا ، فنكون بذلك قد وضعنا
عقوبتناهُمْ فى غير موضعها = ((ولكن ظلموا أنفسهم)) ، يقول : ولكنهم أوجبوا
لأنفسهم بمعصيتهم اللّه وكفرهم به ، عقوبتَه وعذابه ، فأحلوا بها ما لم يكن لهم
أن يحلوه بها، وأوجبوا لها ما لم يكن لهم أن يوجبوه لها = ((فما أغنت عنهم آلهتهم
التى يدعون من دون الله من شىء))، يقول: فما دفعت عنهم آلهتهم التى يدعوها
من دون الله، (١) ويدعونها أرباباً ، من عقاب الله وعذابه إذا أحله بهم ربهم
من شيء، ولا رَّدت عنهم شيئًا منه = ((لما جاء أمر ربك))، يا محمد ، يقول : لما
جاء قضاء ربك بعذابهم، فحقّ عليهم عقابه، ونزل بهم سَخَطه = (( وما زادوهم
غير تتبيب))، يقول: وما زادتهم آلهتهم ، عند مجىء أمر ربك هؤلاء المشركين
بعقاب الله، غير تخسير وتدمير وإهلاك .
٠
٠
٠
يقال منه: ((تبَّبْتُهُ أتبِّبُه تَتْبِيبًا))، ومنه قولهم للرجل: ((تَبًّا لك))، قال جرير:
أَلَا تَبَّا لِمَا فَعَلُوا تَبَابًا(٢)
غَرَادَةُ مِنْ بَقِيَّةٍ قَوْمِ لُوطٍ
(١) انظر تفسير ((أغنى عنه)) فيما سلف ص: ٢١٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) ديوانه: ٧٢، من قصيدته المشهورة فى هجاء الراعى الميرى، وكان سببها أن ((عرادة
النميرى)»، وهو راوية الراعى كان نديماً للفرزدق، فقدم الراعى البصرة، فدعاه عرادة فأطعمه وسقاه
وقال : فضل الفرزدق على جرير ! فأبى . فلما أخذ فيه الشراب ، لم يزل به حتى قال:
يا صَاحِبَيَّ دَنَا الرَّاحُ فَسِيرَاً غَبَ الفَرَزْدَقُ فى المِجَاءِ جريرًا

٤٧٣
تفسير سورة هود : ١٠١
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
. ذكر من قال ذلك :
١٨٥٥٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سعيد بن سلام أبو الحسن البصرى
قال ، حدثنا سفيان، عن نسير بن ذعلوق، عن ابن عمر فى قوله: ((وما زادوهم
غير تتبيب))، قال: غير تخسير . (١)
١٨٥٥٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((غير تتبيب))، قال: تخسير.
١٨٥٥٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٨٥٥٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((غير تتبيب))، يقول : غير تخسير .
١٨٥٥٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمدبن ثور ، عن
معمر ، عن قتادة: ((غير تتبيب))، قال : غير تخسير .
٠٠
فهاج المجاء بينهما ، فكان مما ذكر به عرادة قوله :
فَلَ وَأَبِى عَرَادَةَ مَا أصَابًا
أَتَنِى عَنْ عَرَادَةَ قَوْلُ سُوء
بَأَرْضِ الطّلحِ تَحْتَبِلُ الزَّبَابَ
وَكَّ لَكَ يا غَرَادَ مِنُ أُمِّ سَوْه
عَرَادَةُ مِنْ بَقِيَّةِ قَوْمِ لُوطٍ
إِذَا اسْتَأْنَوْكَ أَنْظَروا الإيابًا
كَبْنَ الْكَسْبُ تَكْسِبُهُ كُمَيْرٌ
وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((عرابة))، وهو خطأ صرف .
(١) الأثر: ١٨٥٥٣ - ((سعيد بن سلام، أبو الحسن البصرى العطار الثورى الأعور))،
منكر الحديث ، كذاب يحدث عن الثورى، لا يكتب حديثه ، مترجم فى الكبير ٢ / ١ / ٤٤١،
وابن أبى حاتم ٢ / ١ / ٣١، ولسان الميزان ٣: ٣١، وميزان الاعتدال ١: ٣٨٢.
و ((خير بن ذعلوق الشورى)»، ثقة، مضى برقم : ٥٤٩١، ١٣٤٨٨.

٤٧٤
تفسير سورة هود : ١٠١، ١٠٢
قال أبو جعفر : وهذا الخبر من اللّه تعالى ذكره، وإن كان خبرًا عمَّن
مَضّى من الأمم قبلنا، فإنه وعيدٌ من الله جل ثناؤه لنا ، أيتها الأمة ، أنّا إن
سلكنا سبيلَ الأمم قبلَنا فى الخلاف عليه وعلى رسوله ، سلك بنا سبيلهم فى
العُقوبة = وإعلامٌ منه لنا أنه لا يظلم أحداً من خلقه ، وأن العباد هم الذين
يظلمون أنفسهم ، كما : -
١٨٥٥٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد قال :
اعتذر = يعنى ربنا جل ثناؤه = إلى خلقه فقال: ((وما ظلمناهم))، مما ذكرنا
لك من عذاب من عذبنا من الأمم = (( ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم
آلهتهم))، حتى بلغ: ((وما زادوهم غير تتبيب))، قال : ما زادهم الذين كانوا.
يعبدونهم غير تتبيب .
٠ ٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ
الْقُرَىُ وَهِىَ ظْلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ مْ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وكما أخذت ، أيها الناس ، أهلَ هذه
القرى التى اقتصصت عليك نبأ أهلها بما أخذتهم به من العذاب ، على خلافهم
أمرى، وتكذيبهم رسلى ، وجحودهم آياتى ، فكذلك أخذى القرَى وأهلها إذا
أخذتُهم بعقابى ، وهم ظلمة لأنفسهم بكفرهم بالله ، وإشراكهم به غيره ،
وتكذيبهم رسله = ((إنَّ أخذه أليم))، يقول: إن أخذ ربكم بالعقاب من أخذه
= ((أليم))، يقول: موجع = ((شديد)) الإيجاع.
٠ ٠
٠

٤٧٥
تفسير سورة هود : ١٠٢
وهذا من اللّه تحذيرٌ لهذه الأمة ، (١) أن يسلكوا فى معصيته طريق من قبلهم
من الأمم الفاجرة ، فيحل بهم ما حلَّ بهم من المثُلات ، كما :- .
١٨٥٥٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو معاوية ، عن بريد بن
أبى بردة ، عن أبيه ، عن أبى موسى قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:
إن اللّه بُمْلى - ورُبْمًّا، قال: يمهل = الظالمَ، حتى إذا أخذه لم يُفْلِتُه. ثم قرأ:
((( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة)).(٢)
١٨٥٦٠ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
إن الله حذّر هذه الأمة سطوته، بقوله: ((وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى
وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد)).
٠
۵
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وهذا أمر من الله تحذير ... ))، والصواب حذف ((أمر))»
وكذلك فعلت .
(٢) الأثر: ١٨٥٥٩ - ((بريد بن بردة))، هو ((بريد بن عبد الله بن أبي بردة الأشعرى))،
يروى جده ((أبي بردة))، ثقة، روى له الجماعة، مترجم فى التهذيب، والكبير ٢ / ١ /١٤٠،
وابن أبى حاتم ١ / ١ / ٤٢٦ .
وقوله ((: عن أبيه))، يعنى عن ((أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى))، وهو جده. وهذا الخبر رواهـ
البخارى فى صحيحه (الفتح ٨: ٢٦٧)، ومسلم فى صحيحه ١٥ : ١٣٧، وابن ماجة فى سننه ص:
١٣٣٢، رقم: ٤٠١٨، والترمذى فى كتاب التفسير. وإسناد البخارى ومسلم: ((بريدة بن أبي بردة))
عن أبيه))، وإسناد بن ماجة ((بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة)) وعند الترمذى عن أبي كريب
عن أبى معاوية أيضاً، وهو إسناد الطبرى: بريد بن عبد اللّه، عن أبي بردة. وقد ذكر الحافظ ابن حجر
ذلك فقال: ((كذا وقع لأبى ذر، ووقع لغيره: " عن أبى بردة" بدل: "عن أبيه"، وهو أصوب،
لأن بريداً ، هوابن عبد الله بن أبي بردة، فأبو بردة جده لا أبوه، ولكن يجوز إطلاق الأب عليه مجازاً »
( الفتح ٨ : ٢٦٧) .
وقال الترمذى: (( هذا حديث حسن صحيح غريب، وقد روى أبو أسامة عن بريد ، نحوه وقال :
يملى. حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهرى، عن أبى أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن جده أبي بردة ،
عن أبى موسى، عن النبى صلى الله عليه وسلم، نحوه، وقال: يعلى، ولم يشك فيه)).
وكان هذا فى المخطوطة والمطبوعة: ((إن الله يمل = وربما أمهل، قال يمهل))، زاد ((أمهل))،
فحذفتها ، لأنها زيادة لا شك فى خطئها.
(أملى له)) أخره وأطال مدته، من ((الملاوة))، وهى المدة من الزمن. و((لم يفلته))، لم يعلقه،
ولم يخلصه من عقابه .

٧٦ ٤
تفسير سورة هود : ١٠٢، ١٠٣
وكان عاصم الجحدرىّ يقرأ ذلك: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ
القُرَى وَهِىَ ظَالِمَةٌ)، (١) وذلك قراءة لا أستجيز القراءة بها، لخلافها
مصاحف المسلمين ، وما عليه قرأة الأمصار .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَأَيَةً لِّمَنْ خَافَ
عَذَابَ الْأَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ
مَشْهُودٌ ﴾ (3)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن فى أخذنا من أخذنا من أهل القرى
التى اقتصصنا خبرها عليكم، أيها الناس = ((لآية))، يقول: لعبرة وعظة (٢)
٦٩/١٢ = لمن خاف عقاب الله وعذابه فى الآخرة من عباده، وحجةً عليه لربه، وزاجرًا
يزجره عن أن يعصى الله ويخالفه فيما أمره ونهاه.
٠٠٠
وقيل : بل معنى ذلك : إن فيه عبرة لمن خاف عذاب الآخرة ، بأن الله
سیفی له بوَعْده .
(١) كان فى المطبوعة: ((وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى)) وفى المخطوطة: ((وكذلك أخذ ربك
إذا أخذ القرى))، والذى فى المخطوطة، هو نفس التلاوة، ولذلك جعل الناشر ((إذ)) مكان ((إذا)).
ولكنى لما رأيت أبا جعفر ذكر خلافه لمصاحف المسلمين وكان فى المخطوطة: ((إذا)) قدرت أنه
الذى أثبت، وهى قراءة شاذة، رويت عن عاصم الجحدرى، وعن نافع (انظر القراءات الشاذه ، لابن
خالويه : ٦١).
وقرأ عاصم وطلحة بن مصرف: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخَذَ رَبُّكَ إذْ أَخَذَ القرَى﴾
وقرأ عاصم أيضاً: ﴿ وَ كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذْ أَخَذَ الْقُرَى﴾
فهى ثلاث قراءات عن عاصم الجدرى، أثبت أشدها خلافا لمصاحف المسلمين، وما عليه قرأة
الأمصار .
(٢) انظر تفسير ((آية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أبى).

٤٧٧
تفسير سورة هود : ١٠٣
. ذكر من قال ذلك :
١٨٥٦١ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد فى قوله :
((إن فى ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة))، إنا سوف نفى لهم بما وعدناهم فى
الآخرة ، كما وفينا للأنبياء : أنّا ننصرهم .
٥ ٠
٠
وقوله: ((ذلك يوم مجموع له الناس))، يقول تعالى ذكره : هذا اليوم
= يعنى يوم القيامة = ((يوم مجموع له الناس))، يقول: يحشر اللّه له الناس
من قبورهم ، فيجمعهم فيه للجزاء والثواب والعقاب = ((وذلك يوم مشهود ))،
يقول: وهو يوم تشهده الخلائق، لا يتخلّف منهم أحدٌ ، فينتقم حينئذ
ممن عصى الله وخالف أمره وكذّب رُسُلَه .
٠
٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٨٥٦٢ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم ، عن أبى بشر ، عن مجاهد
فى قوله: ((ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود))، قال: يوم القيامة.
١٨٥٦٣ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا هشيم ، عن أبى بشر ، عن
عكرمة ، مثله .
١٨٥٦٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال ،
حدثنا أبى = ، عن شعبة ، عن على بن زيد ، عن يوسف المكى ، عن ابن
عباس قال: ((الشاهد))، محمد = ((والمشهود))، يوم القيامة. ثم قرأ: ((ذلك
يوم مجموعٌ له الناس وذلك يوم مشهود)).
١٨٥٦٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا
حماد، عن على بن زيد، عن ابن عباس قال: ((الشاهد))، محمد = و((المشهود))
يوم القيامة. ثم تلا هذه الآية: ((ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود)).

٤٧٨
تفسير سورة هود : ١٠٣ - ١٠٧
١٨٥٦٦ - حدثت عن المسيب، عن جويبر، عن الضحاك قوله: ((ذلك
يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود))، قال : ذلك يوم القيامة ، يجتمع فيه
الخلق كلهم ، ويشهدُه أهل السماء وأهل الأرض .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَا نُوَّخِّرُهُ وَ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ) (]
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما نؤخر يوم القيامة عنكم أن نجيئكم
به إلاّ لأن يُقْضَى، فقضى له أجلاً فعدّه وأحصَاه، فلا يأتى إلا لأجله ذلك ،
لا يتقدم مجيئه قبل ذلك ولا يتأخر .
"القول فى تأويل قوله تعالى ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ إلَّا
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى
بِإِذْنِهِ ، فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ ()
◌َخْلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ
النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيقٌ (
السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّلٌ لِّمَا يُرِيدُ) ()
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يوم يأتى يوم القيامة ، أيها الناس ،
وتقوم الساعة، لا تكلّم نفس إلاَّ باذن رَبّها .
. ..
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((يوم يأتى)).
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة بإثبات الياء فيها: ﴿ يَوْمَ يَأْتِى لاَ تَكَلَمُ
نَفْسٌ﴾.
٠٠

٤٧٩
تفسير سورة هود : ١٠٥ - ١٠٧
وقرأ ذلك بعض قرأة أهل البصرة وبعض الكوفيين بإثبات الياء فيها فى الوصل
وحذفها فى الوقف .
وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بحذف الياء فى الوصل والوقف: ﴿يَوْمَ يَأْتِ
لاَ تَكَّ نَفْسٌ إلَّ بِإِذْنِهِ﴾.
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة فى ذلك عندى: (يَوْمَ يَأْتِ)
بحذف الياء فى الوصل والوقف ، اتباعًا لخطّ المصحف، وأنها لغة معروفة لهذيل،
تقول: ((مَا أدْرِ مَا تَقول))، ومنه قول الشاعر: (١)
كَفَّكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمَا جُوداً وأُخْرَىُعْطِ بِالسَّيْفِ الدِّمَا(٣)
وقيل: ((لاتكلم))، وإنما هى: ((لاتتكلم))، فحذف إحدى التاءين،
اجتزاء بدلالة الباقية منهما عليها .
...
وقوله: ((فمنهم شىّ وسعيد))، يقول: فمن هذه النفوس التى لا تكلم يوم
القيامة إلا بإذن ربها، شقىّ وسعيد = وعاد على ((النفس))، وهى فى اللفظ واحدة،
بذكر الجميع فى قوله: ((فمنهم شفى وسعيد )).
٠ ٠
يقول تعالى ذكره: ((فأما الذين شقوا فى النار لهم فيها زفير)) = وهو أوّل
نهُاق الحمار وشبهه = ((وشهيق))، وهو آخر نهيقه إذا ردّده فى الجوف عند
فراغه من هُقه ، كما قال رؤبة بن العجاج :
حَشْرَجَ فِ الجَوْفِ سَحِيلاً أَوْ شَهَقْ حَتَّى يُقَلَ نَامِقْ وَمَا نَهَقْ(٣)
(١) لم أعرف قائله .
(٢) معانى القرآن الفراء فى تغير الآية، اللسان (ليق)، يقال: ((ما يليق بكفه درهم))
(بفتح الياء) أى: ما يختبس = و ((ما يلقيه هو))، أى: ما يحبه.
(٣) ديوانه: ١٠٦، واللسان (حشرج)، وسيأتى فى التفسير ٢٩: ٤ (بولاق)، من

٤٨٠
تغير سورة هود : ١٠٥ - ١٠٧
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٨٥٦٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
٧٠/١٢
عن على، عن ابن عباس قوله: ((لهم فيها زفير وشهيق))، يقول: صوت شديدٌ،
وصوت ضعيف .
قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر، عن
١٨٥٦٨ -
أبيه، عن أبى العالية فى قوله: ((لهم فيها زفير وشهيق))، قال: ((الزفير))،
فى الحلق = و((الشهيق))، فى الصدر.
١٨٥٦٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
أبى جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبى العالية ، بنحوه .
١٨٥٧٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، أخبرنا عبد الرزاق. عن
معمر، عن قتادة قال : صوت الكافر فى النار صوت الحمار، أوّله زفير وآخره
شهيق :
١٨٥٧١ - حدثنا أبو هشام الرفاعى، ومحمد بن معمر البحرانى، ومحمد
ابن المثنى، ومحمد بن بشار قالوا ، حدثنا أبو عامر قال ، حدثنا سليمان بن سفيان
قال ، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ، عن عمر قال: لما نزلت هذه
الآية: ((فمنهم شفىّ وسعيد))، سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا نبي
اللّه، فعلام عَمَلُنا ؟ على شىء قد فرغ منه ، أم على شىء لم يفرغ منه ؟ قال :
فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: على شىء قد فُرِغ منه، يا عمر، وجرت
طويلته المشهورة ، يصف فيها حمار الوحش ، وبعده :
كَأنَهُ مُسْتَنْشِقٌ مِنِ الشَّرَقْ خُرًّا من الخَرْدَلِ مَكْرُوهَ الَّشَقْ
و((حشرج)) ردد الصوت فى حلقه ولم يخرجه. و((السحيل))، الصوت الذى يدور فى صدر
الحمار فى نهيقه .