Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
تفسير سورة هود : ١٧
يكفر ببعضه ، وهم اليهود والنصارى. قال : بلغنا أن نبى الله صلى الله عليه وسلم
كان يقول : لا يسمع بى أحدٌ من هذه الأمة، ولا يهودي ولا نصرانى، ثم يموت
قبل أن يؤمن بى ، إلاّ دخل النار .
١٨٠٧٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا يوسف بن عدى المصرى قال ،
أخبرنا ابن المبارك ، عن شعبة ، عن أبى بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن أبى
موسى الأشعرى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من سمع بى من أمتى ،
أو يهودي أو نصرانى، فلم يؤمن بى، لم يدخل الجنة . (١)
(١) الأثر: ١٨٠٧٩ - ((يوسف بن عدى المصرى))، هكذا فى المخطوطة غير منقوط،
وفى المطبوعة: ((النضرى)) ولا أدرى فى أين أتى بإعجامه هذا. والذى مر بنا فى الخبر رقم: ١٠٣٠٩،
رواية المثنى، عن يوسف بن عدى، عن ابن المبارك)) وظننت هناك أنه: ((يوسف بن عدى بن زريق
التيمى))، فلا أدرى ما هذه النسبة التى هنا، إلا أنى أظن أنها (المصرى))، لأن ((يوسف بن عدى))،
وإن يكن كوفياً ، إلا أنه سكن مصر، ومات بها سنة ٢٣٢.
وهذا الخبر رواه أحمد فى مسنده ٤ : ٣٩٦، عن طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبى
بشر، بهذا اللفظ . ومثله ٤ : ٣٩٨، من طريق عفان، عن شعبة.
وخرجه الهيشمى فى مجمع الزوائد ٨: ٢٦١، ٢٦٢، مطولاً، وفيه من قول أبى موسى الأشعرى:
((فقلت : ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا فى كتاب الله عز وجل، فقرأت فوجدت: ومن
يكفر به من الأحزاب فالدار موعده))، فهذا نحو ما قاله سعيد بن جبير فى الآثار السالفة . وقال الهيشى
بعد : ((رواه الطبرانى، واللفظ له. وأحمد بنحوه فى الروايتين، ورجال أحمد رجال الصحيح، والبزار
أيضاً باختصار)) .

٢٨٢
تفسير سورة هود : ١٨
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَىُ عَلَى
اللهِ كَذِبًا أُوْلَمْبِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ مَنْوَّلَآءِ
الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّلِمِينَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وأى الناس أشد تعذيبًا ممن اختلق على
الله كذباً فكذب عليه؟ (١) = ((أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد
هؤلاء الذين كذبوا على ربهم)) ، (٢) يعرضون يوم القيامة على ربهم ، فيسألهم
عما كانوا فى دار الدنيا يعملون ، كما : -
١٨٠٨٠ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قوله: (( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا))، قال: الكافر والمنافق
=((أولئك يعرضون على ربهم))، فيسألهم عن أعمالهم .
#
وقوله: ((ويقول الأشهاد))، يعنى الملائكة والأنبياء الذين شهدوهم وحفظوا
١٤/١٢ عليهم ما كانوا يعملون = وهم جمع ((شاهد))، مثل ((الأصحاب))، الذى هو
جمع ((صاحب)) = ((هؤلاء الذين كذبوا على ربهم))، يقول: شهد هؤلاء الأشهاد
فى الآخرة ، على هؤلاء المفترين على اللّه فى الدنيا، فيقولون : هؤلاء الذين كذبوا
فى الدنيا على ربهم. يقول الله: ((ألا لعنة الله على الظالمين))، يقول: ألا غضب
اللّه على المعتدين الذى كفرُوا بربّهم.
#
#
وبنحو ما قلنا فى قوله: ((ويقول الأشهاد ))، قال أهل التأويل.
(١) انظر تفسير ((افترى)) فيما سلف من فهارس اللغة (فرى)
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((يكذبون على ربهم))، والأجود أن تبقى على سياقه الآية.

٢٨٣
تفسير سورة هود : ١٨
* ذكر من قال ذلك :
١٨٠٨١ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء ، عن ابن
أبى نجيح، عن مجاهد: ((ويقول الأشهاد))، قال : الملائكة.
١٨٠٨٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال : الملائكة .
١٨٠٨٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
(( ويقول الأشهاد))، و((الأشهاد))، الملائكة ، يشهدون على بنى آدم بأعمالهم.
١٨٠٨٤ - حدثنى محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن قتادة: ((الأشهاد))، قال: الخلائق = أو قال: الملائكة.
١٨٠٨٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال": أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
معمر ، عن قتادة ، بنحوه .
١٨٠٨٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج: ((ويقول الأشهاد )) ، الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم فى الدنيا
= ((هؤلاء الذين كذبوا على ربهم))، حفظوه وشهدوا به عليهم يوم القيامة = قال
ابن جريج: قال مجاهد: ((الأشهاد))، الملائكة .
١٨٠٨٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى، عن سفيان ، قال : سألت
الأعمش عن قوله: ((ويقول الأشهاد))، قال: الملائكة
١٨٠٨٨ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال ،
حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((ويقول الأشهاد))،
يعنى الأنبياء والرسل، وهو قوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلَّ أَمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ
أَنْفُسِهُمْ وَجِثْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هُوَلاَءِ﴾، [ سورة النحل: ٨٩]. قال: وقوله :
((ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم)) ، يقولون: يا ربنا أتيناهم بالحق
فكذبوا ، فنحن نشهد عليهم أنهم كذبوا عليك ، يا ربنا .

1
٢٨٤
تفسير سورة هود : ١٨
١٨٠٨٩ - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا ابن أبى عدى، عن سعيد،
وهشام ، عن قتادة ، عن صفوان بن محرز المازنى قال : بينا نحن بالبيت مع
عبد الله بن عمر، وهو يطوف ، إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر، ما سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى النجوى؟ (١) فقال: سمعت نبى اللّه صلى
اللّه عليه وسلم يقول: يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنّفه فيقرّره بذنوبه،
فيقول : هل تعرف كذا ؟ فيقول : رب ، أعرف !(٢) مرتين، حتى إذا بلغ به ما
شاء الله أن يبلغ قال : فإنى قد سترتها عليك فى الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم .
قال: فيعطى صحيفة حسناته = أو: كتابه = بيمينه . وأما الكفار والمنافقون، فينادى
بهم على رؤوس الأشهاد: (( ألا هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على
الظالمين)) .(٣
١٨٠٩٠ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا ابن علية قال، حدثنا هشام ، عن
قتادة، عن صفوان بن محرز، عن ابن عمر، عن النبى صلى الله عليه وسلم، نحوه . (٤)
١٨٠٩١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة:
كنا نحدّث أنه لا يخزَى يومئذ أحدٌ ، فيخفى خزيُه على أحد ممن خلق الله =
أو : الخلائق .
٠
(١) مضى فى رقم: ٦٤٩٧: ((أما سمعت)).
(٢) مضى فى رقم: ٦٤٩٧: ((رب اغفر))، مكان ((رب أعرف)).
: (٣) الأثر: ١٨٠٨٩ - مضى هذا الخبر بإسناده، وتخريجه فى رقم: ٦٤٩٧ (ج ٦ : ١١٩،
١٢٠ ) .
(٤) الأثر: ١٨٠٩٠ - مضى هذا الإسناد برقم: ٦٤٩٧، أيضاً.

٢٨٥
تفسير سورة هود : ٢٠،١٩
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ
وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْأَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ألا لعنة الله على الظَّالمين الذين يصدّون
الناسَ عن الإيمان به ، والإقرار له بالعبودة ، وإخلاص العبادة له دون الآلهة
والأنداد ، من مشركى قريش ، وهم الذين كانوا يفتنون عن الإسلام من دخل
فيه(١) = ((ويبغونها عوجاً))، يقول: ويلتمسون سبيل اللّه، وهو الإسلام الذى
دعا الناس إليه محمد ، (٢) يقول: زيغًا وميلاً عن الاستقامة(٣) = ((وهم بالآخرة
هم كافرون ))، يقول : وهم بالبعث بعد الممات ، مع صدهم عن سبيل الله ،
وبغيهم إياها عوجًا = ((كافرون))، يقول : هم جاحدون ذلك منكرون .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أُوْلَمْبِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ
فِى اْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَآءٌ يُضَعَفُ لَهُمُ
الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ الَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر: يعنى جل ذكره بقوله: ((أولئك لم يكونوا معجزين فى
الأرض )) ، هؤلاء الذين وصف جل ثناؤه أنهم يصدّون عن سبيل الله ، يقول جل
ثناؤه : إنهم لم یکونوا بالذی یُعجِزون ربھّم بہربهم منه فى الأرض إذا أراد عقابهم
والانتقام منهم ، ولكنهم فى قبضته وملكه ، لا يمتنعون منه إذا أرادهم ، ولا يفوتونه
(١) انظر تفسير ((الصد)) فيما سلف ١٤: ٢١٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((بغى)) فيما سلف ١٤: ٢٨٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير ((سبيل الله)) فيما سلف من فهارس اللغة (سبل).
(٣) انظر تفسير ((العوج)) فيما سلف ٧: ٥٣، ١٢/٥٤ : ٤٤٨، ٥٥٩.
١٥/١٢

٢٨٦
تفسير سورة هود : ٢٠
هربًا إذا طلبهم (١) = (( وما كان لهم من دون الله من أولياء))، يقول : ولم يكن
لهؤلاء المشركين إذا أراد عقابهم من دون الله، أنصارٌ ينصرونهم من اللّه، (٢)
ويحولون بينهم وبينه إذا هو عذبهم ، وقد كانت لهم فى الدنيا مَنْعَة يمتنعون بها
ممن أرادهم من الناس بسوء = وقوله: ((يضاعف لهم العذاب))، يقول تعالى ذكره :
يزاد فى عذابهم، فيجعل لهم مكان الواحد اثنان . (٣)
وقوله: (( ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون))، فإنه اختلف فى
تأويله .
فقال بعضهم : ذلك وصَفَ اللّه به هؤلاء المشركين، أنه قد ختم على سمعهم
وأبصارهم ، وأنهم لا يسمعون الحق ، ولا يبصرون حجج اللّه ، سَمَاعَ منتفع،
ولا إبصار مهتدٍ .
* ذكر من قال ذلك :
١٨٠٩٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون))، صم عن الحقّ فما
يسمعونه ، بُكم فما ينطقون به ، عمى فلا يبصرونه ولا ينتفعون به .
١٨٠٩٣ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: (( ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون))، قال :
ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا خيرًا فينتفعوا به، ولا يبصروا خيرًا فيأخذوا به .
١٨٠٩٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية ، عن على ، عن ابن عباس قال : أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل
الشرك، وبين طاعته فى الدنيا والآخرة. أما فى الدنيا، فإنه قال: (( ما كانوا
(١) انظر تفسير ((الإعجاز)) فيما سلف ص: ١٠٢، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الولى)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).
(٣) انظر تفسير ((المضاعفة)) فيما سلف ١٢ : ٤١٧ - ٤١٩.

٢٨٧
تفسير سورة هود : ٢٠
يستطيعون السمع))، وهى طاعته = (( وما كانوا يبصرون)). وأما فى الآخرة ، فإنه
قال: ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ( خَاشِعَةَ﴾، [ سورة القلم: ٤٢، ٤٣].
#
وقال آخرون: إنما عنى بقوله: ((وما كان لهم من دون اللّه من أولياء))، آلهة"
الذين يصدون عن سبيل الله. وقالوا: معنى الكلام: أولئك وآلهتهم، (( لم يكونوا
معجزين فى الأرض يضاعَفُ لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا
يبصرون ))، يعنى الآلهة، أنها لم يكن لها سمعٌ ولا بصر. وهذا قولٌ روى عن
ابن عباس من وجه كرهت ذكره لضعْفٍ سَنّده .
وقال آخرون : معنى ذلك يُضَاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع
ولا يسمعونه ، وبما كانوا يبصرون ولا يتأمَّلون حجج الله بأعينهم فيعتبروا بها .
قالوا: و((الباء))، كان ينبغى لها أن تدخل، لأنه قد قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
بِمَا كَانُوا يَكْذِ بُون﴾، [ سورة البقرة: ١٠]، بكذبهم، فى غير موضع من التنزيل
أُدخلت فيه ((الباء))، وسقوطها جائز فى الكلام، كقولك فى الكلام: ((لأجزينَّك
ما عملت ، وبما عملت))، (١) وهذا قول قاله بعض أهل العربية .
...
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندنا ، ما قاله ابن عباس
وقتادة ، من أن الله وصفهم تعالى ذكره بأنهم لا يستطيعون أن يسمعوا الحق سماع
منتفع ، ولا يبصرونه إبصار مهتد ، لاشتغالهم بالكفر الذى كانوا عليه مقيمين ،
عن استعمال جوارحهم فى طاعة اللّه ، وقد كانت لهم أسماعٌ وأبصارٌ .
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((كقولك فى الكلام: لا حن بما فيك ما علمت وبما علمت))، وهذا
كلام يبرأ بعضه من بعض، والظاهر أن الفساد كله من الناسخ، لأنه كتب ((لاحن)» فى آخر
الصفحة، ثم قلب، وبدأ الصفحة الأخرى. ((بما فيك ما عملت))، وهذا عجب . والصواب الذى أثبته،
هو نص كلام الفراء فى معانى القرآن .

٢٨٨
تفسير سورة هود ٢٢،٢١
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أُوْلَكَبِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ
وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين هذه صفتهم ، هم الذين
غِّبَنُوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله (١) = ((وضل عنهم ما كانوا يفترون))،
وبطل كذبهم وإفكهم وفريتهم على اللّه، (٢) بادعائهم له شركاء ، فسلك ما كانوا
يدعونه إلهًا من دون الله غير مسلكهم، وأخذ طريقًا غير طريقهم، فضَلّ
عنهم ، لأنه سلك بهم إلى جهنم ، وصارت آلهتهم عدمًا لا شىء ، لأنها كانت
فى الدنيا حجارة أو خشبًا أو نحاسًا = أو كان لله وليًّا فسلك به إلى الجنة.
وذلك أيضًا غير مسلكهم ، وذلك أيضًا ضلالٌ عنهم .
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الْأَخِرَةِ هُمُ
٠٠,٥٤٥
اُلْأَخْسَرُونَ﴾ ٣)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : حقًّا إن هؤلاء القوم الذين هذه صفتهم
فى الدنيا وفى الآخرة هم الأخسرون الذين قد باعوا منازلهم من الجنان ، بمنازل
أهل الجنة من النار ، وذلك هو الخسران المبين .
٠ ٠ ٥
وقد بينا فيما مضى أن معنى قولهم: ((جرَمتُ))، كسبت الذنب، و((جرمته))، (٣)
(١) انظر تفسير ((الخسران)) فيما سلف من فهارس اللغة (خسر).
(٢) انظر تفسير ((الضلال)) و((الافتراء)) فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل)، (فرى).
(٣) انظر ما سلف ٩ :٤٨٣٠ - ١٠/٤٨٥: ٩٥، وكان فى المطبوعة: ((جرمت))
((أجرمته)) بالألف، والصواب ما فى المخطوطة، وهو مطابق لما فى معانى القرآن.

٢٨٩
تفسير سورة هود : ٢٣،٢٢
وأن العرب كثر استعمالها إياه فى مواضع الأيمان، (١) وفى مواضع ((لا بد))،
كقولهم: ((لا جرم أنك ذاهب))، بمعنى: ((لا بد ))، حتى استعملوا ذلك فى
مواضع التحقيق، فقالوا: ((لاَجرَم لتقومن))، بمعنى: حَقًّا لتقومن. (٢) ١٦/١٢
فمعنى الكلام : لا منع عن أنهم، ولا صدَّ عن أنهم .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ وَأَخْبَنُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَتْبِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ
فِيهَا خَلِدُونَ﴾
٢٣
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن الذين صدقوا الله ورسوله ، وعملوا
فى الدنيا بطاعة الله = ((وأخبتوا إلى ربهم)).
واختلف أهل التأويل فى معنى ((الإخبات)).
فقال بعضهم : معنى ذلك: وأنابوا إلى ربهم
ذكر من قال ذلك :
١٨٠٩٥ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (( إن الذين آمنوا وعملوا
الصالحات وأخبتوا إلى ربهم))، قال: ((الإخبات))، إلانابة .
١٨٠٩٦ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة :
قوله: (( وأخبتوا إلى ربهم))، يقول: وأنابوا إلى ربهم.
#
#
(١) انظر ما سلف ٩: ٤٨٣، ولكنى لم أجد هناك هذا التفصيل الذى ذكره بعد، ولا أظنه مر
شىء منه ، إلا أن يكون فاتنى تقييده . وأخشى أن يكون سهواً من أبى جعفر .
(٢) انظر معانى القرآن للفراء فى تفسير هذه الآية، وهذا بعض كلامه .
ج ١٥ (٢٠)

٢٩٠
تفسير سورة هود : ٢٣
وقال آخرون : معنى ذلك : وخافوا .
* ذكر من قال ذلك :
١٨٠٩٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية ، عن على ، عن ابن عباس فى قوله: ((وأخبتوا إلى ربهم )) ، يقول :
خافوا .
وقال آخرون : معناه : اطمأنوا .
ذكر من قال ذلك :
#
١٨٠٩٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى = وحدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء =
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وأخبتوا إلى ربهم)) ، قال : اطمأنوا .
١٨٠٩٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٨١٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .
وقال آخرون : معنى ذلك : خشعوا
* ذكر من قال ذلك :
١٨١٠١٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن قتادة: ((وأخبتوا إلى ربهم))، ((الإخبات))، التخشَّع والتواضع.
...
قال أبو جعفر : وهذه الأقوال متقاربة المعانى ، وإن اختلفت ألفاظها ،
لأن الإنابة إلى الله من خوف اللّه، ومن الخشوع والتواضع لله بالطاعة، والطمأنينة
إليه من الخشوع له، غير أن نفس (( الإخبات))، عند العرب: الخشوع والتواضع.

٢٩١
تفسير سورة هود : ٢٤،٢٣
وقال: ((إلى ربهم))، ومعناه: وأخبتوا لربهم. وذلك أن العرب تضع ((اللام))،
موضع ((إلى)) و((إلى)) موضع ((اللام)) كثيرًا، كما قال تعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ
أُوْحَى لَهَا ﴾، [ سورة الزلزلة : ٥] ، بمعنى : أوحی إليها . وقد يجوز أن يكون قيل
ذلك كذلك ، لأنهم وُصفوا بأنهم عَمَدوا بإخباتهم إلى اللّه.
٠ ٠
وقوله: (( أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون))، يقول : هؤلاء الذين
هذه صفتهم ، هم سكان الجنة الذين لا يخرجُون عنها ، ولا يموتون فيها ، ولكنهم
فيها لا بثُون إلى غير نهاية .(١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ
وَالْبَصِيرِ وَالسّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلَا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٦)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : مثل فريقى الكفر والإيمان ، كمثل
الأعمى الذى لا يرى بعينه شيئًا ، والأصمّ الذى لا يسمع شيئًا، فكذلك فريق
الكفر لا يبصر الحق فيتبعه ويعمل به ، لشغله بكفره باللّه، وغلبة خذلان اللّه
عليه ، لا يسمع داعى اللّه إلى الرشاد، فيجيبه إلى الهدى فيهتدى به ، فهو مقيمٌ
فى ضلالته ، يتردّد فى حيرته. والسميع والبصير فذلك فريق الإيمان، (٢) أبصر
حجج الله، وأقر بما دلت عليه من توحيد اللّه، والبراءة من الآلهة والأنداد ، ونبوة
الأنبياء عليهم السلام ، وسمعَ داعى اللّه فأجابه، وعملَ بطاعة الله، كما : -
١٨١٠٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج، عن
ابن جريج قال، قال ابن عباس: ((مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير
(١) انظر تفسير ((أصحاب الجنة)) و((الخلود)) فى فهارس اللغة (صحب)، (خلد).
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فكذلك فريق الإيمان))، وكأن الصواب ما أثبت.

٢٩٢
تفسير سورة هود : ٢٤
والسميع))، قال: ((الأعمى)) و((الأصم))، الكافر= و((البصير)) و((السميع))،
المؤمن .
١٨١٠٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع» ،
الفريقان ، الكافران والمؤمنان . فأما الأعمى والأصم فالكافران ، وأما البصير
والسميع ، فهما المؤمنان .
١٨١٠٤ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع))، الآية، هذا مثلٌ ضربه اللّه
للكافر والمؤمن . فأما الكافر فصم عن الحق فلا يسمعه ، وعمى عنه فلا يبصره .
وأما المؤمن ، فسمع الحق فانتفع به ، وأبصره فوعاه وحفظه وعمل به .
يقول تعالى: ((هل يستويان مثلاً))، يقول : هل يستوى هذان الفريقان على
١٧/١٢ اختلاف حالتيهما فى أنفسهما عندكم، أيها الناس ؟ فإنهما لا يستويان عندكم،
فكذلك حال الكافر والمؤمن لا يستويان عند الله = ((أفلا تذكرون))، يقول
جل ثناؤه : أفلا تعتبرون ، أيها الناس ، وتتفكرون ، فتعلموا حقيقة اختلاف
أمريهما ، فتنزجروا عما أنتم عليه من الضلال إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان ؟
= فالأعمى والأصم ، والبصير والسميع ، فى اللفظ أربعة ، وفى المعنى اثنان .
ولذلك قيل : ((هل يستويان مثلاً)) .
وقيل: ((كالأعمى والأصم))، والمعنى: كالأعمى الأصمّ". وكذلك قيل:
((والبصير والسميع))، والمعنى: البصير السميع، كقول القائل: ((قام الظريف
والعاقل ))، وهو ينعت بذلك شخصاً واحداً

٢٩٣
تفسير سورة هود : ٢٦،٢٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَقَدَ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ م٢
أَن لَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ اللهَ إِنِّىّ أَخَافُ
٢٥
عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾(٥)
إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ه
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه : إنى لكم ،
أيها القوم ، نذيرٌ من اللّه، أنذركم بأسته على كفركم به ، فآمنوا به وأطيعوا
أمره .
ويعنى بقوله: ((مبين))، يبين لكم عمّا أرسل به إليكم من أمر الله ونهيه. (١)
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((إنى)).
فقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة وبعض المدنيين بكسر ((إنّ)) على وجه الابتداء
إذا كان فى ((الإرسال))، معنى: ((القول)).
٠
وقرأ ذلك بعض قرأة أهل المدينة والكوفة، والبصرة بفتح ((أن))، على إعمال
((الإرسال)) فيها، كأنّ معنى الكلام عندهم: لقد أرسلنا نوحا إلى قومه بأنىّ
لكم نذير مبين .
#
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال : إنهما قراءتان
متفقتا المعنى ، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرأة، فبأيّتهما قرأ القارئ
كان مصيباً للصواب فى ذلك .
#
#
وقوله: (أن لا تعبدوا إلا الله))، فمن كسر الألف فى قوله: ((إنى))، جعل
قوله: ((أرسلنا))، عاملاً فى ((أنْ)) التى فى قوله: ((أن لا تعبدوا إلا الله))، ويصير
(١) انظر تفسير ((نذير)) و((مبين)) فيما سلف من فهارس اللغة (نذر)، ( بين).

٢٩٤
تفسير سورة هود : ٢٦،٢٥
المعنى حينئذ: ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه أن لا تعبدوا إلا اللّه، وقل لهم : إنى لكم
نذير مبين = ومن فتحها ردّ ((أنْ)) فى قوله: ((أن لا تعبدوا))، عليها . فيكون
المعنى حينئذ: لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه بأنى لكم نذير مبين ، بأن لا تعبدوا إلا الله.
*
ويعنى بقوله: [ بأن لا تعبدوا إلا اللّه، أيها الناس]، عبادة الآلهة والأوثان، (١)
وإشراكها فى عبادته ، وأفردوا اللّه بالتوحيد ، وأخلصوا له العبادة ، فإنه لا شريك
له فى خلقه .
*
وقوله: ((إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم))، يقول: إنى، أيها القوم، إن
لم تخصُّوا اللّه بالعبادة، وتفردوه بالتوحيد ، وتخلعوا ما دونه من الأنداد والأوثان
= أخاف عليكم من اللّه عذابَ يوم مؤلم عقابُه وعذابُه لمن ◌ُعُذِّب فيه .
وجعل ((الأليم))، من صفة ((اليوم)) وهو من صفة ((العذاب))، إذ كان
العذاب فيه، كما قيل: ﴿ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنَا﴾، [سورة الأنعام: ٩٦]، وإنما
(( السكن)) من صفة ما سكن فيه ، دون الليل .
#
#
*
(١) هكذا جاءت الجملة فى المخطوطة والمطبوعة، والسقط فيها ظاهر بين، وكأن الصواب إن
شاء الله:
(( ويعنى بقوله: " أن لا تَعبدوا إلاَّ الله"، أى: اتركوا عبادة الآلهة ... ))

٢٩٥.
تفسير سورة هود : ٢٧
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن
قَوْمِهِ ثُ مَا نَرَبُكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَبُكَ أَنَّبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ
أَرَادِلُنَا بَادِىَ الرَّأْىِ وَمَا نَرَىُ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ، بَلْ نَظُكُمْ
كَذِبِينَ﴾.
٢٧
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فقال الكبراء من قوم نوح وأشرافهم
= وهم ((الملأ)) (١) = الذين كفروا بالله وجحدوا نبوّة نبيهم نوح عليه السلام = ((ما
نراك))، يا نوح، ((إلا بشرا مثلنا))، يعنون بذلك: أنه آدمى مثلهم فى الخلق والصُّورة
والجنس ، كأنهم كانوا منكرين أن يكون اللّه يرسل من البشر رسولاً إلى خلقه. (٢)
#
وقوله: (( وما نراك اتَّبعك إلاّ الذين هم أراذلنا بادى الرأى))، يقول: وما
تراك اتبعك إلا الذين هم سفلتنا من الناس ، دون الكبراء والأشراف ، فيما نرى
ویظهر لنا .
#
#
وقوله: ((بادى الرأى )) ، اختلفت القرأة فى قراءته .
فقرأته عامة قرأة المدينة والعراق: ﴿بَادِىَ الرَّأَىِ﴾ بغير همز ((البادى))
وبهمز ((الرأى))، بمعنى: ظاهر الرأى، من قولهم: ((بدا الشىء يبدو))، إذا
ظهر ، كما قال الراجز : (٣)
أُضْحَی ◌ِالِ شَبَهِىَ بَادِى بَدِی
وَصَارَ لِلْفَحْلِ لِسَانِى وَيَدِى(٤)
(١) انظر تفسير ((الملأ)) فيما سلف ص: ١٧٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((البشر)) فيما سلف ١١: ٥٢١، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) أبو نخيلة السعدى.
(٤) هذا الرجز والذى يليه، من رجز أبى نخيلة السعدى، لا شك فى البيت الثانى منهما ،
أما الأول فإنى أرتاب فى صحة إنشاده، على الوجه الذى أنشده الفراء فى معانى القرآن. وقد خرج هذا الرجز،

٢٩٦
تفسير سورة هود : ٢٧
((بادى بدى)) ، بغير همز ، وقال آخر :
• وقَدْ عَلَتْنِ ذُرْأَةٌ بادِی بَدِی ه (١)
وقرأ ذلك بعض أهل البصرة: ﴿بَادِئَ الرَّأْىِ ﴾، مهموزاً أيضًا، بمعنى:
مبتدأ الرأى ، من قولهم: ((بدأت بهذا الأمر)) ، إذا ابتدأت به قبل غيره .
٠
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب فى ذلك عندنا، قراءة من قرأ: (بَادِىَ
الرَّأَىِ)، بغير همز (البادى))، وبهمز ((الرأى))، لأن معنى ذلك الكلام:
إلا الذين هم أراذلنا ، فى ظاهر الرأى ، وفيما يظهر لنا .
وقوله: (( وما نرى لكم علينا من فضل))، يقول: وما نتبين لكم علينا من فضل
١٨/١٢
تلتموه بمخالفتكم إيانا فى عبادة الأوثان، إلى عبادة الله وإخلاص العبودة له، فنتبعكم
#
صديقنا وشيخنا عبد العزيز الميمنى الراجكرقى فى سمط اللآلىء : ٢٩٣، ٤٨٠، وفى اللسان (ذراً)،
وتهذيب إصلاح المنطق ٢ : ٣٢، وسيبويه ٢: ٥٤، ونوادر اليزيدى: ١٢٨، والأغانى (ساسى)
١٨ : ١٥١، وتاريخ ابن عساكر ٢: ٣٢١ = وأزيد، تاريخ الطبرى ٩: ٢٧٣، والمعانى الكبير:
١٢٢٣، والفراء فى معانى القرآن، ومجاز القرآن ١: ٢٨٨، واللسان (بدا)، والأبيات هى :
وَقَد عَلَتْنِ ذُرْأَةٌ بَادِى بَدَى
كَيْفَ التِّصَابِفِعْلَ مَنْ لمَ يَهَتْدِ
بَعْدَ انْتِهَاضِ فىِ الشَّبَابِ الْأَمْلَةِ
وَرَفْيَةٌ تَنْهَضُ فِى تَشَدُّدِى
وَبَعْدَ مَا أَذْكُرُ مِنْ تَأَؤُّدِى وَبَعْدَ تَمْثَائِىِ وتَطْرِيحِى يَدِى
وَمِشْيِى تَحْتَ الغُدَافِ الأسْوَدِ
وذكرها صاحب اللسان فى (بدا)، والتبريزى فى تهذيب إصلاح المنطق، وزاد بعد قوله ((ورثية
تنهض فى تشددى )).
وَصَارَ للفَحْلِ لِسَانِ وَ يدِى.
#
أما البيت الأول، فلم أجده فى مكان، وأخشى أن تكون ((بادى بدى)) فيه ، موضوعة مكان كلمة
أخرى، ولا شك أن موضع هذين البيتين، ليس فى الموضع الذى وضع أحدهما فيه صاحب اللسان والتبريزى.
(١) انظر التعليق السالف. و((الذرأة)) (بضم فسكون)، الشيب فى مقدم الرأس.

٢٩٧
تفسير سورة هود : ٢٨،٢٧
طلبَ ذلك الفضل، وابتغاءَ ما أصبتموه بخلافكم إيانا = ((بل نظنكم كاذبين)).
وهذا خطاب منهم لنوحٍ عليه السلام، وذلك أنهم إنما كذبوا نوحاً دون أتباعه،
لأن أتباعه لم يكونوا رُسلاً . وأخرج الخطابَ وهو واحد مخرج خطاب الجميع ،
كما قيل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءِ﴾، [سورة الطلاق: ١].
#
قال أبو جعفر: وتأويل الكلام بل نظنّك، يا نوح، فى دعواك أن اللّه ابتعاك
إلينا رسولاً ، كاذبًا .
وبنحو ما قلنا فى تأويل قوله: (( بادى الرأى)) ، قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٨١٠٥ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج، عن
ابن جريج، عن عطاء الخراسانى ، عن ابن عباس قوله: (( وما نراك اتبعك إلا
الذين هم أراذلنا بادى الرأى)) ، قال : فيما ظهر لنا .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنْتُ
عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَاتَنْنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ ، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ
أَنُلْزِ مُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كُرِهُونَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره ، مخبرًا عن قيل نوح لقومه إذ كذبوه ،
ورد وا عليه ما جاءهم به من عند الله من النصيحة: (( يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة
من ربى))، على علم ومعرفةٍ وبيان من اللّه لى ما يلزمنى له، ويجب علىّ من

٢٩٨
تفسير سورة هود : ٢٨
إخلاص العبادة له، وترك إشراك الأوثان معه فيها = ((وآ تانى رحمة من عنده))،
يقول : ورزقنى منه التوفيق والنبوّة والحكمة، فآمنت به وأطعته فيما أمرنى ونهانى (١)
= ((فعميت عليكم)).
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض أهل البصرة والكوفة : ﴿ فَعَمِيَتْ﴾،
بفتح العين ، وتخفيف الميم ، بمعنى: فعَميت الرحمة عليكم فلم تهتدوا لها ، فتقرّوا
بها ، وتصد قوا رسولکم عليها .
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿فَمُِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ ، بضم العين وتشديد
الميم ، اعتبارًا منهم ذلك بقراءة عبد اللّه، وذلك أنها فيما ذكر فى قراءة عبد الله:
﴿فَعَمَّهَ عَلَيْكُمْ﴾ .
#
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين فى ذلك عندى بالصواب، قراءةُ من قرأه :
﴿فَعُدِيَتْ عَلَيْكُمْ﴾، بضم العين وتشديد الميم، الذى ذكروا من العلة لمن قرأ به ،
ولقربه من قوله: ((أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتانى رحمة من عنده))،
فأضاف ((الرحمة))، إلى اللّه، فكذلك ((تعميته على الآخرين))، بالإضافة
إليه أولى .
٠
#
وهذه الكلمة مما حوَّلت العرب الفعل عن موضعه . وذلك أن الإنسان هو الذى
يعمى عن إبصار الحق، إذ يعمى عن إبصاره. و((الحق)) ، لا يوصف بالعمى ،
إلا على الاستعمال الذى قد جرى به الكلام . وهو فى جوازه لاستعمال العرب
إياه، نظيرُ قولهم: ((دخل الخاتم فى يدى، والخف فى رجلى))، ومعلوم أن الرجل هى
(١) انظر تفسير ما سلف من ألفاظ الآية فى فهارس اللغة.
٠

٢٩٩
تفسير سورة هود : ٢٨
التى تدخل فى الخفّ ، والإصبع فى الخاتم ، ولكنهم استعملوا ذلك كذلك ، لما
كان معلومًا المرادُ فيه.(١)
#
وقوله: ((أنلزمكموها وأنتم لها كارهون))، يقول: أنأخذكم بالدخول فى
الإسلام، وقد عماه الله عليكم = ((وأنتم لها كارهون))، (٢) يقول: وأنتم الإلزامنا كُوها
= ((كارهون))، يقول: لا نفعل ذلك، ولكن نكل أمركم إلى الله، حتى يكون
هو الذى يقضى فى أمركم ما يرى ويشاء. (٣)
...
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل
* ذكر من قال ذلك :
١٨١٠٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج، عن
ابن جريج، قال نوح: (( يا قوم إن كنت على بينة من ربى ))، قال : قد
عرفتها، وعرفت بها أمره، وأنه لا إله إلا هو = ((وآتانى رحمة من عنده))،
الإسلام والهدى والإيمان والحكم والنبوّة.
١٨١٠٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((أرأيتم إن كنت على بينة من ربى))، الآية، أما والله لو استطاع نبىُّ
اللّه صلى اللّه عليه وسلم لألزمها قومه ، ولكن لم يستطع ذلك ولم يملكه .
١٨١٠٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى قال ، حدثنا سفيان، عن
داود ، عن أبى العالية قال: فى قراءة أبىّ: ﴿أَنْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْرِ أَنْفُسِمَا
وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾.
١٨١٠٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
(١) هذا اختصار مقالة الفراء فى معانى القرآن، فى تفسير الآية.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((عليكم لها كارهون))، والجيد ما أثبت، بزيادة: ((وأنّ)).
(٣) انظر تفسير ((الكره)) فيما سلف من فهارس اللغة ( كره).

٣٠٠
تفسير سورة هود : ٢٩،٢٨
الزبير ، عن ابن عيينة قال ، أخبرنا عمرو بن دينار قال ، قرأ ابن عباس :
(أَنْزِ مُكُمُوهَا مِنْ شَطْرِ أَنْفُسِناَ﴾، قال، عبد الله: ((من شطْر أنفسنا))، من
تلقاء أنفسنا .
١٨١١٠ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا ابن عيينة ،
عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس ، مثله .
١٩/١٢
١٨١١١ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان ،
عن داود بن أبى هند، عن أبى العالية، عن أبىّ بن كعب: ﴿أُنْزِ مُكُمُوهَا
مِنْ شَطْرِ قُلُوبِنَا وَأُنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾.(١)
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَيَقَوْمِ لَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا
إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُمْ
مُلَقُواْ رَبِّهِمْ وَلَكِّىَ أَرَبُّكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (@)
قال أبو جعفر: وهذا أيضًا خبرٌ من الله عن قيل نوح لقومه، أنه قال لهم:
يا قوم لا أسألكم على نصيحتى لكم ، ودعايتكم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة
له، مالاً أجرًا على ذلك، فتتهمونى فى نصيحتى ، وتظنون أن فعلى ذلك طلبُ
عرض من أعراض الدنيا = ((إن أجرى إلاّ على اللّه))، يقول : ما ثواب نصيحتى
لكم، ودعايتكم إلى، ما أدعوكم إليه، إلاَّ على اللّه، فإنه هو الذى يجازينى
ويشيبنى عليه = ((وما أنا بطارد الذين آمنوا))، وما أنا بمقص من آمن بالله ،
(١) هذه القراءة التى مرت فى الأخبار السالفة، بالزيادة فى الآية، قراءه شاذة لزيادتها على
المصحف، لا يحل لأحد أن يقرأ بها. وظنى أن قوله: ((من شطر أنفسنا))، أو: ((من شطر قلوبنا))
تفسير مدرج فى كتابة الآية ، وليس قراءة .