Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
تفسير سورة يونس : ٦٤
= ومنها بشرى اللّه إياه ما وعده فى كتابه وعلى لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم من
الثواب الجزيل ، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ
لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية، [سورة البقرة: ٢٥].
= وكل هذه المعانى من بُشرى اللّه إياه فى الحياة الدنيا، بشره بها . ولم يخصص
الله من ذلك معنى دون معنى، فذلك مما عمَّه جل ثناؤه : أن لهم البشرى فى الحياة
الدنيا ))، وأما فى الآخرة فالجنة .
#
وأما قوله: ((لا تبديل لكلمات اللّه))، فإن معناه: أن الله لا خُلْفَ لوعده،
ولا تغيير لقوله عما قال، ولكنه يُمْضى لخلقه مواعيدَه وينجزها لهم، (١) وقد :-
١٧٧٥٩ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن أيوب ،
عن نافع قال : أطال الحجاج الخطبة ، فوضع ابن عمر رأسَه فى حجرى. فقال
الحجاج : إن ابن الزبير بدّل كتاب اللّه ! فقعد ابن عمر فقال : لا تستطيع
أنت ذاك ولا ابن الزبير ! لا تبديل الكلمات الله! فقال الحجاج : لقد أوتيت
علماً إن نفعك! (٢) = قال أيوب: فلما أقبل عليه فى خاصَّة نفسه سكَتَ . (٣)
٠
٩٧/١١
(١) انظر تفسير ((تبديل الكلمات)) فيما سلف ١٢: ٦٢، تعليق: ١، ٣، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((لقد أوتيت علماً أن تفعل))، وهو بين الفساد، صوابه من
المستدرك الحاكم .
(٣) الأثر: ١٧٧٥٩ - رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٣٣٩، ٣٤٠، من طريق أبي النعمان،
عن إسماعيل بن علية، عن أيوب، بمثله، ليس فيه كلمة أيوب. وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين، ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي.
وهذا خبر عظيم القدر فيه أخلاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ظاهرة كما علمهم رسولهم ،
من ترك هيبة الجبابرة ، ومن إنكار المنكر من القول والعمل، ومن اليقظة لمعانى الكلام ومقاصد الأعمال ،
ومن تعليم الناس جهرة أخطاء أمرائهم والولاة عليهم ، ومن الصبر على أذى هؤلاء الجبابرة إذا كان الأذى
يمسهم فى خاصة أنفسهم. فأما إذا كان الأمر أمر الله وأمر رسوله، وأمر الكتاب المنزل بالحق إلى الديانين
والجبابرة جميعاً، يأمراهم وينهاهم على السواء، فهم لا يخافون جباراً قد عود سيفه سفح الدماء ، ودرب
لسانه على اللذع والقرص واللجاجة. فرحم الله أمة كان هؤلاء النبلاء، أثمتها وهداتها!

١٤٢
تفسير سورة يونسى : ٦٤ ، ٦٥
وقوله: (( ذلك هو الفوز العظيم)) ، يقول تعالى ذكره : هذه البشرى فى
الحياة الدنيا وفى الآخرة = ((وهى الفوز العظيم))، يعنى الظفر بالحاجة والطّبة
والنجاة من النار . (١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ
الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٥)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا يحزنك ،
يا محمد ، قول هؤلاء المشركين فى ربهم ما يقولون ، وإشراكهم معه الأوثان
والأصنام (٢) = فإنّ العزة لله جميعاً، يقول تعالى ذكره: فإن الله هو المنفرد بعزة
الدنيا والآخرة، لا شريك له فيها، وهو المنتقم من هؤلاء المشركين القائلين فيه من
القول الباطل ما يقولون، فلا ينصرهم عند انتقامه منهم أحدٌ، لأنه لا يُعَازُّه شىءٍ (٣)
=(هو السميع العليم))، يقول: وهو ذو السمع لما يقولون من الفرية والكذب عليه، وذو
علم بما يضمرونه فى أنفسهم ويعلنونه ◌ُمُحْصَّى ذلك عليهم كله، وهو لهم بالمرصاد. (٤)
*
وكسرت ((إن)) من قوله: ((إن العزة لله جميعاً))، لأن ذلك خبرٌ من الله
مبتدأ، ولم يعمل فيها ((القول))، لأن ((القول)) عنى به قول المشركين ، وقوله :
(((إن العزة لله جميعاً))، لم يكن قيل من المشركين، ولا هو خبرٌ عنهم أنهم قالوه. (٥)
(١) انظر تفسير (الفوز)» فيما سلف ١٤: ٤٣٩، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الحزن)) فيما سلف ١٠: ٢٠٨، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((العزة)) فيماسلف ١٠: ٤٢١، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((السميع)) و((العليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (سمع)، (علم) .
(٥) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٤٧١، ٤٧٢، وفيه تفصيل موقع ((إن)) بعد ((القول)) وشبهه

١٤٣
تفير سورة يونس : ٦٦
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّ للهِ مَن فِى السَّمَوَتِ
وَمَنْ فِى الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ شُرَ كَآءَ
إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ألا إن لله، يا محمد ، كلَّ من فى
السموات ومن فى الأرض ، ملكاً وعبيداً ، لا مالك لشىء من ذلك سواه . يقول :
فكيف يكون إلهاً معبوداً من يعبده هؤلاء المشركون من الأوثان والأصنام ، وهى
اللّه ملك، وإنما العبادة للمالك دون المملوك، وللرب دون المربوب ؟ = ((وما يتبع
الذين يدعون من دون الله شركاء))، يقول جل ثناؤه: وأىُّ شىء يتبع من يدعو
من دون الله = يعنى : غير الله وسواه = شركاء. ومعنى الكلام: أىُّ شىءٍ يتبع
من يقول لله شركاء فى سلطانه وملكه كاذباً، واللّه المتفرد بملك كل شىء فى سماء
كان أو أرض؟ = ((إن يتبعون إلا الظن))، يقول: ما يتبعون فى قيلهم ذلك ودعواهم
إلا الظن، يقول: إلا الشك لا اليقين(١) = ((وإن هم إلا يخرصون))، يقول :
وإن هم إلا يتقوّلون الباطل تظنّياً وتَخرُّصاً للإفك، (٢) عن غير علم منهم بما يقولون.
٠ ٠
(١) انظر تغير ((الظن)) فيما سلف من فهارس اللغة (غلنن).
(٢) فى المطبوعة: ((قظننا)»، وأنبت ما فى الخطوطة معجماً، على قلة إعجام الحروف فيها.
((والتظنى))، هو ((التظنن)»، وإنما قلبت نونه الآخرة ياء لتوالى النوفات وثقل تواليها، وهو كثير فاش
فى كلام العرب .

١٤٤
تفسير سورة يونس : ٦٧
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ
لِتَسْكُنُوْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّفِى ذَلِكَ لَأَيْتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : إنّ ربكم، أيها الناس ، الذى استوجب
عليكم العبادة ، هو الرب الذى جعل لكم الليل وفصله من النهار ، لتسكنوا فيه
مما كنتم فيه فى نهاركم من التَّعْب والنَّصَب، وتهدأوا فيه من التصرف والحركة للمعاش،
والعناء الذى كنتم فيه بالنهار (١) = ((والنهار مبصراً))، يقول: وجَعَل النهار مبصراً.
فأضاف ((الإبصار)) إلى ((النهار))، وإنما يُبْصَرفيه، وليس ((النهار)) مما يبصر.
ولكن لما كان مفهوماً فى كلام العرب معناه، خاطبهم بما فى لغتهم وكلامهم ،
وذلك كما قال جرير :
لَقَدْ لُمْتِنَا يَا أُمَّ غَيْلاَنَ فِى السُّرَى وَنِْتِ، وَمَا لَيْلُ الْمَطِىِّ بِنَائِمٍ(٣)
فأضاف (( النوم)) إلى ((الليل)) ووصفه به، ومعناه نفسه ، أنه لم يكن نائماً
فيه هو ولا بعيره .
يقول تعالى ذكره : فهذا الذى يفعل ذلك ، هو ربكم الذى خلقكم وما
تعبدون ، لا ما لا ينفع ولا يضرُّ ولا يفعل شيئاً .
وقوله : «إن فىذلك لآياتلقوم يسمعون ))، يقول تعالى ذكره : إن فى اختلاف
حال الليل والنهار وحال أهلهما فيهما، دلالةً وحججاً على أن الذى له العبادة خالصاً
بغير شريك ، هو الذى خلق الليل والنهار ، وخالف بينهما بأن جعل هذا للخلق
(١) انظر تفسير ((جعل)) فيما ملف فى فهارس اللغة (جعل).
(٢) ديوانه: ٥٥٤، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٧٩ ، من قصيدة له طويلة ، أجاب بها
الفرزدق .

١٤٥
تفسير سورة يونس : ٦٧ : ٦٨
سكناً ، وهذا لهم معاشاً ، دون من لا يخلق ولا يفعل شيئاً ، ولا يضر ولا ينفع.
#
وقال: ((لقوم يسمعون))، لأن المراد منه: الذين يسمعون هذه الحجج ويتفكرون ٩٨/١١
فيها ، فيعتبرون بها ويتعظون . ولم يرد به: الذين يسمعون بآذانهم، ثم يعرضون عن
عبره وعظاته .
٠
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قَالُواْ أَنَّخَذَ اللهُ وَلَدًا
سُبْحَانَهُ, هُوَ الْغَنِىُّلَهُ مَا فِى السَّمَوَّتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ إِنْ
عِندَ كُمْ مِّن سُلْطَنِم بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : قال هؤلاء المشركون باللّه من قومك ،
يا محمد: ((اتخذ الله ولداً))، وذلك قولهم: ((الملائكة بناتُ اللّه)). يقول الله منزّهاً
نفسه عما قالوا وافتروا عليه من ذلك: ((سبحان اللّه))، تنزيهاً للّه عما قالوا وادّعوا
على ربهم(١) =(هو الغنى))، يقول: اللّهُ غنىٌّ عن خلقه جميعاً، فلا حاجة
به إلى ولد، (٢) لأن الولد إنما يَطْلُبه من يطلبه، ليكون عوناً له فى حياته، وذكراً
له بعد وفاته ، واللّه عن كل ذلك غنىّ ، فلا حاجة به إلى معين يعينه على تدبيره ،
ولا يبيدُ فيكون به حاجة إلى خلف بعده = (( له ما فى السموات وما فى الأرض )»،
يقول تعالى ذكره: لله ما فى السموات وما فى الأرض ملكاً، والملائكةُ عباده
وملكه، فكيف يكون عبد الرجل وملكه له ولداً ؟ يقول : أفلا تعقلون ، أيها القوم
خطأ ما تقولون ؟ = ((إن عندكم من سلطان بهذا))، يقول: ما عندكم، أيها القوم،
(١) انظر تفسير ((سبحان)) فيما سلف ص: ٤٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الغنى)) فيما سلف ١٢: ١٢٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.
ج ١٥ (١٠)

١٤٦
تفسير سورة يونس : ٦٨ - ٧٠
بما تقولون وتدّعون من أن الملائكة بنات اللّه ، من حجة تحتجون بها = وهى السلطان (١)
= أتقولون على الله قولا لا تعلمون حقيقته وصحته، وتضيفون إليه ما لا يجوز إضافته
إليه ، جهلاً منكم بما تقولون ، بغير حجة ولا برهان ؟
*
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى
اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَعُ فِى الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ
ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قل))،
يا محمد، لهم = ((إن الذين يفترون على الله الكذب))، فيقولون علیه الباطل، ويدّعون
له ولداً (٢) = ((لا يفلحون))، يقول: لا يَبْقَون فى الدنيا (٣) = ولكن لهم متاع
فى الدنيا يمتعون به ، وبلاغ يتبلغون به إلى الأجل الذى كُتِب فناؤهم فيه (٤) =
(( ثم إلينا مرجعهم))، يقول: ثم إذا انقضى أجلهم الذى كتب لهم، إلينا مصيرهم
ومنقلبهم (٥) = ((ثم نذيقهم العذاب الشديد))، وذلك إصلاؤهم جهنم (٦) = (( بما
كانوا يكفرون » بالله فى الدنيا ، فيكذبون رسله ، ويجحدون آياته .
...
ورفع قوله: ((متاع))، بمضمر قبله، إما ((ذلك))، وإما ((هذا)). (٧)
*
(١) انظر تفسير ((السلطان)) فيما سلف ١٢: ٥٢٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الافتراء)) فيما سلف من فهارس اللغة (فرى).
(٣) انظر تفسير ((الفلاح)) فيما سلف ص: ٤٦،، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((المتاع)) فيما سلف ص: ٥٣،، تعليق: ٣، والمراجم هناك.
(٥) انظر تفسير ((المرجع)) فيما سلف ص: ٩٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٦) انظر تفسير ((الذوق)) فيما سلف ص: ١٠٢ تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٧) انظر معانى القرآن للفراء ١: ٤٧٢، وفيه ((: إما (هو)، وإما (ذاك))).

١٤٧
تفسير سورة يونس : ٧١
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ
قَالَ لِقَوْمِهِ هَيَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَاعِى وَتَذْ كِيرِى
بِّايَّتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَ كَاءَكُمْ
ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُ كُمْ عَلَيْكُمْ غُمَةٌ ثُمَّ أَقْضُواْ إِلَّ وَلَا تُنْظِرُونِ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((واتل))،
على هؤلاء المشركين الذين قالوا: (اتخذ الله ولداً) من قومك (١) = ((نبأ نوح))،
يقول: خبر نوح (٢)= ((إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامى))،
يقول: إن كان عظم عليكم مقامى بين أظهركم وشقّ عليكم (٣) = ((وتذ کیری بآيات
الله))، يقول: ووعظى إياكم بحجج اللّه، وتنبيهى إيا كم على ذلك (٤) = ((فعلى
الله توكلت))، يقول، إن كان شق عليكم مقامى بين أظهركم، وتذكيرى بآيات
اللّه، فعزمتم على قتلى أو طردى من بين أظهركم، فعلى اللّه اتكالى وبه ثقتى، وهو
سَنَدى وظهرى (٥) = (( فأجمعوا أمركم)) ، يقول: فأعدُّوا أمركم ، واعزموا
على ما تنوُون عليه فى أمرى . (٦)
#
يقال منه: ((أجمعت على كذا))، بمعنى: عزمت عليه ، (٧) ومنه قول النبى
(١) انظر تفسير ((التلاوة)) فيما سلف من فهارس اللغة (تلا).
(٢) انظر تفسير ((النبأ)) فيما سلف ص: ١٠٢، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((كبر)) فيما سلف ١١ : ٣٣٦، ٣٣٧.
(٤) انظر تفسير ((التذكير)) فيما سلف من فهارس اللغة ( ذكر).
(٥) انظر تفسير ((التوكل)) فيما سلف ١٤: ٥٨٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٦) فى المطبوعة: ((وما تقدمون عليه))، وفى المخطوطة: ((وما سومون)) غير منقوطة، وهو وهم
من الناسخ، والصواب الذى أرجحه، ما أثبت، لأن ((الإجماع)) هو إحكام النية والعزيمة.
(٧) انظر معانى القرآن للفراء ١: ٤٧٣، وقد فصل القول فيه هناك.

١٤٨
تفسير سورة يونس : ٧١
صلى الله عليه وسلم: ((من لم يُجْمع على الصوم من الليل فلا صَوْم له))، بمعنى:
من لم يعزم ، (١) ومنه قول الشاعر : (٢)
يَلَيْتَ شِعْرِى وَالْمُنَى لاَتَنْفَعُ هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْماً وَأَمْرِى مُجْمَعُ (٣)
#
وروى عن الأعرج فى ذلك ما : -
١٧٧٦٠ - حدثنى بعض أصحابنا ، عن عبد الوهاب ، عن هرون ، عن
٤ ٩٩/١ أسيد، عن الأعرج: ((فأجمعوا أمركم وشركاء كم))، يقول: أحكموا أمركم،
وادعوا شركاء كم . (٤)
#
ونصب قوله: ((وشركاء كم))، بفعل مضمر له، وذلك: ((وادعوا شركاء كم))؛
وعطف بـ ((الشركاء)) على قوله (( أمركم))، على نحو قول الشاعر:
(١) هذا حديث رواه بلا إسناد. وأخرجه أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجة، من حديث
حفصة أم المؤمنين . انظر سنن أبى داود ٢ : ٤٤١، ٤٤٢، رقم : ٢٤٥٤.
(٢) لم أعرف قائله، ولكنى أظنه لأبى النجم ، هكذا أذكر.
(٣) نوادر أبى زيد: ١٣٣، معانى القرآن للفراء ١: ٤٧٣، اللسان (جمع)، (زفا) ،
وبعده فيما روى أبو زيد :
وَتَحْتَ رَحْلِيٍ زَفَيَنٌ مَيْلَعُ حَرْفٌ، إذَا مَا زُجِرَتْ تَبَوَّعُ
(٤) الأثر: ١٧٧٦٠ - ((عبد الوهاب))، هو ((عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى))، مضى
مراراً كثيرة ، آخرها رقم : ١٤٢٢٩.
و ((هرون)) هو ((هرون بن موسى)) الأعور النحوى، مضى برقم : ٤٩٨٥، ١١٦٩٣،
١٥٥١٤، ٠١٥٥١٥
و((أسيد))، هو ((أسيد بن أبي أسيد، يزيد))، البراد. روى الحروف عن الأعرج، مترجم
فى التهذيب، والكبير ٤٩/١/٢، ولم يزد على أن قال ((أسيد، حدثنا موسى، حدثنا هرون، عن أسيد
سمع عكرمة، وعن الأعرج فى القراءة))، لم يذكر له نباً. وفى ابن أبى حاتم ٣١٦/١/١، فى ترجمة
((أسيد بن يزيد المدنى))، وقال: ((روى عن الأعرج، روى عنه هرون النحوى)). ثم أتبعه بترجمة
((أسيد بن أبي أسيد البراد))، وقال: ((واسم أبي أسيد يزيد))، ولم يذكر له رواية عن الأعرج ، ولا فى
الرواة عنه هرون النحوى، فجعلهما رجلين. بيد أنى رأيت ابن الجزرى فى طبقات القراء ١: ٣٨١ فى
ترجمة ((الأعرج))، وهو ((عبد الرحمن بن هرمز)) قال: ((وروى عنه الحروف أسيد بن أبي أسيد)».
وانظر هذا الاختلاف فى التهذيب ، وما قاله الحافظ ابن حجر هناك.

١٤٩
تفسير سورة يونس : ٧١
وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِ الْوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفَاً وَرُمَا (١)
فالرمح لا يُتَقلَّد، ولكن لما كان فيما أظهر من الكلام دليلٌ على ما حذف،
اكتفى بذكر ما ذكر منه مما حذف، (٢) فكذلك ذلك فى قوله: ((وشركاء كم)).
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
#
٥
فقرأته قرأة الأمصار: ﴿ وَشُرَ كَاءَ كُمْ﴾، نصباً، وقوله: ﴿فَأَجْمِعُوا)، بهمز الألف
وفتحها ، من: (( أجمعت أمرى فأنا أجمعه إجماعاً)).
#
. .
وذكر عن الحسن البصرى أنه كان يقرؤه: ﴿فَأَحْمِعُوا أَمْرَ كُمْ﴾، بفتح الألف
وهمزها = ﴿وَشُرَ كَاؤُكُمْ﴾، بالرفع ، على معنى: وأجمعوا أمركم، وليجمع أمرهم
أيضاً معكم شركاؤكم. (٣)
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك، قراءةُ من قرأ: ﴿فَأَجْمِمُوا أَمْرَ كُمْ
وَشُرَ كَاءَكُمْ﴾، بفتح الألف من ((أجمعوا)) ونصب ((الشركاء))، لأنها فى المصحف
بغير واو ، ولإجماع الحجة على القراءة بها ، ورفض ما خالفها ، ولا يعترض عليها
بمن يجوز عليه الخطأ والسهو .
. ..
وغنى بـ ((الشركاء))، آلهتهم وأوثانهم.
وقوله: (( ثم لا يكن أمركم عليكم غمة))، يقول : ثم لا يكن أمركم عليكم
ملتبساً مشكلاً مُبهماً.
(١) مضى البيت وتخريجه فى مواضع، آخرها ١٣: ٤٣٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك،
وانظر معانى القرآن للفراء ١ : ٤٧٣.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فاكتفى)) بالفاء، والصواب حذفها، وإنما خلط الناسخ.
(٣) انظر تفصيل هذا فى معانى القرآن للفراء ١ : ٤٧٣.

١٥٠
تفسير سورة يونس : ٧١
- من قولهم: ((عُمَّ على الناس الهلال))، وذلك إذا أشكل عليهم فلم يتبيّنوه،
ومنه قول [ العجاج]: (١)
بَلْ لَوْ شَهِدْتِ النَّاسَ إذْ تُكُمُوا بِغُنَّةٍ لَوْلَمْ تُفَرَّجْ غُّوا (٣)
وقيل : إن ذلك من ((الغم))، لأن الصدر يضيق به، ولا يتبين صاحبه لأمره
مَصدراً يَصْدُرُه، يتفرَّج عليه ما بقلبه، (٣) ومنه قول خنساء:
وَغُمَّتَهُ عَنْ وَجْهِهِ فَتَجْلَّتِ (٤)
وَذِى كُرْبَةٍ رَاخَى أَبْنُ عَمْرِ و خِنَاقَه
وكان قتادة يقول فى ذلك ما :-
١٧٧٦١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن
.، عن قتادة: ((أمركم عليكم غمة))، قال : لا يكبر عليكم أمركم .
*
وأما قوله: (( ثم اقضوا إلىّ))، فإن معناه: ثم أمضوا إلىّ ما فى أنفسكم
وافرغوا منه ، كما : -
١٧٧٦٢ - حدثنى محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر،
عن قتادة: ((ثم اقضوا إلى" ولا تنظرون))، قال: اقضوا إلىّ ما كنتم قاضين .
١٧٧٦٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((ثم اقضوا إلىّ ولا تنظرون))، قال :
اقضوا إلىّ ما فى أنفسكم .
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ومنه قول رؤية))، وأذا أرجح أنه خطأ من الناسخ، فلذلك وضعته
بين القوسين، وإنما نقل هذا أبو جعفر من مجاز القرآن لأبى عبيدة، وهو فيه على الصواب ((العجاج)).
(٢) ديوانه: ٦٣، واللسان (غيم)، (كم)، وغيرها. أول رجز له طويل فى ديوانه، ذكر
فيه مسعود بن عمرو العتكى، وما أصابه وقومه من تميم رهط العجاج، وسلف بيان ذلك ١٣ : ٧٥،
تعليق : ٢ ، فى شرح بيت من هذا الرجز .
وقوله: ((تكموا)) من قوله: ((تكمه))، أى غطاه وغشاه، ثم لما توالت الميمات فى ((تكموا))، قلبت
الأخيرة ياء، كما قيل فى ((التظنن)) و((التظنى))، فلما أسند إليه الواو، قال: ((تكموا)).
(٢) المطبوعة: ((يتفرج عنه))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب.
(١) ديوانها: ٧)، وروايته (وَمُخْتَنِقِ رَاخَى ابنُ عَمْرِو)) من رثائها فى أخيها صخر.

١٥١٠
تفسير سورة يونس : ٧١
١٧٧٦٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد، مثله .
#
واختلف أهل المعرفة بكلام العرب فى معنى قوله: ((ثم اقضوا إلى")).(١)
فقال بعضهم: معناه: امضوا إلى، كما يقال: ((قد قضى فلان))، يراد :
قدمات ومضى .
وقال آخرون منهم: بل معناه: ثم افرغوا إلىّ. وقالوا: ((القضاء))، الفراغ ،
و((القضاء)) من ذلك. قالوا: وكأنّ ((قضى دينه)) من ذلك، إنماهو فَرَغ منه.
وقد حُكى عن بعض القرأة أنه قرأ ذلك: (ثُمَّ أَفْضُوا إِلَىَّ)، بمعنى: توجّهوا
إلىّ حتى تصلوا إلىّ، من قولهم: ((قد أفْضَى إلىّ الوَجَع وشبه)). (٢)
وقوله: (( ولا تنظرون))، يقول : ولا تؤخرون.
...
-من قول القائل: ((أنظرت فلاناً بما لى عليه من الدين)). (٣)
*
قال أبو جعفر : وإنما هذا خبرٌ من الله تعالى ذكره، عن قول نبيه نوح عليه
السلام لقومه: إنه بنُصرة اللّه له عليهم واثق، ومن كيدهم وبوائقهم غير خائف (٤)
= وإعلامٌ منه لهم أن آلهتهم لا تضرّ ولا تنفع. يقول لهم : أمضوا ما تحدّثون
أنفسكم به فىَّ ، على عزم منكم صحيح ، واستعينوا مع من شايعكم علىّ بآلهتكم
(١) انظر تفسير ((قضى)) فيما سلف ص: ٣٣، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
= وانظر أيضاً معانى القرآن للفراء ١ : ٤٧٤.
(٢) انظر بيان هذه القراءة فى معانى القرآن للفراء ١ : ٤٧٤.
(٣) انظر تفسير ((الإنظار)) فيما سلف ١٣: ٣٢٢، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٤) فى المطبوعة: ((من كيدهم وتواثقهم))، وهو قراءة فاسدة، صوابها ما أثبت. والمخطوطة
غير منقوطة. و((البوائق))، جمع ((بائقة)). يعنى: غوائلهم وشرهم وظلمهم وبغيهم عليه.

١٥٢
٤ ١٠٫
تفسير سورة يونس : ٧١ ، ٧٢
التى تدْعون من دون الله، ولا تؤخروا ذلك، فإنى قد توكلت على الله، وأنا به
واثق أنكم لا تضرونى إلا أن يشاء ربى .
وهذا، وإن كان خبراً من الله تعالى عن نوح، فإنه حثٍّ من الله لنبيه محمد صلى اللّه
١٠٠/١١ عليه وسلم على التأسّى به، وتعريفٌ منه سبيل الرشاد فيما قلَّده من الرسالة والبلاغ عنه.
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم
مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) )
يقول تعالى ذكره، مخبراً عن قيل نبيه نوح عليه السلام لقومه: ((فإن توليتم ))،
أيها القوم، على بعد دعائى إياكم ، وتبليغ رسالة ربى إليكم، مدبرين، فأعرضتم
عمّا دعوتكم إليه من الحقّ، والإقرار بتوحيد الله، وإخلاص العبادة له، وترك إشراك
الآلهة فى عبادته، فتضييعٌ منكم وتفريطٌ فى واجب حق الله عليكم ، لا بسبب من
قبلى، فإنى لم أسألكم على ما دعوتكم إليه أجراً، ولا عوضاً أعتاضه منكم بإجابتكم
إياى إلى ما دعوتكم إليه من الحق والهدى، ولا طلبت منكم عليه ثواباً ولا جزاءاً
= ((إن أجرى إلا على الله))، يقول جل ثناؤه: إن جزائى وأجر عملى وثوابه إلا على
ربى، لا عليكم، أيها القوم، ولا على غيركم = ((وأمرت أن أكون من المسلمين))،
وأمرنى ربى أن أكون من المذعنين له بالطاعة ، المنقادين لأمره ونهيه ، المتذللين
له . ومن أجل ذلك أدعوكم إليه، وبأمره آمركم بترك عبادة الأوثان. (١)
(١) انظر تفسير ((التولى)) و((الأجر))، و((الإسلام)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى)،
( أجر) ، (سلم) .

١٥٣
تفسير سورة يونس : ٧٢
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَهُ وَمَن مَّعَهُ,
فِى الْفُلْكِ وَجَعَلْنَهُمْ خَلَِّفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بَّايَّتِنَا
فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فكذب نوحاً قومه فيما أخبرهم به عن
اللّه من الرسالة والوحى = ((فنجيناه ومن معه))، ممن حمل معه = فى ((الفلك))،
يعنى: فى السفينة (١) = ((وجعلناهم خلائف))، يقول: وجعلنا الذين نجينا
مع نوح فى السفينة ، خلائف فى الأرض من قومه الذين كذبوه (٢) = بعد أن
أغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ، = يعنى : حججنا وأدلتنا على توحيدنا ورسالة رسولنا
نوح. يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ((فانظر))، يا محمد = ((كيف كان
عاقبة المنذرين))، وهم الذين أنذرهم نوحٌ عقابَ اللّه على تكذيبهم إياه وعبادتهم
الأصنام . يقول له جل ثناؤه: انظر ماذا أعقبهم تكذيبهم رسولَهم، فإن عاقبة من
كذَّبك من قومك إن تمادوا فى كفرهم وطغيانهم على ربهم ، نحو الذى كان من
عاقبة قوم نوح حين كذبوه. (٣) يقول جل ثناؤه : فليحذروا أن يحلّ بهم مثل
الذى حلّ بهم ، إن لم يتوبوا .
(١) انظر تفسير الفلك)) فيما سلف ١٢: ٥٥:١٥/٥٠٢
(٢) انظر تفسير ((الخلافة)) فيما سلف ص: ٣٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((العاقبة)) فيما سلف ص: ٩٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.

١٥٤
تغير سورة يونس : ٧٤ ، ٧٥
القول فى تأويل قوله تعالى (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ - رُسُلًا إِلَى
قَومِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ
بِهِ ثُ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ثم بعثنا من بعد نوح رسلاً إلى قومهم ،
فأتوهم ببينات من الحجج والأدلّة على صدقهم، وأنهم اللّه رسل، وأن ما يدعونهم
إليه حقّ = (( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل))، يقول: فما كانوا ليصدّقُوا
بما جاءتهم به رسلهم، بما كذب به قوم نوح ومن قبلَهم من الأمم الخالية من قبلهم
= ((كذلك نطبع على قلوب المعتدين))، يقول تعالى ذكره : كما طبعنا على قلوب
أولئك فختمنا عليها ، فلم يكونوا يقبلون من أنبياء الله نصيحتهم، ولا يستجيبون
لدعائهم إيّاهم إلى ربهم، بما اجترموا من الذنوب واكتسبوا من الآثام (١) = كذلك
نطبع على قلوب من اعتدى على رّبه فتجاوز ما أمره به من توحيده ، وخالف
ما دعاهم إليه رسلهم من طاعته ، (٢) عقوبة لهم على معصيتهم ربّهم من هؤلاء
الآخرين من بعدهم .
١
القول فى تأويل قوله تعالى (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمٍ مُوسَى
وَهَرُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ ثَ بِئَّايَتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَ كَانُواْ قَوْمًا
مُجْرمِینَ﴾
٧٥
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ثم بعثنا من بعد هؤلاء الرسل الذين
أرسلناهم من بعد نوح إلى قومهم ، موسى وهرون ابنى عمران ، إلى فرعون مصر
(١) انظر تفسير ((الطبع)) فيما سلف ١٤: ٤٢٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الاعتداء)) فيما سلف من فهارس اللغة (عدا).

١٥٥
تفسير سورة يونس : ٧٥ - ٧٧
وملئه ، يعنى: وأشراف قومه وسادتهم (١) = ((بآياتنا))، يقول: بأدلتنا على حقيقة
ما دعوهم إليه من الإذعان للّه بالعُبُودة، والإقرار لهما بالرسالة = ((فاستكبروا ))،
يقول: فاستكبروا عن الإقرار بما دعاهم إليه موسى وهرون (٢) = ((وكانوا قوماً
مجرمين))، يعنى: آثمين بربهم، بكفرهم باللّه. (٣)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ ١/١١.
عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ قَالَ مُوسَىٌ أَتَقُولُونَ
لِلْحَقِّلَمَّا جَآءَ كُمْ أَسِخْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ الَّحِرُونَ﴾ (#)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((فلما جاءهم الحق من عندنا ))، يعنى :
فلما جاءهم بيانُ مادعاهم إليه موسى وهرون، وذلك الحجج التى جاءهم بها،
وهى الحق الذى جاءهم من عند الله = ((قالوا إن هذا لسحر مبين)) = يعنون أنه
يبين لمن رآه وعاينه أنه سحر لا حقيقة له (٤) = ((قال موسى))، لهم = ((أتقولون للحق لما
جاءكم))، من عند الله = ((أسحر هذا))؟
**
واختلف أهل العربية فى سبب دخول ألف الاستفهام فى قوله: ((أسحر هذا)) ؟
فقال بعض نحوبى البصرة : أدخلت فيه على الحكاية لقولهم ، لأنهم قالوا :
((أسحر هذا))؟ فقال أتقولون: ((أسحر هذا)) ؟
(١) انظر تفسير ((الملأ)) فيما سلف ١٣: ٣٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الاستكبار)) فيما سلف ١٣: ١١٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) قوله ((آ ثمين بربهم))، تعبير سلف مراراً فى كلام أبى جعفر، وبيئته وفسرته فيما سلف
انظر ١٢ : ٣٠٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((السحر)) فيما سلف ١٣: ٤٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.

١٥٦
تفسير سورة يونس : ٧٦ ، ٧٧
وقال بعض نحوبى الكوفة: إنهم قالوا: ((هذا سحر))، ولم يقولوه بالألف ،
لأن أكثر ما جاء بغير ألف . قال : فيقال : فلم أدخلت الألف ؟ فيقال :
قد يجوز أن تكون من قِيلهم وهم يعلمون أنه سحر ، كما يقول الرجل للجائزة إذا
أتته : ((أحقّ هذا)) ؟ وقد علم أنه حق . قال: وقد يجوز أن تكون على التعجّب
منهم : أسحر هذا ؟ ما أعظمه! (١)
#
قال أبو جعفر: وأولى ذلك فى هذا بالصواب عندى ، أن يكون المفعولُ محذوفاً،
ويكون قوله: ((أسحر هذا))، من قيل موسى ، منكراً على فرعون وملئه قولهم للحق
لما جاءهم: ((سحر))، فيكون تأويل الكلام حينئذ: قال موسى لهم: ((أتقولون
للحق لما جاءكم )) = وهى الآيات التى أتاهم بها من عند الله حجة له على صدقه =
سحرٌ، أسحرٌ هذا الحقّ الذى ترونه؟ فيكون ((السحر)) الأوّل محذوفاً، اكتفاء"
بدلالة قول موسى ((أسحر هذا))، على أنه مرادٌ فى الكلام ، كما قال ذو الرمة :
فَلَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ، أَوْ حِينَ، نَصَّبَتْ لَهُ مِنْ خَذَا آذَانِهَا وَهْوَ جَائِحُ(٢)
يريد : أو حين أقبل، ثم حذف اكتفاءً بدلالة الكلام عليه، وكما قال
جل ثناؤه: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءًا وُجُوهَكُمْ﴾ [ سورة الإسراء: ٧]،
والمعنى : بعثناهم ليسوؤوا وجوهكم - فترك ذلك اكتفاء بدلالة الكلام عليه، فى أشباه
لما ذكرنا كثيرة، يُتْعب إحصاؤها .
وقوله: ((ولا يفلح الساحرون))، يقول: ولا ينجح الساحرون ولا يَبقوْن. (٣)
(١) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٤٧٤.
(٢) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ١ : ٣٢٧، تعليق: ٢.
(٣) انظر تفسير ((الفلاح)) فيما سلف ص: ١٤٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.

٥٧ ٤
تفسير سورة يونس : ٧٨
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قَالُواْ أَجِثْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا
وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِى الْأَرْضِ
وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره قال فرعون وملأُه لموسى: ((أجئنا لتلفتنا))،
يقول: لتصرفنا وتلوينا = ((عمّا وجدنا عليه آباءنا))، من قبل مجيئك ، من الدين.
=يقال منه: ((لفت فلانٌ [عنق فلان))، إذا لواها، كما قال رؤبة]: (١)
﴿ لَفْتَاً وَتَهْزِ يمَا سَوَاءَ اللَّفْتِ. (٢)
((التهزيع))، الدق، و((اللفت))، اللّى، كما : -
١٧٧٦٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: (( لتلفتنا))، قال : لتلوينا عما وجدنا عليه آباءنا .
#
* *
وقوله: ((وتكون لكما الكبرياء فى الأرض))، يعنى العظمة، وهى ((الفعلياء))
من ((الكبر))، ومنه قول ابن الرِّقَاع:
(١) كان فى المخطوطة والمطبوعة: ((كما قال ذو الرمة))، وهو خطأ لا شك فيه، صوابه
ما أثبت، كما دل عليه مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٨٠، وأنا أرجح أن ذلك من الناسخ، لا من أبى
جعفر ، لأنه نقل عن أبى عبيدة. وانظر مثل هذا فيما سلف ص: ١٥٠، تعليق: ١: فوضعت الصواب
بين القوسين .
(٢) ديوانه ٢٤، مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٨٠، اللسان (هزع)، من رجز ذكر فيه
نفسه ، يقول قبله ، مشبها نفسه بالأسد :
فَقَدْ أَقُومُ بِالْمَقَامِ الثَّبْتِ
فَإِنْ تَرَيْنِ أُخْتَمِى بِالسَّكْتِ
يَدُقُّ صُلْبَاتِ العِظامِ رَفْتِيْ
أَشْجَعَ من ذى ◌ِبَدٍ مِجِبْتِ
و((الرفت))، الدق والكسر. وقوله ((سواء اللفت))، أى ((سوى اللفت)) ((سواء)) (بفتح السين)
و ((سوى)» ( بكسر السين)، بمعنى : غير .

١٥٨
تفسير سورة يونس : ٧٨
نِيهِ تَجِبَّارَةٌ وَلاَ كِبْرِياءِ(١)
سُؤَدَدَاً غَيْرَ فَاحِش لاَ يُدَا
٠ ٠
*
١٧٧٦٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن
أبى نجيح ، عن مجاهد: ((وتكون لكما الكبرياء فى الأرض))، قال : الملك .
١٧٧٦٧ -.... قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش ، عن مجاهد :
((وتكون لكما الكبرياء فى الأرض ))، قال: السلطان فى الأرض .
١٧٧٦٨ -.... قال ، حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال :
بلغنى عن مجاهد قال : الملك فى الأرض .
١٧٧٦٩ -.... قال، حدثنا المحاربى، عن جويبر ، عن الضحاك :
((وتكون لكما الكبرياء فى الأرض))، قال : الطاعة .
١٧٧٧٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وتكون لكما الكبرياء فى الأرض))، قال: الملك.
قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد اللّه ، عن ورقاء ،
١٧٧٧١ - . .
عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٧٧٧٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .
(١) لم أجد البيت فى مكان آخر، وكان فى المطبوعة: ((تجباره))، ومثله فى المخطوطة، أما
ضبطه فقد شغلنى، لأن أصحاب اللغة لم يذكروا فى مصادر ((الجبروت)) سوى ((التجبار)) (بفتح فسكون)
بمعنى الكبر، فكأن قارئه يقرؤه كما فى المطبوعة والمخطوطة ((تجباره)) (بفتح فسكون)، مضافاً إلى الهاء.
وظنى أن الضبط الذى ذهبت إليه أجود ، وإن لم يذكروه فى المصادر فى كتب اللغة التى بين أيدينا . ومصدر
(تفعَّال)) (بكسر التاء والغاء وتشديد العين)، هو قياس التصدير فى ((تفعل)) لكنها صارت
مسموعة لا يقاس على ما جاء منها الشافية ١: ١٦٦)، نحو ((تملاق)) ودخول التاء فى مثله
فى المصادر جائز فى العربية .
وبالضبط الذى ضبطته يستقيم وزن الشعر ، فأخشى أن يكون هذا المصدر على هذا الميزان ، 12 أغفاته
كتب اللغة .

١٥٩
تفسير سورة يونس : ٧٨ - ٨٠
١٧٧٧٣ - حدثنى الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، ٢/١١
عن الأعمش ، عن مجاهد قال : السلطان فى الأرض .
#
قال أبو جعفر : وهذه الأقوال كلها متقارباتُ المعانى. وذلك أن الملك
سلطان، والطاعة ملك، غير أن معنى ((الكبرياء))، هو ما ثبت فى كلام العرب،
ثم يكون ذلك عظمة بملك وسلطان وغير ذلك .
* *
وقوله: ((وما نحن لكما بمؤمنين))، يقول: (( وما نحن لكما ))، يا موسى
وهرون = ((بمؤمنين))، يعنى : بمقرِّين بأنكما رسولان أرسلتما إلينا .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ أَنْتُونِى بِكُلِّ
سُحِرٍ عَلِيمٍ ﴿ فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوَسَى أَلْقُواْ
مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ﴾ ٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وقال فرعون لقومه: اثتونى بكل من يسحر
من السحرة، عليم بالسحر (١) = ((فلما جاء السحرة))، فرعون = ((قال موسى ألقوا
ما أنتم ملقون ))، من حبالكم وعصيكم .
وفى الكلام محذوف قد ترك وهو: ((فأتوه بالسحرة ، فلما جاء السحرة)) ،
ولكن اكتفى بدلالة قوله: ((فلما جاء السحرة ))، على ذلك ، فترك ذكره .
وكذلك بعد قوله: ((ألقوا ما أنتم ملقون))، محذوفٌ أيضاً قد ترك ذكرُه ،
وهو: ((فألقوا حبالهم وعصيّهم)) = ((فلما ألقوا قال موسى))، ولكن اكتفى
بدلالة ما ظَهَر من الكلام عليه ، فتُرك ذكره .
٠ ٠ ٠
(١) انظر تفسير ((السحر)) فيما سلف ص: ١٥٥: تعليق: ٤، والمراجع هناك.
= وتفسير ((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (علم) .

١٦٠
تفسير سورة يونس : ٨١
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَلَمَآ أَلْقَوْاْ قَالَ مُوسَى
مَا جِئْتُم بِهِ اَلِّخْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ وَ إِنَّ اللهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ
الْمُفْسِدِينَ﴾ (٨)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فلما ألقوا ما هم ملقوه ، قال لهم موسى :
ما جثّم به السحر .
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق: ﴿مَاجِئْتُمْ بِهِ السَّحْرُ)، على وجه الخبر من
موسى عن الذى جاءت به سحرة فرعون، أنه سحرٌ. كأنَّ معنى الكلام على تأويلهم:
قال موسى : الذى جثّم به ، أيها السحرة ، هو السحر .
وقرأ ذلك مجاهد وبعض المدنيين والبصريين: ﴿ مَا جِئْتَمْ بِهِ السِّحْرُ)، على
وجه الاستفهام من موسى إلى السحرة عما جاؤوا به : أسحرهو أم غيره؟ (١)
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين فى ذلك عندى بالصواب ، قراءةُ من قرأه
على وجه الخبر لا على الاستفهام ، لأن موسى صلوات الله وسلامه عليه ، لم يكن
شاكاً فما جاءت به السحرة أنه سحر لا حقيقة له ، فيحتاج إلى استخبار السحرة
عنه ، أى شىء هو ؟
وأخرى ، أنه صلوات الله عليه قد كان على علم من السحرة إنما جاء بهم
فرعون ليغالبوه على ما كان جاءهم به من الحق الذى كان اللّه آتاه ، فلم يكن
(١) انظر معانى القرآن للفراء ١: ٤٧٥، وفيه تفصيل مفيد.