Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
تفسير سورة يونس : ١٥ ، ١٦
به، أيها القوم، وأنهاكم عنه، إلا ما ينزله إلىّ ربى، ويأمرنى به(١) = ((إنى أخاف
إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم))، يقول: إنى أخشى من اللّه إن خالفت
أمره ، وغيّرت أحكام كتابه، وبدّلت وَحيه، فعصيته بذلك، عذابَ يوم عظيمٍ
هَوْلُه، وذلك: يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها
وترى الناس سكارى وما هم بسكارى . (٢)
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ,
عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَبُّكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِىّ
أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه، معرِّفَه الحجةَ على هؤلاء المشركين
الذين قالوا له: ((ائت بقرآن غير هذا أو بدله))= ((قل)) لهم، يا محمد = ((لو شاء
الله ما تلوته عليكم))، أي: ما تلوت هذا القرآن عليكم ، أيها الناس ، بأن
كان لا ينزله علىَّ فيأمرنى بتلاوته عليكم (٣) =((ولا أدراكم به))، يقول: ولا
أعلمكم به = (( فقد لبثت فيكم عمرًا من قبله))، يقول: فقد مكثت فيكم أربعين
سنة من قبل أن أتلوَه عليكم، ومن قبل أن يوحيه إلىّ ربى = ((أفلا تعقلون))،
أنى لو كنت منتحلاً ما ليس لى من القول ، كنت قد انتحلته فى أيّام شبابى
وحداثتى ، وقبل الوقت الذى تلوته عليكم؟ فقد كان لى اليوم، لو لم يوحى إلىّ
وأومر بتلاوته عليكم ، مندوحةٌ عن معاداتكم، ومتّسَعٌ، فى الحال التى كنت بها
(١) انظر تفسير ((الوحى)) فيما سلف من فهارس اللغة (وحى).
(٢) هذا تضمين لآية سورة الحج: ٢.
(٣) انظر تفسير ((تلا)) فيما سلف ص: ٤٠، رقم : ١.

٤٢
تفسير سورة يونس : ١٦
٦٨/١١ منكم قبل أن يوحى إلىّ وأومر بتلاوته عليكم .
#
#
وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
· ذكر من قال ذلك :
١٧٥٨١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثنى معاوية،
عن على، عن ابن عباس قوله: ((ولا أدراكم به ))، ولا أعلمكم .
١٧٥٨٢ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((لو شاء الله ما تلوته عليكم
ولا أدراكم به))، يقول: لو شاء الله لم يعلمكموه .
١٧٥٨٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (( لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم
به))، يقول : ما حذّرتكم به .
١٧٥٨٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير
هذا أو بدله))، وهو قول مشركى أهل مكة ، للنبي صلى الله عليه وسلم . ثم قال
لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((قل لو شاء اللّه ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت
فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون )) ، لبث أربعين سنة .
١٧٥٨٥ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((قل لوشاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به))، ولا أعلمكم به.
١٧٥٨٦ - حدثنى محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن الحسن، أنه كان يقرأ: ﴿وَلا أَدْرَ أَتُكُمُّ بِهِ﴾، يقول: ما أعلمتكم به.(١)
١٧٥٨٧ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ،
(١) فى المخطوطة: ((ولا أدرأكم))، وفى المطبوعة: ((ولا أدراتكم))، بغير همز، والصواب ما
أثبت، كما نص عليه ابن خالويه فى شواذ القراءات ص: ٥٦، قال: ((بالهمز والتاء)»، ومعانى القرآن
الفراء .
۔

٤٣
تفسير سورة يونس : ١٦
أخبرنا عبيد، قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((ولا أدراكم به))، يقول:
ولا أشعركم الله به .
قال أبو جعفر : وهذه القراءة التى حكيت عن الحسن ، عند أهل العربية
غلطٌ .
#
وكان القرّاء يقول فى ذلك: قد ذكر عن الحسن أنه قال: ﴿ وَلا أَدْرَأْ تُكُمْ بِهِ﴾.
قال: فإن يكن فيها لغة سوى ((دريت)) و((أدريت))، فلعل الحسن ذهب
إليها . وأما أن تصلح من ((دريت)) أو ((أدريت)) فلا، لأن الياء والواو إذا انفتح
ما قبلهما وسكنتا، صّتًا ولم تنقلبا إلى ألف، مثل ((قضيت)) و(دعوت)). ولعل الحسن
ذهب إلى طبيعته وفصاحته فهمزها، لأنها تضارع: ((درأت الحد))، وشبهه . وربما
غلطت العرب فى الحرف إذا ضارعه آخر من الهمز ، فيهمزون غير المهموز .
وسمعت امرأة من طىّ تقول: ((رثَأْتُ زوجى بأبيات))، ويقولون: ((لبّأْتُ بالحجّ))
و ((حلأت السويق))، فيغلطون، لأن ((حلأت))، قد يقال فى دفع العطاش من
الإبل، و((لبأت)) ذهب به إلى ((اللبأ )) لِبَأ الشاء، و((رثأت زوجى))، ذهبت به
إلى ((رثأت اللبن))، إذا أنت حلبت الحليب على الرائب فتلك ((الرثيئة)). (١)
٠
#
#
وكان بعض البصريين يقول: لا وجه لقراءة الحسن هذه، لأنها من ((أدريت))
مثل ((أعطيت))، إلا أن لغةً لبنى عقيل (٢): ((أعطَاتُ))، يريدون: أعطيت ،
تحوّل الياء ألفاً ، قال الشاعر : (٣)
(١) هذا نص الفراء بتمامه فى معانى القرآن ١: ٤٥٩، مع خلاف يسير فى حروف قليلة.
(٢) فى المطبوعة: ((لغة بنى عقيل))، والصواب ما فى المخطوطة، باللام.
(٣) هو حريث بن عناب ( بالنون ) الطائى.

٤٤
تفسير سورة يونس : ١٦
لَقَدْ آذَنَتْ أَهْلَ الْيَعَمَةِ طَرِىٌ بِحَرْبٍ كَنَاصَةِ الأَغَرِّ الْمُشَهْرِ (١)
يريد : كناصية ، حكى ذلك عن المفضّل ، وقال زيد الخيل :
لَعَمْرُكَ مَا أَخْشَى النَّصَغْلُكَ مَابَقَ عَلَى الْأَرْضِ قَنِىٌّ يَسُوقُ الْأَبَاعِرًا(٢)
فقال: ((بقا))، وقال الشاعر: (٣)
إِنَّ الغَوِىَّ إذَا ثُهاَ لَ يُعْقِبِ (٤)
لَزَجَرْتُ قَلْبَا لاَ يَرِيعُ لزَاجِرٍ
.. (٤)
يريد: ◌ُهِى. قال: وهذا كله على قراءة الحسن، وهى مرغوب عنها ، قال:
وطئ تصيّر كل ياء انكسر ما قبلها ألفاً، يقولون: ((هذه جاراة))، (٥) وفى ((الترقوة))
((ترقاة)) و((العَرْقوة)) ((عَرْقَاة)). قال: وقال بعض طئ: ((قد لَقَت فزارة))،
حذف الياء من ((لقيت)) لما لم يمكنه أن يحوّلها ألفاً ، لسكون التاء ، فيلتقى
ساكنان. وقال: زعم يونس أن ((نَسَا)) و((رَضًا)) لغة معروفة، قال الشاعر: (٦)
(١) نوادر أبى زيد: ١٢٤، والمعانى الكبير: ١٠٤٨، اللسان (نصا).
(٢) نوادر أبى زيد: ٦٨، وقبله
أُنْبِثْتُ أَنْ أَبْنَا لِتَيْمَءَ هُهُنَا تَغَنَّى بِنَا سَكْرَانَ أَوْ مُتَاكِرًا
سَنُصْبِحُ أَلْفَا ذَا زَوَائِدَ ، عاِرًا
يَحُضُّ عَلَيْنَا عامِرًا، وَإِخَالُفَا
قال أبو زيد: ((يقول: لا أخشى ما بقى قيسى يسوق إبلا، لأنى أغير عليهم)).
(٣) هو لبيد .
(٤) ديوانه قصيدة رقم: ٦١، والأغانى ١٥: ١٣٤ (ساسى)، من مرئية أخيه أربد، وقبله :
وَعَنَاهُ ذِكْرِى خُلَّةٍ لم تَصْقَبِ
طَرِبَ الفُؤَادُ وَلَيْتَهُ لم يَطْرَبِ
فيما يُشِرْنَ بِهِ بِسَفْحِ المِذْنِبِ
سَفَهَا، وَلَوْ أَنَّى أَطَّمْتُ عَوَاذِى
لَزَجَرْتُ قَلْبًا .
.
والذى أثبته هونص المخطوطة، أما المطبوعة، فإنه لم يحسن معرفة الشعر، فكتبه هكذا: ((زجرت
فقلنا لا ذريع)) وهو عبث محض. و((راع يريع))، إذا رجع وعاد، يقول: لا يصيخ لزاجر ولا يستمع
له: و ((أعتب))، آب إلى رضى من يعاقبه .
(٥) يعنى فى ((جارية)).
(٦) لم أعرف قائله، ولم أجد البيت فى مكان آخر.

٤٥
تفسير سورة يونس : ١٦ ، ١٧
وَأَنْبِئْتُ بِلأَغْرَاضِ ذَا الْبَطْنِ خالِدًا نَسَا أَوْ تَنَسَى أَنْ يَعُدَّ الَوَالِياً
وروى عن ابن عباس فى قراءة ذلك أيضاً روايةٌ أخرى، وهى ما : - ٦٩/١١
١٧٥٨٨ - حدثنا به المثنى قال ، حدثنا المعلى بن أسد قال ، حدثنا خالد
ابن حنظلة، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: ﴿قُلْ لَوْ شاء
اللهُ مَتَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنْذَرُكُمْ بِهِ﴾.
#
قال أبو جعفر: والقراءة التى لا نستجيزُ أن نعدوها، (١) هى القراءة التى
عليها قرأة الأمصار: ﴿ُقُلْ لَوْ شاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ ،
بمعنى : ولا أعلمكم به ، ولا أشعركم به .
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن افْتَرَى عَلَى
اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِّايَتِهِىَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء
المشركين الذين نسبوك فيما جئتهم به من عند ربّك إلى الكذب: أيُّ خلق أشدُّ
تعدّياً، (٢) وأوضع لقيله فى غير موضعه، (٣) ممن اختلق على الله كذباً، وافترى عليه
باطلا (٤) = ((أو كذب بآياته))، يعنى: بحججه ورسله وآيات كتابه ؟(٥) يقول له
(١) فى المطبوعة: ((لا أستجيز أن تعدوها))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((أى خلق أشر بعدذا))، وهو كلام ساقط جداً، لم يحسن قراءة المخطوطة،
لأنها غير منقوطة .
(٣) انظر تفسير ((الظلم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم ).
(٤) انظر تفسير ((الافتراء)) فيما سلف ١٣: ١٣٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٥) انظر تفسير ((الآية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أبى).

٤٦
تفسير سورة يونس : ١٨،١٧
جل ثناؤه : قل لهم : ليس الذي أضفتمونى إليه بأعجب من كذبكم على ربكم ،
وافترائكم عليه، وتكذيبكم بآياته = ((إنه لا يفلح المجرمون))، يقول : إنه لا ينجح
الذين اجترموا الكفر فى الدنيا يوم القيامة، إذا لقوا ربّهم، ولا ينالون الفلاح. (١)
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَالَا
يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هُوَلَاءِ شُفَعَلَؤُّنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ
أَتْنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى السَّهُ وَتَ وَلَا فِى الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ
وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ويعبد هؤلاء المشركون الذين وصفت
لك، يا محمد صفتهم ، من دون الله الذى لا يضرهم شيئاً ولا ينفعهم، فى الدنيا
ولا فى الآخرة، وذلك هو الآلهة والأصنام التى كانوا يعبدونها = (( ويقولون هؤلاء شفعاؤنا
عند الله))، يعنى: أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله. (٢) قال الله لنبيه محمد
صلى الله عليه وسلم = ((قل)) لهم = ((أتنبئون اللّه بما لا يعلم فى السموات ولا فى
الأرض))، يقول: أتخبرون اللّه بما لا يكون فى السموات ولا فى الأرض؟(٣) وذلك
أن الآلهة لا تشفع لهم عند الله فى السموات ولا فى الأرض. وكان المشركون يزعمون
أنها تشفع لهم عند الله. فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآ له وسلم: قل لهم: أتخبرون
اللّه أنّ ما لا يشفع فى السموات ولا فى الأرض يشفع لكم فيهما؟ وذلك باطل""
(١) انظر تفسير ((الفلاح)) فيما سلف ١٤ : ٤١٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك
= وتفسير ((الإجرام)) فيما سلف من فهارس اللغة ( جرم).
(٢) انظر تفسير ((الشفاعة)) فيما سلف ص: ١٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((النبأ)) فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ).

٤٧
تفسير سورة يونس : ١٨ ، ١٩
لا تعلم حقيقته وصحته ، بل يعلم اللّه أن ذلك خلاف ما تقولون ، وأنها لا تشفع
لأحد، ولا تنفع ولا تضر = ((سبحانه وتعالى عما يشركون))، يقول: تنزيهاً لله وعلوًّا
عما يفعله هؤلاء المشركون ، (١) من إشراكهم فى عبادته ما لا يضر ولا ينفع ،
وافترائهم عليه الكذب .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ومَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أَنَّةً
وَحِدَةً فَأُخْتَلِفُواْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِىَ
بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وما كان الناس إلا أهل دين واحد وملة
واحدة ، فاختلفوا فى دينهم ، فافترقت بهم السبل فى ذلك = (( ولولا كلمة سبقت
من ربك))، يقول : ولولا أنه سبق من اللّه أنه لا يهلك قوماً إلا بعد انقضاء
آجالهم = ((لقضى بينهم فيما فيه يختلفون))، يقول: لقضى بينهم بأن يُهْلِك أهل
الباطل منهم ، وينجى أهل الحق . (٢)
#
#
وقد بينا اختلاف المختلفين فى معنى ذلك فى (( سورة البقرة))، وذلك فى قوله :
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةٌ وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِّينَ﴾، [سورة البقرة: ٢١٣]، وبينا
الصواب من القول فيه بشواهده ، فأغنى عن إعادته فى هذا الموضع . (٣)
١٧٥٨٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
(١) انظر تفسير ((سبحان)) فيما سلف ص، ٣٠، تعليق: ٣، والمراجع هناك
= وتفسير ((تعالى)) فيما سلف ١٣ : ٣١٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك
(٢) انظر تفسير ((قضى)) فيما سلف من فهارس اللغة (قضى) ..
(٣) انظر ما سلف ٤ : ٢٧٥ - ٢٨٠.

٤٨
تفير سورة يونس : ١٩ ، ٢٠
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا )) ، حين
قتل أحدُ ابنى آدم أخاه .
١٧٥٩٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا القاسم قال ، حدثنا عبد الله ، عن
ورقاء ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه .
١٧٥٩١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج ، عن مجاهد ، نحوه .
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ
٧٠/١١ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلهِ فَأَنْتَظِرُواْ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ
اَلْمُنْتَظِرِينَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ويقول هؤلاء المشركون : هلاًّ أنزل
على محمد آيةٌ من ربه (١) =يقول: عَلّمٌ ودليلٌ نعلم به أن محمداً محقٍّ فيما يقول؟(٢)
قال الله له: ((فقل))، يا محمد، ((إنما الغيب الله))، أي: لا يُعلم أحدٌ يفعل ذلك
إلا هو جل ثناؤه ، لأنه لا يعلم الغيب = وهو السرُّ والخفيّ من الأمور (٣) =
إلا اللّه . فانتظروا، أيها القوم، قضاءَ اللّه بيننا، بتعجيل عقوبته للمبطل منا ،
وإظهاره المحقّ عليه، إنى معكم ممن ينتظر ذلك. ففعل ذلك جل ثناؤه ، فقضى
بينهم وبينه بأن قتلهم يوم بدرٍ بالسيف.
(١) انظر تفسير ((لولا)) فيما سلف من فهارس مباحث العربية والنحو وغيرهما.
(٢) انظر تفسير ((آية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أبي).
(٣) انظر تفسير ((الغيب)) فيما سلف من فهارس اللغة (غيب).

٤٩
تفسير سورة يونس : ٢١
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن
بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِى ءَايَاتِنَا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ
مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإذا رزقنا المشركين باللّه فرجاً بعد
کرب ، ورخاء بعد شدّة أصابتهم ..
وقيل: عنى به المطر بعد القحط، و((الضراء))، هى الشدة، و((الرحمة))، هى
الفرج. يقول: ((إذا لهم مكر فى آياتنا))، استهزاء وتكذيبٌ، (١) كما : -
١٧٥٩٢ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((إذا لهم مكر فى آياتنا))، قال : استهزاء وتكذيب .
١٧٥٩٣ -.... قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد اللّه، عن ورقاء،
عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٧٥٩٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .
وقوله: ((قل الله أسرع مكراً))، يقول تعالى ذكره: ((قل))، لهؤلاء المشركين
المستهزئين من حججنا وأدلتنا، يا محمد = ((الله أسرع مكراً))، أى: أسرع مِحَالاً
بكم ، (٢) واستدراجاً لكم وعقوبةً، منكم ، من المكر فى آيات الله.
(١) انظر تفسير ((الذوق)) فيما سلف ١٤: ٢٣٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير ((الضراء)) فيما سلف ١٢: ٥٧٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
= وتفسير ((المس)) فيما سلف ص: ٣٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتغير ((الكريفي ملف ٣: ٥٠٢٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك ..
(٢) ((المحال)) (بكسر الميم): الكيد والمكر .
ج ١٥ (٤)

٥٠
تفسير سورة يونس : ٢١، ٢٢
والعرب تكتفى بـ ((إذا)) من ((فعلت))، و((فعلوا))، فلذلك حذف ((الفعل))
معها . (١)
وإنما معنى الكلام: ((وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم))، مكروا
فى آياتنا = فاكتفى من ((مكروا))، بـ((إذا لهم مكر)).
#
. =((إن رسلنا يكتبون ما تمكرون))، يقول: إن حفظتنا الذين نرسلهم إليكم،
أيها الناس، يكتبون عليكم ما تمكرون فى آياتنا .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتِىٌّ إِذَا كُنْتُمْ فِى الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحِ.
طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءُهُمُ الْمَوْجُ مِن
كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمٌْ دَعَوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هُذِهِ م لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّسُكِرِينَ﴾ ®)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : اللّه الذى يسيركم ، أيها الناس ، فى
البر على الظهر، وفى البحر فى الفلك = (( حتى إذا كنتم فى الفلك))، وهى
السفن(٢) = ((وجرين بهم))، يعنى: وجرت الفلك بالناس = ((بريح طيبة))، فى
البحر = ((وفرحوا بها))، يعنى: وفرح ركبان الفلك بالريح الطيبة التى
یسیرون بها .
#
(١) انظر معانى القرآن للفراء ١: ٤٥٩، ٤٦٠.
(٢) انظر تفسير ((الفلك)) فيما سلف ١٢ : ٥٠٢.

٥١
تفسير سورة يونس : ٢٢
و((الهاء)) فى قوله: ((بها))، عائدة على ((الريح الطيبة)).
٠ ٠
= ((جاءتها ريح عاصف))، يقول: جاءت الفلك ريحٌ عاصف، وهى
الشديدة .
والعرب تقول: ((ريح عاصف، وعاصفة))، و((قد أعصفت الريح ،
وعَصَّقت))، و((أعصفت))، فى بنى أسد، فيما ذكر، قال بعض بنى دُبَيْر: (١)
فِيهَاَ قِطَارٌ وَرَعْدٌ صَوْتُهُ زَجلُ(٢)
حَّ إذَا أَعْصَفَتْ رِيحٌ مُزَعْزِعَةٌ
. .
= ((وجاءهم الموج من كل مكان))، يقول تعالى ذكره : وجاء ركبان السفينة
الموجُ من كل مكان = (( وظنوا أنهم أحيط بهم )) ، يقول : وظنوا أن الهلاك قد
أحاط بهم وأحدق (٣) = ((دعوا الله مخلصين له الدين))، يقول : أخلصوا الدعاء
لله هنالك، دون أوثانهم وآلهتهم، وكان مفزعهم حينئذٍ إلى الله دونها، كما :-
١٧٥٩٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة فى قوله: ((دعوا الله مخلصين له الدين))، قال : إذا مسّهم
الضرُّ فى البحر أخلصوا له الدعاء .
١٧٥٩٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
الثوري، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة، عن أبى عبيدة فى قوله: ((مخلصين
له الدين))، = ((هيا شرا هيا)) (٤) تفسيره : يا حى يا قيوم.
١٧٥٩٧ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى
(١) لم أعرف قائله. و((بنو دبير)) من بنى أسد .
(٢) معانى القرآن الفراء ١: ٤٦٠ ((مزعزعة))، شديدة الهبوب، تحرك الشجر توشك أن تقتلعه.
و ((قطار)) جمع (قطر))، وهو المطر. و((رعد زجل)) رفيع الصوت متردده عاليه.
(٣) انظر تفسير ((الاحاطة)) فيما سلف ١٤: ٢٨٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٤) هكذا جاءت الكلمة، ولم أستطع أن أعرف ما هى، وهى أعجمية بلا ريب.

٥٢
تفسير سورة يونس : ٢٢
٧١/١١ قوله: ((وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم)) إلى آخر الآية، قال:
هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون ، فإذا كان الضر لم يدعوا إلاّ اللّه،
فإذا نجاهم إذا هم يشركون .
٠ ٠ ٠
=((لئن أنجيتنا))، من هذه الشدة التى نحن فيها = ((لنكونن من الشاكرين))،
لك على نعمك ، وتخليصك إيانا مما نحن فيه ، بإخلاصنا العبادة لك ، وإفراد
الطاعة دون الآلهة والأنداد .
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((هو الذى يسيركم)).
فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَبِرُكُمْ) من ((السير)) بالسين.
وقرأ ذلك أبو جعفر القارئ: ﴿هُوَ الَّذِى يَنْشُرُكُمْ﴾، من ((النشر))، وذلك
البسط، من قول القائل: ((نشرت الثوب))، وذلك بسطه ونشره من طيه.
...
فوجَّه أبو جعفر معنى ذلك إلى أن الله يبعث عباده فيبسطهم برًّاً وبحراً = وهو
قريب المعنى من ((التسيير)).
#
وقال: ((وجرين بهم بريح طيبة))، وقال فى مواضع آخر: ﴿فِى الْفُلْكِ
الْمَشْحُونِ﴾، فوحَّد، [سورة يس: ٤١].
٠ ٠ ٠
و ((الفلك)) اسم للواحدة، والجماع، ويذكر ويؤنث. (١)
#
#
قال: ((وجرين بهم))، وقد قال ((هو الذى يسيركم)) فخاطب ، ثم عاد
(١) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٤٦٠.

٥٣
تفسير سورة يونس : ٢٣،٢٢
إلى الخبر عن الغائب . وقد بينت ذلك فى غير موضع من الكتاب ، بما أغنى
عن إعادته فى هذا الموضع . (١)
وجواب قوله: ((حتى إذا كنتم فى الفلك)) = ((جاءتها ريح عاصف)).
٠ ٥
٠ ٠ ٠
وأما جواب قوله: ((وظنوا أنهم أحيط بهم)) فـ ((دعو الله مخلصين له الدين)).
#
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَلَمَّا أَنجُهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ
فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ◌َأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىْ أَنفُسِكُم
مَّتَعَ الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فلما أنجى الله هؤلاء الذين ظنُّوا فى
البحر أنهم أحيط بهم ، من الجهد الذى كانوا فيه، أخلفوا اللّه ما وعدُه ، وبغوا
فى الأرض، فتجاوزوا فيها إلى غير ما أذن الله لهم فيه، من الكفر به ، والعمل
بمعاصيه على ظهرها. (٢) يقول اللّه: يا أيها الناس، إنما اعتداؤكم الذى تعتدونه
على أنفسكم ، وإياها تظلمون. وهذا الذى أنتم فيه = ((متاع الحياة الدنيا ))،
يقول: ذلك بلاغ تبلغون به فى عاجل دنياكم. (٣)
وعلى هذا التأويل، ((البغى)) يكون مرفوعاً بالعائد من ذكره فى قوله: ((على
#
#
(١) انظر ما سلف ١: ١٥٤، ٣/١٩٦: ٣٠٤، ٦/٣٠٥: ٢٣٨، ٤٦٤ /٨: ٤٤٧/
١١ : ٢٦٤، ومواضع أخر ، اطلبها فى فهارس النحو والعربية وغيرهما .
(٢) انظر تفسير ((البغى)) فيما سلف ١٢ : ٤٠٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((المتاع. فيما سلف ١٤: ٣٤٠، تعليق ٣، والمراجع هناك.

٥٤
تفسير سورة يونس : ٢٣
أنفسكم))، (١) ويكون قوله ((متاع الحياة الدنيا))، مرفوعاً على معنى : ذلك
متاع الحياة الدنيا، كما قال: ﴿َلمْ يَلْبَغُوا إِلاَّ سَاعَةٌ مِنْ نَهَرِ بَلاَغَ﴾، [سورة
الأحقاف: ٣٥]، بمعنى : هذا بلاغ .
وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك : إنما بغيكم فى الحياة الدنيا على أنفسكم ،
لأنكم بكفركم تكسبونها غضبَ اللّه، متاعُ الحياة الدنيا ، كأنه قال : إنما بغيكم
متاعُ الحياة الدنيا، فيكون ((البغى)) مرفوعاً بـ ((المتاع))، و((على أنفسكم)) من
صلة ((البغی )).
٠
وبرفع ((المتاع)) قرأت القرأة سوى عبد الله بن أبي إسحق، فإنه نصبه، بمعنى:
إنما بغيكم على أنفسكم متاعاً فى الحياة الدنيا، فجعل ((البغى)) مرفوعاً بقوله: ((على
((أنفسكم))، و(المتاع)) منصوباً على الحال. (٢)
#
#
وقوله: (( ثم إلينا مرجعكم))، يقول: ثم إلينا بعد ذلك معادكم ومصيركم،
وذلك بعد الممات (٣) = ((فننبئكم بما كنتم تعملون))، يقول : فنخبركم يوم القيامة
بما كنتم تعملون فى الدنيا من معاصى الله، ونجازيكم على أعمالكم التى سلفت منكم
فى الدنيا . (٤)
(١) قراءتنا فى مصحفنا اليوم، فى مصر وغيرها، بنصب ((متاع))، وهى القراءة الأخرى التى
سيذكرها أبو جعفر، ولكنه جرى فيما سلف على تفسير قراءة الرفع .
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٤٦١، فى تأويل القراءتين.
(٣) انظر تفسير ((المرجع)) فيما سلف ص: ٢٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((النبأ)) فيما سلف ص: ٤٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.

تفسير سورة يونس : ٢٤
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إنمَا مَثَلُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
كَمَاءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ حُ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا
يَأْكُلُ الناسُ وَالْأَنْعُمُ حَتَّىٌّ إِذَآ أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفِهَا
وَأَزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَهَا أَمْرُنَا لَيْلًا
أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ
نُفَصِّلُ الْأَيْتِ لِقَوْمٍ يَتَّفَكَّرُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إنما مثل ما تباهون فى الدنيا وتفاخرون
به من زينتها وأموالها، مع ما قد وُكُلَ بذلك من التكدير والتنغيص، وزواله بالفناء
والموت = كمثل ماء أنزلنا من السماء ، يقول : كمطر أرسلناه من السماء إلى الأرض
= (( فاختلط به نبات الأرض))، يقول: فنبت بذلك المطر أنواعٌ من النبات ،
مختلطٌ بعضها ببعض ، كما : -
١٧٥٩٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن عطاء الخراسانى، عن ابن عباس قوله: ((إنما مَثَل الحياة الدنيا ٧٢/١١
كماء أنزلنا من السماء فاختلط به نبات الأرض))، قال : اختلط فنبت بالماء كل
لون مما يأكل الناس ، كالحنطة والشعير وسائر حبوب الأرض والبقول والثمار ،
وما يأكله الأنعام والبهائم من الحشيش والمراعى. (١)
وقوله: ((حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ))، يعنى: ظهر حسنها وبها ؤها (٢)
=(وازينت))، يقول: وتزينت (٣) = ((وظن أهلها))، يعنى: أهل الأرض
(١) انظر تفسير ((الأنعام)) فيما سلف ١٣: ٢٨٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الزخرف)) فيما سلف ١٢ : ٥٥، ٥٦.
(٣) انظر تفسير ((الزينة)) فيما سلف ص: ٣٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٥٦
تفسير سورة يونس : ٢٤
= (( أنهم قادرون عليها))، يعنى: على ما أنبتت .
٥
وخرج الخبر عن ((الأرض)) والمعنى للنبات ، إذ كان مفهوماً بالخطاب
ما عُنِى به .
#
#
۵
وقوله: ((أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً))، يقول: جاء الأرض = ((أمرنا))، يعنى:
قضاؤنا بهلاك ما عليها من النبات = إما ليلاً وإما نهاراً = ((فجعلناها))، يقول :
فجعلنا ما عليها = ((حصيداً))، يعنى : مقطوعة مقلوعة من أصولها. (١)
٠ ٠٠
= وإنما هى ((محصودة)) صرفت إلى ((حصيد).
٠ ٠٠
=(كأن لم تغن بالأمس))، يقول: كأن لم تكن تلك الزروع والنبات على
ظهر الأرض نابتةً قائمة على الأرض قبل ذلك بالأمس .
...
وأصله من: ((غَنِىَ فلان بمكان كذا، يَغْنَى به))، إذا أقام به، (٢)
كما قال النابغة الذبيانى :
غَنِيَتْ بِذْلِكَ إِذْ هُمُ لَكَ حِيرَةٌ مِنْهَ بِعَطْفِ رِسَلَةٍ وَتَوَُّّد (٣)
٠ ٠
يقول: فكذلك يأتى الفناء على ما تتباهون به من دنياكم وزخارفها ، فيفنيها
ويهلكها ، كما أهلك أمرُنا وقضاؤنا نبات هذه الأرض بعد حسنها وبهجها ، حتى
صارت كأن لم تغن بالأمس ، كأن لم تكن قبل ذلك نباتاً على ظهرها .
يقول الله جل ثناؤه: ((كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون))، يقول : كما
(١) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ٢٧٧.
(٢) انظر تفسير ((غنى بالمكان)) فيما سلف ١٢ : ٥٦٩، ٥٧٠.
(٣) ديوانه: ٦٥، وسيأتى فى التفسير ١٢: ٦٦ (بولاق)، وغيرهما ، من قصيدته المشهورة
التى وصف فيها المتجردة ، وقبله :
فِى إِثْرِ غانيةٍ رَمَتْكَ بِسَهْها
فَأَصَابَ قَلْبَكَ غَيْرَ أَنْ لَمْ تَقْصِدِ
وكان فى المطبوعة: ((إذ هم لى جيرة))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو مطابق لرواية ديوانه.

٥٧
تفسير سورة يونس : ٢٤
بینًا لکم، أيها الناس، مثل الدنيا وعرفنا کم حکمھا وأمرها ، کذلك نُبین حججنا
وأدلَّتنا لمن تفكّر واعتبر ونظر. (١) وخصّ به أهلَ الفكر، لأنهم أهل التمييز بين
الأمور ، والفحص عن حقائق ما يعرض من الشُّبَه فى الصدور.
...
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
· ذكر من قال ذلك :
١٧٥٩٩ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((حتى إذا أخذت الأرض زخرفها))، الآية، إلى والله، لن تشبّثَ بالدنيا
وحَدِب عليها ، لتوشك الدنيا أن تلفظه وتقضى منه .
١٧٦٠٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن قتادة: ((وازينت))، قال: أنبتت وحسُنَت.
١٧٦٠١ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا ابن عيينة ،
عن عمرو بن دينار ، عن عبد الرحمن بن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث
ابن هشام قال: سمعت مروان يقرأ على المنبر هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ
زُخْرُفَهَا وَازَّ يَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَاَ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُهْلِكَهَاَ
إلاَّ بِذُنُوبِ أَهْلِهَا﴾، قال: قد قرأتها وليست فى المصحف. فقال عباس بن عبد الله
ابن العباس : هكذا يقرؤها ابن عباس . فأرسلوا إلى ابن عباس فقال : هكذا
أقرأنى أبىُّ بن كعب . (٢)
(١) انظر تفسير ((تفصيل الآيات)) فيما سلف ص: ٢٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) الأثر: ١٧٦٠١ - ((الحارث))، هو: ((الحارث بن أبى أسامة))، ثقة، مضى مراراً.
و((عبد العزيز))، هو: ((عبد العزيز)) بن أبان الأموى، كذاب خبيث، وضاع للأحاديث ،
مضى مراراً ، آخرها رقم : ١٤٣٣٣ .
وأما ((عبد الرحمن بن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام))، فلم أجد له ذكراً فى الرواة .
وأبوه ((أبو بكر بن عبد الرحمن))، ((راهب قريش))، ثقة، فقيه، عالم ، عاقل ، مخى ، كثير
الحديث ، أحد فقهاء المدينة السبعة. ترجم له ابن حجر فى التهذيب، وابن سعد فى الطبقات ٥ : ١٥٣

٨ ٥
تفسير سورة يونس : ٢٤
١٧٦٠٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((كأن لم تغن بالأمس))، يقول: كأن لم تعشْ، كأن
لم تَنْعَم .
١٧٦٠٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو أسامة ،
عن إسمعيل قال ، سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول : فى قراءة أبىّ:
﴿ كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْرِ وَمَا أَهْلَكْنَهَ إلَّ بِذُنُوبٍ أَهْلِهاَ كَذْلِكَ نُفَصِّلُ
الْآيَاتِ لِقَوْمِ يَتَفَكَّرُونَ).(١)
#
۵
واختلفت القرأة فى قراءة قوله، ((وازينت)).
فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والعراق: ﴿وَأَزَّيَنَتْ) بمعنى: وتزينت ، ولكنهم
أدغموا التاء فى الزاى ، لتقارب مخرجيهما، وأدخلوا ألفاً ليوصل إلى قراءته ، إذ
كانت التاء قد سكنت ، والساكن لا يُبْتَدأ به .
٠ ٠٠
وحكى عن أبى العالية ، وأبى رجاء ، والأعرج ، وجماعة أخر غيرهم ،
أنهم قرأوا ذلك: ﴿وَأَزْيَنَتْ﴾، على مثال ((أفعلت)).
*
والزبيرى فى نسب قريش: ٣٠٣، ٣٠٤. وذكرابن سعد ولده فقال: ((فولد أبو بكر: عبد الرحمن
لا بقية له = وعبد اللّه، وعبد الملك، وهشاماً ... )). ولم يذكر ذلك الزبيرى فى نسب قريش، ولكنه
ذكر قصة قال فى أولها ((فقال لابنه عبد الله اذهب إلى عمك المغيرة بن عبد الرحمن ... )) ثم قال فى
نفس القصة بعد قليل: ((فذهب عبد الرحمن بن أبى بكر إلى عمه المغيرة بن عبد الرحمن)) هذه واحدة =
ثم قال ابن حجر فى ترجمة: ((عبد الله بن أبى بكر بن عبد الرحمن)): ((وسماه ابن سعد لما عد أولاد،
أبى بكر بن عبد الرحمن: عبد الرحمن))، ولكن قص ابن سعد مخالف لما قال الحافظ ابن حجر
فهما عنده رجلان بلا شك فى ذلك . ولم أجدما أستقصى من الأخبار حتى أفصل فى هذا الاختلاف .
و ((عبد الله بن أبى بكر بن عبد الرحمن))، ليس بثقة.
و ((مروان))، هو: ((مروان بن الحكم)).
وهذا الخبر كما ترى ، هالك الإسناد من نواحيه . والقراءة التى فيه إذا صحت من غير هذا الطريق
الهالك، فهى قراءة تفسير، كما هو معروف، وكما أشرنا إليه مراراً فى أشباهها . ولا يحل القارئ
أن يقرأ بمثلها على أنها نص التلاوة، لشذوذها، ولمخالفتها رسم المصحف بالزيادة، بغير حجة يجب التسليم لها.
(١) الأثر: ١٧٦٠٣ - ((أبو أسامة))، هو ((حماد بن أسامة بن زيد القرشى))، ثقة، . وى
له الجماعة مضى مراراً.

٥٩
تفسير سورة يونس : ٢٤، ٢٥
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فى ذلك: ﴿وَأَزَّيَنَتْ)، لإجماع الحجة
من القرأة عليها .
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَالله يَدْعُواْ إِلَىْ دَارِ السَّلَمِ ٧٣/١١
وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَطْ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لعباده : أيها الناس ، لا تطلبوا الدنيا
وزينتها ، فإن مصيرها إلى فناء وزوال ، كما مصير النبات الذى ضربه اللّه لها
مثلاً، إلى هلاك وبَوَارٍ، ولكن اطلبوا الآخرة الباقية، ولها فاعملوا ، وما عند اللّه
فالتمسوا بطاعته ، فإن الله يدعوكم إلى داره، وهى جناته التى أعدّها لأوليائه،
تسلموا من الهموم والأحزان فيها، وتأمنوا من فناءٍ ما فيها من النَّعيم والكرامة التى
أعدَّها لمن دخلها، وهو يهدى من يشاء من خلقه فيوفقه لإصابة الطريق المستقيم ،
وهو الإسلام الذى جعله جل ثناؤه سبباً للوصول إلى رضاه ، وطريقاً لمن ركبه
وسلك فیه إلى جنانه و کرامته ، (١) کما :-
١٧٦٠٤ - حدثی محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة قال: ((الله))، السلام، ودارُه الجنة.
١٧٦٠٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
((وإسماعيل))، هو ((إسماعيل بن أبى خالد الأحمسى))، ثقة، روى له الجماعة، مضى مراراً.
وأما ((أبو سلمة بن عبد الرحمن))، فلم يسمع من أبى بن كعب . فهو إسناد مرسل.
(١) انظر تفسير ((الهداية)) و(الصراط المستقيم)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى)،
(سرط)، (قوم).

٦.٠
تفسير سورة يونس : ٢٥
معمر، عن قتادة فى قوله: ((والله يدعو إلى دار السلام))، قال: ((اللّه)) هو
السلام ، ودارُه الجنة .
١٧٦٠٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن أيوب، عن أبى قلابة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال، قيل لى :
((لتّم عينُك، وليعقِل قلبك، ولتسمع أُذُنك))، فنامت عينى، وعقل
قلبى، وسمعت أذنى. ثم قيل: ((سيّدٌ بنى دارًا ثم صنع مأدبة ، ثم أرسل داعياً ،
فمن أجاب الداعى دخل الدار ، وأكل من المأدبة ، ورضى عنه السيد . ومن
لم يجب الداعى، لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة، ولم يرضَ عنه السيد)).
فالله السيد، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة، والداعى محمد صلى الله عليه وسلم. (١)
١٧٦٠٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((والله يدعو إلى دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم))، ذكر
لنا أن فى التوراة مكتوباً: (( يا باغى الخير هلمّ، ويا باغى الشرِّ انتَهِ)).
١٧٦٠٨ - حدثنى الحسين بن سلمة بن أبى كبشة قال، حدثنا عبد الملك
ابن عمرو قال، حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة قال، حدثى خُلَيَد العَصَرِىّ،
عن أبى الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من يوم طلعت فيه
شمسه، إلاّ وبجَنَبَتَيْها ملكان يناديان، يسمعُه خلق الله كلهم إلا الثَّقلين (٢):
(١) الأثر: ١٧٦٠٦ - ((أبو قلابة))، هو: ((عبد الله بن زيد الجرمى))، أحد أعلام
التابعين ، مضى مراراً .
فهذا خبر ((مرسل))، وسيأتى نحوه متصلا فى تخريج الأثر رقم : ١٧٦٠٩.
(٢) ((الجنبة)) (بفتح الجيم والنون، وبفتحها وإسكان النون) الناحية، ورواة الحديث يروون
((الجنبة)) بفتحتين ، وأهل اللغة يؤثرون سكون النون. ويستدلون على ذلك بقول أبى صعترة البولانى:
به جَنْبَتَ الجُودِيِّ والليلُ دَامِسُ
فما نُطْفَةٌ مِنْ حَبٌّ مُزْنِ تَقَاذَفَتْ
وَلَكِّنَِّى فِيمَا تَرَى العَيْنُ فَارِسُ
بأَطْيَبَ مَنْ فِيهَا، وَمَا ذُقْتُ طَعْمَهُ،
والذى رواه أهل الحديث جيد صحيح .