Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
.
تفسير سورة التوبة : ٩٢
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ
لِتَحْيِلَهُمْ قُلْتَ لَآَ أَجِدُ مَّا أَخِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَأَغْيُمْ تَفِيضُ
مِنَ اْلَّمْعِ حَزَنَا أَلَّا يَحِدُواْ ما يُنفِقُونَ ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولا سبيل أيضاً على النفر الذين إذا
ما جاءوك، لتحملهم، يسألونك الحُمْلان، ليبلغوا إلى مغزاهم الجهاد أعداءِ اللّه
معك، يا محمد ، قلت لهم: لا أجد حَمُولةً أحملكم عليها = ((تولوا))، يقول :
أدبروا عنك، (١) = ((وأعينهم تفيض من الدمع حزناً))، وهم يبكون من حزن
على أنهم لا يجدون ما ينفقون ، (٢) ويتحمَّون به للجهاد فى سبيل الله.
وذكر بعضهم : أن هذه الآية نزلت فى نفر من مزينة .
ذكر من قال ذلك :
١٧٠٨٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم
قلت لا أجد ما أحملكم عليه )) ، قال : هم من مزينة .
١٧٠٨١ - حدثنى المثنى قال، أخبرنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله ، عن
ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((ولا على الذين إذا ما أتوك ١٤٦/١٠
لتحملهم))، قال : هم بنو مُقَرِّنٍ ، من مزينة .
١٧٠٨٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ،
عن ابن جريج قراءةً، عن مجاهد فى قوله: (( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم »،
إلى قوله: ((حزناً أن لا يجدوا ما ينفقون))، قال : هم بنو مقرِّن، من مزينة .
(١) انظر تفسير ((التولى)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).
(٢) انظر تفسير ((تفيض من الدمع)) فيما سلف ١٠ : ٥٠٧ .

٤٢٢
تفسير سورة التوبة : ٩٢
١٧٠٨٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن
أبى نجيح ، عن مجاهد: (( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم))، قال : هم
بنو مقرِّن ، من مزينة .
١٧٠٨٤ -.... قال ، حدثنا أبى ، عن أبى جعفر، عن الربيع بن
أنس ، عن أبى العالية ، عن عروة ، عن ابن مغفل المزنى ، وكان أحد النفر
الذين أنزلت فيهم: (( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم )) ، الآية .
١٧٠٨٥ - حدثنى المثنى قال، أخبرنا إسحق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير،
عن ابن عيينة ، عن ابن جريج ، عن مجاهد فى قوله: (( تولوا وأعينهم تفيض من
الدمع حزناً))، قال : منهم ابن مقرِّن = وقال سفيان : قال الناس : منهم عرباض
ابن سارية .
*
وقال آخرون ، بل نزلت فى عِرْباض بن سارية .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٧٠٨٦ - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن ثور بن
يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمى وحجر بن حجر
الكلاعى قالا : دخلنا على عرباض بن سارية ، وهو الذى أنزل فيه: (( ولا على
الذين إذا ما أتوك لتحملهم )) ، الآية . (١)
١٧٠٨٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن قال ، حدثنا
الوليد قال ، حدثنا ثور ، عن خالد ، عن عبد الرحمن بن عمرو ، وحجر بن
حجر ، بنحوه .
#
وقال آخرون : بل نزلت فى نفر سبعة ، من قبائل شتى .
« ذكر من قال ذلك :
(١) الأثر: ١٧٠٨٦ - ((عبد الرحمن بن عمرو بن عبدة السلمى))، ثقة، مترجم فى
التهذيب. و((حجر بن حجر الكلاعى)) ) ثقة، مترجم فى التهذيب.

٤٢٣
تفسير سورة التوبة : ٩٢، ٩٣
١٧٠٨٨ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو معشر،
عن محمد بن كعب وغيره قال: جاء ناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
يستحملونه، فقال: ((لا أجد ما أحملكم عليه))! فأنزل الله: ((ولا على الذين إذا
ما أتوك لتحملهم)) الآية . قال : هم سبعة نفر: من بنى عمرو بن عوف:
سالم بن عمير = ومن بنى واقف : هرمی بن عمرو (١) == ومن بنى مازن بن النجار :
عبد الرحمن بن كعب ، يكنى أبا ليلى = ومن بنى المعلى : سلمان بن صخر = ومن
بنى حارثة : عبد الرحمن بن يزيد ، أبو عبلة ، وهو الذى تصدق بعرضه فقبله
الله منه - ومن بنى سَلِمة، عمرو بن غنمة، وعبد الله بن عمرو المزنى.
١٧٠٨٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قوله :
((ولا على الذين إذاما أتوك لتحملهم)) إلى قوله: ((حزناً))، وهم البكاؤون، كانوا سبعة. (٢)
#
#
القول فى تأويل قوله ﴿ إِنََّ السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَنْدِنُونَكَ ٢/١١
وَهُمْ أَغْنِيَاءَ رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَّالِِ وَطَعَ اللهُ عَلَىْ فُلُوبِهِمْ
فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (
١٣
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ما السبيل بالعقوبة على أهل العذر ،
يا محمد، ولكنها على الذين يستأذنوك فى التخلف خِلافَك، وترك الجهاد معك ،
وهم أهل غنى وقوّةٍ وطاقةٍ للجهاد والغزو، نفاقاً وشكًّا فى وعد الله ووعيده (٣)=
((رضوا بأن يكونوا مع الخوالف))، يقول: رضوا بأن يجلسوا بعدك مع النساء = وهن
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((حريمى بن عمرو))، والصواب ((هرمى)) بالهاء، انظر ترجمته فى الإصابة.
(٢) الأثر. ١٧٠٨٩ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٧، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٧٠٧٧،
وليس فيه فى هذا الموضع قوله: ((وهم سبعة)). وأما عدتهم عند ابن إسحق فقد ذكرها ابن هشام فى
سيرته ٤: ١٦١، وقال: ((وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم))، ثم عددهم.
(٣) انظر تفسير ((السبيل)) فيما سلف من فهارس اللغة (سبل).

٤٢٤
تفسير سورة التوبة : ٩٣ ، ٩٤
((الخوالف))، خلف الرجال فى البيوت، ويتركوا الغزو معك، (١) = ((وطبع
اللّه على قلوبهم))، يقول: وختم الله على قلوبهم بما كسبوا من الذنوب (٢) = (( فهم
لا يعلمون)) ، سوء عاقبتهم ، بتخلفهم عنك ، وتركهم الجهاد معك ، وما عليهم
من قبيح الثناء فى الدنيا ، وعظيم البلاء فى الآخرة .
القول فى تأويل قوله ﴿ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ
قُل لَّاتَعْتَذِرُواْلَنِ ثُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ تَبَّأَنَ اللهُ مِنْ أَخْبَرِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ
◌َلَكُمْ وَرَسُولُهُ, ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَاُلَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ
بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يعتذر إليكم، أيها المؤمنون بالله ، هؤلاء
المتخلفون خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، التاركون جهاد المشركين معكم
من المنافقين ، بالأباطيل والكذب، إذا رجعتم إليهم من سفركم وجهادكم = ((قل ))،
لهم، يا محمد ، = ((لا تعتذروا لن نؤمن لكم)) ، يقول: لن نصدَّقُكم على ما
تقولون = ((قد نبأنا اللّه من أخباركم))، يقول: قد أخبرنا اللّه من أخباركم ،
وأعلمنا من أمركم ما قد علمنا به كذبكم (٣)= ((وسيرى الله عملكم ورسوله))،
يقول: وسيرى الله ورسوله فيما بعدُ عملكم ، أنتوبون من نفاقكم، أم تقيمون عليه ؟
= ((ثم تردّون إلى عالم الغيب والشهادة))، يقول: ثم ترجعون بعد مماتكم - ((إلى عالم الغيب
والشهادة))، يعنى : الذى يعلم السرَّ والعلانية، الذى لا يخفى عليه بواطن أموركم
(١) انظر تفسير ((الخوالف)) فيما سلف ص: ٤١٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الطبع)) فيما سلف ص : ٤١٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((نبأ)) فيما سلف ص: ٣٤٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.

٤٢٥
تفسير سورة التوبة : ٩٤ ، ٩٥
وظواهرها (١) = (فينبئكم بما كنتم تعملون))، فيخبركم بأعمالكم كلها سيِّها وحسنها، (٢)
فيجازيكم بها : الحسنَ منها بالحسن ، والسئءَ منها بالسئُ.
القول فى تأويل قوله ( سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا أَنقَلَبْتُمْ
إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَغْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنْهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً
بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾
٩٥
٣/١١
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : سيحلف ، أيها المؤمنون بالله، لكم
هؤلاء المنافقون الذين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول اللّه = ((إذا انقلبتم إليهم.))،
يعنى: إذا انصرفتم إليهم من غزوكم (٣) = ((لتعرضوا عنهم))، فلا تؤنبوهم = ((فأعرضوا
عنهم))، يقول جل ثناؤه للمؤمنين : فدعوا تأنبيهم ، وخلوهم وما اختاروا لأنفسهم
من الكفر والنفاق (٤) = ((إنهم رجس ومأواهم جهنم))، يقول: إنهم نجس (٥))
= ((ومأواهم جهنم))، يقول: ومصيرهم إلى جهنم، وهى مسكنهم الذى يأوُونه
فى الآخرة (٦)= ((جزاء بما كانوا يكسبون))، (٧) يقول: ثواباً بأعمالهم التى كانوا
يعملونها فى الدنيا من معاصى الله. (٨)
(١) انظر تفسير ((عالم الغيب والشهادة)) فيما سلف من فهارس اللغة (غيب)، (شهد).
(٢) فى المخطوطة: ((سيئها)) وأسقط ((وحسنها))، والصواب ما فى المطبوعة.
(٣) انظر تفسير ((الانقلاب)) فيما سلف ١٣: ٣٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((الإعراض)) فيما سلف ص: ٣٦٩، تعليق: ٦، والمراجع هناك.
(٥) انظر تفسير ((الرجس)) فيما سلف ١٢: ١٩٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٦) انظر تفسير ((المأوى)) فيما سلف ص: ٣٦٠، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٧) فى المطبوعة والخطوطة ((جزاء بما كانوا يعملون))، سهو من النساخ فيما أرجح.
(٨) انظر تفسير ((الجزاء)) فيما سلف من فهارس اللغة (جزى).
= وتفسير («الكسب» فيما سلف من فهارس اللغة (كسب).

٤٢٦
تفسير سورة التوبة : ٩٫٥
وذكر أن هذه الآية نزلت فى رجلين من المنافقين ، قالا : ما ..
١٧٠٩٠ - حدثنا به محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((سيحلفون باللّه لكم إذا
انقلبتم إليهم لتعرضوا))، إلى ((بما كانوا يكسبون))، وذلك أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قيل له : ألا تغزو بنى الأصفر، (١) لعلك أن تصيب بنت عظيم الرُّوم،
فإنهنّ حِسان! (٢) فقال رجلان: قد علمت، يا رسول اللّه، أن النساء فتنة
فلا تفتنَّا بهنَّ! فأذن لنا! فأذن لهما . فلما انطلقا قال أحدهما : إن هو
إلا شَحْمةٌ لأوّل آكلٍ ! (٣) فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل عليه
فى ذلك شىء. فلما كان ببعض الطريق ، نزل عليه وهو على بعض المياه :
﴿لَوْ كَانَ عَرَضَا قَرِيبًاً وَسَفَاَ قَاصِداً لَأَنَُّكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّنَّةَ﴾
[ سورة التوبة: ٤٢]، ونزل عليه: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾، [سورة التوبة: ٤٣]،
ونزل عليه: ﴿لاَ يَسْتَأْذِنْكَ اُلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالَوْمِ الآخِرِ﴾، [سورة التوبة: ٤٤]،
ونزل عليه: ((إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون)). فسمع ذلك
رجل ممن غزا مع النبى صلى الله عليه وسلم، فأتاهم وهم خلفهم ، فقال : تعلمون
أنْ قَد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد كم قرآن؟ قالوا: ما الذى سمعت ؟
قال : ما أدری ، غير أنی سمعت أنه يقول: «إنهم رجس)) ! فقال رجل يدعى
((مخشياً))، (٤) والله لوددت أنى أجلد مئة جلدة، وأنى لست معكم! فأتى رسول
(١) ((بنو الأصفر))، هم الروم.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة ((فإنهم حسان)) والصواب ما أثبت.
(٣) ((الشحمة))، عنى بها قطعة من ((شحم سنام البعير))، وشحمة السنام من أطايب
البعير، يسرع إليها الآكل ، قال زفر بن الحارث الكلابى :
وَكُنَّا حَسِبْنَا كُلَّ بَيْضَاءَ شَحْمَةً
كَيَالِيَ قارَعْنَا جُذَامَ وحِيرًا
فَلَمَّا قَرَعْنَا النّبْعَ بالنَّبْعِ ، بَعْضَهُ
بِبَعضِ، أَبَتْ عِيدانُهُ أَنْ تَكَسَّر!
وفى المثل: ((ما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة)).
(٤) فى المخطوطة: ((محشى))، والصواب ما فى المطبوعة وهو ((محشى بن حمير الأشجعى))،
انظر ترجمته فى الإصابة .

٤٢٧
تفسير سورة التوبة : ٩٥
اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال: ما جاء بك؟ فقال: وجْهُ رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم تسفعه الريح ، وأنا فى الكِنِ !! (١) فأنزل اللّه عليه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ
يَقُولُ أُنْذِنْ لِ وَلَاَ نَفْتِنَى﴾ [سورة التوبة: ٤٩]، ﴿وَقَالُوالاَ تَنْفِرُوا فِى الحَرِّ﴾
[سورة التوبة: ٨١]، ونزل عليه فى الرجل الذى قال: ((لوددت أنى أجْلد مئة جلدة))
قُولُاللّه: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُذَبِّتُهُمْ بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾،
[سورة التوبة: ٦٤]، فقال رجل مع رسول الله: لئن كان هؤلاء كما يقولون، ما فينا
خير ! فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له : أنت صاحب الكلمة
التى سمعتُ ؟ فقال : لا، والذى أنزل عليك الكتاب ! فأنزل الله فيه :
﴿لَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الَكُغْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [سورة التوبة: ٧٤]، وأنزل فيه
﴿وَرِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾، [سورة التوبة: ٤٧].
١٧٠٩١ - حدثنى يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى يونس ،
عن ابن شهاب قال ، أخبرنى عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك : أن
عبد الله بن كعب قال : سمعت كعب بن مالك يقول : لما قدم رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم من تبوك، جلس للناس. فلما فعل ذلك، جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون
إليه ، ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً ، فقبل منهم رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى الله، وصَدَقته
حديثى . فقال كعب: والله ما أنعم الله علىّ من نعمة قطُّ، بعد أن هدانى للإسلام،
أعظمَ فى نفسى من صدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، أن لا أكون كذبتُه
فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن اللّه قال الذين كذبوا حين أنزل الوحى، (٢) شرَّ
(١) ((سفعته النار، والشمس، والسموم، تسفعه سفعاً))، لفحته لفحاً يسيراً فغيرت لون
بشرته وسودته. و ((الكن)) ( بكسر الكاف): ما يرد الحر والبرد من الأبنية والمساكن ، وكل
ما ستّر من الشمس والسموم فهو كن .
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((حين أنزل الوحى ما قال لأحد))، بإسقاط ((شر)»، وهو
لا يستقيم ، وأثبته من نص روايته فى صحيح مسلم .

٤٢٨
تفسير سورة التوبة : ٩٥ ، ٩٦
ما قال لأحد: (( سيحلفون باللّه لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم
٤/١١ إنهم رجسٌ" ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون))، إلى قوله: ((فإن الله لا يرضى
عن القوم الفاسقين)).(١)
#
القول فى تأويل قوله ﴿ يَخْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْ عَنْهُمْ فَإِن
تَرْضَوْ مَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يحلف لكم، أيها المؤمنون بالله، هؤلاء
المنافقون، اعتذاراً بالباطل والكذب = (( لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإنّ اللّه
لا يرضى عن القوم الفاسقين))، يقول : فإن أنتم، أيها المؤمنون ، رضيتم عنهم
وقبلتم معذرتهم ، إذ كنتم لا تعلمون صِدْقهم من كذبهم ، فإن رضاكم عنهم
غيرُ نافعهم عند اللّه، لأن الله يعلم من سرائر أمرهم ما لا تعلمون، ومن خفىّ
اعتقادهم ما تجهلون، وأنهم على الكفر بالله ..... (٢) يعنى أنهم الخارجون من
الايمان إلى الكفر بالله، ومن الطاعة إلى المعصية. (٣)
*
(١) الأثر: ١٧٠٩١ - هذا مختصر من الخبر الطويل فى توبة كعب بن مالك، رواه
مسلم فى صحيحه ١٧ : ٨٧ - ١٠٠، من هذه الطريق، وقد مضى جزء آخر منه برقم : ١٦١٤٧.
(٢) لا أشك أن موضع هذه النقط خرم فى كلام أبى جعفر ، من ناسخ كتابه ، وكأن صواب
الكلام: ((وأنهم على الكفر بالله مقيمون، وأنهم هم الفاسقون، يعنى: أنهم الخارجون ... ))،
أو كلاماً شبيهاً بهذا .
(٣) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف ص: ٤٠٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٤٢٩
تفسير سورة التوبة : ٩٧
القول فى تأويل قوله (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَقًاً وَأَجْدَرُ
أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَّا أَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ، وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره الأعراب أشدُّ جحوداً لتوحيد الله،
وأشدّ نفاقاً، من أهل الحضر فى القرى والأمصار . وإنما وصفهم جل ثناؤه بذلك،
الجفائهم ، وقسوة قلوبهم ، وقلة مشاهدتهم لأهل الخير، فهم لذلك أقسى قلوباً،
وأقلُّ علماً بحقوق اللّه .
وقوله: (( وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله))، يقول: وأخلق
أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، (١) وذلك فيما قال قتادة : السُّن.
١٧٠٩٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله))، قال : هم أقل
علماً بالسُّنْن .
١٧٠٩٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرحمن
ابن مغراء ، عن الأعمش ، عن إبراهيم قال : جلس أعرابى إلى زيد بن صَوْحان
وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوَنْد، فقال: والله إنّ حديثك
ليعجبنى ، وإن يدك لتُرِيبُنى! فقال زيد: وما يُريبك من يدى؟ إنها الشمال!
فقال الأعرابى: والله ما أدرى، اليمينَ يقطعون أم الشمالَ ؟ فقال زيد بن صوحان:
صدق الله: ((الأعرابُ أشدُّكفراً ونفاقاً وأجدر أن لا يعلموا حدودما أنزلَ الله على
رسوله )) . (٢)
#
(١) انظر تفسير ((حدود الله)) فيما سلف ٨: ٦٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) الأثر: ١٧٠٩٣ - ((عبد الرحمن بن مغراء الدوسى))، ثقة، متكلم فيه. مضى
رقم: ١١٨٨١. وكان فى المطبوعة: ((عبد الرحمن بن مقرن))، لم يحسن قراءة المخطوطة ، فبدل
من عند نفسه .

٤٣٠
تفسير سورة التوبة : ٩٧ ، ٩٨.
وقوله: ((والله عليم حكيم)) يقول: ((والله عليم))، بمن يعلم حدود ما أنزل
على رسوله ، والمنافق من خلقه ، والكافرِ منهم، لا يخفى عليه منهم أحد= ((حكيم))،
فى تدبيره إياهم، وفى حلمه عن عقابهم، مع علمه بسرائرهم وخداعهم أولياءه. (١)
*
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمَا
وَ يَتَرَّصُ بِكُمُ الَّوَإَِ عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : ومن الأعراب من يَعُدُّ نفقته التى ينفقها
فى جهادَ مشرك ، أو فى معونة مسلم، أو فى بعض ما ندب اللّه إليه عباده
= (( مغرماً))، يعنى: غرماً لزمه، لا يرجو له ثواباً ، ولا يدفع به عن نفسه عقاباً
=((ويتربص بكم الدوائر))، يقول: وينتظرون بكم الدوائر، (٢) أن تدوربها الأيام والليالى
إلى مكروه ومجىء محبوب، (٣) وغلبة عدوّ لكم. (٤) يقول الله تعالى ذكره: ((عليهم
دائرة السوء))، يقول: جعل الله دائرة السوء عليهم، ونزول المكروه بهم، لا عليكم
أيها المؤمنون، ولا بكم= ((والله سميع))، لدعاء الداعين = ((عليم )) بتدبيرهم ،
وما هو بهم، نازلٌ من عقاب الله، وما لهم إليه صائرون من أليم عقابه. (٥)
و((زيد بن صوحان العبدى))، أدرك النبى صلى الله عليه وسلم، ثقة قليل الحديث، مضى
برقم : ١٣٤٨٦ .
وهذا الخبر رواه ابن سعد فى الطبقات ٦: ٨٤، ٨٥ من طريق يعلى بن عبيد ، عن الأعمش ،
عن إبراهيم .
(١) انظر تفسير ((عليم)) و((حكيم))، فيما سلف من فهارس اللغة (علم)، (حكم).
(٢) انظر تفسير ((التربص)) فيما سلف ص: ٢٩١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) فى المطبوعة ((وذفى محبوب))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهى سيئة الكتابة.
(٤) انظر تفسير ((الدوائر)) فيما سلف ١٠ : ٤٠٤.
(٥) انظر تفسير ((سميع)) و((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (سمع)، (على) .

٤٣١
تفسير سورة التوبة : ٩٨
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٧٠٩٤ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قول الله: ((ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ويتربص بكم الدوائر))، قال :
هؤلاء المنافقون من الأعراب، الذين إنما ينفقون رياءً، اتَّقَاءَ أن يُغْزَوْا أو يُحاربوا
أو يقاتلوا، ويرون نفقتهم مغرماً. ألا تراه يقول: ((ويتربص بكم الدوائر عليهم
دائرة السوء)) ؟
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأه عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ﴿عَلَيهِم دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بفتح السين ،
بمعنى النعت لـ ((الدائرة))، وإن كانت ((الدائرة)) مضافة إليه، كقولهم: ((هو
رجل السَّوْء)) و((امر ؤ الصدق))، من كأنه إذا فُتح مصدرٌ من قولهم: ((سؤته أسوءه
سَوْءَاً ومَسَاءَةٌ ومَسَائِيَةً)). (١)
٥/١١
#
وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض البصريين: ﴿عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السُّوءِ﴾، بضم
السين ، كأنه جعله اسماً ، كما يقال : عليه دائرة البلاء والعذاب . ومن قال :
((عليهم دائرة السُّوء)) فضم، لم يقل: ((هذا رجل السُّوء)) بالضم، و((الرجل السُّوء))، (٢)
وقال الشاعر : (٣)
وكَنْتُ كَذِئْبِ السَّوْءِ لَمَّا رَأَى دَمَا بِصَاحِبِهِ يَوَمَاً أحَالَ عَلَى الدَّمِ(٤)
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٤٤٩، ٤٥٠ .
(٢) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٤٥٠.
(٣) هو الفرزدق .
(٤) ديوانه: ٧٤٩، وطبقات فحول الشعراء: ٣٠٦، والحيوان ٥ : ٣١٩، ٦ :
٢٩٨، واللسان (حول)، وغيرها كثير، من أبيات لها خبر طويل. وقوله: ((أحال على الدم))،
أى : أقبل عليه . والذئبان ربما أقبلا على الرجل إقبالا واحداً، وهما سواء على عدواته والجزم على

٤٣٢
تفسير سورة التوبة : ٩٨ ، ٩٩
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة فى ذلك عندنا بفتح السين ، بمعنى :
عليهم الدائرة التى تَسُوءهم سوءاً. كما يقال: ((هو رجل صِدْق))، على وجه النعت.
القول فى تأويل قوله ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَأَلْيَوْمِ
اْأَخِرِ وَيَتَّخِذَ مَا يُنفِقُ قُرُبَتٍ عِندَ اللهِ وَصَلَوَّتِ الرَّسُولِ أَلَآ إِنَّهَ
قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُ اللهُ فِ رَتِهِ مَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ومن الأعراب من يصدِّق اللّه ويقرّ
بوحدانيته ، وبالبعث بعد الموت ، والثواب والعقاب ، وينوى ما ينفق من نفقة
فى جهاد المشركين، (١) وفى سفره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم = ((قربات ]
عند اللهأ))، و((القربات)) جمع ((قربة))، وهو ما قرَّبه من رضى اللّه ومحبته =
((وصلوات الرسول))، يعنى بذلك: ويبتغى بنفقة ما ينفق ، مع طلب قربته من
الله، دعاء الرسول واستغفاره له .
#
وقد دللنا، فيما مضى من كتابنا، على أن من معانى (( الصلاة))، الدعاء، بما أغنى
عن إعادته فى هذا الموضع. (٢).
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
*
ذكر من قال ذلك :
*
١٧٠٩٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية، عن على،
أكله، فإذا أدمى أحدهما وثب على صاحبه فزقه وأكله، وترك الإنسان ( من كلام الجاحظ). وقد
كرر الفرزدق هذا المعنى فى قوله :
فَتَّى الْسَ لِأَ بْنِ العَمِّ كَالذَّنْبِ، إِن رَأَى بِصَاحِبِهِ يَوْماً دَماً فَهْوَ آكِلُهْ
(١) فى المطبوعة: ((ينوى بما ينفق))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب.
(٢) انظر تفسير ((الصلاة)) فيما سلف من فهارس اللغة (صلا).

٤٣٣
تفسير سورة التوبة : ٩٩
عن ابن عباس قوله: ((وصلوات الرسول))، يعنى: استغفار النبىّ عليه السلام.
١٧٠٩٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول))،
قال : دعاء الرسول: هذه ثَنِيَّةُ اللّه من الأعراب. (١)
١٧٠٩٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر))،
قال : هم بنو مقرِّن ، من مزينة ، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إذَا
مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَواْ وَأَعْيُهُمْ تَفِيضُ مِنَ
الدَّمْعِ حَزَنًا﴾، [سورة التوبة: ٩٢]. قال: هم بنو مقرّن، من مزينة = قال، حدثنى
حجاج قال ، قال ابن جريج قوله: ((الأعراب أشد كفرًا ونفاقاً))، ثم استثنى
فقال: ((ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر)) ، الآية .
١٧٠٩٨ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا جعفر ،
عن البخترىّ بن المختار العبدى قال، سمعت عبد الرحمن بن معْقل قال : كنا
عشرة ولد مقرّن، فنزلت فينا: ((ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر))،
إلى آخر الآية . (٢)
(١) ((الثنية))، ما استثنى من شىء، وفى حديث كعب الأحبار: ((الشهداء ثنية اللّه فى
الأرض))، يعنى هم من الذين استثناهم الله من الصعقة الأولى، تأول ذلك فى قوله تعالى: ((ونفخ فى
الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء اللّه))، فجعل منهم الشهداء ، لأنهم أحياء
عند ربهم يرزقون .
(٢) الأثر: ١٧٠٩٨ - ((البخترى بن المختار العبدى))، ثقة. مترجم فى الكبير ١٣٦/٢/١
وأبن أبى حاتم ١ / ١ / ٤٢٧.
و «عبد الرحمن بن معقل المزنى))، تابعى ثقة، وعده بعضهم فى الصحابة لهذا الحديث .
فقال الحافظ بن حجر: (( إنما عنى بقوله: كنا = أباه وأعمامه، وأما هو فيصغر عن ذلك . ومن
أعمامه عبد الرحمن بن مقرن، ذكره ابن سعد فى الصحابة)». وهو مترجم فى التهذيب ، وابن سعد
٦ : ١٢٢، وابن أبى حاتم ٢٨٤/٢/٢.
ج ١٤ (٢٨)

٤٣٤
تفسير سورة التوبة : ٩٩، ١٠٠
قال أبو جعفر: قال اللّه: ((ألا إنها قُرْبة لهم))، يقول تعالى ذكره : ألا
إنّ صلوات الرسول قربة لهم من الله .
وقد يحتمل أن يكون معناه : ألا إنّ نفقته التى ينفقها كذلك ، قربةٌ لهم
عند الله = ((سيدخلهم الله فى رحمته))، يقول : سيدخلهم الله فيمن رحمه فأدخله
برحمته الجنة = ((إن الله غفورٌ))، لما اجترموا = ((رحيم))، بهم مع توبهم
وإصلاحهم أن يعذبهم . (١)
#
القول فى تأويل قوله ﴿ وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِين
وَأَلْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّعُوهُمْ بِإِحْسَنٍ رَضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْعَنْهُ وَأَعَدَّلَهُمْ
جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَ الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (®
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : والذين سبقوا الناس أولاً إلى الإيمان بالله
ورسوله = ((من المهاجرين)) ، الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم ، وفارقوا منازلهم
٦/١١ وأوطانهم (٢) = ((والأنصار))، الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على
أعدائه من أهل الكفر بالله ورسوله (٣) = ((والذين اتبعوهم بإحسان))، يقول:
والذين سلكوا سبيلهم فى الإيمان بالله ورسوله ، والهجرة من دار الحرب إلى دار
الإسلام، طلبَ رضى اللّه (٤) = ((رضى الله عنهم ورضوا عنه)).
وكان فى المطبوعة: ((عبد اللّه بن مغفل))، غير ما فى المخطوطة، وبدل، وصحف، وأساء
إساءة لا يعذر فيها .
(١) انظر تفسير ((غفور)) و((رحيم)) فيما سلف من فهارس اللغة (غفر)، (رحم).
(٢) انظر تفسير ((الهجرة)) فيما سلف ص : ١٧٣، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((الأنصار)) فيما سلف ١٠: ٤٨١، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((الإحسان)) فيما سلف من فهارس اللغة (حسن).

٤٣٥
تفبير سورة التوبة : ١٠٠
واختلف أهل التأويل فى المعنىّ بقوله: ((والسابقون الأوَّلون)).
فقال بعضهم : هم الذين بايعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيعة الرضوان ،
أو أُدْركوا .
* ذكر من قال ذلك .
١٧٠٩٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر ، عن إسماعيل ،
عن عامر: ((والسابقون الأوّلون))، قال : من أدرك بيعة الرضوان.
قال ، حدثنا ابن فضيل، عن مطرف ، عن عامر
١٧١٠٠ - .
قال : المهاجرون الأوّلون ، من أدرك البيعة تحت الشجرة .
١٧١٠١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى قال ، حدثنا إسمعيل بن أبى
خالد ، عن الشعبى قال : المهاجرون الأولون ، الذين شهدوا بيعة الرضوان .
١٧١٠٢ - حدثنى الحارث قال : حدثنا عبد العريز قال ، حدثنا سفيان
عن مطرف، عن الشعبى قال: ((المهاجرون الأولون))، من كان قبل البيعة إلى
البيعة، فهم المهاجرون الأوّلون، ومن كان بعد البيعة، فليس من المهاجرين الأولين .
١٧١٠٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال ،
أخبرنا إسماعيل ومطرف، عن الشعبى قال: ((السابقون الأولون من المهاجرين
والأنصار )) ، هم الذين بايعوا بيعة الرضوان .
١٧١٠٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ،
عن داود ، عن عامر قال: فَصْل ما بين الهجرتين بيعة الرضوان، وهى بيعة الحديبية.
١٧١٠٥ - حدثنى المثنى قال: أخبرنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم
قال ، أخبرنا إسمعيل بن أبى خالد ومطرف ، عن الشعبى قال : هم الذين بايعوا
بيعة الرضوان .
١٧١٠٦ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبثر

٤٣٦
تفسير سورة التوبة : ١٠٠
أبو زبيد، عن مطرف، عن الشعبى قال: المهاجرون الأولون، من أدرك بيعة الرضوان . (١)
وقال آخرون: بل هم الذين صلوا القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
* ذكر من قال ذلك :
١٧١٠٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم ، عن قيس ، عن
عثمان الثقفى ، عن مولى لأبى موسى ، عن أبى موسى قال : المهاجرون الأولون ،
من صلى القبلتين مع النبيّ صلى الله عليه وسلم .
١٧١٠٨ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا قيس
ابن الربيع ، عن عثمان بن المغيرة ، عن أبى زرعة بن عمرو بن جرير ، عن مولى
لأبى موسى قال: سألت أبا موسى الأشعرى عن قوله: ((والسابقون الأولون من
المهاجرين والأنصار))، قال : هم الذين صلوا القبلتين جميعاً .
١٧١٠٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن أبى هلال ، عن قتادة
قال: قلت لسعيد بن المسيب: لم ◌ُمُّوا ((المهاجرين الأولين))؟ قال: من صلى مع
النبى صلى اللّه عليه وسلم القبلتين جميعاً، فهو من المهاجرين الأولين .
١٧١١٠ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن
أبى عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: المهاجرون الأولون ، الذين
صلوا القبلتين .
١٧١١١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة ،
عن سعيد بن المسيب قوله: (( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار))، قال:
هم الذين صلوا القبلتين جميعاً .
١٧١١٢ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عباس بن الوليد قال ، حدثنا
(١) الأثر: ١٧١٠٦ - ((عبثر، أبو زبيد))، هو ((عبثر بن القاسم الزبيدى،
أبو زبيد)»، مضى برقم : ١٢٤٠٢، وغيرها .

٤٣٧
تفسير سورة التوبة : ١٠٠
يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، مثله .
١٧١١٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال : أخبرنا هشيم ،
عن بعض أصحابه ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب = وعن أشعث ، عن ابن
سيرين = فى قوله: ((والسابقون الأولون))، قال : هم الذين صلوا القبلتين.
١٧١١٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن معاذ قال ، حدثنا ابن
عون ، عن محمد ، قال : المهاجرون الأولون ، الذين صلوا القبلتين .
١٧١١٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار))، قال: ٧/١١
هم الذين صلوا القبلتين جميعاً .
#
وأما الذين اتبعوا المهاجرين الأولين والأنصار بإحسان ، فهم الذين أسلموا
اللّه إسلامَهم ، وسلكوا منهاجهم فى الهجرة والنصرة وأعمال الخير ، كما : -
١٧١١٦ - حدثنا أحمد بن إسحق قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
أبو معشر ، عن محمد بن كعب قال : مرّ عمر برجل وهو يقرأ هذه الآية :
((والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان))، قال :
من أقرأك هذه الآية ؟(١) قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب . قال : لا تفارقنى حتى
أذهب بك إليه! فأتاه فقال: أنت أقرأت هذا هذه الآية ؟ قال: نعم ! قال: وسمعتها
من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؟! قال: [نعم!]. (٢) قال: لقد كنتُ أرانا رُفِعنا رَفْعَةً
لا يبلُغها أحدٌ بعدنا! فقال أبىّ: تصديق ذلك فى أول الآية التى فى أول الجمعة، (٣)
(١) استفهام عمر، كما سيظهر فى رقم: ١٧١١٨، عن قراءة الآية بخفض ((الأنصار))
وبالواو فى ((والذين))، وقراءته هو، رفع ((الأنصار)) وبغير واو فى قوله (( الذين اتبعوهم)).
(٢) الزيادة بين القوسين لا بد منها ، وليست فى المخطوطة ولا المطبوعة، ونقلتها من تفسير
ابن كثير ٤ : ٢٢٩ .
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((قال: وتصديق ذلك فى أول الآية))، وهو غير مستقيم
صوابه من تفسير ابن كثير ٤ : ٢٢٩، وانظر الأثر التالى .

٤٣٨
تفسير سورة التوبة : ١٠٠
وأوسط الحشر ، وآخر الأنفال. أما أول الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِم﴾،
[سورة الجمعة: ٣]، وأوسط الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءوا مِنْ بَعْدِهِمِ يَقُولونَ رَبَّنَا
أُغْفِرْ لَنَاوِلِإِخْوَانِنَا الَّذِينِ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾، [سورة الحشر: ١٠]، وأما آخر الأنفال:
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾،
[ سورة الأنفال : ٧٥ ] .
١٧١١٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا الحسن بن عطية قال ، حدثنا
أبو معشر ، عن محمد بن كعب القرظى قال : مرّ عمر بن الخطاب برجل يقرأ
((والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)) حتى بلغ: ((ورضوا عنه))، قال:
وأخذ عمر بيده فقال : من أقرأك هذا ؟ قال : أبى بن كعب ! فقال : لا تفارقى
حتى أذهب بك إليه ! فلما جاءه قال عمر : أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا ؟
قال: نعم! قال: أنت سمعتها من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؟ قال: نعم! قال:
لقد كنت أظن أنّا رُفِعنا رَفْعة لا يبلغها أحدٌ بعدنا! فقال أبىّ: بلى، تصديق هذه
الآية فى أول سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ إلى ﴿وَهُوَ العَزِيزُ
الْحَكِيمُ﴾، وفى سورة الحشر: ﴿ وَالَّذِينَ جَاوُوا مِن بَعْدِهِمِ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرِ لَنَا
ولِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانَ﴾، وفى الأنفال: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ
(وهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ وَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾، إلى آخر الآية .
وروی عن عمر فى ذلك ما :-
١٧١١٨ - حدثنى به أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم قال ، حدثنا
حجاج ، عن هرون ، عن حبيب بن الشهيد، وعن ابن عامر الأنصارى: أن عمر
ابن الخطاب قرأ: ﴿وَالسّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارُ الَّذِينَ أَنَّبَعُوهُمْ
بإِحْسَانٍ﴾، فرفع ((الأنصار)) ولم يلحق الواو فى ((الذين))، فقال له زيد بن ثابت
والذين اتبعوهم بإحسان))، فقال عمر: ((الذين اتبعوهم بإحسان))، فقال زيد :

٤٣٩
تفسير سورة التوبة : ١٠٠
أمير المؤمنين أعلم ! فقال عمر : ائتونى بأبىّ بن كعب . فأتاه ، فسأله عن ذلك ،
فقال أبى: ((والذين اتبعوهم بإحسان))، فقال عمر: إذاً نتابع أبَيًّا.
قال أبو جعفر: والقراءة على خفض ((الأنصار))، عطفاً بهم على (المهاجرين)).
*
*
وقد ذكر عن الحسن البصرى أنه كان يقرأ: ﴿الأنْصَارُ﴾، بالرفع ، عطفاً بهم
على ((السابقين)) .
قال أبو جعفر: والقراءة التى لا أستجيز غيرها، الخفضُ فى ﴿الأنْصَارِ﴾،
الإجماع الحجة من القرأة عليه ، وأن السابق كان من الفريقين جميعاً ، من
المهاجرين والأنصار ، وإنما قصد الخبر عن السابق من الفريقين ، دون الخبر
عن الجميع = وإلحاق ((الواو)) فى ((الذين اتبعوهم بإحسان))، (١) لأن ذلك كذلك
فى مصاحف المسلمين جميعاً، على أن ((التابعين بإحسان))، غير ((المهاجرين
والأنصار))، وأما ((السابقون))، فإنهم مرفوعون بالعائد من ذكرهم فى قوله: ((رضى
الله عنهم ورضوا عنه )) .
#
ومعنى الكلام : رضى اللّه عن جميعهم لما أطاعوه، وأجابوا نبيّه إلى
ما دعاهم إليه من أمره ونهيه- ورضى عنه السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار،
والذين اتبعوهم بإحسان، لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه ، وإيمانهم به وبنبيه
عليه السلام = ((وأعد لهم جناتٍ تجرى تحتها الأنهار))، يدخلونها = ((خالدين فيها))،
لابثين فيها (٢) = ((أبداً))، لا يموتون فيها ولا يخرجون منها (٣) = ((ذلك الفوز العظيم)). (٤)
#
#
٨/١١
(١) قوله: ((وإلحاق الواو)) معطوف على قوله: ((والقراءة التى لا أستجيز غيرها،
الخفض ٠ ٠٠)) .
(٢) انظر تفسير ((الخلد)) فيما سلف من فهارس اللغة (خلد).
(٣) انظر تفسير ((أبداً)) فيما سلف ص: ١٧٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((الفوز)) فيما سلف ص: ٤١٥، تعليق: ٨، والمراجع هناك.

٤٤٠
تفسير سورة التوبة : ١٠١
القول فى تأويل قوله ﴿وَثَمِنْ حَوْلَكُمُ مِّنَ اْلْأَعْرَابِ مُتَفِقُونَ وَمِنْ
أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ◌ْلِفَقِ لَ تَعلَمُمْ نَحْنُ نَعْلَهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ
ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) (
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ومن القوم الذين حول مدينتكم من
الأعراب منافقون ، ومن أهل مدينتكم أيضاً أمثالهم أقوامٌ منافقون.
٥
#
وقوله: ((مردوا على النفاق))، يقول: مرَّنُوا عليه ودَرِبوا به.
ومنه: ((شيطانٌ مارد، ومَرِيد))، وهو الخبيث العاتى. ومنه قيل: «تمرّد فلان
على ربه))، أى: عتَا، ومرنَ على معصيته واعتادها.(١)
وقال ابن زيد فى ذلك ما : -
١٧١١٩ - حدثى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((ومن أهل المدينة مردوا على النفاق))، قال : أقاموا عليه، لم يتوبوا كما
تابَ الآخرون .
١٧١٢٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن اسحق: «ومن
أهل المدينة مردوا على النفاق))، أى: لجُّوا فيه، وأبوْاً غيرَه . (٢)
٠
٠
= (( لا تعلمهم))، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تعلم، يا محمد ،
أنت هؤلاء المنافقين الذين وصفتُ لك صفتهم ممن حولكم من الأعراب ومن أهل
(١) انظر تفسير ((مريد)) فيما سلف ٩: ٢١١، ٢١٢. وفى المطبوعة: ((أى: عنا
ومرد على معصيته ... ))، والصواب ما فى المخطوطة.
(٢) الأثر: ١٧١٢٠ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٨، وهو تابع الأثر السالف رقم:
٠١٧٠٨٩