Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
تفسير سورة التوبة : ٥٨
ومنه قول الآخر: (١)
إِذَا لَقَيْئُكَ تُبْدِى لِ مُكَاشَرَةً وَإِنْ أُغَيِّبْ، فَأَنْتَ العَائِبُ اللََّزَهْ (٢)
٠٠٠
= ((فإن أعطوا منها رضوا))، يقول: ليس بهم فى عيبهم إياك فيها ، وطعنهم
عليك بسببها ، الدِّينُ، ولكن الغضب لأنفسهم، فإن أنت أعطيتهم منها ما يرضيهم
رضوا عنك ، وإن أنت لم تعطهم منها سخطوا عليك وعابوك .
#
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
قَرَبْتُ بَيْنَ عَنَقِى وَجَمْزِى
فَإِن تَرَيْنِ اُلْيَوْمَ أُمَّ خْزٍ
فِى ظِلِّ عَصْرَىْ بَاطِ وَلَمْزِى
مِنْ بَعْدٍ تَقْعَاصِ الشََّبِ الأَبْزِ
لَاقٍ حِمَامَ الأَجَلِ المُجْتَزِّ
فَكُلُّ بَدْءٍ صَالحِ أَوْ نِقْزٍ
(أم حمز))، يعنى ((أم حمزة)). و((العنق)) ضرب من العدو، و((الجمز)) فوق العنق،
ودون الحضر، وهو العدو الشديد . يعنى ما تقارب من جريه لما كبر. و ((تقماص الشباب))، من
((القمص))، ((قمص الفرس))، إذا نفر واستن، وهو أن يرفع يديه ويطرحهما معاً، ويعجن برجليه.
و((التقماص)) مصدر لم تذكره كتب اللغة. و((الأبز)): الشديد الوثب، المتطلق فى عدوه، يقال :
((ظبى أبوز، وأباز))، ولم يذكروا فى الصفات ((الأبز))، وهو هنا صفة بالمصدر. و((البدء)):
السيد الشاب المقدم المستجاد الرأى. و((النقز)) (بكسر النون): الخسيس الرذال من الناس .
(١) هو زياد الأعجم .
(٢) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ٢٦٣، إصلاح المنطق: ٤٧٥، والجمهرة لابن دريد
٣ : ١٨، والمقاييس ٦: ٦٦، واللسان (همز)، وسيأتى فى التفسير ٣٠: ١٨٨ (بولاق) بغير
هذه الرواية ، وهى :
تُدْلِى بِوُدٍ إِذَا لَا قَيْتَنِى كَذِبًا وَإِنْ أُغَيِّبْ فأنت الَهَامِزُ الَُّزَهْ
وهى رواية ابن السكيت ، وابن فارس ، والطبرى بعد ، ورواية ابن دريد ، وصاحب اللسان ،
وابن دريد .
• إِذَا لَقِيتُكَ عن شَحْطِ تُكَاشِرُنى .
بقوله: ((وإن أغيب)) بالبناء للمجهول، لا كما ضبط فى جاز القرآن.

٣٠٢
تفسير سورة التوبة : ٥٨
١٦٩١٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن
أبى نجيح، عن مجاهد قوله: ((ومنهم من يلمزك فى الصدقات))، قال: يروزك. (١)
١٦٨١٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((ومنهم من يلمزك فى الصدقات))، يروزك
ويسألك ، (١) قال ابن جريج: وأخبرنى داود بن أبى عاصم قال : أتى النبي
صلى الله عليه وسلم بصدقة فقسمها ههنا وههنا حتى ذهبت . قال: ورآه رجل
من الأنصار فقال : ما هذا بالعدل ؟ فنزلت هذه الآية .
١٦٨١٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
١٠٩/١٠ قوله: ((ومنهم من يلمزك فى الصدقات))، يقول: ومنهم من يطعُنُ عليك فى
الصدقات. وذكرلنا أن رجلاً من أهل البادية حديث عهدٍ بأعرابيّةٍ ، أتى نبى الله
صلى اللّه عليه وسلم وهو يقسم ذهباً وفضة، فقال: يا محمد، والله لئن كان اللّه
أمرك أن تعدل ، ما عدلت ! فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: ويلك ! فمن
ذا يعدل عليك بعدى ! ثم قال فى اللّه صلى اللّه عليه وسلم : احذروا هذا وأشباهه
فإن فى أمتى أشباه هذا ، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، فإذا خرجوا فاقتلوهم ،
ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم. وذكر لنا أن نبى الله صلى الله
عليه وسلم، كان يقول: والذى نفسى بيده ، ما أعطيكم شيئاً ولا أمنعكموه ، إنما
أنا خازن .
١٦٨١٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((ومنهم من يلمزك فى الصدقات))، قال : يطعن.
... قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الزهرى ،
١٦٨١٧ - ٠
(١) ((رازه يروزه روزاً))، اختبره وامتحنه، وقد ذكر هذا الخبر فى المعاجم من كلام مجاهد،
وفسروه فقالوا : ((يقال: رزت ما عند فلان، إذا اختبرته وامتحنته والمعنى: يمتحنك ويذوق
أمرك، هل تخاف لائمته أم لا))

٣٠٣
تفسير سورة التوبة : ٥٨
عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبى سعيد قال : بينما رسول اللّه صلى الله عليه
وسلم يقسم قَسْماً، إذ جاءه ابن ذى الحُوَيْصِرَة التميمى، (١) فقال: اعدل، يا رسول
اللّه! فقال : ويلك ، ومن يعدل إن لم أعدل ! فقال عمر بن الخطاب: يا رسول
اللّه، إئذن لى فأضرب عنقه! قال : دَعْه، فإن له أصحاباً يحتقر أحدكم صلاته مع
صَلاتهم، (٢) وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة، (٣)
فينظر فى قُذَذِه فلا ينظر شيئاً، (٤) ثم ينظر فى نَصْله، فلا يجد شيئاً، ثم ينظر
فى رِصَافه فلا يجد شيئاً، (٥) قد سبق الفَرْثَ والدم، (٦) آيتهم رجل أسود، (٧) إحدى
يده = أو قال : يديه = مثل ثدى المرأة، أو مثل البَضْعَة تَدَرْدَرُ، (٨)
يخرجون على حين فترة من الناس. قال: فنزلت: ((ومنهم من يلمزك فى الصدقات))
= قال أبو سعيد : أشهد أنى سمعت هذا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،
وأشهد أن عليًّا رحمة الله عليه حين قتلهم ، جىء بالرجل على النعت الذى نعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم. (٩)
١٦٨١٧م - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى
(١) فى مسلم والبخارى ((ذو الخويصرة))، ليس فيها ((ابن))، وهذا هو المعروف المشهور.
(٢) فى المطبوعة: ((يحقر))، وهى كذلك فى رواية الخبر فى الصحيحين، ولكن هكذا جاءت
فى المخطوطة .
(٣) ((مرق السهم من الرمية))، خرج من الجانب الآخر خروجاً سريعاً. و((الرمية))،
المرمية ، يعنى الصيد المرمى بالسهم ونحوه .
(٤) ((القذذ)) جمع ((قذة)) (بضم القاف)، وهى ريش السهم.
(٥) ((الرصاف)) جمع ((رصفة)) (بفتحات)، وهى العقبة التى تلوى على موضع الفوق من
السهم .
(٦) ((الغرث))، سرجين الدابة، ما دام فى كرشها .
(٧) ((الآية))، العلامة.
(٨) ((البضعة)) القطعة من اللحم. ((تدردر))، ((تتدردر))، أى : تضطرب.
(٩) الأثر : ١٦٨١٧ - هذا حديث صحيح الإسناد، رواه البخارى فى صحيحه (الفتح
٦ : ٤٥٥) ومسلم فى صحيحه ٧ : ١٦٥، من طريق الزهرى، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن.
وجاء الخبر من طرق صحاح كثيرة ، انظر شرح البخارى ، وصحيح مسلم .

٣٠٤
تفسير سورة التوبة : ٥٨ ، ٥٩
قوله : ((ومنهم من يلمزك فى الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها
إذا هم يسخطون))، قال : هؤلاء المنافقون ، قالوا : والله ما يعطيها محمد إلا من
أحبَّ، ولا يؤثر بها إلا هواه! فأخبر الله نبيه، وأخبرهم أنه إنما جاءت من اللّه،
وإن هذا أمر من الله ليس من محمد: ((إنما الصدقات للفقراء)»، الآية.
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَوْ أَنْهُمْ رَضُواْ مَآ ءَاتَنْهُمُ اللهُ
وَرَسُولُهُ, وَقَالُواْ حَسْجُنَاَ اللهُ سَيُؤْتِنَ اللهُ مِن فَضْلِهِى وَرَسُولَهُ و-
إِنَآ إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ ﴾﴾)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : ولو أنّ هؤلاء الذين يلمزونك ، يا محمد،
فى الصدقات ، رضوا ما أعطاهم الله ورسوله من عطاء، وقسم لهم من قسم - ((وقالوا
حسبنا الله))، يقول: وقالوا: كافينا اللّه، (١) = ((سيؤتينا الله من فضله ورسوله))،
يقول: سيعطينا الله من فضل خزائنه، ورسوله من الصدقة وغيرها (٢) = ((إنا إلى الله
راغبون))، يقول: وقالوا: إنا إلى اللّه نرغب فى أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا
عن الصدقة وغيرها من صلات الناس والحاجة إليهم .
٠
(١) انظر تفسير ((حسب)) فيما سلف ص: ٤٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((آتى)) و((فضل)) فى فهارس اللغة (أتى)، (فضل).

٣٠٥
تفسير سورة التوبة : ٦٠
القول فى تأويل قوله ﴿إِنََّ الصَّدَقَتُ لِلْفَقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ
وَلْعَمِلِينَ عَلَيْهَ وَأَلْمُوْلَقَةِ كُلُوبُهُمْ وَفِى الْرِّقَبِ وَالْتَّرِمِينَ وَفِى
سَبِيلِ اللهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ما الصدقات إلا للفقراء والمساكين، (١)
ومن سماهم الله جل ثناؤه .
*
#
ثم اختلف أهل التأويل فى صفة ((الفقير)) و((المسكين)).
فقال بعضهم: ((الفقير))، المحتاج المتعفف عن المسألة، و((المسكين))،
المحتاج السائل. (٢)
* ذكر من قال ذلك :
١٦٨١٨ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير، عن أشعث ، عن الحسن:
((إنما الصدقات للفقراء والمساكين))، قال: ((الفقير))، الجالس فى بيته =
و(( المسكين))، الذى يسعى .
١٦٨١٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد اللّه قال، حدثنا معاوية، عن
على ، عن ابن عباس قوله: ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين))، = قال:
((المساكين))، الطوافون، و((الفقراء))، فقراء المسلمين.
١٦٨٢٠ - حدثنا ابن و کیع قال ، حدثنا أبو أسامة، عن جرير بن حازم
قال، حدثنى رجل، عن جابر بن زيد: أنه سئل عن ((الفقراء))، قال :
((الفقراء))، المتعففون، و((المساكين))، الذين يسألون.
١١٠/١٠
(١) فى المطبوعة: ((لا ينال الصدقات))، وهو كلام غير مستقيم، والصواب ما كان
فى المخطوطة ، ولكنه لم يحسن قراءته .
(٢) انظر تفسير ((المسكين)) فيما سلف ١٣: ٥٦٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
ج ١٤ (٢٠)

٣٠٦
تفسير سورة التوبة : ٦٠
١٦٨٢١ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
معقل بن عبيد اللّه الجزرىّ قال: سألت الزهرى عن قوله: ((إنما الصدقات
للفقراء))، قال: الذين فى بيوتهم لا يسألون، و((المساكين))، الذين يخرجون
فيسألون . (١)
١٦٨٢٢ - حدثنا الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا يحيى بن سعيد ،
عن عبد الوارث بن سعيد، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قال: ((الفقير))،
الذى لا يسأل، و((المسكين)) ، الذى يسأل .
١٦٨٢٣ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((إنما الصدقات الفقراء والمساكين))، قال: ((الفقراء))، الذين لا يسألون
الناس، أهلُ حاجة (٢) = و ((المساكين))، الذين يسألون الناس .
١٦٨٢٤ - حدثنا الحارث قال، حدثنى عبد العزيز قال، حدثنا عبد الوارث،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قال: ((الفقراء))، الذين لا يسألون، و((المساكين))
الذين يسألون .
*
وقال آخرون: ((الفقير))، هوذو الزمانة من أهل الحاجة، و((المسكين))،
هو الصحيح الجسم منهم. (٣)
* ذكر من قال ذلك :
١٦٨٢٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين))، قال: ((الفقير))،
من به زَمانة = و((المسكين))، الصحيح المحتاج.
(١) الأثر: ١٦٨٢١ - ((معقل بن عبيد الله الجزرى العبسى، الحرانى))، ثقة، ليس
به بأس. مترجم فى التهذيب، والكبير ٣٩٣/١/٤، وابن أبى حاتم ٤ /٢٨٦/١.
وكان فى المطبوعة: ((الحرانى))، مكان ((الجزرى))، وهو صواب، ولكنى أثبت ما كان
فى المخطوطة .
(٢) فى المطبوعة: ((وهم أهل حاجة))، زاد ما ليس فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة، أسقط ((منهم)).

٣٠٧
تفسير سورة التوبة : ٦٠
١٦٨٢٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين))، أما ((الفقير))، فالزَّمِن الذى به زَمانة،
وأما ((المسكين))، فهو الذى ليست به زمانة .
وقال آخرون: ((الفقراء))، فقراء المهاجرين، و((المساكين))، من لم يهاجر
من المسلمين، وهو محتاج .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٨٢٧ - حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا جرير بن
حازم، عن على بن الحكم، عن الضحاك بن مزاحم: ((إنما الصدقات للفقراء))،
قال: فقراء المهاجرين = و((المساكين))، الذين لم يهاجروا. (١)
١٦٨٢٨ -.... قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان ، عن
منصور، عن إبراهيم: ((إنما الصدقات للفقراء المهاجرين))، قال سفيان :
يعنى : ولا يعطى الأعراب منها شيئاً .
١٦٨٢٩ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنى أبى، عن سفيان ، عن منصور،
عن إبراهيم قال : كان يقال : إنما الصدقة لفقراء المهاجرين .
١٦٨٣٠ -.... قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال :
كانت تجعل الصدقة فى فقراء المهاجرين ، وفى سبيل الله.
١٦٨٣١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن جعفر ، عن سعيد
ابن جبير ، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قالا : (٢) كان ناس من المهاجرين
لأحدهم الدار ، والزوجة ، والعبد ، والناقة يحج عليها ويغزو ، فنسبهم الله إلى أنهم
فقراء ، وجعل لهم سهماً فى الزكاة .
١٦٨٣٢ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
(١) الأثر: ١٦٨٢٧ - ((على بن الحكم البنانى))، ثقة، له أحاديث. مترجم فى التهذيب،
وابن أبى حاتم ٣ /١/ ١٨١.
(٢) فى المطبوعة: ((قال))، والصواب من المخطوطة.

٣٠٨
تفسير سورة التوبة : ٦٠
سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم قال : كان يقال : إنما الصدقات فى فقراء
المهاجرين ، وفى سبيل الله .
#
وقال آخرون: ((المسكين))، الضعيف الكسب. (١)
ذكر من قال ذلك :
١٦٨٣٣ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا
ابن عون ، عن محمد قال : قال عمر : ليس الفقير بالذى لا مال له، ولكن الفقير
الأخلقُ الكسْب = قال يعقوب: قال ابن علية: ((الأخلق))، المحارَفُ، عندنا. (٢)
١٦٨٣٤ - حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ،
عن أيوب، عن ابن سيرين: أن عمر بن الخطاب رحمه الله قال : ليس المسكين
بالذى لا مال له ، ولكن المسكين الأخلقُ الكسْبِ.
وقال بعضهم: ((الفقير))، من المسلمين، و((المسكين)) من أهل الكتاب .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٨٣٥ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا عمر بن
نافع قال: سمعت عكرمة فى قوله: ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين))، قال :
لا تقولوا لفقراء المسلمين ((مساكين))، إنما ((المساكين))، مساكين أهل الكتاب.
#
*
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندى بالصواب، قول من قال: ((الفقير))،
١١١/١٠
(١) فى المطبوعة: ((الضعيف البئيس))، لم يحسن قراءة المخطوطة، وكان فيها: ((النسب))،
وهو تحريف ، دل على صوابه الآثار التالية .
(٢) أراد عمر: أن الفقير، هو الذى لم يقدم لآخرته شيئاً يثاب عليه، وأن الفقر الأكبر
إنما هو فقر الآخرة، وأن فقر الدنيا أهون الفقرين. و((الأخلق)) من قولهم: ((هضبة خلقاء))،
ملساء لا نبات بها. وللجبل المصمت الذى لا يؤثر فيه شىء ((أخلق)). وفى حديث فاطمة بنت قيس:
(( أما معاوية، فرجل أخلق من المال))، أى : خلو عار منه .
وأما ((المحارف))، كما فسره ابن علية، فهو المنقوص الحظ، فهو محدود محروم، إذا طلب
الرزق لم يرزق، ضد ((المبارك)).

٣٠٩
تفسير سورة التوبة : ٦٠
هو ذو الفقر والحاجة ، ومع حاجته يتعفّ عن مسألة الناس والتذلل لهم، فى هذا
الموضع =و ((المسكين)) هو المحتاج المتذلل للناس بمسألتهم.
وإنما قلنا إن ذلك كذلك، وإن كان الفريقان لم يُعْطَيا إلا بالفقر والحاجة،
دون الذلة والمسألة، (١) لإجماع الجميع من أهل العلم أن ((المسكين))، إنما يعطى
من الصدقة المفروضة بالفقر، وأن معنى ((المسكنة))، عند العرب، الذلة ، كما
قال الله جل ثناؤه: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذَّلَهُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾، [سورة البقرة: ٦١]،
يعنى بذلك: الهون والذلة ، لا الفقر . فإذا كان الله جل ثناؤه قد صنَّف من قسم
له من الصدقة المفروضة قسماً بالفقر ، فجعلهم صنفين ، كان معلوماً أن كل
صنف منهم غير الآخر . وإذا كان ذلك كذلك ، كان لا شك أن المقسوم له
باسم ((الفقير))، غير المقسوم له باسم الفقر و((المسكنة))، والفقير المعطى ذلك
باسم الفقير المطلق ، هو الذى لا مسكنة فيه ، والمعطى باسم المسكنة والفقر ، هو
الجامع إلى فقره المسكنة ، وهى الذلّ بالطلب والمسألة .
#
= فتأويل الكلام، إذ كان ذلك معناه: إنما الصدقات للفقراء: المتعفّف منهم
الذى لا يسأل ، والمتذلل منهم الذى يسأل .
#
وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذى قلنا فى ذلك خبرٌ" .
١٦٨٣٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا إسمعيل بن جعفر،
عن شريك بن أبى نمر ، عن عطاء بن يسار ، عن أبى هريرة قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ليس المسكين بالذى تردّه اللقمة واللقمتان، والتمرة
والتمرتان، إنما المسكين المتعفف! اقرأوا إن شئّم: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًاً)(٢)
[ سورة البقرة: ٢٧٣] .
(١) فى المطبوعة: ((الذلة والمسكنة))، والصواب ما فى المخطوطة، ولم يحسن قراءتها.
(٢) الأثر: ١٦٨٣٦ - ((إسماعيل بن جعفر بن أبى كثير الأنصارى))، روى له الجماعة،
مضى برقم : ٦٨٨٤، ٨٣٩٨ .

٣١٠
تفسير سورة التوبة : ٦٠
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما المسكين المتعفف))، على نحو ما قد
جرى به استعمال الناس من تسميتهم أهل الفقر ((مساكين))، لا على تفصيل
المسكين من الفقير .
وما ينىء عن أن ذلك كذلك ، انتزاعه صلى الله عليه وسلم بقول الله: (١) اقرأوا
إن شئتم: ((لا يسألون الناس إلحافاً ))، وذلك فى صفة من ابتدأ ذكره ووصفه بالفقر
فقال: ﴿لِلْفَقْرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُ وا فِى سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ
يَحْسِبُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التََّفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِماَهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)،
[سورة البقرة: ٢٧٣].
وقوله: ((والعاملين عليها))، وهم السعاة فى قبضها من أهلها ، ووضعها فى
مستحقِّيها ، يعطون ذلك بالسعاية ، أغنياء كانوا أو فقراء .
وبمثل الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
*
* ذكر من قال ذلك :
١٦٨٣٧ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
معقل بن عبيد اللّه قال: سألت الزهرى: عن (( العاملين عليها))، فقال: السعاة.
١٦٨٣٨ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة :
(( والعاملين عليها))، قال: جُباتها ، الذين يجمعونها ويسعون فيها .
١٦٨٣٩ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
و ((شريك بن أبى نمر))، هو ((شريك بن عبد الله بن أبى نمر القرشى)) ثقة، روى له
البخارى ومسلم، مترجم فى التهذيب، والكبير ٢٣٧/٢/٢، وابن أبى حاتم ٣٦٣/١/٢.
وهذا الخبر رواه البخارى من طريق محمد بن جعفر، عن شريك بن أبى نمر (الفتح ٨ : ١٥٢)،
ورواه مسلم فى الصحيح من طريق إسماعيل بن جعفر ، عن شريك ، ومن طريق محمد بن جعفر ،
عن شريك، عن عطاء بن يسار، وعبد الرحمن بن أبى عمرة، عن أبى هريرة ( ٧ : ١٢٩).
(١) فى المطبوعة: ((انتزاعاً لقول الله))، وهو خطأ، صوابه فى المخطوطة. يقال: ((انتزع
بالآية، وبالشعر))، إذا تمثل به .

٣١١
تفسير سورة التوبة : ٦٠
(( والعاملين عليها))، الذى يعمل عليها .
٠ ٠
*
ثُمّ اختلف أهل التأويل فى قدر ما يعطى العامل من ذلك .
فقال بعضهم : يعطى منه الثُّمُن .
. ذكر من قال ذلك :
١٦٨٤٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن
حسن بن صالح ، عن جويبر ، عن الضحاك قال : للعاملين عليها الثمن من
الصدقة .
١٦٨٤١ - حدثت عن مسلم بن خالد، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى
قوله: ((والعاملين عليها))، قال: يأكل العمال من السهم الثامن .
وقال آخرون : بل يعطى على قدر عمالته .
ذكر من قال ذلك :
#
١٦٨٤٢ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنا عبد الوهاب
ابن عطاء ، عن الأخضر بن عجلان قال ، حدثنا عطاء بن زهير العامرى ، عن
أبيه : أنه لفى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله عن الصدقة: أىُّ مالٍ هى؟
فقال: مالُ العُرْجان والعُوران والعميان، وكل مُنْقَطَع به. (١) فقال له: إن للعاملين
حقًّا والمجاهدين! قال: إن المجاهدين قوم أحل لهم، والعاملين عليها على قدر عُمالتهم. (٢)
ثم قال: لا تحل الصدقة لغنىّ، ولا لذى مِرَّةٍ سوىّ (٣).
١١٢/١٠
(١) ((منقطع به)) (بالبناء للمجهول)، هو الرجل إذا عجز عن سفره من نفقة ذهبت،
أو قامت عليه راحلته، أو أتاه أمر لا يقدر على أن يتحرك معه. يقال: ((قطع به))، و((انقطع به)).
(٢) فى المطبوعة: ((والعاملين))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) الأثر: ١٦٨٤٢ - ((عبد الوهاب بن عطاء الخفاف))، ثقة، مضى برقم : ٥٤٢٩،
٥٤٣٢، ٠١٠٥٢٢
و(«الأخضر بن عجلان الشيبانى))، ثقة. مترجم فى التهذيب، والكبير ٦٧/٢/١ .

٣١٢
تفسير سورة التوبة : ٦٠
١٦٨٤٣ - حدثنى يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد :
يكون للعامل عليها إن عمل بالحق ، ولم يكن عمر رحمة الله عليه ولا أولئك يعطون
العامل الثمن ، إنما يفرضون بقدر 'عمالته .
١٦٨٤٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير ، عن أشعث ، عن الحسن:
(( والعاملين عليها))، قال : كان يعطى العاملون .
#
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب ، قولُ من قال : يعطى
العامل عليها على قدر عمالته وأجر مثله .
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب ، لأن الله جل ثناؤه لم يقسم صدقة الأموال
بين الأصناف الثمانية على ثمانية أسهم ، وإنما عرّف خلقه أن الصدقات لن تجاوز
هؤلاء الأصناف الثمانية إلى غيرهم . وإذا كان كذلك ، بما سنوضح بعدُ، وبما قد
أوضحناه فى موضع آخر ، كان معلوماً أن من أعطى منها حقًّاً ، فإنما يعطى
على قدر اجتهاد المعطى فيه . وإذا كان ذلك كذلك ، وكان العامل عليها إنما
يعطى على عمله ، لا على الحاجة التى تزول بالعطية ، كان معلوماً أن الذى أعطاه
من ذلك إنما هو عِوَض من سعيه وعمله، وأن ذلك إنما هو قدر ما يستحقه عوضاً
من عمله الذى لا يزول بالعطية ، وإنما يزول بالعزل .
#
وأما ((المؤلفة قلوبهم))، فإنهم قوم كانوا يُتَأْلَّفون على الإسلام، ممن لم تصحّ
نصرته ، استصلاحاً به نفسه وعشيرته ، كأبى سفيان بن حرب، وعيينة بن بدر ،
و ((عطاء بن زهير بن الأصبغ العامرى))، روى عن أبيه، روى عنه شميط، والأخضر
بن عجلان، هكذا ذكره ابن أبى حاتم ٣٣٢/١/٣، ولم أجد له ترجمة فى غيره.
وأبوه: ((زهير بن الأصبغ العامرى))، روى عن عبد الله بن عمرو، روى عنه ابنه عطاء.
مترجم فى الكبير ٣٩٢/١/٢، وابن حاتم ٥٨٧/٢/١، ولم يذكرا فيه جرحاً .
وهذا الخبر ، خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٣ : ٢٥٢، ولم ينسبه إلا إلى أبى الشيخ،
وفيه ((عبد اللّه بن عمر))، وهو خطأ.

٣١٣
تفسير سورة التوبة : ٦٠
والأقرع بن حابس ، ونظرائهم من رؤساء القبائل .
٠ ٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٦٨٤٥ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((والمؤلفة قلوبهم))، وهم
قوم كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسلموا، وكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يرضخ لهم من الصدقات ، (١) فإذا أعطاهم من الصدقات فأصابوا منها
خيراً قالوا: هذا دين صالح ! وإن كان غير ذلك، عابوه وتركوه .
١٦٨٤٦ - حدثنا ابن عبد الأعلى قال، (٢) حدثنا محمد بن ثور، عن معمر،
عن يحيى بن أبى كثير : إن المؤلفة قلوبهم من بنى أمية : أبو سفيان بن حرب =
= ومن بني مخزوم : الحارث بن هشام ، وعبد الرحمن بن يربوع = ومن بنى
جُمَح : صفوان بن أمية = ومن بنى عامر بن لؤى: سهيل بن عمرو، وحويطب
ابن عبد العزى= ومن بنى أسد بن عبد العزى : حكيم بن حزام = ومن بنى هاشم:
سفيان بن الحارث بن عبد المطلب = ومن بنى فزارة : عيينة بن حصن بن بدر =
ومن بني تميم : الأقرع بن حابس = ومن بنى نصر : مالك بن عوف = ومن
بنى سليم : العباس بن مرداس = ومن ثقيف : العلاء بن حارثة = أعطى النبى
صلى الله عليه وسلم كل رجل منهم مئة ناقة ، إلا عبد الرحمن بن يربوع ،
وحويطب بن عبد العزى ، فإنه أعطى كلَّ رجل منهم خمسين.
١٦٨٤٧ - حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
(١) ((رضخ له من ماله رضيخة))، أعطاه عطية مقاربة، ليست بالكثيرة، وأصله من
((الرضخ))، وهو كسر النوى وغيره، كأنه كسر له من ماله شيئاً.
(٢) فى المطبوعة: ((حدثنا عبد الأعلى))، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة، وهذا إسناد
دائر فى التفسير وشيخ الطبرى ((محمد بن عبد الأعلى)).

٣١٤
تفسير سورة التوبة : ٦٠
عيسى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الزهرى قال : قال صفوان
ابن أمية : لقد أعطانى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لأبغض الناس إلى"،
فما بَرِح يعطينى حتى إنه لأحبُّ الناس إلى. (١)
١٦٨٤٨ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال : ناس كان يتألفهم بالعطية ،
عيينة بن بدر ومن کان معه .
١٦٨٤٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ،
عن حماد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن: ((والمؤلفة قلوبهم))، الذين يُؤْلَّفون
على الإسلام .
١٦٨٥٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
وأما ((المؤلفة قلوبهم))، فأناس من الأعراب ومن غيرهم ، كان نبي الله
صلى الله عليه وسلم يتألفهم بالعطية كيما يؤمنوا .
١٦٨٥١ - حدثنا أحمد بن إسحق قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
معقل بن عبيد اللّه قال، سألت الزهرى عن قوله: ((والمؤلفة قلوبهم))، فقال :
١١٣/١٠ من أسلم من يهودىّ أو نصرانى. قلت: وإن كان غنيًا؟ قال: وإن كان غنياً.
١٦٨٥٢ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا معقل
ابن عبيدالله الجزرى، عن الزهرى: ((والمؤلفة قلوبهم))، قال: من هو يهودىّ أو نصرانىّ. (٢)
(١) الأثر: ١٦٨٤٧ - رواه مسلم فى صحيحه ١٥: ٧٢، ٧٣، مطولا من طريق
عبد الله بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب الزهرى، عن سعيد بن المسيب، عن صفوان بن أمية.
ورواه أحمد فى مسنده ٣ : ٤٠١ من طريق زكريا بن عدى، عن سعيد بن المسيب، عن
صفوان ، (هكذا جاء هنا فى المسند)، والصواب ما سيأتى فى المسند ٦ : ٤٦٥، من طريق
زكريا بن عدى ، عن ابن المبارك ، عن الزهرى ، عن سعيد بن المسيب .
(٢) الأثر: ١٦٨٥٢ - ((معقل بن عبيد اللّه الجزرى))، مضى قريباً برقم: ١٦٨٢١،
وكان فى المطبوعة هنا أيضاً ((الحرانى))، مكان ((الجزرى))، وهو صواب، ولكنى أثبت ما فى
المخطوطة .

٣١٥
تفسير سورة التوبة : ٦٠
ثم اختلف أهل العلم فى وجود المؤلفة اليوم وعدمها ، وهل يعطى اليوم أحدٌ
على التألف على الإسلام من الصدقة ؟
فقال بعضهم : قد بطلت المؤلفة قلوبهم اليوم ، ولا سهم لأحد فى الصدقة
المفروضة إلا لذى حاجة إليها ، وفى سبيل اللّه ، أو لعامل عليها .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٦٨٥٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن أشعث ، عن الحسن:
((والمؤلفة قلوبهم))، قال: أما ((المؤلفة قلوبهم))، فليس اليوم .
١٦٨٥٤ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا إسرائيل
عن جابر ، عن عامر قال : لم يبق فى الناس اليوم من المؤلفة قلوبهم ، إنما كانوا
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
١٦٨٥٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال ،
حدثنا عبد الرحمن بن يحيى ، عن حبان بن أبى جبلة قال : قال عمر بن الخطاب
رضى الله تعالى عنه: وأتاه عيينة بن حصن: ﴿الحقُّمِنْ رَبَّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ
وَمَنْ شَاءٍ فَلْيَكْفُرْ﴾، [سورة الكهف: ٢٩]، أى: ليس اليوم مؤلفة .
١٦٨٥٦ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا مبارك ،
عن الحسن قال : ليس اليوم مؤلفة .
١٦٨٥٧ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى، عن إسرائيل ، عن جابر ،
عن عامر قال : إنما كانت المؤلفة قلوبهم على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ،
فلما ولى أبو بكر رحمة اللّه عليه ، انقطعت الرشى .
...
وقال آخرون: ((المؤلفة قلوبهم))، فى كل زمان ، وحقهم فى الصدقات .
• ذكر من قال ذلك :
١٦٨٥٨ - حدثنا أحمد بن إسحق قال حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا

٣١٦
تفسير سورة التوبة : ٦٠
إسرائيل ، عن جابر ، عن أبى جعفر قال : فى الناس اليوم ، المؤلفة قلوبهم .
١٦٨٥٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى، عن إسرائيل ، عن جابر ،
عن أبى جعفر ، مثله .
#
#
#
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندى : أن اللّه جعل الصدقة
فى معنيين أحدهما: سدُّ خَلَّة المسلمين، والآخر: معونة الإسلام وتقويته. فما كان
فى معونة الإسلام وتقوية أسبابه، فإنه يُعطاه الغنى والفقير، لأنه لا يعطاه من يعطاه
بالحاجة منه إليه، وإنما يعطاه معونةً للدين . وذلك كما يعطى الذى يُعْطاه بالجهاد
فى سبيل الله، فإنه يعطى ذلك غنيًا كان أو فقيرًا، للغزو، لا لسدّ خلته.
وكذلك المؤلفة قلوبهم ، يعطون ذلك وإن كانوا أغنياء ، استصلاحاً بإعطائهموه
أمر الإسلام وطلب تقويته وتأييده . وقد أعطى النبى صلى اللّه عليه وسلم من أعطى
من المؤلفة قلوبهم ، بعد أن فتح اللّه عليه الفتوح ، وفشا الإسلام وعز أهله . فلا
حجة لمحتجّ بأن يقول: (( لا يتألف اليوم على الإسلام أحد ، لامتناع أهله بكثرة
العدد ممن أرادهم))، وقد أعطى النبى صلى اللّه عليه وسلم من أعطى منهم فى الحال
التى وصفت .
#
وأما قوله: ((وفى الرقاب))، فإن أهل التأويل اختلفوا فى معناه
فقال بعضهم، وهم الجمهور الأعظم : هم المكاتبون ، يعطون منها فى فك
(١)
رقابهم .
• ذكر من قال ذلك :
١٦٨٦٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، عن
الحسن بن دينار ، عن الحسين : أن مكاتباً قام إلى أبى موسى الأشعرى رحمه الله
وهو يخطب الناسَ يوم الجمعة، فقال: أيها الأمير، حُثَّ الناس علىَّ! فحثّ
(١) انظر تفسير ((الرقاب)) فيما سلف ٣: ٩/٣٤٧: ٣٥، ١٠/٣٦ : ٥٥٢ - ٠٥٥٧

٣١٧
تفسير سورة التوبة : ٦٠
عليه أبو موسى ، فألقى الناسُ عليه عمامة وملاءة وخاتماً ، حتى ألقوا سواداً كثيراً ،
فلما رأى أبو موسى ما ألقى عليه قال : اجمعوه ! فجمع ، ثم أمر به فبيع . فأعطى
المكاتب مكاتبته ، ثم أعطى الفضل فى الرقاب ، ولم يردّ على الناس ، وقال :
إنما أعطى الناسُ فى الرقاب .
١٦٨٦١ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
معقل بن عبيد اللّه قال، سألت الزهرى عن قوله: ((وفى الرقاب))، قال: ١١٤/١٠
المكاتبون .
١٦٨٦٢ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((وفى الرقاب))، قال: المكاتَب
١٦٨٦٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سهل بن يوسف ، عن عمرو ،
عن الحسن: ((وفى الرقاب))، قال : هم المكاتبون .
وروى عن ابن عباس أنه قال : لا بأس أن تُعْتَقَ الرقبة من الزكاة .
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك عندى، قولُ من قال: (( عنى
بالرقاب، فى هذا الموضع ، المكاتبون))، لإجماع الحجة على ذلك، فإن الله جعل
الزكاة حقًّاً واجباً على من أوجبها عليه فى ماله ، يخرجها منه ، لا يرجع إليه منها
نفعٌ من عرض الدنيا ، ولا عِوَض . والمعتق رقبةً منها ، راجع إليه ولاء من أعتقه ،
وذلك نفع يعود إليه منها .
وأما ((الغارمون))، الذين استدانوا فى غير معصية الله، ثم لم يجدوا قضاء فى
عين ولا عرض .
وبالذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
« ذكر من قال ذلك :
#

٣١٨
تفسير سورة التوبة : ٦٠
١٦٨٦٤ - حدثنا أحمد بن إسحق قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
سفيان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد قال: (( الغارمون ))، من احترق بيته،
أو يصيبه السيل فيذهب متاعه، ويدَّانُ على عياله ، فهذا من الغارمين .
١٦٨٦٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثورى ، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد فى قوله: (( والغارمين))، قال : من
احترق بيته ، وذهب السيل بماله ، وادّان على عياله .
١٦٨٦٦ - حدثنا أحمدقال ، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن أبى جعفر قال:
((الغارمين))، المستدين فى غير سَرَف، ينبغى للإمام أن يقضى عنهم من بيت المال.
١٦٨٦٧ -.... قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا معقل بن عبيد الله
قال: سألنا الزهرى عن (( الغارمين))، قال : أصحاب الدين .
... قال، حدثنا معقل، عن عبد الكريم قال ، حدثنى خادم
١٦٨٦٨ -
لعمر بن عبد العزيز خدمه عشرين سنة قال : كتب عمر بن عبد العزيز : أن
يُعْطى الغارمون - قال أحمد: أكثر ظنى : من الصدقات .
... قال ، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن جابر ،
١٦٨٦٩ - .
عن أبى جعفر قال: ((الغارمون))، المستدين فى غير سرف .
١٦٨٧٠ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة :
أما ((الغارمون))، فقوم غرَّقتهم الديون فى غير إملاق، (١) ولا تبذير ولا فساد.
١٦٨٧١ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
(( الغارم))، الذى يدخل عليه الغُرْم.
١٦٨٧٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان ، عن عثمان بن
الأسود، عن مجاهد: ((والغارمين))، قال: هو الذى يذهب السيل والحريق
بماله، ويد ◌ّان على عياله .
(١) ((الإملاق)) هنا هو: إنفاق المال وتبذيره حتى يورث حاجة، و((الإملاق)) أيضاً:
الإفساد. وانظر ما سلف فى الخبر رقم : ٦٢٣٣، ج ٥: ٦٠٢، تعليق: ٢.

٣١٩
تفسير سورة التوبة : ٦٠
١٦٨٧٣ -.... قال، حدثنا أبى، عن سفيان، عن جابر، عن
أبى جعفر قال : المستدين فى غير فساد .
١٦٨٧٤ -.... قال، حدثنى أبى، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن
أبى جعفر، قال: ((الغارمون))، الذين يستدينون فى غير فساد، ينبغى للإمام
أن يقضى عنهم .
١٦٨٧٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن عثمان
ابن الأسود ، عن مجاهد : هم قوم ركبتهم الديون فى غير فساد ولا تبذير ، فجعل
اللّه لهم فى هذه الآية سهماً .
*
#
وأما قوله: ((وفى سبيل اللّه))، فإنه يعنى: وفى النفقة فى نصرة دين الله وطريقه
وشريعته التى شرعها لعباده ، بقتال أعدائه ، وذلك هو غزو الكفار. (١)
وبالذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٨٧٦ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((وفى سبيل اللّه))، قال : الغازى فى سبيل الله .
١٦٨٧٧ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى، عن سفيان، عن زيد بن
أسلم ، عن عطاء بن يسار قال : قال النبى صلى الله عليه وسلم: لا تحل الصدقة
لغنى إلا لخمسة : رجل عمل عليها ، أو رجل اشتراها بماله ، أو فى سبيل الله،
أوابن السبيل ، أو رجل كان له جار تصدَّق عليه فأهداها له . (٢)
(١) انظر تفسير ((سبيل الله)) فيما سلف من فهارس اللغة (سبل).
(٢) الأثر: ١٦٨٧٧ - رواه أبو داود فى سننه ٢: ١٥٨، رقم : ١٦٣٥ من طريق
مالك ، عن زيد بن أسلم ، موقوفاً، ثم رواه برقم : ١٦٣٦، من طريق معمر ، عن زيد بن أسلم ،
عن عطاء بن يسار، عن أبى سعيد الخدرى ، عن النبى صلى الله عليه وسلم مرفوعاً.
ورواه ابن ماجة فى سننه : ٥٨٩، رقم: ١٨٤١، مرفوعاً ، بنحوه .

٣٢٠
تفسير سورة التوبة : ٦٠
١٦٨٧٨ -.... قال، حدثنا أبى ، عن ابن أبى ليلى، عن عطية، عن
أبى سعيد الخدرى ، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : لا تحل الصدقة لغنى ،
١١٥/١٠ إلا لثلاثة: فى سبيل الله ، أو ابن السبيل ، أو رجل كان له جار فتصدق عليه ،
فأهداها له . (١)
#
*
وأما قوله: ((وابن السبيل))، فالمسافر الذى يجتاز من بلد إلى بلد .
و((السبيل))، الطريق، (٢) وقيل للضارب فيه: ((ابن السبيل))، للزومه
إياه، كما قال الشاعر : (٣)
إِلَى أَنْ شِبْتُ وَأَكْتَهَلَتْ لِدَانِىِ
أنَا أَبْنُ الْحَرْبِ رَبَّغْنِى وَلِيداً
وكذلك تفعل العرب، تسمى اللازم لشىء يعرف به: ((ابْنَه)). (٤)
٠ ٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك .
١٦٨٧٩ - حدثنى الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان ،
عن جابر، عن أبى جعفر قال: ((ابن السبيل))، المجتاز من أرض إلى أرض .
١٦٨٨٠ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
(١) الأثر: ١٦٨٧٨ - ((عطية)) هو ((عطية بن سعد بن جنادة العوفى))، ضعيف،.
مضى مراراً .
وهذا الخبر رواه أبو داود فى سننه ٢: ١٦٠، رقم : ١٦٣٧، من طريق سفيان ، عن
عمران البارق، عن عطية، بنحوه، ثم قال أبو داود: ((ورواه فراس ، وابن أبى ليلى ، عن عطية ،
من أبى سعيد، عن النبى صلى الله عليه وسلم، مثله)).
وهو حديث ضعيف لضعف ((عطية العوفى)).
(٢) انظر تفسير ((السبيل)) فيما سلف من فهارس اللغة (سبل).
- وتفسير ((ابن السبيل)) فيما سلف ٣: ٤/٣٤٥: ٨/٢٩٥ : ٣٤٦ - ٣٤٧.
(٣) لم أعرف قائله.
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((يعرف بابنه))، وهو لا يستقيم، صوابه ما أثبت.