Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
تفسير سورة التوبة : ٣٤
ذلك ! فقال: يا رسول الله، إن أصحابك قد شق عليهم، وقالوا: فأىَّ المال
نتخذ؟ فقال: لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وزوجةً تُعين أحدكم على دينه.(١)
١٦٦٦٢ - حدثنا ابن بشارقال، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا إسرائيل ، عن
منصور ، عن سالم بن أبى الجعد ، عن ثوبان ، بمثله .(٢)
١٦٦٦٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثورى ، عن منصور ، عن عمرو بن مرة ، عن سالم بن أبى الجعد قال :
لما نزلت هذه الآية: ((والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله » ،
قال المهاجرون : وأىَّ المال نتّخذ ؟ فقال عمر: أسأل النبى صلى الله عليه وسلم
عنه! قال : فأدركته على بعيرٍ فقلت: يا رسول الله، إن المهاجرين قالوا :
فأىَّ المال نتخذه ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: لساناً ذاكراً، وقلباً
(١) الأثر: ١٦٦٦١ - خبر عمر هذا رواه أبو جعفر من طرق. أولها هذا ، ثم رقم:
١٦٦٦٢، ١٦٦٦٣، ١٦٦٦٦ .
و ((سالم بن أبى الجعد الأشجعى، ثقة، روى له الجماعة، مضى مراراً . روى عن عمر،
ولم يدركه . ومن هذا ، هذا الخبر ، ورقم : ١٦٦٦٣ .
فهذا خبر ضعيف ، لانقطاعه . وانظر تخريج الخبر التالى ، وروايته فى المسند من طريق
عبد الله بن عمرو بن مرة ، عن عمرو بن مرة ، عن سالم ، عن ثوبان .
(٢) الأثر: ١٦٦٦٢ - ((سالم بن أبي الجعد))، عن ((ثوبان))، مولى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، اشتراه ثم أعتقه .
و ((سالم بن أبى الجعد)) لم يسمع من ثوبان، قال أحمد: ((لم يسمع سالم من ثوبان، ولم
يلقه. بينهما: معدان بن أبى طلحة. وليست هذه الأحاديث بصحاح)).
وهذا الخبر رواه أحمد فى المسند ٥ : ٢٧٨ من طريق إسرائيل ، عن منصور ، عن سالم .
ثم رواه أيضاً ٥ : ٢٨٢، من طريق وكيع، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن عمرو
ابن مرة ، عن سالم ، عن ثوبان ..
ورواه الترمذى فى كتاب التفسير، من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل ، عن منصور،
بنحوه، وقال: ((هذا حديث حسن. سألت محمد بن إسماعيل( البخارى) فقلت له : سالم بن أبى الحمد
سمع ثوبان ؟ فقال ! لا ؛ قلت له ، ممن سمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: سمع
من جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وذكر غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم)).
وسيأتى من طريق سالم عن ثوبان برقم : ١٦٦٦٦ .
وانظر تفسير ابن كثير ٤ : ١٥٥ .

٢٢٢
تفسير سورة التوبة : ٣٤
شاكراً، وزوجةً مؤمنةً ، تعين أحدكم على دينه .(١)
١٦٦٦٤ - حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ،
عن قتادة ، عن شهر بن حوشب ، عن أبى أمامة قال: توفى رجل من أهل الصُّفَّة،
فوجد فى مئزرِه دينارٌ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيَّةٌ ! ثم توفى آخر
فوجد فى مئزره ديناران، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: كيَّتَان! (٢)
١٦٦٦٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة،
عن شهر بن حوشب ، عن صدىّ بن عجلان أبى أمامة قال : مات رجل : من
أهل الصُّفَّة، فوجد فى مئزره دينارٌ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: كيّةً"!
ثم توفىّ آخر ، فوجد فى مئزره ديناران، فقال نبى اللّه: كيّتان! (٢)
١٦٦٦٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن منصور، عن سالم،
عن ثوبان قال : كنا فى سفر ، ونحن نسير مع رسول اللّه عليه وسلم ، قال المهاجرون:
لوددنا أنَّا علمنا أيُّ المال خيرٌ فنتخذه ؟ إذ نزل فى الذهب والفضة ما نَزَل! فقال
عمر : إن شئتم سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك! فقالوا : أجل !
(١) الأثر : ١٦٦٦٣ - انظر تخريج الآثار السالفة .
(٢) الأثران: ١٦٦٦٤، ١٦٦٦٥ - ((شهر بن حوشب))، مضى توثيقه مراراً.
فهذا خبر صحيح الإسناد ، رواه أحمد فى المسند ٥ : ٢٥٣، من طرق، من طريق سعيد
ابن أبى عروبة ، عن قتادة، عن شهر. ورواه من طريق روح ، عن معمر ، عن قتادة ، ومن
طريق حسين ، عن شيبان ، عن قتادة .
ورواه أيضاً ٥ : ٢٥٢ عن حجاج قال: سمعت شعبة يحدث عن قتادة وهاشم = قال حدثنى
شعبة أنبأنا قتادة قال : سمعت أبا الحسن يحدث = قال هاشم فى حديثه: أبو الجعد مولى لبنى ضبيعة ،
عن أبى أمامة .
ثم رواه أيضاً .: ٢٥٣، من حجاج، عن شعبة، عن عبد الرحمن، من أهل حمص"،
من بنى العداء ، من كندة ، مختصراً .
وروى أحمد نحوه فى حديث على بن أبى طالب ، بإسناد ضعيف رقم : ٧٨٨ ، ١١٥٥،
١١٥٦ ، ١١٥٧ ٠
وانظر تفسير ابن كثير ٤ : ١٥٨، ١٥٩ .

٢٢٣
تفسير سورة التوبة : ٣٤
فانطلق ، فتبعته أوضع على بعيرى ، (١) فقال: يا رسول اللّه، إن المهاجرين لما
أنزل الله فى الذهب والفضة ما أنزل قالوا: وددنا أنّا علمنا أيُّ المال خير فنتخذه ؟
قال : نعم! فيتخذ أحدكم لساناً ذاكراً ، وقلباً شاكراً ، وزوجةً تعين أحد كم
على إيمانه .(٢)
#
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى ذلك بالصحة ، القولُ الذى ذكر عن
ابن عمر : من أن كل مالٍ أدّيت زكاته فليس بكنزٍ يحرم على صاحبه اكتنازُه
وإن كثر = وأنّ كل مالٍ لم تُؤَّد زكاته فصاحبه مُعاقب مستحقٌّ وعيدَ اللّه،
إلا أن يتفضل الله عليه بعفوه وإن قلّ، إذا كان مما يجبُ فيه الزكاة .
وذلك أن اللّه أوجب فى خمس أواقٍ من الوَرِق على لسان رسوله رُبع عُشْرِها، (٣)
وفى عشرين مثقالاً من الذهب مثل ذلك، رُبْع عشرها ، فإذا كان ذلك فرضَ
اللّه فى الذهب والفضَّة على لسان رسوله، فمعلومٌ أن الكثير من المال وإن بلغ فى
الكثرة ألوف ألوفٍ ، لو كان = وإن أدِّيت زكاته = من الكنوز التى أوعدَ اللّه
أهلها عليها العقاب ، لم يكن فيه الزكاة التى ذكرنا من رُبْع العُشْر. لأن ما كان
فرضًا إخراجُ جميعِه من المال، وحرامٌ اتخاذه ، فزكاته الخروجُ من جميعه
إلى أهله، لا رُبع عشُره . وذلك مثلُ المال المغصوب الذى هو حرامٌ على الغاصب
إمساكُه، وفرضٌ عليه إخراجه من يده إلى يده، التطهّر منه: ردُّه إلى صاحبه.
فلو كان ما زادَ من المال على أربعة آلاف درهم ، أو ما فضل عن حاجة ربِّه
التى لا بد منها ، مما يستحق صاحبُه باقتنائه - إذا أدّى إلى أهل السُّهْمان حقوقهم
منها من الصدقة = وعيدَ اللّه، لم يكن اللازمُ ربَّه فيه رُبْع عشره، بل كان اللازم
له الخروج من جميعه إلى أهله ، وصرفه فيما يجب عليه صرفه ، کالذى ذكرنا
٨٥/١٠
(١) (( أوضع الراكب))، أسرع بدايته إسراعاً دون العدو الشديد.
(٢) الأثر : ١٦٦٦٦ - مكرر الخبر رقم : ١٦٦٦٢، وانظر تخريج الأخبار السالفة.
(٣) ((الورق)) (بكسر الراء)، الفضة .

٢٢٤
تفسير سورة التوبة : ٣٤
من أن الواجب على غاصِبٍ رجلٍ مالَه ، رَدُّه على ربِّه ..
#
وبعدُ، فإن فيما : -
١٦٦٦٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال ،
قال معمر ، أخبرنى سهيل بن أبى صالح ، عن أبيه ، عن أبى هريرة : أن رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: ما من رجل لا يؤدِّى زكاة ماله، إلا جُعل يوم
القيامة صفائحَ من نار يُكْوىَ بها جبينه وجبهته وظهره، (١) فى يوم كان مقداره
خمسين ألف سنة ، حتى يقضى بين الناس ، ثم يرى سبيله ، وإن كانت إبلاً
إلاَّ بُطِحَ لها بقاع قرقرٍ ، (٢) تطؤه بأخفافها - حسبته قال: وتعضه بأفواهها = يردّ
أولاها على أخراها ، حتى يقضى بين الناس ، ثم يرى سبيله . وإن كانت غنماً
فمثل ذلك، إلا أنها تنطحه بقُرُونها، وتطؤُه بأظلافها.(٣)
=وفى نظائر ذلك من الأخبار التى كرهنا الإطالة بذكرها ، الدلالةُ الواضحة
على أن الوعيد إنما هو من اللّه على الأموال التى لم تُؤَدَّ الوظائفُ المفروضةُ فيها لأهلها
من الصدقة ، لا على اقتنائها واكتنازها . وفيما بيّنا من ذلك، البيانُ الواضح على
أن الآية لخاصٍ ، كما قال ابن عباس ، وذلك ما : --
١٦٦٦٨ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى
(١) فى المخطوطة: ((جسه)) غير منقوطة، والذى فى مسلم: ((جنباه وجبينه)) والاختلاف
فى هذه الأحرف ذكرها مسلم فى صحيحه ، وأثبت ما فى المخطوطة لموافقته لما فى مسند أحمد رقم : ٧٧٠٦.
(٢) ((بطح)) (بالبناء للمجهول)، ألقى على وجهه. و((القاع)): الأرض المستوية
الفسيحة. و ((قرقر))، هى الصحراء البارزة الملساء.
(٣) الأثر: ١٦٦٦٧ - حديث صحيح. رواه مسلم مطولا فى صحيحه ٧ : ٦٧، من طريق
محمد بن عبد الملك الأموى، عن عبد العزيز بن المختار، عن سهيل بن أبى صالح ، عن أبى صالح .
ورواه من طرق أخرى عن أبى صالح ، ومن طرق عن أبى هريرة .
ورواه أحمد فى مسنده رقم : ٧٥٥٣، مطولا ، وقد استوفى أخى السيد أحمد تخريجه هناك .
ثم رواه أيضاً رقم: ٧٧٠٦، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن سهيل بن أبى صالح، مختصراً،
وفيه: ((جبينه وجبهته وظهره))، فمن أجل ذلك أثبت ما كان فى المخطوطة (تعليق: ١٠).

٢٢٥
تفسير سورة التوبة : ٣٤
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((والذين يكنزون الذهب والفضة
ولا ينفقونها فى سبيل اللّه فبشرهم بعذاب أليم))، يقول: هم أهل الكتاب . وقال :
هى خاصَّة وعامةٌ .
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((هى خاصة وعامة))، هى خاصة فى المسلمين
فيمن لم يؤدّ زكاة ماله منهم ، وعامة فى أهل الكتاب ، لأنهم كفار لا تقبل منهم
نفقاتهم إن أنفقوا. يدلُّ على صحة ما قلنا فى تأويل قول ابن عباس هذا، ما :--
١٦٦٦٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله قال ، حدثنى معاوية ، عن
على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: (( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا
ينفقونها)) إلى قوله: ((هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون))، قال:
هم الذين لا يؤدُّون زكاة أموالهم . قال: وكل مالٍ لا تؤدّى زكاته ، كان على ظهر
الأرض أو فى بطنها ، فهو كنز . وكل مالٍ تؤدّى زكاته فليس بكنز ، كان
على ظهر الأرض أو فى بطنها .
١٦٦٧٠ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى
قوله: ((والذين يكنزون الذهب والفضة))، قال: ((الكنز))، ما كنز عن طاعة الله
وفريضته، وذلك ((الكنز)). وقال : افترضت الزكاة والصلاة جميعاً لم يفرَّق بينهما.
...
قال أبو جعفر: وإنما قلنا: ((ذلك على الخصوص))، لأن ((الكنز))، فى كلام
العرب: كل شىء مجموع بعضُه على بعضٍ ، فى بطن الأرض كان أو على ظهرها ،
يدلُّ على ذلك قول الشاعر : (١)
لِأَدَرَّ دَرِّىَ إِنْ أَطْعَمْتُ نَازِلَهُمْ قَرْفَ الْحَقِيِّ وَعِنْدِى الْبُرُّ مَكْتُورُ(٢)
(١) هو المتنخل الهذلى .
(٢) حيوان الهذليين ٢: ١٥، اللسان (كنز)، وغيرهما كثير، وهى أبيات جياد ،
وصف فيها جوع الجائع وصفاً لا يارى، يقول بعده، ووصف رجلا فامت نعمه، وشردته البيد :
ج ١٤ (١٥)

٢٢٦
تفسير سورة التوبة : ٣٤
يعنى بذلك : وعندى البرُّ مجموع بعضه على بعض . وكذلك تقول العرب
للبدن المجتمع: ((مكتنزٌ))، لانضمام بعضه إلى بعض.
٨٦/١٠
وإذا كان ذلك معنى ((الكنز)) عندهم، وكان قوله: ((والذين يكنزون
الذهب والفضة))، معناه : والذين يجمعون الذهب والفضة بعضها إلى بعض ولا
ينفقونها فى سبيل اللّه، وهو عامٌّ فى التلاوة، ولم يكن فى الآية بيانُ كم ذلك القدر
من الذهب والفضّة الذى إذا جمع بعضُه إلى بعض، (١) استحقَّ الوعيد ـ(٢) كان
معلوماً أن خصوص ذلك إنما أدرك، لوقْف الرسول عليه، وذلك كما بيّنا من أنه المال
الذى لم يؤدّ حق الله منه من الزكاة، دون غيره، لما قد أوضحنا من الدلالة على صحته .
مِنْ بُؤَّسِ النَّاسِ، عَنْهُ الخَيْرُ تَحْجُوزُ
لَوْ أَنَّهُ جَاءَنِى جَوْعَانُ مُهْتَلِكٌِ
يُبَدِرُ اللّيْلَ بِالعَلْيَاءِ مَحْفُوزُ
أَعْتَى وَقَصَّرَ لَمَّا فَتَهُ نَّعَمٌ
والشَّوْكُ فِى وَضَحِ الرَّجْلَيْنِ مَرْ كُوزُ
حَتَّى يجِيٍّ، وَجِنُّ الَّْلِ يُؤْعِلُ
قَدْ حَالَ دوُنَ دَرِيسَيْهِ مُؤَّوِّبَةٌ
نِسْعٌ، لَهَا بِعِضَاءِ الأرْضِ تَهْزِيزُ
مِنْ جُلْبَةِ الجُوعِ جَيَّارٌ وإرْزِيزُ
كَأَنَّا بَيْنَ لَحْيِيْهِ وَلَّتِهِ
لَاتَ أُسْوَةَ حَجَّاجٍ وَإِخْوَتِهِ فِىِ جَهْدِنا، أَوْ لَهُ شَفٌّ وَغْزِيز
((القرف))، ما يقرف عن الشىء، وهى قشره. و((الحتى)) الدوم. يقول: لا أطعمه الخسيس،
والبر عندى مخزون بعضه على بعض .
ثم يقول : ضاعت إبله ، فتقاذفته البيد ، فهو من قلقه يصعد على الروابى يتنور ذاراً يقصدها .
ثم قال : يدفعه سواد الليل ومخاوفه ، وقد أضناه السير ، فوقع فى أرض ذات شوك ، فعلق به ،
لا يكاد ينقشه من شدة ضعفه . ثم يقول : اشتدت ريح الشمال الباردة بالليل = وهى المؤوبة ،
والشمال ، هى النسع = فطيرت عنه ثوبيه الباليين ، فأخذه الجوع والبرد ، فحمى جوفه من شدة
الجوع، وذلك هو ((الجيار))، واصطكت أسنانه، وذلك هو ((الإرزيز)). ثم يقول: لو جاءنى
هذا الجائع المشرد ، لكان بين أهله ، فهو عندى بمنزلة حجاج وإخوته ، وهم أولاد المتنخل ،
فى ساعة العسرة، بل لكان له فضل عليهم = وهو ((الشف)) =، ولكان له زيادة وتمييز = وهو
((التمزيز)).
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((لم يكن فى الآية))، بغير واو، والصواب إثباتها.
(٢) السياق: ((وإذا كان ذلك معنى الكنز عندهم ... كان معلوماً ... )).

٢٢٧
تفسير سورة التوبة : ٣٤
وقد كان بعض الصحابة يقول : هى عامة فى كل كنز ، غير أنها خاصّة
فى أهل الكتاب ، وإياهم عَنَى اللّه بها .
• ذكر من قال ذلك :
١٦٦٧١ - حدثنى أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس قال، حدثنا
هشيم قال ، حدثنا حصين، عن زيد بن وهب قال : مررت بالرَّبَدَة فلقيت
أبا ذَرّ ، فقلت: يا أبا ذرّ ، ما أنزلك هذه البلاد ؟ قال: كنت بالشأم ، فقرأت
هذه الآية: (( والذين يكنزون الذهب والفضة)) الآية ، فقال معاوية: ليست هذه
الآية فينًا، إنما هذه الآية فى أهل الكتاب! قال: فقلت: إنها لفينا وفيهم ! قال :
فارتَفَع فى ذلك بينى وبينه القولُ، فكتب إلى عثمان يشكُونى، فكتب إلىَّ عثمان
أنْ أقبل إلىّ! قال: فأقبلت ، فلما قدمتُ المدينة ركِبنى الناسُ كأنهم لم يرونى
قبل يومئذ ، فشكوت ذلك إلى عثمان، فقال لى: تَنَحَّ قريباً. قلت: والله إنى
لن أدعَ ما كنتُ أقول ! (١)
١٦٦٧٢ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب وابن وكيع قالوا، حدثنا ابن
إدريس قال ، حدثنا حصين ، عن زيد بن وهب قال : مررنا بالربذة ، ثم ذكر
عن أبى ذر نحوه .(٢)
(١) الأثر: ١٦٦٧١ - ((أبو حصين))، ((عبد الله بن أحمد بن يونس اليربوعى))،
شيخ الطبرى، ثقة. مضى برقم : ١٢٣٣٦.
و ((حصين))، هو ((حصين بن عبد الرحمن الهذلى))، ثقة سلف مراراً، آخرها رقم :
١٢١٩٣، ٠١٢٣٠٤
و ((زيد بن وهب الجهنى)) تابعى كبير، هاجر إلى رسول الله، ولم يدركه. مضى برقم:
٤٢٢٢، ١٦٥٢٧، ١٦٥٢٨ ٠
وهذا الخبر رواه البخارى فى صحيحه (الفتح ٣: ٨/٢١٧: ٢٤٤)، أولهما من طريق
هشيم ، عن حصين ، والثانى من طريق جرير ، عن حصين .
ورواه ابن سعد في الطبقات ١٦٦/١/٤، من طريق هشيم، عن حصين.
وسير ويه أبو جعفر من طريق هشيم أيضاً برقم : ١٦٦٧٤ .
(٢) الأثر : ١٦٦٧٢ - هذا مكرر الذى قبله .

٢٢٨
تفسير سورة النوبة : ٣٤
١٦٦٧٣ - حدثنى أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس ، عن أشعث
وهشام ، عن أبى بشر قال ، قال ، قال أبو ذر : خرجت إلى الشام ، فقرأت
هذه الآية: ((والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله))، فقال
معاوية : إنما هى فى أهل الكتاب! قال فقلت : إنها لفينا وفيهم. (١)
١٦٦٧٤ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا
حصين ، عن زيد بن وهب قال : مررت بالرَّبَذة ، فإذا أنا بأبى ذر ، قال قلت
له : ما أنزلك منزلك هذا ؟ قال : كنت بالشأم ، فاختلفت أنا ومعاوية فى هذه
الآية: ((والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله))، قال: فقال:
نزلت فى أهل الكتاب ! فقلت : نزلت فينا وفيهم = ثم ذكر نحو حديث هشيم ،
عن حصين .(٢)
...
فإن قال قائل: فكيف قيل: ((ولا ينفقونها فى سبيل الله))، فأخرجت
((الهاء)) و((الألف)) مخرج الكناية عن أحد النوعين.
قيل : يحتمل ذلك وجهين :
أحدهما: أن يكون ((الذهب والفضة)) مراداً بها الكنوز، كأنه قيل : والذين
يكنزون الكُنُوز ولا ينفقونها فى سبيل الله، لأن الذهب والفضة هى ((الكنوز))،
فى هذا الموضع .
والآخر : أن يكون استغنى بالخبر عن إحداهما فى عائد ذكرهما ، من الخبر
عن الأخرى ، لدلالة الكلام على أنّ الخبر عن الأخرى مثل الخبر عنها ، وذلك
كثير موجود فى كلام العرب وأشعارها ، ومنه قول الشاعر : (٣)
(١) الأثر: ١٦٩٧٣ - ((أبو بشر))، هو: ((جعفر بن أبى وحشية))، مضى مراراً.
وهو إسناد منقطع .
(٢) الأثر : ١٦٦٧٤ - هو مكرر الأثر السالف رقم : ١٦٦٧١، انظر تخريجه هناك .
(٣) هو عمرو بن امرئ القيس، من بنى الحارث بن الخزرج، جد عبد الله بن رواحة،
جاهل قديم .

٢٢٩
تفسير سورة التوبة : ٣٥،٣٤
نَحْنُ بِا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدَكَ رَاض، وَالرَّأْىُ مُخْتَلِفُ (١)
فقال: ((راض))، ولم يقل: ((راضون))، وقال الآخر: (٢)
إِنَّ شَرْخَ الشَّيَابِ وَالشَّعَرَ الأسِْوَدَ مَا لَمَّ يُعَاصَ كَانَ جُنُونَا (٣)
فقال: ((يعاص))، ولم يقل: ((يعاصيا)) فى أشياء كثيرة. ومنه قول الله:
﴿وَ إِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْلَهْوًا أُنْفَضُوا إِلَيْها﴾، [سورة الجمعة: ١١]، ولم يقل ((إليهما)).
٠ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَار
جهنم
فَتُكْوَى بِهَاَ جِياهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَفُسِكُمْ
فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾
٣٥
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فبشر هؤلاء الذين يكتزون الذهب
والفضة ، ولا يخرجون حقوق الله منها ، يا محمد، بعذاب أليم = (( يوم يحمى عليها
فى نار جهنم))، ف ((اليوم)) من صلة ((العذاب الأليم))، كأنه قيل: يبشرهم
بعذاب أليم ، يعذبهم الله به فى يوم يحمى عليها .
(١) جمهرة أشعار العرب: ١٢٧، سيبويه ١: ٣٧، ٣٨ ( منسوباً لقيس بن الخطيم،
وهو خطأ)، ومعانى القرآن للفراء ١: ٤٣٤، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٥٨، الخزانة ٢ :
١٩٠، وغيرها، ومضى بيت منها ٢: ٢١، وسيأتى فى التفسير ٢٢: ٢٦/٦٨: ٩٩ (بولاق)
من قصيدة قالها لمالك بن العجلان النجارى ، فى خبر طويل ، يقول له :
يا مَل، والسَّيِّدُ المُعَّمُ قَدْ يَطْرَأُ فى بَعْضِ رأيِهِ السَّرَفُ
والحقَّ، يا مَالِ، غيرُ مَا نَصِفُ
خالَفْتَ فِى الرأىِ كَلَّ ذِى فَخَرٍ
(٢) هو حسان بن ثابت .
(٣) ديوانه: ٤١٣، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٥٨، والكامل ٢ : ٧٩،
واللسان (شرخ)، و((الشرخ)): الحد، أى غاية ارتفاعه، يعنى بذلك: أقصى قوته ونضارته
وعنفوانه .

٢٣٠
تفسير سورة التوبة : ٣٥
ويعنى بقوله: ((يحمى عليها))، تدخل النار فيوقد عليها ، أى: على الذهب
٨٧/١٠
والفضة التى كنزوها = ((فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم)).
٠ ٠
وكل شىء أدخل النار، فقد أحمى إحماءً، يقال منه: ((أحَميت
الحديدة فى النار أحميها إحماءً )).
...
وقوله: ((فتكوى بها جباههم))، يعنى بالذهب والفضة المكنوزة ، يحمى
عليها فى نار جهنم ، يكوى اللّه بها . يقول: يحرق اللّه جباه كانزيها وجنوبَهم
وظهورهم = ((هذا ما كنزتم))، ومعناه : ويقال لهم : هذا ما كنزتم فى الدنيا ، أيها
الكافرون الذين منعوا كنوزهم من فرائض الله الواجبة فيها لأنفسكم = ((فذوقوا
ما كنتم تكنزون))، يقول : فيقال لهم: فاطعَمُوا عذاب الله بما كنتم تمنعون من
أموالكم حقوقَ اللّه وتكنزونها مكاثرةً ومباهاةً .(١)
وحذف من قوله: ((هذا ما كنزتم)) ((ويقال لهم))، لدلالة الكلام عليه.
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
١٦٦٧٥ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال ، أخبرنا أيوب ، عن
حميد بن هلال قال : كان أبوذر يقول : بشّر الكنّازين بكىّ فى الجباه ، وكىّ
فى الجنوب، وكىُّ فى الظهور، حتى يلتقى الحرُّ فى أجوافهم. (٢)
(١) انظر تفسير ((ذاق)) فيما سلف ص: ١٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
(٢) الأثر: ١٦٦٧٥ - ((حميد بن هلال العدوى))، ثقة، متكلم فيه، لأنه دخل فى
عمل السلطان . وقال البزار فى مسنده: لم يسمع من أبى ذر . ومات حميد فى ولاية خالد بن عبد الله
القسرى على العراق . مضى برقم : ١٣٧٦٨ .

٢٣١
تفسير سورة التوبة : ٣٥
. قال ، حدثنا ابن علية، عن الجريرى، عن أبى العلاء
١٦٦٧٦ -
ابن الشخير، عن الأحنف بن قيس قال: قدمت المدينة ، فبينا أنا فى حَلْقَة فيها
ملأ من قريش ، إذ جاء رجل أخشن الثياب ، أخشن الجسد، أخشن الوجه ، (١)
فقام عليهم فقال: بشِّر الكنازين برضْفٍ يحمى عليه فى نار جهنم، (٢) فيوضع على
حَذَمة تدْى أحدهم حتى يخرج من نُغْضٍ كتفه، ويوضع على نُغْضٍ كتفه، (٣)
حتى يخرج من حَدَمة ثدينه، يتزلزل. (٤) قال : فوضع القوم رؤوسهم ، فما رأيت
أحداً منهم رجع إليه شيئاً . قال : وأدبر ، فاتّبعته ، حتى جلس إلى ساريةٍ ،
فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا" كرهوا ما قُلْت! فقال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئاً. (٥)
١٦٦٧٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم قال ، حدثنى عمرو بن
قيس ، عن عمرو بن مرة الجملى ، عن أبى نصر ، عن الأحنف بن قيس قال :
رأيت فى مسجد المدينة رجلاً غليظ الثياب ، رثَّ الهيئة ، يطوف فى الحِلَق وهو
يقول : بشر أصحاب الكنوز بكىٌّ فى جنوبهم ، وكى فى جباههم ، وكىٌّ فى
(١) فى المطبوعة: ((خشن)) فى المواضع الثلاث، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو المطابق
لرواية مسلم. ((الخشن)) و((الأخشن))، والأنثى ((خشنة)) و((خشناء))، من الخشونة، وهو
الأحرش من كل شىء. ويقال: ((رجل أخشن، خشن)).
(٢) ((الرضف)) (بفتح فسكون): الحجارة المحماة على النار، والعرب يوغرون بها اللبن،
ويشوون عليها اللحم .
(٣) ((نغض الكتف)) (بضم فسكون، أو فتح فسكون) و((ناغض الكتف)): هو
عند أعلى الكتف ، عظم رقيق على طرفه ، ينغض إذا مشى الماشى ، أى يتحرك .
(٤) ((يتزلزل))، أى يتحرك ويضطرب، كأنه يزل مرة بعد أخرى، يقول: يضطرب
الرضف المحمى نازلا من نغض الكتف حتى يخرج من حلمة الثدى .
(٥) الأثر: ١٦٦٧٦ - ((الجريرى))، هو ((سعيد بن إياس الجريرى))، الحافظ
المشهو .. روى له الجماعة، مضى برقم : ١٩٦، ١٢٢٧٤ .
و((أبو العجب بن الشخير))، هو ((يزيد بن عبد الله بن الشخير))، ثقة، روى له الجماعة،
مضى برقم : ١٥٥١٤ ، ١٥٥١٥ .
وهذا الخبر رواه البخارى بنحوه مطولا فى صحيحه (الفتح ٣: ٢١٨)، ورواه مسلم فى
صيحه ٧ : ٧٧، بلفظه من هذه الطريق ، مطولا أيضاً .

٢٣٢
تفسير سورة التوبة : ٣٥
ظهورهم ! ثم انطلق وهو يتذمَّر يقول(١): ما عسى تصنعُ بى قريش !! (٢)
١٦٦٧٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن قتادة قال : قال أبو ذر : بشر أصحاب الكنوز بكىُ فى الجباه ،
و کیّ فى الجنوب ، و کیّ فى الظهور .
١٦٦٧٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى، عن سفيان ، عن قابوس ،
عن أبيه ، عن ابن عباس: (( يوم يحمى عليها فى نار جهنم))، قال : حية تنطوى
على جبينه وجبهته تقول : أنا مالك الذى بخلت به !(٣)
١٦٦٨٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة ، عن سالم بن أبى الجعد ، عن معدان بن أبي طلحة ، عن ثوبان : أن
نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم كان يقول: من ترك بعده كنزاً مثّلَ له يوم القيامة
شُجَاعاً أقرعَ له زبيبتان، (٤) يتبعه، يقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذى
تركته بعدك! فلا يزال يتبعه حتى يُلْقِمه يده فيقضمها، ثم يتبعه سائر جسده .(٥)
(أ) ((يتذمر))، أى: يصخب من الغضب، كأنه يعاتب نفسه.
(٢) الأثر: ١٦٦٧٧ - ((عمرو بن قيس الملائى))، ثقة، مضى مراراً.
و ((عمرو بن مرة الجملى))، ثقة، روى له الجماعة، مضى مراراً.
و ((أبو نصر))، لم أعرف من هو ؟
(٣) الأثر: ١٦٦٧٩ - ((قابوس بن أبى ظبيان الجنبى))، ضعيف، لا يحتج به، مضى
رقم : ٩٧٤٥، ١٠٦٨٣ .
وأبوه: ((أبو ظبيان الجنبى))، هو ((حصين بن جندب))، ثقة، روى له الجماعة، مضى
أيضاً برقم : ٩٧٤٥، ١٠٦٨٣.
وانظر ما سلف فى حديث ابن مسعود رقم : ٨٢٨٥ - ٨٢٨٩.
(٤) ((الشجاع))، ضرب من الحيات مارد خبيث. ((والأقرع))، هو الذى لا شعر له
على رأسه، قد تمعط عليه رأسه لكثرة سمه، وطول عمره. و((الزبيبتان)»: نكتتان سوداوان تكونان
فوق عينيه ، وهو أوحش ما يكون من الحيات وأخبثه .
(٥) الأثر: ١٦٦٨٠ - ((سالم بن أبى الجعد الأشجعى))، ثقة، وهى له الجماعة،
مضى برقم : ٤٢٤٤، ١١٥٤٦، ١٦٦٦١ - ١٦٦٦٦.
و ((معدان بن أبي طلحة الكنانى))، تابعى ثقة، مترجم فى التهذيب، والكبير ٣٨/٢/٤،
وابن أبي حاتم ٤٠٤/١/٤ .

٢٣٣
تفسير سورة التوبة : ٣٥
١٦٦٨١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه قال : بلغنى أن الكنوز تتحوَّل يوم القيامة
شجاعاً يتبع صاحبه وهو يفرُّ منه ، ويقول : أنا كنزك ! لا يدرك منه شيئاً ،
إلا أخذه .
١٦٦٨٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن
عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد اللّه قال: والذى لا إله غيره ، لا يكوى
عبد بكنزٍ فيمسُّ دينارٌ ديناراً ولا درهم درهماً ، ولكن يوسع جلده ، فيوضع كل
دينار ودرهم على حد ته. (١)
١٦٦٨٣ -.... قال، حدثنا أبى ، عن سفيان، عن الأعمش ، عن
عبد الله بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد اللّه قال: ما من رجل يكوّى بكنز
فيوضع دينار على دينارٌ ولا درهم على درهم، ولكن يوسَّعَ جدْده.(٢)
٨٨/١٠
وهذا الخبر، ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤ : ١٥٧، وقال: ((رواه ابن حبان فى صحيحه
من حديث زيد بن سعيد، به . وأصل هذا الحديث فى الصحيحين ، من رواية أبى الزناد، عن الأعرج ،
عن أبى هريرة ، رضى الله عنه = وفى صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبى صالح ، عن أبيه ، عن
أبى هريرة))، وذكر الخبر .
(١) الأثر: ١٦٦٨٢ - هذا الخبر، ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧: ٢٩، ٣٠،
وقال: ((رواه الطبرانى، ورجاله رجال الصحيح)).
وذكره ابن كثير فى تفسيره ٤: ١٥٦، وقال: ((وقد رواه ابن مردويه، عن أبى هريرة
مرفوعاً، ولا يصح رفعه، والله أعلم)).
وذكره السيوطى فى الدر المنثور ٣ : ٢٣٣، ونسبه إلى ابن أبى حاتم، والطبرانى، وأبى الشيخ،
ولم يذكر ابن جرير .
(٢) الأثر : ١٦٦٨٣ - هو مكرر الأثر السالف، بإسناد آخر، مختصراً.

٢٣٤
تفسير سورة التوبة : ٣٦
القول فى تأويل قوله ﴿إِنْ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ أَثْنَا عَشر
شَهْرًا فِي كِتَبِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمُوَّتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَةٌ
حُرُمٌ ذُلِكَ الدِّينُ الْقَُّ فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَفُتَكُمْ وَقَاتِلُواْ
الْمُشْرِكِينَ كَفَّةَ كَمَا يَقُتِلُونَكُمْ كَفَّةً وَأَعْلَمْوَاْ أَنَّ اللهَ مَعَ
الْمُتَّقِينَ ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن عدة شهور السنة عند الله اثنا عشر
شهراً فى كتاب اللّه ، الذى كتبَ فيه كل ما هو كائن فى قضائه الذى قضى
= (( يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم))، يقول: هذه الشهور الاثنا
عشر منها أربعة أشهر حرم كانت الجاهلية تعظمهن ، وتحرّمهن ، وتحرَّم القتال
فيهن، حتى لولقى الرجل منهم فيهن قاتل أبيه لم يتَهِجْهُ، وهن: رجب مُضر، وثلاثة
متواليات ، ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم . وبذلك تظاهرت الأخبار عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
١٦٦٨٤ - حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقى قال، حدثنا زيد بن
حباب قال ، حدثنا موسى بن عبيدة الربذى قال : حدثنى صدقة بن يسار ، عن
ابن عمر قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع بمنى فى أوسط
أيام التشريق فقال : يا أيها الناس ، إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله
السموات والأرض ، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ،
أوّلهن رجبُ مُضَر بين جمادى وشعبان ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم.(١)
(١) الأثر: ١٦٦٨٤ - ((موسى بن عبد الرحمن المسروقى))، شيخ الطبرى، مضى
مراراً ، آخرها رقم : ٨٩٠٦ .
و((زيد بن حباب العكلى))، مضى مراراً، منها رقم : ١١١٣٤.

٢٣٥
:
تفسير سورة التوبة : ٣٦
١٦٦٨٥ - حدثنا محمد بن معمر قال ، حدثنا روح قال، حدثنا أشعث
عن محمد بن سيرين ، عن أبى هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، وإن عدة الشهور
عند الله اثنا عشر شهراً فى كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم،
ثلاثة متواليات، ورجبُ مُضَر بين جمادى وشعبان. (١)
١٦٦٨٦ - حدثنا يعقوب قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال ، حدثنا
أيوب ، عن محمد بن سيرين، عن أبى بكرة: أن النبى صلى الله عليه وسلم خطب
فى حجة الوداع فقال : ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات
والأرض ، السنة اثنا عشر شهراً ، منها أربعة حرم ثلاثة متواليات : ذو القعدة ،
وذو الحجة ، والمحرم ، ورجبُ مضر الذي بين جمادى وشعبان. (٢)
و ((موسى بن عبيدة بن نشيط الربذى))، ضعيف جداً، منكر الحديث مضى مراراً، منها
رقم : ١١١٣٤ ٠
و ((صدقة بن يسار الجزرى))، مكى ثقة ، روى عن ابن عمر. مترجم فى التهذيب ، والكبير
٢٩٤/٢/٢، وابن أبى حاتم ٤٢٨/١/٢.
وهذا إسناد ضعيف ، لضعف موسى بن عبيدة الربذى .
(١) الأثر: ١٦٦٨٥ - ((محمد بن معمر بن ربعى البحرانى))، شيخ الطبرى، ثقة من
شيوخ البخارى ومسلم، مضى برقم: ٢٤١، ٣٠٥٦، ٥٣٩٣ .
و((روح))، هو ((روح بن عبادة القيسى))، ثقة، مضى مراراً كثيرة .
و ((أشعث))، هو ((أشعث بن عبد الملك الحمرانى))، ثقة مأمون، مترجم فى التهذيب،
والكبير ٤٣١/١/١، وابن أبى حاتم ٢٧٥/١/١.
وهذا الخبر، نقله ابن كثير فى تفسيره ٤: ١٦٠، عن هذا الموضع، ثم قال: ((ورواه
البزار ، عن محمد بن معمر ، به ، ثم قال: لا يروى عن أبى هريرة إلا من هذا الوجه)) .
(٢) الأثر : ١٦٦٨٦ - هذا خبر منقطع الإسناد، لأن محمد بن سيرين لم يسمع من
أبى بكرة، ووصله البخارى فى مواضع من صحيحه، من طريق (( أيوب، عن محمد بن سيرين،
عن عبد الرحمن بن أبى بكرة، عن أبى بكرة)) (الفتح ١: ١٤٥، ١٧٧، ٣/١٧٨ :
٦/٤٥٩ : ٢١٠، ٨/٢١١ : ٨٣، ٢٤٤)، مطولاً.
ووصله مسلم أيضاً فى صحيحه ١١ : ١٦٧ .
ورواه أحمد فى مسنده ٥ : ٣٧، منقطعاً، كما رواه الطبرى، وقد استوفى الحافظ ابن حجر ،
تفصيل القول فى ذلك فى الفتح ، فى المواضع التى ذكرتها آنفاً .
والحديث صحيح متفق عليه .

٢٣٦
تفسير سورة التوبة : ٣٤
١٦٦٨٧ - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سليمان
التيمى قال، حدثنى رجل بالبحرين : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال فى
خطبته فى حجة الوداع : ألا أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات
والأرض، وإن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً، ثلاثة متواليات : ذو القعدة،
وذو الحجة ، والمحرم ، ورجبُ الذى بين جمادى وشعبان .
١٦٦٨٨ - حدثنا ابن حميدقال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن
ابن أبى نجيح قوله: (( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً فى كتاب الله يوم
خلق السموات والأرض منها أربعة حرم)) ، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
ثلاثة متواليات : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب الذى بين جمادى
وشعبان .
١٦٦٨٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قال: ذكر لنا أن نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال فى خطبته يوم منّ:
ألا أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، وإن عدة
الشهور عند الله اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ، ثلاثة متواليات : ذو القعدة ،
وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان .
وهو قول عامة أهل التأويل .
#
#
* ذكر من قال ذلك :
١٦٦٩٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً فى كتاب
الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم))، أما ((أربعة حرم،)) فذو القعدة،
وذو الحجة، والمحرم، ورجب. وأما ((كتاب الله))، فالذى عنده.
١٦٦٩١ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
٨٩/١٠ عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((إن عدة الشهور عند الله

٢٣٧
تفسير سورة التوبة : ٣٦
اثنا عشر شهراً))، قال: يعرف بها شأن النسىء ، ما نقص من السنة .
١٦٦٩٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد فى قول الله: ((إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً فى
كتاب الله))، قال: يذكر بها شأن النسىء.
...
وأما قوله: (( ذلك الدين القيم )) ، فإن معناه : هذا الذى أخبرتكم به، من أن
عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً فى كتاب الله، وأن منها أربعة حرماً : هو
الدين المستقيم ، كما : -
١٦٦٩٣ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط عن السدى: ((ذلك الدين القيم)) ، يقول : المستقيم .
١٦٦٩٤ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى
قوله: ((ذلك الدين القيم))، قال : الأمر القيم . يقول: قال تعالى: واعلموا، أيها
الناس ، أن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً فى كتاب الله الذى كتب فيه
كل ما هو كائن ، وأن من هذه الاثنى عشر شهراً أربعةُ أشهرٍ حرماً ، ذلك دين
اللّه المستقيم ، لا ما يفعله النسىء من تحليله ما يحلل من شهور السنة ، وتحريمه
ما يحرِّمه منها .(١)
وأما قوله: ((فلا تظلموا فيهن أنفسكم))، فإن معناه: فلا تعصوا اللّه فيها ،
ولا تحلُّوا فيهن ما حرَّم الله عليكم، فتكسبوا أنفسكم ما لا قِبَل لها به من سخط الله
وعقابه ، كما : -
(١) ((النسى))، هكذا جاءت فى المخطوطة أيضاً، بمعنى ((الناسئ"))، وهو الذى كان
يحلل لهم الشهر ويحرمه. وأخشى أن يكون وهماً من الناسخ، فإن ((النسى)) على وزن ((فعيل))،
وهو بمعنى ((مفعول))، أو مصدر ((نسأ الشهر))، ولم أرهم قالوا فى الرجل إلا ((ناسى"))، وجمعه
((نسأة))، مثل ((فاسق)) و((فسقة)).
وانظر ما سيأتى فى تفسير ((النسى)) ص: ٣٤٣، والخبر رقم : ١٦٧٠٨، ١٦٧٠٩ ،
والتعليق هناك .

٢٣٨
تفسير سورة التوبة : ٣٦
١٦٦٩٥ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((فلا تظلموا فيهن أنفسكم))، قال: الظلم العمل بمعاصى الله، والترك
لطاعته .
ثم اختلف أهل التأويل فى الذى عادت عليه ((الهاء))، و((النون)) فى قوله:
((فيهن).
فقال بعضهم: عاد ذلك على ((الاثنى العشر الشهر))، (١) وقال : معناه:
فلا تظلموا فى الأشهر كلّها أنفسكم .
ذكر من قال ذلك :
١٦٦٩٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس قوله: ((إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً فى
كتاب اللّه يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا
فيهن أنفسكم))، فى كلِّهن. ثم خصَّ من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حُرُّماً ،
وعظَّ حُرُماتهن ، وجعل الذنبَ فيهن أعظم ، والعمل الصالح والأجر أعظم .
١٦٦٩٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو ، عن حماد
ابن سلمة ، عن على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: ((فلا تظلموا
فيهن أنفسكم )) ، قال : فى الشهور كلها .
٠ ٠
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فلا تظلموا فى الأربعة الأشهر الحرم
أنفسكم = و(«الهاء والنون)) عائدة على ((الأشهر الأربعة)).
• ذكر من قال ذلك :
١٦٦٩٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: أما قوله: ((فلا تظلموا فيهن أنفسكم)) ، فإن الظلم فى الأشهر الحرم
(١) فى المطبوعة: ((على الاثنى عشر شهراً))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٢٣٩
تفسير سورة التوبة : ٣٦
أعظم خطيئةٌ ووزْرًا ، من الظلم فيما سواها ، وإن كان الظلم على كل حال
عظيماً، ولكن اللّه يعظُ من أمره ما شاء. وقال: إن الله اصطفى صَفَايا من خلقه،
اصطفى من الملائكة رسلاً ، ومن الناس رسلاً ، واصطفى من الكلام ذكره ،
واصطفى من الأرض المساجد ، واصطفى من الشهور رمضانَ والأشهر الحرم ،
واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالى ليلةَ القدر، فعظّموا ما عظم
اللّه، فإنما تعظم الأمور بما عظَّمها اللّه عند أهل الفهم وأهل العقل .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فلا تظلموا فى تصييركم حرامَ الأشهر الأربعة
حلالاً ، وحلالها حراماً = أنفسكم .
ذكر من قال ذلك :
١٦٦٩٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((إن عدة
الشهور عند الله اثنا عشر شهراً))، إلى قوله: ((فلا تظلموا فيهن أنفسكم))، أى :
لا تجعلوا حرامها حلالاً ولا حلالها حراماً ، كما فعل أهل الشرك ، فإنما النسىء ،
الذى كانوا يصنعون من ذلك، ((زيادة فى الكفر يُضَل به الذين كفروا))، الآية.(١)
١٦٧٠٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا
سفيان، عن قيس بن مسلم، عن الحسن: ((فلا تظلموا فيهن أنفسكم))، قال: ٩٠/١٠
((ظلم أنفسكم))، أن لا تحرِّموهن كحرمتهن.
١٦٧٠١ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان ،
عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد بن على: ((فلا تظلموا فيهن أنفسكم )) ،
قال: ((ظلم أنفسكم ))، أن لا تحرِّموهن كحرمتهن .
١٦٧٠٢ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
(١) الأثر: ١٦٦٩٩ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٣، وهو تابع الأثر السالف رقم:
٠١٦٦١٥

٢٤٠
تفسير سورة التوبة : ٣٦
سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن الحسن بن محمد ، بنحوه .
٠٠٠
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى ذلك عندى بالصواب، قولُ من قال : .
فلا تظلموا فى الأشهر الأربعة أنفسكم ، باستحلال حرامها ، فإن اللّه عظمها
وعظّ حرمتها .
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب فى تأويله، لقوله: ((فلا تظلموا فيهن))، فأخرج
الكناية عنه مُخْرَج الكناية عن جمع ما بين الثلاثة إلى العشرة . وذلك أن العرب تقول
فيما بين الثلاثة إلى العشرة، إذا كَنّتْ عنه: ((فعلنا ذلك لثلاث ليال خلون، ولأربعة
أيام بقين))، وإذا أخبرت عما فوق العشرة إلى العشرين قالت: ((فعلنا ذلك لثلاث
عشرة خلت، ولأربع عشرة مضت)) = فكان فى قوله جل ثناؤه: ((فلا تظلموا
فيهن أنفسكم))، وإخراجه كناية عدد الشهور التى نهى المؤمنين عن ظلم أنفسهم
فيهن مخرج عدد الجمع القليل من الثلاثة إلى العشرة ، الدليلُ الواضح على أن
((الهاء والنون))، من ذكر الأشهر الأربعة، دون الاثنى العشر . لأن ذلك لو
كان كناية عن ((الاثنى عشر شهرًا))، لكان: فلا تظلموا فيها أنفُسكم.(١).
...
فإن قال قائل: فما أنكرت أن يكون ذلك كنايةً عن ((الاثنى عشر))، وإن
كان الذى ذكرت هو المعروف فى كلام العرب؟ فقد علمت أن [ من ] المعروف
من كلامها ، (٣) إخراجُ كناية ما بين الثلاث إلى العشر ، بالهاء دون النون ، وقد
قال الشاعر : (٣)
(١) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٤٣٥.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((أن المعروف من كلامها))، والسياق يقتضى إثبات ما أثبت
بين القوسين، لأن هذا القائل، أقر أولا بأن ما قاله الطبرى هو ((المعروف من كلامها))، أى
المشهور المتفق عليه. فالجيد أن يعترض عليه بشىء آخر، هو ((الجائز فى كلامها))، فمن أجل
هذا المعنى زدت ((من)) بين القوسين ، ليستقيم منطق الكلام .
(٣) هو عمر بن لجأ التيمى.