Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
تفسير سورة التوبة : ٢٩، ٣٠
أى تأخذها وأنت جالس ، وهو قائم .(١)
٠ ٠
وقال آخرون: معنى قوله: (( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون))،
عن أنفسهم ، بأيديهم يمشون بها ، وهم کارهون . وذلك قول رُوی عن ابن عباس ،
من وجه فيه نظر .
*
وقال آخرون : إعطاؤهم إياها ، هو الصغار .
القول فى تأويل قوله ﴿وَقَلَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ
وَقَتِ النَّصْرَى الْسَبِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ يُضَمِّتُونَ
قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَتَلَهُمُ الهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (2)
قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل فى القائل: ((عزير ابن الله)).
فقال بعضهم : كان ذلك رجلاً واحداً ، وهو فِيْنخاص .
· ذكر من قال ذلك :
١٦٦١٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال : سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير قوله: (( وقالت اليهود عزير
ابن اللّه))، قال : قالها رجل واحد ، قالوا: إن اسمه فنحاص . وقالوا : هو الذى
قال: ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ﴾، [سورة آل عمران: ١٨١].
*
(١) الأثر: ١٦٦١٨ - ((عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابورى))، شيخ الطبرى، ثقة،
من شيوخ البخارى، مضى برقم : ١٣٨٠٥ .
وفى المطبوعة: ((عن ابن سعد))، وهو خطأ، خالف ما فى المخطوطة وانظر ((أبا سعد)» فى
فهرس الرجال .

٢٠٢
تفسير سورة التوبة : ٣٠
وقال آخرون : بل كان ذلك قول جماعة منهم .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٦٢٠ - حدثنا أبو کریب قال، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا
محمد بن إسحق قال ، حدثنى محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت قال ، حدثی
سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: أتى رسولَ اللّه صلى اللّه عليه
وسلم سَلاَمُ بن مشكم، ونعمانُ بن أوفى، (١) وشأسُ بن قيس ، ومالك بن الصِّيف،
فقالوا: كيف نتّبعك وقد تركت قِبْلتنا، وأنت لا تزعم أنّ عزيراً ابن الله؟ فأنزل
اللّه فى ذلك من قولهم: (( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله))،
إلى: (( أنى يؤفكون)).(٢)
١٦٦٢١ - حدثی محمد بن سعد قال ، حدثی ابی قال ، حدثی عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((وقالت اليهود عزير ابن الله))
وإنما قالوا: ((هو ابن اللّه))، من أجل أن عُزَيراً كان فى أهل الكتاب ، وكانت
التوراة عندهم ، فعملوا بها ما شاء الله أن يعملوا، (٣) ثم أضاعوها وعملوا بغير
الحق ، وكان التّابوت فيهم . فلما رأى اللّه أنهم قد أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء،
رفع الله عنهم التابوت، وأنساهُ التوراة، ونسخها من صدورهم، وأرسل اللّه
عليهم مرضاً ، فاستطلقت بطونهم حتى جعل الرجل يمشى كبدُه ، حتى نسوا
التوراة، ونسخت من صدورهم ، وفيهم عزير. فمكثوا ما شاء الله أن يمكثُوا بعد
ما نسخت التوراةٍ من صدورهم ، وكان عزير قبلُ من علمائهم، فدعا عزيرٌ اللّه،
وابتهل إليه أن يردّ إليه الذى نسخَ من صدره من التوراة . فبينما هو يصلى مبتهلاً
إلى اللّه، نزل نورٌ من اللّه فدخل جَوْفه، فعاد إليه الذى كان ذهبَ من جوفه من
(١) فى سيرة ابن هشام: ((ونعمان بن أوفى أبو أنس، ومحمود بن دحية، وشأس ... )).
(٢) الأثر: ١٦٦٢٠ - سيرة ابن هشام ٢ : ٢١٩.
(٣) فى المطبوعة: ((يعملون بها ما شاء الله))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٢٠٣
تفسير سورة التوبة : ٣٠
التوراة، فأذّن فى قومه فقال: يا قوم، قد آتانى اللّه التوراةَ وردّها إلىَّ! فعلقَ
بهم يعلمهم، (١) فمكثوا ما شاء اللّه وهو يعلمهم . ثم إنَّ التابوت نزل بعد ذلك
وبعد ذهابه منهم ، فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذى كان عزير
يعلُّمهم ، فوجدوه مثله ، فقالوا : والله ما أوتى عزير هذا إلا أنه ابن اللّه ! !
١٦٦٢٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط، عن السدّى: ((وقالت اليهود عزير ابن اللّه))، إنما قالت ذلك ،
لأنهم ظهرت عليهم العمالقة فقتلوهم، وأخذوا التوراة ، وذهب علماؤهم الذين بقُوا،
وقد دفنوا كتب التوراة فى الجبال . (٢) وكان عزير غلاماً يتعبَّد فى رؤوس الجبال ،
لا ينزل إلا يوم عيد. فجعل الغلام يبكى ويقول: ((ربِّ تركتَ بنى إسرائيل
بغير عالم))! فلم يزل يبكى حتى سقطت أشْفارُ عينيه ، فنزل مرة إلى العيد ، فلما
رجع إذا هو بامرأة قد مثلتْ له عند قبر من تلك القبور تبكى وتقول: (( يا مطعماه،
ويا كاسِياه))! فقال لها ، ويحك ، من كان يطعمك أو يكسوك أو يسقيك
أو ينفعك قبل هذا الرجل ؟(٣) قالت: الله! قال: فإنّ اللّه حى لم يمت !قالت:
يا عزير، فمن كان يعلّم العلماء قبلَ بنى إسرائيل؟ قال: الله! قالت: فلم تبكى
عليهم؟ فلما عرف أنه قد خُصِيمٍ، (٤) ولَّى مدبراً ، فدعته فقالت : يا عزير ،
إذا أصبحت غداً فأت نهر كذا وكذا فاغتسل فيه، ثم اخرج فصلِّ ركعتين ،
١٠/ ٧٩
(١) فى المطبوعة: ((فعلق يعلمهم))، وفى المخطوطة (( فعلق به يعلمهم))، ورجحت صواب
ما أثبت. يقال: ((علقت أفعل كذا)) بمعنى: طفقت. من قولهم: ((علق بالشىء))، إذا لزمه،
قال يزيد بن الطبرية :
عَلِقْنَ حَوْلِىَ يَسْأَلْنَ القِرَى أُصُلاّ وليسَ يَرْضَيْنَ مِّ بالمعَذِيرِ
بمعنى : طفقن ( انظر طبقات فحول الشعراء : ٥٨٧، تعليق : ٤).
(٢) فى المطبوعة: ((فدفنوا))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة، جعلها جميعاً بالواو على العطف، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٤) ((خصم))، أى: غلب فى الخصام والحجاج.

٢٠٤
تفسير سورة التوبة : ٣٠
فإنه يأتيك شيخٌ ، فما أعطاك فخُذْه . فلما أصبح انطلق عزيرٌ إلى ذلك
النهر ، فاغتسل فيه ، ثم خرج فصلى ركعتين . فجاء الشيخُ فقال : افتح فمك !
ففتح فمه ، فألقى فيه شيئاً كهيئة الجمرة العظيمة ، مجتمع كهيئة القوارير ، ثلاث
مرار . (١) فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة ، فقال : يا بنى إسرائيل ،
إنى قد جئتكم بالتوراة! فقالوا: يا عزيز ، ما كنت كذَّاباً! فعمد فربط على
كل إصبع له قلماً ، وكتب بأصابعه كلها ، فكتب التوراة كلّها . فلما رجعَ
العلماء ، أخبروا بشأن عزير ، فاستخرج أولئك العلماء كُتبهم التى كانوا دفنوها
من التوراة فى الجبال ، وكانت فى خوابٍ مدفونة ، (٢) فعارضوها بتوراة عزير،
فوجدوها مثلها، فقالوا : ما أعطاك الله هذا إلا أنك ابنه !
٥
٠٠
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض المكبين والكوفيين: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ
عُزَيْرُ أَبْنُ اللهِ ﴾، لا ينونون ((عزيرًا)).
٥٠٠
وقرأه بعض المكيين والكوفيين: ﴿عُزَيْرٌ أَبْنُ الله)، بتنوين ((عزير)) قال:
هو اسم مجْرَى وإن كان أعجمياً ، لخفته . وهو مع ذلك غير منسوب إلى اللّه،
فيكون بمنزلة قول القائل: ((زيدٌ ابن عبد اللّه))، وأوقع ((الابن)) موقع الخبر .
ولو كان منسوباً إلى اللّه لكان الوجه فيه ، إذا كان الابن خبرًا ، الإجراء ،
والتنوين، فكيف وهو منسوب إلى غير أبيه؟ وأما من ترك تنوين ((عزير)) فإنه
لما كانت الباء من ((ابن))، ساكنة مع التنوين الساكن، والتقى ساكنان ، فحذف
الأول منهما استثقالاً لتحريكه ، قال الراجز : (٣)
(١) فى المطبوعة: ((مجتمعاً))، وأثبت ما فى المخطوطة، والدر المنثور. وهذا الموضع من
الخبر، يحتاج إلى نظر فى محته ومعناه .
(٢) ((خوابى)) جمع ((خابية))، وهى الجرة الكبيرة.
(٣) لم أعرف قائله .

٢٠٥
تفسير سورة التوبة : ٣٠
لَتَجِدَنِّى بِالأَمِيرِ بَرًّا وَبِالْقَنَاةِ مِدْعَساً مِكَرًّا
إِذَا غُطَيْفُ السُّلَمِىُّ فَرًّا (١)
فحذف النون للساكن الذى استقبلها .
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب فى ذلك، قراءةُ من قرأ: (عُزَيْرٌ
ابْنُ اللهِ﴾، بتنوين ((عزير))، لأن العرب لا تنون الأسماء إذا كان (الابن) نعتً للاسم،
[ وتنونه إذا كان خبرًا]، كقولهم: ((هذا زيدٌ ابن عبد اللّه))، فأرادوا الخبر
عن (زيد)) بأنه ((ابن عبد اللّه))، (٢) ولم يريدوا أن يجعلوا ((الابن)) له نعتاً و((الابن))
فى هذا الموضع خبر ل ((عزير))، لأن الذين ذكر الله عنهم أنهم قالوا ذلك، إنما أخبروا
عن ((عزير))، أنه كذلك ، وإن كانوا بقيلهم ذلك كانوا كاذبين على الله مفترين.
#
= (( وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين
كفروا من قبل))، يعنى قول اليهود: ((عزير ابن الله)). يقول: يُشْبه قول هؤلاء فى
الكذب على الله والفرية عليه ونسبتهم المسيح إلى أنه لله ابن"، كذب اليهود وفريتهم
على الله فى نسبتهم عزيراً إلى أنه للّه ابن، (٣) ولا ينبغى أن يكون للّه ولدٌ سبحانه،
(١) نوادر أبى زيد: ٩١، معانى القرآن للفراء ١: ٤٣١. اللسان (صهب)، (دعس) ،
( دعص)، وغيرها ، وقبله فى النوادر :
جاءوا يجرُّونَ الحَدِيدَ جَرًّا صُهْبَ السِّالِ يَبتغونَ الشرَّا
وفى النوادر: ((يجرون السود))، وهذه رواية غيره.
(٢) هذه الجملة كانت فى المخطوطة هكذا: ((لأن النون العرب من الأسماء إذا كان الابن
نعتاً للاسم، كقولهم: هذا زيد بن عبد الله، فأرادوا الخبر عن زيد بأنه ابن الله)). وهو كلام
مضطرب غاية الاضطراب .
وصححها فى المطبوعة هكذا: ((لأن العرب لاتنون الأسماء، إذا كان الابن نعتاً للاسم ، كقولهم:
هذا زيد بن عبد الله، فأرادوا الخبر عن عزير بأنه ابن الله))، وهو أيضاً مضطرب .
فأبقيت تصحيح الناشر الأول فى صدر الجملة ، ثم صححت سائر الكلام بما يوافق المخطوطة ،
ثم زدت فيه ما بين القوسين ، حتى يستقيم الكلام على وجه مرضى بعض الرضى . ولا أشك أن الناسخ
قد أسقط قدراً من كلام أبى جعفر .
(٣) فى المطبوعة: ((نسبة قول هؤلاء ... ككذب اليهود وفريتهم))، أخطأ فى قراءة

٢٠٦
تفسير سورة التوبة : ٣٠
بل له ما فى السموات والأرض كلّ له قانتون .
٠٠٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٦٢٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس قوله: (( يضاهئون قول الذين كفروا من قبل))،
يقول : يُشبِّهون .
١٦٦٢٤ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((يضاهئون قول الذين كفروا من قبل))، ضاهت النصارى قول اليهود قبلهم.
١٦٦٢٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدّى: (( يضاهئون قول الذين كفروا من قبل))، النصارى
يضاهئون قول اليهود فى (( عزير)).
٨٠/١٠
١٦٦٢٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن
جريج : ((يضاهئون قول الذين كفروا من قبل)) ، يقول: النصارى، يضاهئون قول اليهود.
١٦٦٢٧ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((يضاهئون قول الذين
كفروا من قبل ))، يقول: قالوا مثل ما قال أهل الأوثان .
#
وقد قيل : إن معنى ذلك: يحكون بقولهم قولَ أهل الأوثان، (١) الذين قالوا :
((اللات، والعزَّى، ومناة الثالثة الأخرى)).(٢)
((يشبه))، فجعلها ((نسبة))، ثم زاد فى ((كذب)) كافاً أخرى فى أولها، ليستقيم الكلام، فلم
يستقم. وقوله: ((كذب)) مفعول قوله: ((يشبه)). وذلك معنى ((المضاهاة)) كما سيأتى.
(١) فى المطبوعة: ((أهل الأديان))، والصواب ما أثبت من المخطوطة.
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٤٣٣.

٢٠٧
تفسير سورة التوبة : ٣٠
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق: ﴿ يُضَاهُونَ ﴾ ، بغير همز.
وقرأه عاصم: ﴿ يُضَاهِئُونَ ﴾، بالهمز ، وهى لغة لثقيف .
٠ ٠ *
وهما لغتان، يقال: ((ضاهيته على كذا أضاهيه مضاهاة))، و((ضاهاته عليه
مُضَأهاة))، إذا مالأته عليه وأعنته .
*
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة فى ذلك ترك الهمز ، لأنها القراءة
المستفيضة فى قرأة الأمصار ، واللغة الفصحى .
#
٠
وأما قوله: ((قاتلهم الله))، فإن معناه ، فيما ذكر عن ابن عباس ، ما : -
١٦٦٢٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس قوله: ((قاتلهم الله))، يقول: لعنهم الله. وكل شىء
فى القرآن ((قتل))، فهو لعن .
وقال ابن جريج فى ذلك ما : -
١٦٦٢٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قوله: ((قاتلهم الله))، يعنى النصارى، كلمةٌ من كلام العرب. (١)
#
٠ ٠
فأما أهل المعرفة بكلام العرب فإنهم يقولون : معناه: قتلهم اللّه. والعرب
تقول: ((قاتعك الله))، و((قاتعها الله))، بمعنى: قاتلك الله. قالوا: و((قاتعك الله))
أهون من ((قاتله الله)).
وقد ذكروا أنهم يقولون: ((شاقاه الله ما تاقاه))، يريدون: أشقاه اللهما أبقاه.
(١) يعنى أنها كلمة تقولها العرب، لا تريد بها معنى ((القتل))، كقولهم: ((تربت يداك))،
لا يراد بها وقوع الأمر.
1

٢٠٨
تفسير سورة التوبة : ٣٠ ، ٣١
قالوا: ومعنى قوله: ((قاتلهم الله))، كقوله: ﴿ُقُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾،
[سورة الذاريات: ١٠]، و﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأَخْدُودِ﴾، [سورة البروج: ٤]، واحدٌ
هو بمعنى التعجب .
فإن كان الذى قالوا كما قالوا ، فهو من نادر الكلام الذى جاء على غير
القياس، لأنّ ((فاعلت)) لا تكاد أن تجىء فعلاً إلا من اثنين ، كقولهم:
((خاصمت فلاناً))، و((قاتلته))، وما أشبه ذلك. وقد زعموا أن قولهم: ((عافاك
الله)) منه، وأن معناه : أعفاك الله، بمعنى الدعاء لمن دعا له بأن يُعْفيه من السوء.
#
وقوله: (( أنى يؤفكون ))، يقول : أىَّ وجه يُذْ هبُ بهم، ويحيدون؟و كيف يصدُّون
عن الحق ؟ وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل.(١)
القول فى تأويل قوله ﴿أَنَّخَذُواْ أَحْبَرَهُمْ وَرُمْيَتَهُمْ أَرْباب]
مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلَّ يَعْبُدُواْ إِلَّهَ
وَحدَا لَا إِلَّهَ إِلَّ هُوَ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرَكُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : اتخذ اليهود أحبارهم ، وهم العلماء .
...
وقد بينت تأويل ذلك بشواهده فيما مضى من كتابنا هذا قبل . واحدهم
("حَبْرٌ))، و((حِبْرٌ)) بكسر الحاء منه وفتحها.(٢)
وكان يونس الجرمى، (٣) فيما ذكر عنه، يزعم أنه لم يسمع ذلك إلا ((حِبر))
(١) انظر تغير (الإفك)) فيما سلف ١٠ : ١١/٤٨٦ : ٥٥٤.
(٢) انظر تغير ((الخبر)» فيما سلف ٦: ٥٤٣، ١٠/٥٤٤: ٣٤١، ٤٤٨.
(٣) ((يونس الجرمى))، أنظر ما سلف ١٠: ١٢٠، تعليق: ١١/١ : ٥٤٤)
تعليق: ٣ / ١٣ : ١٢٩، تعليق: ٣ = ١٣٨، تعليق: ٤

٢٠٩
تفسير سورة التوبة : ٣١
بكسر الحاء. ويحتج بقول الناس: ((هذا مِدَادُ حِبْرٍ))، يراد به مدادُ عالم .
وذكر الفرَّاء أنه سمعه ((حِبْرًا))، و((حَبْراً)) بكسر الحاء وفتحها .
= والنصارى ((رهبانهم))، (١) وهم أصحاب الصوامع وأهل الاجتهاد فى دينهم
منهم ، (٢) كما : -
١٦٦٣٠ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى، عن سلمة ، عن الضحاك ،
((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم))، قال: قُرَّاءهم وعلماءهم.
= ((أربابًا من دون الله))، يعنى: سادةً لهم من دون الله، (٣) يطيعونهم فى
معاصى الله، فيحلون ما أحلُّوه لهم مماقد حرَّمه الله عليهم، ويحرِّمون ما يحرِّمونه
عليهم مما قد أحلَّ اللّه لهم ، كما : -
١٦٦٣١ - حدثنى الحسين بن يزيد الطحّان قال، حدثنا عبد السلام بن
حرب الملائى، عن غطيف بن أعين ، عن مصعب بن سعد، عن عدى بن حاتم
قال: انتهيتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ فى ((سورة براءة)): ((اتخذوا
أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله))، فقال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكن
كانوا يحلّون لهم فيُحُّون. (٤)
(١) قوله: ((والنصارى، ورهبانهم)) هذا معطوف على قوله آنفاً: ((اتخذ اليهود أحبارهم)).
(٢) انظر تفسير ((الرهبان)) فيما سلف ١٠: ٥٠٢، ٥٠٣.
(٣) انظر تفسير ((الرب)) فيما سلف ١: ١٤٢ / ١٢: ٢٨٦، ٤٨٢
(٤) الأثر: ١٦٦٣١ - حديث ((عدى بن حاتم الطائى))، رواه أبو جعفر من ثلاث
طرق متابعة ، كلها من طريق عبد السلام بن حرب ، عن غطيف بن أعين ، من ١٦٦٣١ - ١٦٦٣٣.
((الحسين بن يزيد السبيعى الطحان))، شيخ الطبرى، وثقه ابن حبان، ولين حديثه أبو حاتم،
مضى برقم: ٢٨٩٢، ٧٨٦٣، ٩١٥٣. وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((الحسن بن يزيد))،
وهو خطأ .
ج ١٤ (١٤)

٢١٠
تفسير سورة التوبة : ٣١
١٦٦٣٢ - حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا ، حدثنا مالك بن إسمعيل
= وحدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد = جميعاً ، عن عبد السلام
ابن حرب قال ، حدثنا غطيف بن أعين ، عن مصعب بن سعد ، عن عدى
٨١/١ ابن حاتم قال: أتيت رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم وفى عُنُقِ صليبٌ من ذهب،
فقال: يا عدىّ، اطرح هذا الوثنَ من عنقك! قال: فطرحته، وانتهيت إليه
وهو يقرأ فى (سورة براءة))، فقرأ هذه الآية: ((اتخذوا أحبارهم ورُهبانهم أرباباً
من دون الله))، قال قلت: يا رسول اللّه، إنا لسنا نعبدُهم! فقال: أليس يحرِّمون
ما أحلَّ اللّه فتحرِّمونه، ويحلُّون ما حرَّم اللّه فتحدّونه ؟ قال قلت : بلى !
قال : فتلك عبادتهم ! = واللفظ لحديث أبى كريب.(١)
١٦٦٣٣ - حدثنى سعيد بن عمرو السكونى قال: حدثنا بقية ، عن قيس
و ((عبد السلام بن حرب الملائى النهدى))، الحافظ الثقة، مضى برقم : ١١٨٤ ، ٥٤٧١ ،
٠١٢٤٧٨
و ((غطيف بن أعين الشيبانى الجزرى)) أو: ((غصيف)) وثقه ابن حبان، وقال الترمذى:
(( ليس بمعروف فى الحديث))، وضعفه الدارقطنى، مترجم التهذيب، والكبير ١٠٦/١/٤،
ولم يذكر فيه جرحاً، وترجمه ابن أبى حاتم فى ((غضيف)) بالضاد، ٥٥/٢/٣، ولم يذكر فيه
جرحاً. وسيأتى ((غضيف)) فى رقم : ١٦٦٣٣.
و ((مصعب بن سعد بن أبى وقاص))، روى عن أبيه، وعلى ، وعكرمة بن أبي جهل ، وعدى
ابن حاتم، وابن عمر . وغيرهم، وروى عن غطيف بن أعين . وهو ثقة ، روى له الجماعة ، مضى
برقم : ٩٨٤١ ، ١١٤٥٠ .
وهذا الخبر مختصر الذى يليه ، فراجع التخريج التالى .
ورواه الترمذى من هذه الطريق نفسها عن الحسين بن يزيد الكوفى الطحان فى كتاب التفسير ،
وقال : ((هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب . وغطيف
بن أعين، ليس بمعروف فى الحديث)).
وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٣ : ٢٣٠، وزاد نسبته إلى ابن سعد ، وعبد بن حميد ،
وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، والطبرانى، وأبى الشيخ ، وابن مردويه، والبيهقى فى سننه. ولم أجده
فى المطبوع من طبقات ابن سعد ، وضل عنى مكانه فى سنن البيهقى .
(١) الأثر: ١٦٦٣٢ - رواه من طريق مالك بن إسماعيل، عن عبد السلام بن حرب،
بلفظه، البخارى فى الكبير ٤ /١٠٦/١ . وانظر التخريج السالف .

٢١١
تفسير سورة التوبة : ٣١
ابن الربيع ، عن عبد السلام بن حرب النهدي ، عن غضيف ، عن مصعب بن
سعد، عن عدى بن حاتم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ((سورة
براءة))، فلما قرأ: ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه))، قلت :
يا رسول الله، إما إنهم لم يكونوا يصلون لهم ! قال : صدقت ، ولكن كانوا
يُحدُّون ما حرَّم الله فيستحلُّونه، ويحرّمون ما أحلَ اللّه لهم فيحرِّمونه .
١٦٦٣٤ - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى
قال ، حدثنا سفيان ، عن حبيب بن أبى ثابت ، عن أبى البخترى ، عن حذيفة :
أنه سئل عن قوله: ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله))، أكانوا
يعبدونهم ؟ قال: لا : كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئاً استحلوه ، وإذا حرَّموا عليهم
شيئاً حرَّموه .
١٦٦٣٥ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى، عن سفيان ، عن حبيب،
عن أبى البحترى قال : قيل لأبى حذيفة ، فذكر نحوه = غير أنه قال : ولكن
كانوا يحلُّون لهم الحرام فيستحلُّونه ، ويحرِّمُون عليهم الحلال فيحرِّمونه .
١٦٦٣٦ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يزيد بن هرون ، عن العوام بن
حوشب ، عن حبيب عن أبى البحترى قال : قيل لحذيفة : أرأيت قول الله :
((اتخذوا أحبارهم))؟ قال: أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم ولا يصلون لهم ، ولكنهم
كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلُّوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً أحله الله لهم حرّموه،
فتلك كانت رُبُوبيّتهم .
١٦٦٣٧ -.... قال، حدثنا جرير وابن فضيل ، عن عطاء ، عن
أبى البخترى: ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه))، قال: انطلقوا
(١) الأثر: ١٦٦٣٣ - ((غضيف))، هو ((غضيف)) بن أعين))، و((غطيف))،
كما مر فى تخريج الأثر: ١٦٦٣١. وكان فى المخطوطة: ((حصف)) وجعلها فى المطبوعة: ((غطيف))،
والصواب ما أثبت . كما أشرت إليه فى التعليق المذكور .

٢١٢
تفسير سورة التوبة : ٣١
إلى حلال اللّه فجعلوه حراماً، وانطلقوا إلى حرام اللّه فجعلوه حلالاً، فأطاعوهم فى
ذلك . فجعل الله طاعتهم عبادتهم. ولو قالوا لهم: ((اعبدونا))، لم يفعلوا.
١٦٦٣٨ - حدثنى الحسن بن یحی قال، أخبرنا عبد الرزاققال، أخبرناالثورى،
عن حبيب بن أبى ثابت، عن أبى البخترى قال: سأل رجل حذيفة فقال: يا أبا عبداللّه،
أرأيت قوله: ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله))، أكانوا يعبدونهم؟
قال : لا، كانوا إذا أحدُّوا لهم شيئاً استحلُّوه، وإذا حرَّموا عليهم شيئاً حرَّموه.
١٦٦٣٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن أبى عدىّ ، عن أشعث ،
عن الحسن: ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً))، قال : فى الطاعة .
١٦٦٤٠ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم
أرباباً من دون الله))، يقول : زيَّنُوا لهم طاعتهم .
١٦٦٤١ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط ، عن السدى: (( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ))،
قال عبد الله بن عباس: لم يأمروهم أن يسجُدوا لهم، ولكن أمروهم بمعصية الله
فأطاعوهم ، فسمَّاهم الله بذلك أرباباً .
١٦٦٤٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير ، عن أبى جعفر الرازى ،
عن الربيع بن أنس ، عن أبى العالية: (( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً )) ،
قال : قلت لأبى العالية : كيف كانت الرُّبوبية التى كانت فى بنى إسرائيل ؟
قال: [لم يسبوا أحبارنا بشىء مضى]، ((ما أمرونا به ائتمرنا، وما نهونا عنه
٨٢/١٠ انتهينا لقولهم))، وهم يجدون فى كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه، فاستنصحوا
الرجالَ ، ونبذُوا كتاب الله وراء ظهورهم .
(١) هذه الجملة التى وضعتها بين القوسين من المخطوطة، ولا أدرى ما هى، ولكنى أثبتها كما
جاءت ، فلعل أحداً يجد الخبر فى مكان آخر فيصححه .

٢١٣
تفسير سورة التوبة : ٣١، ٣٢
١٦٦٤٣ - حدثنى بشر بن سويد قال، حدثنا سفيان ، عن عطاء بن
السائب ، عن أبى البخترى، عن حذيفة: ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من
دون الله))، قال: لم يعبدوهم، ولكنهم أطاعوهم فى المعاصى.(١)
٠
#
وأما قوله: ((والمسيح ابن مريم))، فإن معناه : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم
والمسيح ابن مريم أرباباً من دون الله .
وأما قوله: (( وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً)) ، فإنه يعنى به : وما أمر هؤلاء
اليهود والنصارى الذين اتخذوا الأحبارَ والرهبان والمسيحَ أرباباً ، إلا أن يعبدوا معبوداً
واحداً ، وأن يطيعوا إلا ربًّاً واحداً، دون أرباب شتَّى، وهو اللّه الذى له عبادة
كل شىء ، وطاعةُ كل خلق ، المستحقُّ على جميع خلقه الدينونة له بالوحدانية
والربوبية = ((لا إله إلا هو))، يقول تعالى ذكره: لا تنبغى الألوهية إلا للواحد
الذى أمر الخلقُ بعبادته، ولزمت جميع العباد طاعته = ((سبحانه عما يشركون))،
يقول: تنزيهاً وتطهيرًاً للّه عما يُشرك فى طاعته وربوبيته، القائلون: ((عزير ابن
الله))، والقائلون: ((المسيح ابن الله))، المتخذون أحبارهم أرباباً من دون الله. (٢)
#
القول فى تأويل قوله ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِّواْ نُورَ اللهِ
بأَفْوَّهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّ أَنْ يِّ نُورَهُ, وَلوْ كَرِهَ اُلْكَفِرُونَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : يريد هؤلاء المتخذون أحبارهم ورهبانهم
والمسيحَ ابن مريم أرباباً = ((أن يطفئوا نور الله بأفواههم))، يعنى: أنهم يحاولون
(١) الأثر: ١٦٦٤٣ - ((بشر بن سويد))، لم أجد من يسمى بهذا الاسم، أخشى
أن يكون: ((بشر بن معاذ)) شيخ الطبرى، عن ((سويد بن نصر المروزى)).
(٢) انظر تفسير (سبحان)) فيما سلف ١٣: ١٠٢، تعليق: ٣، والمراجع هناك.

٢١٤
تفسير سورة التوبة : ٣٣،٣٢
بتكذيبهم بدين الله الذى ابتعثَ به رسوله، وصدّهم الناسَ عنه بألسنتهم، أن يبطلوه ،
وهو النُّور الذى جعله الله لخلقه ضياءً" (١)= ((ويأبى الله إلا أن يتم نوره))، يعلو
دينُه، وتظهر كلمته ، ويتم الحقّ الذى بعث به رسوله محمداً صلى الله عليه
وسلم = ((ولو كره)) إتمامَ اللّه إياه = ((الكافرون))، يعنى: جاحديه المكذِّبين به.
*
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
#
١٦٦٤٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: (( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم)) ، يقول :
يريدون أن يطفئوا الإسلام بكلامهم .
القول فى تأويل قوله ﴿ هُوَ الَّذِىَ أَرْسَلَ رَسُولَهُوٍ بِالْهُدَىُ
وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اْدِينِ كُلِّ ى وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُشْرِكُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : اللّه الذى يأبى إلا إتمام دينه ولو كره
ذلك جاحدوه ومنكروه = ((الذى أرسل رسوله))، محمداً صلى الله عليه وسلم =
((بالهدى ))، يعنى : ببيان فرائض الله على خلقه، وجميع اللازم لهم(٢) = وبدين
الحق، وهو الإسلام = ((ليظهره على الدين كله))، يقول: ليعلى الإسلام على
الملل كلها= ((ولو كره المشركون))، باللّه ظهورَه عليها.
...
وقد اختلف أهل التأويل فى معنى قوله: (( ليظهره على الدين كله)).
(١) انظر تفسير ((الإطفاء) فيما سلف ١٠ : ٤٥٨.
(٢) انظر تفسير ((الهدى)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).

٢١٥
تفسير سورة التوبة : ٣٣
فقال بعضهم : ذلك عند خروج عيسى ، حين تصير المللُ كلّها واحدةً .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٦٤٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد القطان قال ،
حدثنا شقيق قال ، حدثنى ثابت الحدّاد أبو المقدام ، عن شيخ ، عن أبى هريرة
فى قوله: ((ليظهره على الدين كله))، قال: حين خروج عيسى بن مريم. (١)
١٦٦٤٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن
فضيل بن مرزوق قال، حدثنى من سمع أبا جعفر: (( ليظهره على الدين كله))،
قال : إذا خرج عيسى عليه السلام ، اتبعه أهل كل دين .
...
وقال آخرون : معنى ذلك : ليعلمه شرائعَ الدين كلها ، فيطلعه عليها .
· ذكر من قال ذلك :
١٦٦٤٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس، قوله: ((ليظهره على الدين كله ))، قال : ليظهر
اللّه نبيّه على أمر الدين كله، فيعطيه إيّاه كله ، ولا يخفى عليه منه شىء. وكان
المشركون واليهود يكرهون ذلك .
(١) الأثر: ١٦٦٤٥ - ((ثابت الحداد))، ((أبو المقدام)) هو: ((ثابت بن هرمر
الكوفى )» مضى برقم : ٥٩٦٩ .

٢١٦
تفسيرة سورة التوبة : ٣٤
القول فى تأويل قوله ﴿يَأَيُهاَ الَّذِينَءَ امَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا
مِنَ الْأَحْبَرِ وَالرُّهْبَنِ لَيَأْ كُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالَبطِلِ وَيَصُدُّونَ
٨٣/١٠ عَن سَبِيلِ أَثِ)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله ، وأقروا
بوحدانية ربهم ، إن كثيراً من العلماء والقُرَّاء من بنى إسرائيل من اليهود والنصارى(١)
= ((ليأكلون أموال الناس بالباطل))، يقول : يأخذون الرشى فى أحكامهم ،
ويحرّفون كتاب الله، ويكتبون بأيديهم كتباً ثم يقولون: ((هذه من عند الله))،
ويأخذون بها ثمناً قليلاً من سفْلَهم(٢) = ((ويصدُّون عن سبيل الله))، يقول :
ويمنعون من أراد الدخول فى الإسلام الدخولَ فيه ، بنهبهم إيّاهم عنه.(٣)
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٦٤٨ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: (( يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان
ليأكلون أموال الناس بالباطل))، أما ((الأحبار))، فمن اليهود. وأما ((الرهبان))،
فمن النصارى. وأما ((سبيل اللّه))، فمحمد صلى الله عليه وسلم .
٥
(١) انظر تفسير ((الأخبار))، و((الرهبان)) فيما سلف ص: ٢٠٩، تعليق: ٢،
و ص : ٢٠٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير (أكل الأموال بالباطل)) فيما سلف ٩: ٣٩٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((الصد)) فيما سلف ض: ١٥١، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير ((سبيل اللّه)) فى فهارس اللغة (سبل).

٢١٧
تفسير سورة التوبة : ٣٤
القول فى تأويل قوله ﴿ وَالَّذِينَ يَكِْزُونَ الذَّهَبَ وَأَلْفِضَّةَ
وَلَا يُنفِقُونَهاَ فِى سَبِيلِ اللهِ فَبَتْرُهُمْ بِمَذَابٍ أَلِيمٍ)@)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون
أموال الناس بالباطل))، ويأكلها أيضاً معهم ((الذين يكتزون الذهب والفضة
ولا ينفقونها فى سبيل اللّه فبشرهم بعذاب أليم))، يقول: بشّر الكثيرَ من الأحبار
والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ، والذين يكنزون الذهب والفضة
ولا ينفقونها فى سبيل الله، بعذابٍ أليم لهم يوم القيامة، مُوجع من اللّه.(١)
واختلف أهل العلم فى معنى (( الكنز)).
فقال بعضهم : هو كل مال وجبت فيه الزكاة ، فلم تؤدّ زكاته . قالوا :
وعنى بقوله: ((ولا ينفقونها فى سبيل اللّه))، ولا يؤدُّون زكاتها .
ذكر من قال ذلك :
#
١٦٦٤٩ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا أيوب ،
عن نافع ، عن ابن عمر قال : كل مال أدَّيت زكاته فليس بكنز ، وإن كان
مدفوناً. وكل مال لم تؤدّ زكاته ، فهو الكنز الذى ذكره الله فى القرآن ، يكوى
به صاحبه ، وإن لم يكن مدفوناً .(٢)
١٦٦٥٠ - حدثنا الحسن بن الجنيد قال، حدثنا سعيد بن مسلمة قال ،
حدثنا إسمعيل بن أمية ، عن نافع ، عن ابن عمر: أنه قال : كل مالٍ أدَّيت
منه الزكاة فليس بكنز، وإن كان مدفوناً . وكل مال لم تؤدَّ منه الزكاة ، وإن لم
(١) انظر تفسير ((أليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ألم).
(٢) الأثر : ١٦٦٤٩ - حديث ابن عمر فى الكنز، رواه أبو جعفر من طرق، بألفاظ
مختلفة ، موقوفاً على ابن عمر، وهو الصواب . وإسناد هذا الخبر صحيح إلى ابن عمر .
رواه مالك بمعناه من طريق عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر فى الموطأ : ٢٥٦.

٢١٨
تفسير سورة التوبة : ٣٤
یکن مدفوناً ، فهو كنز .(١)
١٦٦٥١ - حدثنى أبو السائب قال ، حدثنا ابن فضيل ، عن يحيى بن
سعید، عن نافع ، عن ابن عمر قال : أيُّما مال أدّیت زکاته فليس بكنز، وإن
کان مدفوناً فى الأرض. وأيُّما مالٍ لم تؤدّ زکاته ، فهو کنز یکوی به صاحبه،
وإن كان على وجه الأرض. (٢)
١٦٦٥٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى وجرير ، عن الأعمش ، عن
عطية ، عن ابن عمر قال : ما أدّيت زكاته فليس بكنز . (٣)
١٦٦٥٣ -.... قال ، حدثنا أبى، عن العمرى ، عن نافع ، عن ابن
عمر قال : ما أدَّيت زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضِين . وما لم
تؤدّ زكاته فهو كنز ، وإن كان ظاهراً . (٤)
١٦٦٥٤ -.... قال، حدثنا جرير ، عن الشيبانى، عن عكرمة قال :
ما أدّيت زكاته فليس بكنز .
(١) الأثر: ١٦٦٥٠ - ((الحسن بن الجنيد البلخى))، شيخ الطبرى، ويقال ((الحسين))،
مضى برقم: ٨٤٥٨. وكان فى المخطوطة: ((الحسين)) وأثبت ما فى المخطوطة.
و ((سعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك بن مروان))، ضعيف الحديث ، مضى برقم :
٠٨٤٥٨
و ((إسماعيل بن أمية الأموى))، مضى برقم : ٢٦١٥، ٨٤٥٨.
وهذا إسناد ضعيف لضعف ((سعيد بن مسلمة)) .
(٢) الأثر : ١٦٦٥١ - رواه البيهقى فى السنن ٤: ٨٢، بنحو هذا اللفظ من طريق
ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، وقال: ((هذا هو الصحيح، موقوف . وكذلك
رواه جماعة عن نافع، وجماعة عن عبيد الله بن عمر. وقد رواه سويد بن عبد العزيز، وليس بالقوى،
مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)).
(٣) الأثر: ١٦٦٥٢ - ((عطية))، هو ((عطية بن سعد العوفى))، ضعيف الحديث،
مضى تضعيفه فى رقم : ٣٠٥ .
(٤) الأثر: ١٦٦٥٣ - ((العمرى))، هو ((عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم
بن عمر بن الخطاب))، سلف مراراً . وهذا الإسناد هو الذى أشار إليه البيهقى فيما سلف رقم :
١٦٥٥١، فى التعليق .

٢١٩
تفسير سورة التوبة : ٣٤
١٦٦٥٥ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى قال: أما (( الذين يكنزون الذهب والفضة))، فهؤلاء
أهل القبلة، و((الكنز))، ما لم تؤدُّ زكاته وإن كان على ظهر الأرض، وإن قلّ.
وإن كان كثيراً قد أدّیت زكاته ، فليس بكنز .
١٦٦٥٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن إسرائيل ، عن جابر
قال: قلت لعامر: مالٌ على رَفِّ بين السماء والأرض لا تؤدّى زكاته ، أكتزهو؟
قال : يُكْوَى به يوم القيامة .
#
وقال آخرون : كل مال زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنزٌ ، أدَّيت
منه الزكاة أو لم تؤدّ .
• ذكر من قال ذلك :
١٦٦٥٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن أبى
حصين ، عن أبى الضحى، عن جعدة بن هبيرة ، عن على رحمة اللّه عليه قال :
أربعة آلاف درهم فما دونها ((نفقة))، فما كان أكثر من ذلك فهو ((كنز))، (١)
٨٤/١٠
١٦٦٥٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن أبى
حصين ، عن أبى الضحى، عن جعدة بن هبيرة ، عن على مثله .
١٦٦٥٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
الشعبى قال ، أخبرنى أبو حصين ، عن أبى الضحى ، عن جعدة بن هبيرة ، عن
على رحمة الله عليه فى قوله: ((والذين يكنزون الذهب والفضة))، قال : أربعة
آلاف درهم فما دونها نفقة ، وما فوقها كنز.
٠٠٠
(١) الأثر: ١٦٦٥٧ - ((جعدة بن هبيرة المخزومى))، تابعى ولد على عهد النبي صلى الله
عليه وسلم ، وهو ابن أم هانىء بنت أبى طالب . خاله على رضى الله عنهم. مترجم فى التهذيب،
والكبير ٢٣٨/٢/١، وابن أبى حاتم ١ /٥٢٦/١.
وسيأتى بعد من طريقين .

٢٢٠
تفسير سورة التوبة : ٣٤
وقال آخرون: ((الكنز)) كل ما فضل من المال عن حاجة صاحبه إليه .
ذكر من قال ذلك :
#
١٦٦٦٠ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبيد اللّه بن معاذ قال ،
حدثنا أبى قال، حدثنا شعبة، عن ابن عبد الواحد: أنه سمع أبا مجيب قال : كان
فعل سيف أبى هريرة من فضة ، فنهاه عنها أبو ذر وقال : إن رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم قال: من ترك صَفْرَاء أو بيضاء كُوِى بها .(١)
١٦٦٦١ - حدثنا محمد بن بشارقال، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان،
عن منصور ، عن الأعمش وعمرو بن مرة ، عن سالم بن أبى الجعد قال : لما نزلت:
((والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله))، قال النبى صلى الله
عليه وسلم: تبًّا للذهب! تبًّا للفضة! يقولها ثلاثاً، قال: فشق ذلك على أصحاب
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قالوا: فأىَّ مال نتخذ ؟! فقال عمر : أنا أعلم لكم
(١) الأثر: ١٦٦٦٠ - ((ابن عبد الواحد))، يقال: ((عبد الله بن عبد الواحد الثقفى))،
ويقال: ((فلان بن عبد الواحد، رجل من ثقيف))، ويقال: ((يحيى بن عبد الواحد)) ويقال:
((عبد الواحد)). مجهول، وكان فى المطبوعة: ((عن أنس، عن عبد الواحد))، غير فيها وزاد
ما لم يكن فى المخطوطة .
و ((أبو مجيب))، الشاشى . مجهول .
وهذا الخبر رواه أحمد فى مسنده ٥ : ١٦٨ من طريق محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن
رجل من ثقيف يقال له فلان بن عبد الواحد قال : سمعت أبا مجيب .
وذكره الحافظ فى تعجيل المنفعة: ٥١٨، فى ترجمة ((أبو محمد)). وذكر نص حديث
أحمد ثم قال: ((وهذا الحديث أخرجه البخارى فى كتاب الكنى ، فيما حكاه الحاكم أبو أحمد عنه ،
من طريق ابن أبى عدى ، عن شعبة، عن عبد الله بن عبد الواحد الثقفى، عن أبى مجيب الشاشى،
فذكره . وحكى الحاكم أنه قيل فى اسم هذا الثقفى: يحيى ، وقيل: عبد الواحد . وقال : الاختلاف
فيه على شعبة)).
وفى رواية أحمد: ((لتق أبو ذر أبا هريرة، وجعل = أراه قال = قبيعة سيفه فضة)).
و ((قبيعة السيف))، هى التى تكون على رأس قائم السيف. وقيل: هى ما تحت شاربى السيف ،
مما يكون فوق الغمد، فيجىء مع قائم السيف . والشاربان: أنفان طويلان أسفل القائم ، أحدمما
من هذا الجانب ، والآخر من هذا الجانب .
وأما ((نعل السيف))، فهو ما يكون فى أسفل جفذه من حديدة أو فضة.